مقدمة الكتاب
السيف المسلول على من سب الرسول (صلى الله عليه وسلم) للإمام / تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ت: 756 هـ تحقيق/ إياد أحمد الغوج دار الفتح عمان - الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام العلامة المجتهد المطلق، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، لسان الأمة، حجة الله على أهل زمانه، والداعي إليه في سره وإعلانه، بقلمه ولسانه، قامع المبتدعين، بقية المجتهدين، خصم المناظرين، أحد أولياء الله الصالحين: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السُبكي تغمده الله برحمته: الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المعبود في أرضه وسمائه، المقدس بصفاته وأسمائه، المنفرد بعظمته وكبريائه، القاهر بجبروته وعلائه، الواحد الأحد الذي لا أول لأزليته ولا آخر لبقائه، الرب الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يشركه أحد في قضائه، الحي وقد حكم على كل أحد بفنائه، العالم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء في حالتي ظهوره وخفائه، القادر فكل الممكنات تحت طوعه مسخرة لأمره ودعائه، الحكيم الذي أتقن ما صنع فسبحانه من إله تحار العقول في بحار آلائه.
أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأسبل من عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها وأستودعه إياها ليوم لقائه.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم أنبيائه، وصفوة رسله وأمنائه، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وكاشف الكرب والغمة، المخرج بإذن الله إلى النور من الظلمة، المبتعث بالهدى والحكمة، والمؤيد بما بشر به من الكفاية والعصمة.
شرف الله قدره على سائر الخلائق، وأخذ من الأنبياء على نصرته العهود والمواثق.
حبيب الله وخليله، وأمينه على وحيه ورسوله، أكرم الخلق على ربه، والموعود النصر لحزبه، لولاه ما خلقت شمس ولا قمر، ولا كان للدنيا عين ولا أثر.
الدعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والواجب تعظيمه والصلاة عليه على جميع الألسنة، من وجبت نبوته وآدم بين الروح
والجسد، وكان اسمه مكتوبًا على العرش مع الفرد الصمد، ورفع الله ذكره/ فلا يذكر إلا ذكر معه، وجعل شريعته ناسخة لجميع الشرائع، فلو كان موسى وعيسى حيين لاقتدى به كل منهما وتبعه.
المنصور بالرعب مسيرة شهر، والباقي كتابه بقاء الدهر، المخصوص بالدعوة العامة وكان النبي يبعث إلى قومه، وصاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن والده ووالده وأمه.
بيده لواء الحمد، وآدم ومن دونه تحت لوائه، وأول من تنشق عنه الأرض إذا بعث الأموات، وإمام الأنبياء وخطيبهم إذا خشعت للرحمن الأصوات.
صاحب الصدر المشروح، والإمداد بالملائكة والروح، والمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، المطهر من كل دنس وعيب، والمبجل عن كل شك وريب، لم يزل نورًا يتنقل في الأصلاب والجباه، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، فنسبه أطهر الأنساب وأعظمها، وأرفعها عند الله والخلق وأكرمها، مبرأ من أنكحة الجاهلية الفاسدة والسفاح، محفوظًا بكلاءة الله في عقودها الصحاح، حتى طلع بدرًا منيرًا تنكست الأصنام لطلعته،
وأفل داعي الشرك لبعثته.
وأتى كمال دائرة الوجود وقطبه، وصفوة العالم ولبه، من أنفس القبائل وهو أنفسها، وأرأس الشعوب وهو أرأسها، كاملاً في ذاته وصفاته، محفوظًا في حركاته وسكناته، معصومًا في جلواته وخلواته، مدعوًا عند قومه بالأمين، مقبلاً بقلبه وقالبه على عبادة رب العالمين.
يسلم عليه قبل مبعثه الحجر ويظلله الغمام، ويتوسم فيه كل من له علم أنه رسول الملك العلام.
إلى أن كمل الأربعين، فأتاه الروح الأمين، بالكتاب المبين، الذي هو أعظم المعجزات، بله تسبيح الحصا، ونبع الماء، وانشقاق القمر، ورد العين بعد العور، وتكثير القليل/ وإجابة الدعاء، والمعراج والإسراء، وكمال محاسنه في الخُلُقِ والخَلْق، ورأفته ورحمته بكافة الخلق، والصلاة بالأنبياء، وسيادة ولد آدم، ورد الشمس بمشاهدة العالم، وقلب الأعيان، وإبراء الأكمة في العيان، وغير ذلك من المعجزات، والآيات البينات، التي لا تعد ولا تحد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليمًا كثيرًا ما دار فلك، وسبح ملك، وذر شارق وغرب، وغرد حمام وأطرب، وما دامت الدنيا والأخرة، وألبسه من تعظيمه حلله الفاخرة، وآتاه الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وبعه مقامًا محمودًا، وأهدى إليه منا كل وقت سلامًا جديدًا.
أما بعد: فإنه لا منة علينا لأحد بعد الله كما لهذا النبي الكريم، ولا فضل لبشر سواه علينا كفضله العميم، إذ به هدانا الله إلى الصراط المستقيم، ووقانا من حر نار الجحيم.
قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128)) [التوبة: 128]. به حصلت لنا مصالح الدنيا والأخرة، وأسبغ الله علينا نعمه باطنة وظاهرة، وبصرنا بعد العمى، وهدانا بعد الضلال، وعلمنا بعد الجهل، وبه ـ إن شاء الله ـ نرجو الأمن بعد الخوف.
اختبأ لنا دعوته شفاعة لنا يوم القيامة، وسأل الله لنا ما لا تبلغه أمنيتنا من أنواع الكرامة، فكيف نقوم بشكره؟! أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره! فلذلك ـ ولما له عند الله من المرتبة العلية ـ أوجب علينا تعظيمه وتوقيره ونصرته ومحبته والأدب معه، فقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) [الفتح: 8 - 9]. وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: 40].
وقال تعالى:/ (النبي أولى بالمؤمنين من أنسهم) [الأحزاب: 6].
وقال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين
يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3)) [الحجرات: 2 - 3]. وقال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا (56)) [الأحزاب: 56] وقال تعالى: (وإن تظاهروا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا (4)) [التحريم: 4].
وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) [آل عمران: 164]. ومن تأمل القرآن كله وجده طافحًا بتعظيم عظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن الله تعالى كما أخذ علينا لنفسه ـ مع التصديق به وبوحدانيته ـ واجبات: في قلوبنا: من التعظيم والإجلال والمهابة والخوف والرضى والتوكل والشكر.
وفي ألسنتنا: مِنَ الثناء والذكر والحمد والقراءة.
وفي جوارحنا: من الصلاة وغيرها من الواجبات.
كذلك أوجب لنبيه ـ مع التصديق به وبرسالته ـ واجبات: في قلوبنا: من التوقير والعظيم والمحبة، وفي ألسنتنا: من الصلاة والشهادة في الأذان والصلاة والخطبة، وفي جوارحنا: بأن نقدمه على أنفسنا ونبذل مهجنا بين يديه، إلى غير ذلك مما أوجبه الله له، هذا زيادة على ما يجب بتبليغه من جهة الرسالة،
فإن ذلك عام في كل رسول من حيث الرسالة، وهذا قدر زائد تعظيمًا لخصوصه زيادة على التبليغ.
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
وقال عمر: يا رسول الله، أنت أحب إلي من كل أحد إلا نفسي، قال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال: أنت أحب إلي من نفسي، قال: "فالآن".
وكذلك حرم الله سبحانه وتعالى علينا أمورًا لتعظيم/ النبي فقال تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذالكم كان عند الله عظيما (53)) [الأحزاب: 53].
وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا (58)) [الأحزاب: 57 - 58]. فانظر كيف غاير في الجزاء بين أذى الرسول وأذى غيره من المؤمنين، وحرم أزواجه بعده، ولم تحرم أزواج غيره من المؤمنين بعده.
وقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين أمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61)) [التوبة: 61].
وقال تعالى: (إن ذالكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) [الأحزاب: 53].
وحرم سبحانه وتعالى التقدم بين يدي الله ورسوله، فلا يحل لأحد أن يتقدم بقوله على النبي صلى الله عليه.
وحرم التخلف عنه، فقال: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) [التوبة: 120]. وحرم نداءه من وراء الحجرات، ونسب من يفعل ذلك إلى عدم العقل.
ولا سبيل إلى أن نستوعب هاهنا الآيات الدالة على ذلك وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناء الله تعالى عليه وقسمه بحياته، ونداؤه بالرسول والنبي ولم يناده باسمه بخلاف غيره من الأنبياء ناداهم بأسمائهم، إلى غير ذلك مما يشير إلى إنافة قدرة العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده.
فكان تعظيمنا له وبذلنا النفوس والمهج بين يديه، وتوقيرنا إياه ونصرتنا له: عبادة واجبة علينا لامتثال/ أمر الله تعالى ونفوسنا منقادة إليه لما له علينا من الإحسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمحبة بالقلب، والنصرة باليد واللسان، فإذا عجزت اليد فلا أقل من اللسان.
وهذا تصنيف سميته: السيف المسلول على من سب الرسول وكان الداعي إليه أن فتيا رفعت إلي في نصراني سب ولم يُسلم، فكتبت عليها: يقتل النصراني المذكور كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف، ويطهر الجناب الرفيع من ولغ هذا الكلب: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى... حتى يراق على جوانبه الدم وكتب معي جماعة من الشافعية والمالكية، فأنكر ذلك بعض الناس محتجًا بقول الرافعي وغيره من الأصحاب: إن في انتقاض عهده بذلك خلافًا، وظن أنه إذا لم ينتقض عهده لا يُقتل، وتعجب من استدلالي بقصة كعب بن الأشرف، وقال: هذه واقعة عين لا يستدل بها لاحتمال أنه قتله بغير السب، وربما زعم بعض المجادلين في ذلك أن كعب بن الأشرف كان حربيًا.
وإني لأتعجب من المجادلة في ذلك ممن له أدنى إلمام بالسير أو أنس بالفقه! وأتعجب من شافعي عجبًا آخر وإمامه قد قال ما قلته واحتج
بما احتججت به من خبر كعب بن الأشرف، وكذلك الأكابر من أصحاب مذهبه، ولم يصرح أحد منهم بخلاف ذلك، وقال الغزالي: إن المذهب أنه لا تقبل توبته، فلا وجه لإنكار ذلك إلا المجادلة بالباطل.
وحق علي وعلى غيري من أهل العلم القيام في ذلك وتبيين الحق فيه، فإن فيه نصره للنبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25)) [الحديد: 25].
وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب المعلون، والله يعلم أن قلبي كاره/ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب هاهنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجيني كما أنجي الذي ينهون عن السوء، إنه عفو غفور.
ورتبت هذا الكتاب على أبواب أربعة: الأول: في حكم الساب من المسلمين.
الثاني: في حكم الساب من أهل الذمة وسائر الكفار.
الثالث: في بيان ما هو سب.
الرابع: في شيء من شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم نختم به الكتاب؛ ليكون خاتمه مسكا.
والله تعالى أسأل أن ينفع به وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يسدد أقوالنا وأفعالنا ونياتنا، ويجمع لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلينا خير الدنيا وخير الآخرة، ويصرف عنا شر الدنيا وشر الآخرة، ويحشرنا في زمرة هذا النبي الكريم، بفضله ومنه الجسيم؛ إنه هو الغفور الرحيم.