المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبلصفحات 98-133
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 98-133
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجد الدين بن تيمية
الكتاب
المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
المؤلف
عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (المتوفى: 652هـ)
الناشر
مكتبة المعارف- الرياض
الطبعة
الطبعة الثانية 1404هـ -1984مـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الإمام لعذر أو غيره بطلت صلاتهم.
سلم فسلامهم منفردين إذا أتموا صلاتهم ممنوع وإن سلم فهي مفارقة المأموم إمامه لعذر فنظيره أن ينوي الإمام مفارقة مأمومه لعذر كما لو حدث خوف في أثناء الصلاة ونحن نقول به وكذا لو انفرد المأموم لعذر فإن الإمام يتمها منفردا وذكر بعضهم تخريجا ببطلان صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم لأن كلاهما شرط في انعقاد الجماعة فإذا بطلت صلاة أحدهما بطلت صلاة الآخر أو أتمها منفردا تسوية بينهما وهذا هو الذي قطع به في المغني قال قياس المذهب أن حكمه حكم الإمام معه على ما فصلناه لأن ارتباط صلاة الإمام بالمأموم كارتباط صلاة المأموم بالإمام فما فسد ثم فسد ههنا وما صح ثم صح ههنا.
وقال المصنف في توجيه رواية عدم بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام ولأن الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم ثم لو بطلت صلاة كل المأمومين لم تبطل صلاة الإمام كذلك بالعكس.
وهذا اعتراف بالمساواة وهي مانعة من التفرقة بين المسألتين في الحكم وقد جعل ابن عبد القوي بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام وهذا الجعل والاعتراف الذي قبله غير خاف حكمه.
قوله: "وإن بطلت صلاة الإمام لعذر أو غيره بطلت صلاتهم.
قال المصنف في شرح الهداية حكاهما جماعة من الأصحاب ووجه البطلان وهو مذهب أبي حنيفة ما يروى عن أبي هريرة مرفوعا إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه قال المصنف إسناد هذا الحديث لم أقف عليه رواه القاضي أبو يعلى ولأن حدث الإمام معنى يمنع انعقاد صلاة المأموم إذا تقدمها فأبطلها إذا طرأ عليها كحدث المأموم وهذا لأن صلاة المأموم مندرجة في ضمن صلاة الإمام وتابعة لها حتى نقصت بنقصانها بدليل حالة السهو

فكذلك تبطل ببطلانها تركنا هذا القياس إذا كان الإمام محدثا فلم يعلمانه حتى فرغا للأثر على أن فيه رواية بالبطلان أيضا اختارها أبو الخطاب في الانتصار وهكذا نقول على المذهب فيمن سبقه الحدث فلم يعلم به ولا المأموم حتى فرغا لا يعيد المأموم وأولى لأن الطارئ لم يمنع الانعقاد بخلاف المقارن.
ووجه عدم البطلان وهو مذهب الشافعي عدم استخلاف معاوية لما طعن وصلى كل إنسان لنفسه رواه الإمام أحمد في مسائل صالح عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري واستخلاف عمر لعبد الرحمن بن عوف لما طعن رواه البخاري وقال القاضي إن بطلت صلاته بترك فرض كالقراءة بطلت صلاتهم رواية واحدة وإن كان بفعل منهي عنه كالكلام والحدث والعمل الكثير فعلى روايتين وهكذا ذكر الشيخ فخر الدين في التلخيص وذكر الشيخ موفق الدين أنه إذا اختل من الإمام غير الحدث من الشروط كستر العورة واستقبال القبلة لم يعف عنه في حق المأموم لأن ذلك لا يخفى غالبا بخلاف الحدث والنجاسة وكذا إن فسدت صلاته بترك ركن فسدت صلاتهم وإن فسدت لفعل يبطل فإن كان عمدا فسدت صلاة الجميع وإن كان عن غير عمد لم تفسد صلاة المأموم نص عليه في الضحك من الإمام.
وعن الإمام أحمد فيمن سبقه الحدث روايتان إحداهما: أن صلاة المأمومين تفسد لترك الشرط فيه وقد ثبت الحكم في الشرط بأن عمر ترك القراءة في المغرب ثم قال لا صلاة إلا بقراءة ثم أعاد وأعاد الناس قال والصحيح الأولى واحتج باستخلاف عمر لعبد الرحمن والشرط آكد لأنه لا يعفى عنه بالنسيان بخلاف المبطل انتهى كلامه.
وقال الشيخ مجد الدين بعد حكاية كلام القاضي السابق الأول أصح لأنهما سواء في حق الإمام فكذلك في حق المأموم وعند مالك إن تعمد

وعنه لا تبطل ويتمونها جماعة أو فرادى المفسد فسدت صلاتهم وإن كان لعذر لم تفسد صلاتهم كما قلنا فيما إذا صلى بهم محدثا.
وذكر أبو بكر عبد العزيز في مسألة سبق الحدث للإمام أن صلاة المأموم تبطل رواية واحدة.
وذكر المصنف في شرح الهداية أن هذا اختيارا أكثر الأصحاب.
قوله: "وعنه لا تبطل ويتمونها جماعة".
وإن استخلف كل طائفة رجلا وأوقعوها جماعات جاز وهذا ينبغي أن يكون في غير الجمعة وأما في الجمعة فلا يجوز.
قوله: "أو فرادى" هذا في غير الجمعة أما في الجمعة فإن قلنا بجواز الاستخلاف فلم يفعل وأتموا فرادى لم تجزئهم جمعتهم.
قال في شرح الهداية قولا واحدا لأن ما اشترط لأول ركعة من صلاة الجمعة واعتبر للثانية كسائر الشروط وإن قلنا بمنع الاستخلاف فأتموا فرادى فقيل لا تجزئهم جمعة لأن الجماعة شرط ولم يوجد في جميعها فأشبه اختلال العدد وعلى هذا هل يتمونها ظهرا أو يستأنفونها ينبغي أن تكون كمسألة اختلال العدد لأن المسألة معتبرة وقد صرح بعض الأصحاب بأنهم يتمونها ظهرا.
وقيل تجزئهم جمعة إذا كانوا قد صلوا معه ركعة كالمسبوق.
وقيل تجزئهم جمعة بكل حال لأنهم لما منعوا الاستخلاف دل على بقاء حكم الجماعة قال الشيخ مجد الدين والأول أشبه بمذهبنا والمسبوق أدرك ركعة من جمعة تمت شرائطها وصحت فجاز البناء عليها ومسألتنا بخلافه.

وفي قضاء المسبوقين ما فاتهم جماعة وجهان.
ومن أئتم في فرض بمنتفل أو مفترض بغيره لم يصح وعنه يصح والمذهب الصحة.
قوله: "وفي قضاء المسبوقين ما فاتهم جماعة وجهان ". حكى بعضهم روايتين وصرح في المغني بأن هذه المسألة تخرج على مسألة الاستخلاف وعلى هذا يكون كلامه في المقنع عقيب هذه المسألة وإن كان لغير عذر لم يصح أي في هذه المسألة ومسألة الاستخلاف لأن المسألتين في المعنى واحدة وذكره المصنف في شرح الهداية وذكر بعضهم في الاستخلاف لغير عذر روايتين وحكى الشيخ مجد الدين أن الصحة في المسبوقين ظاهر رواية مهنى عن أحمد وعدمها منصوص الإمام أحمد في رواية صالح وهذه المسألة في غير الجمعة أما في الجمعة فلا يجوز قطع به المصنف تابعا فيه من تقدمه من الأصحاب لأن الجمعة إذا أقيمت مرة في مسجد لم يجز أن تقام فيه مرة أخرى لأنه لا يجوز أن تصلى الجمعة الواحدة جماعة بعد جماعة وسائر الصلوات بخلافه.
قوله: "في المحرر ومن ائتم في فرض بمتنفل أو مفترض بغيره لم يصح وعنه يصح".
قوله: "أو مفترض بغيره" ظاهره أي فرض كان ولو اختلفا في الأفعال وذكره في الرعاية وصرح به في شرح الهداية فذكر مفرعا على الجواز فمتى اختلف عدد ركعات الصلاتين وصلاة المأموم أكثرهما كالظهر والمغرب خلف مصلي الفجر وكالعشاء خلف مصلي التراويح فإنه يصح نص عليه ويتم إذا سلم إمامه كالمسبوق وكالمقيم خلف القاصر وإن كانت صلاة المأموم أقلهما كالفجر خلف مصلي الظهر أو المغرب صح أيضا على منصوص أحمد والشافعي ومن أصحابهما من منع الصحة هنا بخلاف عكسه لتعذر دوام

وإن ائتم مقيم بمسافر جاز ويتم إذا سلم إمامه.
ومن ركع أو سجد قبل إمامه سهوا ثم ذكر فلم يعد إلى متابعته حتى أدركه أو تعمد سبقه ابتداء لم تبطل صلاته عند القاضي وقيل: تبطل وإن سبقه بركن عمدا ولم يدركه فيه.
فسدت صلاته نص عليه وإن كان سهوا أو جهلا لغت تلك الركعة فقط كالسبق بركنين سهوا وعنه يعتد بها.
وخرج منها الأصحاب صحة الصلاة مع العمد.
ومن زحم أو سها أو نام حتى فاته مع الإمام ركن غير الركوع أتى به ثم لحقه وإن فاته ركنان فأكثر أو الركوع وحده تابعه ولغت ركعته وقامت المتابعة كما منعنا من الاقتداء بمن يصلي الكسوف قال وهذا ليس بشيء لأننا قد التزمنا مثله في استخلاف المسبوق وفيمن صلى ركعة منفردا ثم صار مأموما فعلى هذا يفارق إمامه في الفجر إذا نهض الإمام إلى الثالثة وفي المغرب إذا نهض إلى الرابعة ثم يتم ويسلم لأنها مفارقة لعذر وإن شاء انتظره حتى يسلم معه كاستخلاف المسبوق وحل كلام الرجل بعضه ببعض أولى.
وقال في الرعاية ثم إذا تم فرضه قبل فراغ إمامه هل ينتظره أو يسلم قبله أو يخير فيه أوجه لكن ينبغي أن يعرف أن جماعة من الأصحاب مقتضى كلامهم أن الخلاف إنما هو عندهم فيما إذا اتفقت الأفعال خاصة وأن الأئتمام مع اختلاف الأفعال مانع من الصحة قولا واحدا بل صريح كلامهم.
والشيخ موفق الدين يختار أيضا أن الخلاف فيما إذا اختلفت وكانت صلاة المأموم أكثرها عددا كالعشاء خلف التراويح وصاحب المحرر عنده الخلاف في ذلك وفيما إذا كانت صلاة المأموم أقلهما عددا ومن أصحابنا من منع المغرب خلف العشاء لإفضائه إلى جلوس في غير محله وإن أجاز الفجر خلفها.

التي تليها مقامها وعنه إن خاف فوت الركعة الأخرى فكذلك وإن لم يخف أتى بما ترك وتبعه وصحت ركعته ومتى أمكن المزحوم أن يسجد على ظهر إنسان أو رجله لزمه ذلك وأجزأه وإذا ركع الإمام فأحس بداخل استحب انتظاره قدرا لا يشق إلا مع كثرة الجمع وقيل: لا يستحب.
قوله: "وإذا ركع الإمام فأحس براكع استحب انتظاره".
ظاهره اختصاص الحكم بالراكع وكذا هو ظاهر كلام جماعة وصرح جماعة بأن حال القيام كالركوع في هذا وصرح المصنف في شرح الهداية بأن التشهد كالركوع على الخلاف وأولى لئلا يفوته أصل فضيلة الجماعة وقال في التلخيص ومهما أحس بداخل استحب انتظاره على أحد الوجهين وقال في الرعاية بعد ذكر مسألة الركوع في حال تشهده وقيل: وغيره وجهان.

باب الإمامة

لا تصح إمامة الصبي في الفرض وفي النفل روايتان ويتخرج أن تصح فيهما ولا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى إلا بالنساء ولا تصح إمامة كافر، قوله: "لا تصح إمامة الصبي في الفرض وفي النفل روايتان ويتخرج أن تصح فيهما".
هذا التخريج إنما هو في الفرض أما النفل فلا تخريج فيه لكن فيه روايتان منصوصتان ولو ذكر التخريج قبل مسألة النفل كان هو الصواب.
والتخريج ذكر جماعة أنه من مسألة المفترض خلف المتنفل وذكره ابن عقيل في ابن عشر قال بناء على وجوب الصلاة عليه وذكر الشيخ موفق الدين في روضته في الصبي المميز أنه يكلف يعني عن الإمام أحمد.

ولا أخرس وإن ائتم بفاسق من يعلم فسقه فعلى روايتين ومن أم قوما وهذه العبارة إن حملت على ظاهرها ففيها نظر ولم أجد ما يعضدها وجماعة من الأصحاب يأبون هذا التخريج وهو قول القاضي لأنه نقص يمنع قبول شهادته وخبره فهو غير مؤتمن شرعا فأشبه الفاسق ولأن به نقصا يمنع قبول الشهادة والولاية فأشبه المرأة وعكس ذلك مسألة الأصل.
وأطلق المحرر في الخلاف في صحة إمامته وقطع غير واحد بصحة إمامته بمثله منهم الشيخ في الكافي.
قوله: "وإن ائتم بفاسق من يعلم فسقه فعلى روايتين".
قوله: "من يعلم فسقه" يعني إن جهل فسقه صحت وهو مرجوح في المذهب بل المذهب المنصوص الإعادة علم أو لم يعلم وأومأ الإمام أحمد في مواضع إلى أنه يعيدها خلف المتظاهر فقط قال المصنف في شرح الهداية وهذا أحسن واختار الشيخ موفق الدين بأن الجمعة تصلى خلف الفاسق وهل يعيدها ظهرا على روايتين قال وتوجيههما بما وجهنا به غيرهما صحة وبطلانا وذكر الشيخ شمس الدين في شرحه أنها تعاد في ظاهر المذهب وعن أحمد لا تعاد قال في الرعاية وهي أشهر وهذا هو الصحيح لأن الدليل على فعلها خلفه وإن كان صحيحا اقتضى صحتها لمن تأمله وألحق الشيخ بالجمعة العيد وهو متوجه.
وذكر في الكافي الروايتين في إمامة الفاسق ثم قال ويحتمل أن تصح الجمعة والعيد دون غيرهما وأطلق هنا الروايتين كقول بعضهم وقطع في شرح الهداية بأن يحملها في الفرض ليرد بذلك الحجة على من أمره عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلاة خلف أئمة الجور بناء منه أنهم كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت بالكلية وتبع الشيخ موفق الدين وغيره على هذا.

محدثا أعادوا إلا أن ينسى حدثه حتى يفرغ فيعيد وحده.
ومن علم أن إمامه أخل بما هو شرط أو ركن في مذهبه دون مذهب إمامه لم يصح ائتمامه به وعنه يصح.
وتكره إمامة الأقلف وتصح وفي إمامة أقطع اليد أو الرجل بالصحيح وجهان ومن عجز عن ركن أو شرط لم تصح إمامته بقادر عليه إلا المتيمم بالمتوضئء والجالس بالقائم إذا كان إمام الحي وجلس لمرض يرجى برؤه ويأتمون به جلوسا فإن قاموا جاز وقيل: لا يجوز وإن ابتدأ بهم قائما ثم اعتل فجلس ائتموا خلفه قياما.
وأولى أهل الإمامة بها أقرؤهم إذا عرف ما يعتبر للصلاة ثم أفقههم ثم وقد قال صالح في مسائله وسألته عن الصلاة يوم الجمعة إذا أخرها يصليها لوقتها ويصليها مع الإمام وهذا فيه نظر ولا يعرف عن الأمراء في ذلك الزمان وهو ما ذكره غير واحد في شرح الحديث وعلى هذا لا حجة فيه وقطع في شرح الهداية بأن الجمعة محله هنا.
قوله: "وأولى أهل الإمامة بها أقرؤهم إذا عرف ما يعتبر للصلاة".
هذا يعطي أنه إذا تقدم غير المستحق يجوز مع ترك الأولى وهذا معنى كلام ابن عقيل وغيره فإنه قال تصح الإمامة لكن يكون تاركا للفضيلة وقد تقدم كلامه في رواية صالح هو أولى بالصلاة وكلامه مطلق في إذن المستحق وغيرها وكلام المصنف في شرح الهداية يقتضي أن تقديم غير المستحق من غير إذن المستحق له يكره لأنه قال في صورة الإذن له جاز ولم يكره نص عليه.
وهذا يقتضى أنه يكره من غير إذن وكلامه في المغني يحتمل بين كراهة الأولى وكراهة التنزيه وأنه قال وهذا تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا إيجاب لا نعلم فيه خلافا فلو قدم المفضول كان ذلك جائزا لأن

الأمر بهذا أمر أدب واستحباب وكلام الإمام أحمد في رواية مهنى يدل على أنه تقديم إيجاب وأن الناس لو أرادوا تقديم غير المستحق لم يجز لهم فصار في المسألة ثلاثة أقوال فأما مع إذن المستحق فيجوز من غير كراهة نص عليه وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لقوله في الخبر " إلا بإذنه ". قال المصنف في شرح الهداية بعد أن قطع بهذا واحتج بهذا الخبر قال ويعضده عموم ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم رواه أبو داود انتهى كلامه.
وقال بعض أصحابنا يكره وهو قول إسحاق وقال الإمام أحمد في رسالته في الصلاة رواية مهنى وقد جاء في الحديث إذا أم القوم رجل وخلفه من هو أفضل منه لم يزالوا في سفال إلى أن قال فالإمام بالناس المقدم بين أيديهم في الصلاة على الفضل ليس للناس أن يقدموا بين أيديهم إلا أعلمهم بالله وأخوفهم له ذلك واجب عليهم ولازم لهم فتزكوا صلاتهم وإن تركوا ذلك لم يزالوا في سفا وإدبار وانتقاص في دينهم وبعد من الله ومن رضوانه وجنته هذا آخر كلامه.
قوله: "إذا عرف ما يعتبر للصلاة".
أي من فرض ومسنون وليس المراد بهذا معرفة أحكام سجود السهو ونحوه هذا معنى كلامه في شرح الهداية فإنه قال ولأننا إنما نقدم القارئ إذا كان عارفا بما تحتاج إليه الصلاة من الفروض والواجبات فحينئذ قد تساويا فيما تفتقر إليه الصلاة لكن امتاز بجودة القراءة وكثرتها والقراءة مما يؤتى بها في الصلاة لا محالة فرضا وسنة وامتاز الفقيه بما تنطوي عليه من السهو وهو متوهم الوجود والأصل عدمه.

قال الأصحاب في بحث هذه المسألة ولأن فضيلة القراءة والإكثار منها متحقق وما ينوبه في الصلاة من الحوادث غير متحقق بل الأصل عدمه مع أنا قد اعتبرنا العلم بأحكامه.
وقال ابن عقيل وإنما يكون القارئ أحق من الفقيه إذا كان يحفظ ما يحتاج إليه في الصلاة فأما إن كان لا يحسن ذلك قدمنا الفقيه لحفظ الأركان والواجبات وسجود السهو وجبرانات الصلاة انتهى كلامه.
وكلامه في المحرر يحتمله ولعل الجمع بين كلاميه أحسن وفي اعتبار هذا القيد وجهان وهو أن يكون الأقرأ جاهلا بما يحتاج إليه في الصلاة فإن كان لا يميز مفروضها من مسنونها ففي تقديمه على الفقيه وجهان أحدهما يقدم قال في شرح الهداية وهو ظاهر كلام أحمد المنصوص ولأن القراءة ركن الصلاة بخلاف الفقه وكان الممتاز بما جنسه ركن للصلاة أولى والثاني الفقيه أولى وإن لم يحسن غير الفاتحة اختاره ابن عقيل لأنه امتاز بما لا يستغنى عنه في الصلاة والجاهل قد يترك فرضا ظنا منه أنه سنة قال وهذا الوجه أحسن.
ووجدت في كتاب ابن تميم أن هذا الوجه هو المنصوص.
قال أحمد في رواية صالح ينبغي للذي يقرأ القرآن أن يتعلم من السنة ما يقيم به صلاته فهو حينئذ أولى بالصلاة.
وقد عرف مما تقدم أنه مع علمه أفعالها هل يعتبر العلم بما يطرأ من السهو ونحوه ويؤيد ما تقدم أن القاضي قال في الجامع فإن كان المؤذن فاسقا فهل يعتد بأذانه ظاهر كلام أحمد أنه لا يعتد به قال في رواية أبي داود في المؤذن يسكر ينحى وقال في رواية جعفر بن محمد في الرجل يؤذن وهو سكران لعزل المؤذن أهون من الإمام وقال في رواية ابن بنت معاوية بن عمرو في المؤذن يصعد المنارة وهو سكران لا ولا كرامة ليس مثله من أذن قال

أقدمهم هجرة ثم أسنهم ثم أشرفهم على ظاهر كلامه.
وقال الخرقي الأولى بعد الأفقه الأسن ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة قال ابن حامد الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن.
ولا يقدم على إمام المسجد وصاحب البيت إلا ذو سلطان وقيل: يقدمان عليه ويقدم الحر على العبد والحضري على البدوي والمقيم على المسافر.
القاضي وظاهر هذا أنه ليس من أهله لأنه أمر بصرفه وعلل بأنه ليس بعدل قال ويجب أن يقال فيه ما في إمامة الفاسق وفي صحتها روايتان كذلك الأذان.
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية في تعليق المحرر وفي إذان الفاسق روايتان أي في الإجزاء فأما ترتيب الفاسق مؤذنا فلا ينبغي أن يجوز قولا واحدا كما قيل في نفوذ حكم الفاسق إذا حكم بالحق وجهان وإن لم تجز توليته قولا واحدا.
وقد تضمنت هذه المسألة صحة إمامة الجاهل وعلى هذا تصح ولايته وإن كان غيره أرجح لا سيما إن رجحناه على القارئ.
وقطع القاضي في الأحكام السلطانية أن من شرائط صحة ولاية إمامة الصلاة العدالة والعلم بأحكام الصلاة.
ورأيت في كلام الشيخ تقي الدين ما يدل على أن ولاية الفاسق مبنية على صحة إمامته وقال لم يتنازعوا فإنه لا ينبغي توليته لكن لعل القاضي فرع على مشهور المذهب وهو عدم صحة إمامة الفاسق وكذا ينبغي أن يكون حكم ولاية الصبي ونحوه.
قوله: "ثم أقدمهم هجرة" معنى قدم الهجرة السبق إلينا بنفسه من دار الحرب فقط هذا معنى كلام جماعة منهم صاحب الفصول والمغني فلا يرجح بسبق إمامه إلى الاسلام على ظاهر كلام الأصحاب ولم أجد فيه

والبصير على الأعمى وقال القاضي هما سواء ويكره أن يؤم الرجل أجنبيات لا رجل معهن أو قوما أكثرهم يكرهونه.
خلافا وقطع المصنف في شرح الهداية وغيره بتقديم من سبق آباؤه مهاجرين إلينا وعند الآمدي يقدم بسبق آبائه فقط لانقطاع الهجرة بعد الفتح فهذه ثلاثة أقوال في المسألة.
وقال الشيخ تقي الدين بعد ذكره قول النبي صلى الله عليه وسلم " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " قال فمن سبق إلى هجر السيئات بالتوبة منها فهو أقدم هجرة فيقدم في الإمامة.
ومعنى الأشرف أن يكون قرشيا ذكره المصنف في شرح الهداية وغيره وذكره في المغني أن الشرف يكون بعلو النسب وبكونه أفضلهم في نفسه وأعلاهم قدرا واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم " قدموا قريشا ولا تقدموها ". قوله: "ويكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون".
أطلق العبارة ومراده كراهة تكون لخلل بدينه أو فضله.
قال المصنف في شرح الهداية وعموم كلام غيره يقتضيه أو لشحناء بينهم في أمر دنيوي ونحو ذلك فأما إن كرهوه لأجل سنته أو دينه فلا كراهة في حقه.
قال المصنف وإن كان ميلهم إلى مبتدع أو فاجر فالأولى أن يصبر ولا يلتفت إلى كراهتهم جهده.
قال صالح لأبيه ما تقول في رجل يؤم قوما ويرفع يديه في الصلاة ويجهر بآمين ويفصل الوتر والمأمومون لا يرضون بذلك ومنهم من يرضى حتى إن أحدهم يترك الوتر حال التفصيل ويخرج من المسجد فترى أن يرجع إلى قول المأمومين أم يثبت على ما يأمره أهل الفقه فقال بل يثبت على

صلاته ولا يلتفت إليهم وأطلق اعتبار قول الأكثر وكذا غيره ومنهم من قال ديانة.
قال القاضي والمستحب أن لا يؤمهم صيانة لنفسه فإن استووا فالأولى أن لا يؤمهم.
وذكر الشيخ شمس الدين في الشرح قال ابن عقيل فإن استووا استحب له إزالة الخلاف بترك الإمامة وذكر ابن الجوزي في المذهب فيما إذا استويا وجهين.
واحتج الأصحاب حيث قالوا يكره بما يدل على التحريم ولهذا قال بعض الأصحاب تفسد صلاته إذا تعمد وللشافعية أيضا وجهان في التحريم ونص الشافعي على تحريمه فقال لا يحل لرجل أن يصلي بجماعة وهم له كارهون.
نقله الماوردي في كتاب الحاوي وفي الأم ما يقتضيه وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه فيستدل بها على الكراهة كما يستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر ولا يقال لعل هناك صارفا عن مقتضى الدليل ولم يذكر لأنه خلاف الظاهر وأكثرهم يخص الكراهة بالإمام كعبارته في المحرر.
ومن كرهت إمامته كره الائتمام به قال ابن عقيل تكره له الإمامة ويكره الائتمام به.

باب موقف الإمام والمأموم

لا تصح الصلاة قدام الإمام بحال ولا عن يسرته إذا لم يكن عن يمينه قوله: "لا تصح الصلاة قدام الإمام بحال".
الاعتبار بالقدمين في الوقوف بالأرض فإن شخص المأموم قد يكون أطول فيتقدم رأسه وإن تأخر قدمه فإن كان قدم أحدهما أكبر من الآخر فالاعتبار

أحد ولا يصح أن يقف الرجل صفا وحده إلا في صلاة الجنازة على قول ابن عقيل وهو المذهب والمرأة مثله إلا إذا ائتمت برجل ولم تجد امرأة تقف بمؤخر القدم وهي العقب وإن تقدم رأس القدم على رأس القدم كما لو كان القدم كذا ذكره الشيخ وجيه الدين بن المنجى في شرع الهداية وأطلق في المحرر عدم صحة الصلاة قدام الإمام ومراده غير حول الكعبة فإنه إذا استدار الصف حول الكعبة والإمام منها على ذراعين والمقابلون له على ذراع صحت صلاتهم نص عليه الإمام أحمد.
قال المصنف في شرح الهداية ولا أعلم فيه خلافا وحكاه الشيخ وجيه الدين إجماعا لأن القدم إنما يعتبر حكمه إذا اتحدت جهة الإمام والمأموم.
فأما إذا تعددت فلا ألا ترى أن الصفين المقابلين بين جهة الإمام ومقابلته تصح صلاتهم وإن كانا في الجهة التي بين يدي الإمام حيث لم يستقبلوها بوجوههم ولعل السبب في تسويغ ذلك كثرة الخلق في الموقف فلو كلفوا القيام في جهة واحدة لشق ذلك وتعذر وظاهر هذا أنه لا فرق لمن يكونوا عند المسجد أو خارجه وذكر الشيخ وجيه الدين أن هذا إذا كانوا عند المسجد وإن كانوا خارج المسجد فبين الإمام وبين الكعبة مسافة في تلك الجهة والذين في بقية الجهات بينهم وبين الكعبة دون تلك المسافة ففيه وجهان.
وظاهر ما قدم في الرعاية أنه لا يضر قرب المأموم إلى الجدار أكثر من الإمام من اتحاد الجهة وفيه نظر فأما إذا تقابل الإمام والمأموم داخل الكعبة في صلاة تصح فيها ففيه وجهان أحدهما تصح قطع به الشيخ وجيه الدين وهو قول الحنفية والشافعية والثاني لا تصح لأنه مع كونه قدام إمامه مستدبر لبعض جهة الإمام فأشبه ما لو كان قفا المأموم في وجه الإمام وهذا بخلاف ما إذا وصلوا حول الكعبة فإنه لم يستدبر شيئا من جهة إمامه.

معها فإن وقفت مع رجل فهو فذ عند ابن حامد وهو المذهب وقال القاضي: ليس بفذ وإن وقفت مع رجل لم تبطل صلاة من يليها عندهما وقال أبو بكر: ومراد صاحب المحرر أيضا غير الصلاة جماعة في شدة الخوف فإنها تنعقد مع إمكان المتابعة نص عليه وهو قول الأصحاب وقطع به المصنف في شرح الهداية لعمومات النصوص في صلاة الجماعة ويعفى عن التقدم للعذر كما يعفى عن الاستدبار والمشي في صلاة الخوف غير الشديد وإن كان يمكنهم أن يصلوا جماعتين أو فرادى بدون ذلك محافظة على تكثير الأجر بإيقاع جماعة واحدة والوهن الحاصل في قلوب العدو بذلك.
وقال ابن حامد لا تنعقد الصلاة جماعة في شدة الخوف وحكاه في المغني احتمالا ورجحه فلهذا قال الشيخ مجد الدين على عدم صحة الصلاة قدام الإمام لقول سمرة بن جندب " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا جماعة أن يتقدم أحدنا " حسنه الترمذي فأمره بتقدم الإمام ينهى عن تقدمهم عليه ومصافتهم له ترك ظاهره في المصافة لنصوص يبقى الباقي على الظاهر ولأن وقوفه عن يساره أو خلف الصف فذا أحسن حالا وأقرب إلى معنى الاقتداء والمتابعة من وقوفه قدامه ثم صلاته تبطل هناك على أصلنا فهنا أولى ولأن الأصل إن كان إنسان يصلي بنفسه ويستقل بتأدية فرضه ولا يحمل غيره عنه شيئا فحث الشرع بالجماعة أوجب فعلها على ما جاءت به النصوص ولم يرد في شيء منها الوقوف بين يدي الإمام ثم ذكر قياسا ضعيفا وفي المسألة أدلة ضعيفة وقيل: تصح الصلاة قدام الإمام ضرورة في عيد أو جمعة وجنازة فقط وقيل: مطلقا.
وقال الشيخ تقي الدين في مذهب أحمد وغيره قول أن صلاة المأموم تصح قدام الإمام مع العذر دون غيره قال وهذا أعدل الأقوال وأرجحها وهو قول طائفة من العلماء وذلك لأن ترك المتقدم على الإمام غايته: أن يكون

تبطل ومن لم يقف معه إلا كافر أو محدث يعلم حدثه فهو فذ وإن وقف معه صبي فقيل هو فذ وقيل: ليس بفذ والمنصوص أنه فذ في الفرض واجبا من واجبات الصلاة في الجماعة والواجبات كلها تسقط بالعذر وإن كانت واجبة في أصل الصلاة والواجب في الجماعة أولى بالسقوط انتهى كلامه.
وقد يقال انعقاد الصلاة جماعة في شدة الخوف مع العفو عن التقدم للعذر يقوي هذا القول وقد تقدم ما يدل على الفرق بينهما.
وإذا بطلت صلاة المأموم قدام الإمام فهل تبطل صلاة الإمام فيه وجهان ذكره ابن تميم وغيره والأولى أن يقال إن نوى الإمامة بمن يصلي قدامه مع علمه لم تنعقد صلاته كما لو نوت المرأة الإمامة بالرجال لأنه يشترط أن ينوي الإمامة بمن يصح اقتداؤه به وإن نوى الإمامة ظنا واعتقادا أنهم يصلون خلفه فصلوا قدامه انعقدت صلاته عملا بظاهر الحال كما لو نوى الإمامة من عادته حضور جماعة عنده ثم هل تبطل صلاته ذكر المصنف في مسألة الأصل إذا لم يأته أحد وأحرم إمام بحاضرين فانصرفوا عنه قبل أن يحرموا احتمالين وهذا مثله أحدهما تبطل لأنا تبينا أنه نوى الإمامة بغير مأموم والثاني يتمها منفردا لأن إحرامه إماما انعقد لكن تعذرت الإمامة في الدوام فأشبه ما لو أحدثوا وانصرفوا كلهم بعد دخولهم معه قال والوجه الأول أشبه بكلام أحمد لأنه قال في رجلين نوى كل واحد منهما أنه إمام صاحبه صلاتهما فاسدة وكان يجب على قياس الثاني أن تصح صلاة الذي أحرم ابتداء لأن الثاني أعرض عنه بعدما انعقدت تحريمته إماما انتهى كلامه.
والاستدلال بالمنصوص لهذه المسألة فيه نظر لأن مسألة النص لا ظاهر فيها يعمل به فنظيره ما لو نوى الإمامة وليس بحضرته أحد ولكن يحتمل الحضور وعدمه فإنها لا تصح بخلاف مسألتنا فإنه طرأ البطلان وعلى صلاة المأموم

دون النفل.
ومن خاف فوات الركعة فركع فذا ثم دخل في الصف والإمام في الركوع بتقدمه على الإمام فهو كما لو حدث البطلان بغيره على ما تقدم عند ذكر صاحب المحرر المسألة وكلامهم يتناول صلاة الجنازة أيضا وصرح الشيخ تقي الدين فيها بروايتين واختار الجواز.
فصل قد اشتهر أن تسوية الصفوف أمر مطلوب للشارع وعندنا وعند عامة العلماء أن ذلك مستحب وفيه إشكال فإن في الصحيحين من حديث أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: " سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة" وفيهما من حديث النعمان بن بشير أنه عليه الصلاة والسلام قال " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " وفي لفظ أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه إسناده صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داود قيل في قوله " ليخالفن الله بين وجوهكم " معناه يمسخها ويحولها عن صورتها كقوله في الذي يرفع قبل الإمام: " يجعل صورته صورة حمار " وقيل: يغير صفتها وقيل: معناه يوقع بينكم العداوة واختلاف القلوب لأن اختلاف الظاهر سبب لاختلاف الباطن ومخالفة الصفوف مخالفة في الظاهر وهذا ظاهر في الوجوب وعلى هذا بطلان الصلاة به محل نظر.
وقد قال في شرح الأحكام الصغرى قوله: " من تمام الصلاة " قد يؤخذ منه أنه مستحب غير واجب لأنه لم يذكر أنه من أركانها ولا من واجباتها

أو الاعتدال عنه صحت صلاته وعنه إن علم بالنهي عن ذلك لم يصح وعنه وتمام الشيء زائد على وجود حقيقته التي لا يسمى إلا بها في مشهور الاصطلاح وقد يطلق بحسب الوضع على بعض مالا تتم الحقيقة إلا به انتهى كلامه وهذا اللفظ دلالته محتملة فلا ينهض أن يؤخذ منه خلاف ما تقدم وروى البخاري عن أنس مرفعوعا أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري وأخذ عدم الوجوب من هذا متوقف على القول بدلالة الاقتران وليس مذهبا لنا ومتوقف أيضا على أن التراص لا يجب بالإجماع.
فصل والتسوية في الصف بمحإذاة المناكب والأكعب فيه دون أطراف الأصابع ذكره المصنف وغيره لما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " رصوا صفوفكم وقاربوا بينها " وحاذوا بين الأعناق إسناده صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي ورووا أيضا والاسناد جيد عن أنس مرفوعا أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقصان فليكن في الصف المؤخر.
والمشهور القول بموجبه وأن ترك الصف الأول ناقصا مكروه خلافا لابن عقيل فإنه اختار أن لا يكره تطوع الإمام في موضع المكتوبة وقاسه على ترك الصف الأول للمأمومين والأول أولى واختاره الشيخ تقي الدين.
ويدخل في إطلاق كلامهم لو علم أنه لو مشى إلى الصف الأول فاتته ركعة وإن صلى في الصف المؤخر لم تفته لكن في صورة نادرة ولا يبعد القول بالمحافظة على الركعة الأخيرة وإن كان غيرها مشى إلى الصف الأول وقد يقال يحافظ على الركعة الأولى والأخيرة وهذا كما قلنا لا يسعى إذا أتى الصلاة للخبر المشهور وقال الإمام أحمد فإن أدرك التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع ما لم يكن

إن دخل الصف قبل رفع إمامه صحت وإلا فلا تصح ومن فعل ذلك لغير أعجل بفتح ... 1 جاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعجلون شتاء إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى وقد ظهر مما تقدم أنه يعجل لإدراك الركعة الأخيرة لكن هل تقيد المسألتان بتعذر الجماعة فيه تردد.
فصل فإن لم يجد فرجة في الصف ولا وجد أحدا يقوم معه فله أن ينبه من يقوم معه بنحنحة أو إشارة أو كلام من غير كراهة لا يختلف المذهب فيه وهل يجذب من يقوم معه نص أحمد على أنه يكره ذكره المصنف وغيره وذكر الشيخ وغيره أنه استقبحه أحمد وإسحاق وهو قول مالك وذكر المصنف أنه أصح ونصره الشيخ وجيه الدين بن المنجي لأنه تصرف بلا إذن ولا ولاية وفيه تأخيره عن فضيلة السبق إلى الصف الأول وذكر المصنف أن هذا اختيار ابن عقيل قال في التلخيص في جواز ذلك وجهان والذي اختاره ابن عقيل أنه لا يجوز وهذا ظاهر قول الشيخ تقي الدين فإنه قال صلى وحده خلف الصف ولم يدع الجماعة ولم يجتذب أحدا يصلي معه.
وقوله: "صلى وحده" هذا وجه في المذهب وهو قوي بناء على أن الأمر بالمصافة إنما هو مع الإمكان واعترف ابن عقيل أن قول الأصحاب الجواز واختاره في المغني لقول النبي صلى الله عليه وسلم لينوا في أيدي إخوانكم حديث حسن رواه أحمد من حديث أبي أمامة ورواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر وقاسه الشيخ على السجود على ظهر إنسان أو على قدمه 1- كذا بالأصل.
وبياض موضع كلمة

غرض لم تصح صلاته وقيل: تصح.
عند الزحام في الجمعة والتسوية بين المسألتين صرح بها جماعة منهم ابن عقيل وصاحب التلخيص وهو قول مالك والمنقول عن أحمد السجود عند الزحام بخلاف مسألة الجذب لكن هل السجود وجوبا كما صرح به جماعة كما هو ظاهر قول عمر فليسجد على ظهر أخيه رواه أبو داود الطيالسي وسعيد بن منصور أو السجود أولى فقط كما روي عن أحمد وهذه التفرقة اختيار جماعة منهم الشيخ وجيه الدين لأنه لا ضرر في مسألة الزحام ومسألة الجذب فلا يؤثر الانتقال من الصف الأول فيفوته فضيلته وإن كان له أجر في وقوفه مع الفذ وعلى قول ابن عقيل يومي غاية الإمكان في مسألة الزحام فإن احتاج إلى وضع يديه أو ركبتيه وقلنا يجوز في الجبهة فوجهان.
فصل فإن خرج معه وإلا تركه قال مالك لا يتبعه لقوله عليه الصلاة والسلام: " من قطع صفا قطعه الله " رواه أحمد وأبو داود والنسائي ويصلي فذا ولنا أنه لمصحة كتأخيره عن يمين الإمام إذا جاء آخر ويجبر ما يفوته بسبقه إلى تصحيح صلاة أخيه المسلم وروى أبو داود في المراسيل عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون عن الحجاج بن حسان عن مقاتل بن حيان رفعه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن جاء رجل فلم يجد أحدا فليختلج إليه رجلا من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج " كلهم ثقات وذكره البيهقي وغيره.
فصل إذا وقف الصبي في الصف الأول أو قرب الإمام فهل يؤخر؟ قال الشيخ

وإذا أمت امرأة نساء قامت بينهن وسطا وكذلك إمام العراة.
مجد الدين فإن وضعت جنازة المفضول بين يدي الإمام ثم جيء بالأفضل تأخر الإمام إن أمكنه ليلي الأفضل وإن لم يمكن أخرت السابقة في أحد الوجهين والثاني لا يؤخر وهو قول الشافعي إن كان السابق صبيا والمسبوق رجلا مراعاة للسبق كما لا يؤخر السابق إلى الصف الأول وإلى قرب الإمام وإن كان مفضولا قال ابن عبد القوي وقد تقدم في صفة الصلاة أن بعض الصحابة أخر صبيا من الصف الأول قال الشيخ مجد الدين وتؤخر هنا المرأة لمجيء الرجل على المذهبين معا لمكان الذكورية وكون المرأة لا تقف في صف الرجال بخلاف الصبي انتهى كلامه.
والوجه الثاني اختيار القاضي والأول اختيار الشيخ موفق الدين وغيره وقال الشيخ وجيه الدين في شرح الهداية لو حضرت جنازة امرأة ثم جنازة رجل قدم الرجل إلى الإمام وأخرت المرأة لقول عليه الصلاة والسلام: " أخروهن من حيث أخرهن الله " ولو حضرت جنازة صبي ثم حضرت جنازة رجل قدم الرجل لقوله " ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى " وقال الشافعي لا يؤخر الصبي لأنه يجوز أن يقف في صف الرجال بخلاف المرأة.
قال الشيخ وجيه الدين فإن كانت من جنس واحد وتفاوتوا في الفضائل وتعاقبوا في الحضور فمن سبق إلى قرب الإمام فهو أحق به كما في الصف الأول فإنه لا يؤخر عنه بحضور من هو أفضل منه انتهى كلامه.
وظاهر كلام جماعة من الأصحاب أنه لا فرق بين الجنس والأجناس خلاف ما ذكره الشيخ وجيه الدين كما أن ظاهر كلامهم أنه لا فرق بين مسألة الجنائز ومسألة الصلاة خلاف ما ذكره الشيخ مجد الدين.

ومن سمع التكبير ولم ير الإمام ولا من وراءه لم يصح أن يأتم به إلا فظهر من ذلك أنه هل يؤخر المفضول بحضور الفاضل أولا يؤخر أو يفرق بين الجنس والأجناس أو يفرق بين مسألة الجنائز ومسألة الصلاة أقوال والخبر الذي أشار إليه ابن عبد القوي رواه الإمام أحمد عن قيس بن عباد قال أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصلاة وخرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي فلما صلى قال يا بني لا يسؤك الله فإني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: " كونوا في الصف الأول الذي يليني وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك وكان الرجل أبي بن كعب ". وهذا الخبر إن صح فهو رأي صحابي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من سبق إلى ما سبق إليه مسلم فهو أحق به " وفي الصحيحين عن جابر وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه ولكن تفسحوا أو توسعوا قوله: "ومن سمع التكبير ولم ير الإمام ولا من وراءه لم يصح أن يأتم به إلا في المسجد وعنه لا يصح بحال وعنه تصح بكل حال".
أطلق عدم الرؤية ونقض غير واحد بالأعمى ونقض المصنف في شرح الهداية فقال لو كان الحائل ظلمة أو اقتدى ضرير بضرير صح مع سماع التكبير والرؤية ممتنعة ونقض الشيخ وجيه الدين في شرح الهداية بسواري المسجد وفيه نظر.
وظاهر كلامه في المحرر أن الخلاف الذي ذكره سواء اتصلت الصفوف أم لا وأنه لا يشترط اتصال الصفوف مطلقا أما في غير المسجد فسيأتي

في المسجد وعنه لا يصح بحال وعنه يصح بكل حال.
الكلام فيه في المسألة بعدها وأما في المسجد فلا يعتبر حكاه في شرح الهداية إجماعا وكذا قطع به الأصحاب.
وظاهر هذا أنه سواء كان بينهما حائل أم لا قطع في شرح الهداية أبو المعالي ابن المنجي بأنه إذا حال بينهما في المسجد نهر يمكن فيه السباحة والخوض متعذر غير متيسر ولا جسر يمكن العبور عليه أنه يجوز ولا يمنع الاقتداء لأن المسجد معد للاجتماع كما لو صلى في سطح المسجد ولا درجة هناك وأنه على روايتي الاكتفاء بسماع التكبير في المسجد يشترط الاتصال العرفي الذي يعد أن يجتمعن عرفا1 كالاتصال في الصحراء انتهى كلامه.
وقال الآمدي لا خلاف في المذهب أنه إذا كان في أقصى المسجد وليس بينه وبين الإمام ما يمنع الاستطراق والمشاهدة أنه يصح اقتداؤه به فإن لم تتصل الصفوف فظاهر هذا أن ما يمنع المشاهدة يمنع صحة الاقتداء وهو ظاهر إطلاق ما رواه أبو بكر عبد العزيز عن عمر في أن النهر مانع من صحة الاقتداء فقد ظهر من هذا أنه لا يشترط اتصال الصفوف في المسجد وعلى قول الشيخ أبو المعالي يشترط إن كان يمنع الرؤية وأنه لا يضر حائل غير مانع من الرؤية في المسجد خلافا للآمدي وأطلق في المحرر الحائل المانع من الرؤية في المسجد وغيره وكذا ذكر غير واحد وقد نص الإمام أحمد في رواية المروزي وأبي طالب في المنبر إذا قطع الصف لا يضر قال المصنف في شرح الهداية فمن أصحابنا من قال هذا على عدم اعتبار المشاهدة في المسجد فأما على رواية اعتبارها فيقطع قال ومنهم من قال هذا يجوز على كلتا الروايتين في الجمعة ونحوها للحاجة انتهى كلامه 1- كذا في الأصل.
ولعل "الذي يعد أنه اجتماع عرف" أو نحوهما

فإن ائتم به خارج المسجد وهو يراه أو يرى من خلفه جاز إلا إذا كان والرواية الخاصة بالجمعة عامة سواء كان الإمام والمأموم في المسجد أولا وعنه رواية رابعة أن ذلك يمنع منهما في الفرض دون النفل قال بعض أصحابنا فيما إذا كانا في المسجد وقيل: إن كان المانع لمصلحة المسجد صح وإلا لم يصح وقال فيما إذا كان المأموم في غير المسجد وعنه إن كان الحائل حائط المسجد لم يمنع وغيره يمنع.
قوله: "فإذا ائتم به خارج المسجد وهو يراه أو يرى من خلفه جاز".
وظاهره أنه سواء رآه في كل الصلاة أو في بعضها وهو صحيح وقد صرح به غير واحد وقال في المغني وإن كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال الصلاة فالظاهر صحة الصلاة لحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار المسجد قصير الحديث.
وظاهره أيضا أنه لا يشترط اتصال الصفوف وقد قطع به غير واحد منهم القاضي أبو الحسين وذكر المصنف في شرح الهداية أنه الصحيح من المذهب وأنه قول جمهور العلماء كما لو كانا في المسجد وأن ظاهر قول الخرقي أنه يشترط لظاهر أمره عليه الصلاة والسلام بالدنو من الإمام وقطع به الشيخ في الكافي وقطع به الشيخ وجيه الدين أيضا في شرح الهداية.
فعلى هذا يرجع في اتصال الصفوف إلى العرف قطع به الشيخ وجيه الدين فقال مضبوط بالعرف عندنا وقطع به أيضا في الكافي فقال لا يكون بينهما بعد كثير لم تجر العادة بمثله وهو قول الخرقي على ما ذكره المصنف وذكر في التلخيص والرعاية أنه يرجع فيه إلى العرف أو ثلاثة أذرع وقيل: متى كان بين الصفين ما يقوم صف آخر فلا اتصال اختاره المصنف في شرح الهداية حيث اعتبر اتصال الصفوف وهو في الطريق على

بينهما نهر تجري فيه السفن أو طريق لم تتصل به الصفوف فهل يجوز على روايتين.
ما سيأتي قال في المغني معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة بمثله فلو اقتصر في المغني على هذا كان مثل قوله في الكافي وكان واضحا لكن زاد يمنع إمكان الاقتداء وهذه الزيادة فيها إشكال.
وفهم الشيخ شمس الدين من هذه الزيادة أنها تفسير وقيد الكلام قبلها فقال في شرحه معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به بحيث يمنع إمكان الاقتداء وتفسير اتصال الصفوف بهذا التفسير غريب وإمكان الاقتداء لا خلاف فيه.
وقال الشافعي متى بعدت بينه وبين من وراء الإمام لم تصح قدوته به وقدرها بما زاد على ثلاثمائة ذراع وجعل ما دون ذلك قريبا أخذا من مدى الغرضين في المفاضلة.
وقال الشيخ وجيه الدين وضبطه الشافعي بضابط حسن بمائتي ذراع أو ثلاثمائة ذراع.
وظاهر كلامه في المحرر أنه إن كان بينهما حائل غير مانع من الرؤية لا يضر إلا ما استثناه على ما سيأتي وقيل: إن كان بينهما شباك ونحوه لم يمنع في أصح الوجهين وقيل: بل في أصح الروايتين والقول بأنه يمنع حكاه المصنف في شرح الهداية عن بعض الشافعية لانقطاع بعد المكانين عن الآخر.
قوله: "إلا إذا كان بينهما نهر تجري فيه السفن أو طريق لم تتصل فيه الصفوف فهل يجوز على روايتين".
اتصال الصفوف في الطريق فيه الخلاف السابق إذ لا أثر للطريق فيه هذا فيما إذا كان لحاجة لعموم البلوى بذلك في الجمعة والأعياد ونحوها أو قلنا بصحة الصلاة في الطريق مطلقا فإن قلنا بعدم الصحة وهي الرواية المشهورة

ومن كان موقف إمامه أعلى منه صح ائتمامه به وكره وقال ابن حامد: لا يصح ولا بأس باليسير من ذلك ويكره للإمام خاصة أن يتطوع موضع على ما ذكره المصنف في شرح الهداية فحكم من وراء الواقف في الطريق حكم من اقتدى بالإمام وبينهما طريق خال.
وقوله: "فهل يجوز على؟ روايتين" رواية الجواز اختارها الشيخ موفق الدين وذكر المصنف في شرح الهداية أنه القياس لكنه ترك للأثر ورواية المنع اختيار الأصحاب لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال من صلى وبينه وبين الإمام نهر أو جدار أو طريق فلم يصل مع الإمام وعن علي أنه رأى قوما في الرحبة فقال من هؤلاء فقالوا ضعفاء الناس فقال لا صلاة إلا في المسجد وعن أبي هريرة وحكاه عنه ابن المنذر لا جمعة لمن صلى في رحبة المسجد وعن أبي بكر أنه رأى قوما يصلون في رحبة المسجد فقال لا جمعة لهم روى هذه الآثار أبو بكر عبد العزيز بإسناده.
وهذه الآثار في صحتها نظر والأصل عدمها وبتقدير صحتها لا دلالة لأكثرها على محل النزاع بل في أصح1 وعن الإمام أحمد يمنع في الفرض خاصة.
وألحق الآمدي بالنهر النار والبئر وألحق صاحب المبهج الشيخ أبو الفرج بذلك السبع وقطع الشيخ وجيه الدين في شرح الهداية برواية المنع كما اختاره الأصحاب قال لعدم الاتصال العرفي وهذا بناه على اختياره في اعتبار اتصال الصفوف عرفا والأصحاب من اعتبر منهم ولا يلزم اختلاله2 ومن لم يعتبره فلا إشكال عليه عنده قال وأما الطريق المختصة بعبور الرجل والساقية التي يمكن خوضها فليس بمانع ولا قاطع عرفا.
قوله: "ولا بأس باليسير من ذلك".
1- كذا في الأصل: وكتب وفوقها "كذا".
2- كذا في الأصل.

المكتوبة أو يقف في المحراب إلا من حاجة ولا يكره الوقوف بين السواري إلا لصف تقطعه.
كذا ذكر جماعة وأطلق في المستوعب والمذهب وغيرهما كراهة العلو اليسير قطع المصنف في شرح الهداية والشيخ موفق الدين بأنه كدرجة المنبر ونحوها وذكر القاضي أنه يكره بذراع أو أزيد وقطع به في الرعاية ولعله يقارب معنى القول الذي قبله وقطع الشيخ وجيه الدين في شرح الهداية بأن قدر الارتفاع المكروه قدر قامة المأموم لأنه حينئذ يحتاج إلى رفع رأسه ليعلم انتقالات إمامه ورفع رأسه مكروه وما دون ذلك فلا يكره لعدم الحاجة إلى رفع رأسه الموجب للكراهة.
قوله: "ولا يكره الوقوف بين السواري إلا لصف تقطعه".
ولم يتعرض لمقدار ما يقطع الصف وكأنه يرجع فيه إلى العرف وشرط بعض أصحابنا أن يكون عرض السارية التي تقطع الصف ثلاثة أذرع وإلا فلا يثبت لها حكم القطع ولا حكم الخلل ذكره الشيخ وجيه الدين وهذا القول هو معنى قول من قال من الأصحاب إن من وقف عن يسار الإمام وكان بينه وبينه ما يقوم فيه ثلاثة رجال لا تصح صلاته لأن الرجل يقوم في مقاربة ذراع والتحديد بابه التوقيف ولا توقيف هنا ومتى دعت الحاجة إلى الوقوف بين السواري فلا كراهة قطع به جماعة منهم المصنف في شرح الهداية كالصلاة في طاق القبلة واستثنى في المحرر الحاجة فيه دون هذه.
والظاهر أنه غير مراد وكأنه تبع غيره على العبارة.

باب صلاة المريض

وإذا عجز المريض عن القيام صلى جالسا كالمتطوع فإن لم يستطع فعلى قوله: "وإذا عجز المريض عن القيام صلى جالسا"

جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة فإن صلى على الأيسر أو على ظهره مستلقيا ليس الحكم مختصا بالعجز فلو قدر على القيام لكن خشي زيادة مرض أو ضعف أو تباطؤ برء ونحو ذلك صلى جالسا كما قلنا في الصيام وطهارة الماء على الصحيح قال الغمام أحمد إذا كان قيامه مما يوهنه ويضعفه صلى قاعدا وقال أيضا إذا كانت صلاته قائما توهنه وتضعفه فأحب إلى أن يصلي قاعدا وعن الإمام أحمد لا يجلس إلا إن عجز أن يقوم لدنياه.
وإطلاق كلامه في المحرر يقتضي أنه لو قدر على القيام باعتماده على شيء أنه يلزمه وصرح به جماعة وقال ابن عقيل لا يلزمه أن يكتري من يقيمه ويعتمد عليه وإطلاق كلامه أيضا يقتضي أنه إن أمكنه الصلاة قائما منفردا وفي الجماعة جالسا أنه يصلي قائما منفردا وقدمه الشيخ وجيه الدين لأنه ركن متفق عليه والجماعة مختلف في وجوبها وقيل: بل يصلي قاعدا جماعة لأن الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام الحي المريض لأجل المتابعة والجماعة والمريض أولى وقيل: بل يخير بين الأمرين قطع به في الكافي وقدمه غير واحد لأنه يفعل في كل واحد منهما واجبا ويترك واجبا ولأن القيام إنما يجب حالة الأداء فإذا أداها في الجماعة فقد عجز عنه حالة الأداء قطع المصنف بهذا في شرح الهداية وذكره عن الشافعي وظاهر قول الحنفية واحتج بأن مصلحة الجماعة أكثر أجرا ومصلحة من القيام لأن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وتفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين ضعفا.
وإطلاق كلامه أيضا يقتضي أنه إذا أمكنه القيام في صورة الراكع أنه لا يلزمه وليس كذلك بل يلزمه لأنه قيام مثله بخلاف ما لو كان لغير آفة به كمن في بيت قصير سقفه أو خائف من عدو يعلم به إذا انتصب ويمكنه أن يستوي جالسا فإنه يصلي جالسا على منصوص الإمام أحمد لعدم

ورجلاه إلى القبلة جاز ويومئ بالسجود أخفض من إيمائه بالركوع فإن عجز أومأ بطرفه واستحضر الأفعال بقلبه.
الاستطاعة المذكورة في حديث عمران بن حصين ويفارق الذي قبله لأنه إن جلس جلس منحنيا فإذا لم يكن بد من الانحناء فقيامه أولى لأنه الأصل.
وإطلاق كلامه أيضا يقتضى أنه لو صام في رمضان صلى قاعدا وإن أفطر صلى قائما أنه يصلي قائما وقطع الشيخ وجيه الدين بأنه يصوم ويصلي قاعدا لما فيه من الجمع بينهما.
وإطلاق كلامه أيضا يقتضي أنه لو صلى قائما امتنعت عليه القراءة أو لحقه سلس البول ولو صلى قاعدا امتنع السلس أنه يصلي قائما وقطع الشيخ وجيه الدين بأنه يصلي قاعدا لسقوط القيام في النفل ولا صحة مع ترك القراءة والحدث.
والنادر وإن دخل في كلام المكلف فالظاهر عدم إرادته له وهذه الصورة أو بعضها من النوادر.
قوله: "فإن عجز أومأ بطرفه واستحضر الأفعال بقلبه".
وبهذا قال مالك والشافعي وعن أحمد تسقط وضعفها الخلال وهو قول أبي حنيفة واختاره الشيخ تقي الدين وللقول الأول أدلة ضعيفة يطول ذكرها وبيان ضعفها ولا يخفى ضعفها عند المتأمل وقد اعتبر المصنف في شرح الهداية هذه المسألة بالأسير إذا خافهم على نفسه فصار بحيث لا يمكنه التحريم خوفا منهم وجعلها أصلا لها في عدم سقوط الصلاة لعجزه عن الأفعال في الموضعين وكذلك عندنا وعند مالك والشافعي إن عجز أن يومئ بطرفه وأمكنه أن ينوي ويستحضر أفعال الصلاة بقلبه لزمه ذلك ذكره المصنف في شرح الهداية.
ومراده بأفعال الصلاة القولية والفعلية إن عجز عن القولية بلسانه وكذا قطع به الشيخ وجيه الدين قال ابن عقيل إذا كان الرجل أحدب يجدد من قلبه عند قصد الركوع إنما يقصد به الركوع لأنه لا يقدر على فعله كما يفعل المريض الذي

ولا يؤخر صلاته ما لم يغم عليه ومن أمكنه القيام دون الركوع والسجود صلى قائما وأومأ بالركوع قائما أو بالجلوس جالسا.
لا يطيق الحركة يجدد لكل فعل وركن قصدا بقلبه انتهى كلامه.
وقطع بعضهم بأنه إذا عجز عن الصلاة مستلقيا أنه يومئء بطرفه وينوي بقلبه.
فلعل مراده أن ينوي الصلاة بقلبه ويستحضرها في ذهنه إلى آخرها كما ذكره غيره واقتصاره على هذا يوهم أنه إذا عجز عن الإيماء بطرفه تسقط الصلاة مع ثبات عقله وليس كذلك لأنه قال وينوي بقلبه ومن عجز عن بعض المطلوب أتى بالبعض الآخر.
وذكر في المستوعب أنه يومئء بطرفه أو بقلبه وظاهره الاكتفاء بعمل القلب ولا يجب الإيماء بالطرف وليس ببعيد ولعل مراده أو بقلبه أن عجز عن الإيماء بطرفه.
وقال في المقنع فإن عجز أومأ بطرفه ولا تسقط الصلاة وكذا في الكافي وزاد ما دام عقله ثابتا فيحتمل أنه أراد إذا عجز عن الإيماء بطرفه سقطت الصلاة ويكون قوله "ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتا" يعني على الوجه المذكور وهو قدرته على الإيماء بطرفه وهذا قول الحسن بن زياد الحنفي.
ويدل على هذا أن الظاهر أنه ينوي بقلبه مع الإيماء بطرفه ولم يذكرها وقد يدل على هذا الاحتمال الثاني وهو أنه إذا عجز عن الإيماء بطرفه نوى بقلبه كما ذكره غيره واستحضر أفعال الصلاة بقلبه.
قوله: "ولا يؤخر الصلاة ما لم يغم عليه".
يعني ويقضي على أصلنا وقال جماعة ولا تسقط الصلاة ما دام عقله ثابتا ومرادهم بالسقوط التأخير.

ويجوز لمن به رمد أن يصلى مستلقيا إذا قال ثقات الطب إنه ينفعه ومن أمكنه في أثناء صلاته القعود أو القيام انتقل إليه وبنى.
قوله: "ويجوز لمن به رمد أن يصلي مستلقيا إذا قال ثقات الطب إنه ينفعه".
ليس حكم المسألة مختصا بمن به رمد بل من في معناه حكمه حكمه فإذا قيل له إن صليت مستلقيا زال مرضك أو أمكن مداواتك فله ذلك واحتج على هذا بأنه فرض للصلاة فإذا خاف الضرر منه أو رجى البرء بتركه سقط كالطهارة بالماء في حق المريض ولأنه يباح له الفطر في رمضان لأجل ذلك إذا خشى الضرر بالصوم ففي ركن الصلاة أولى ولأنه يجوز ترك الجمعة والصلاة على الراحلة لخوف تأذيه بالمطر والطين في بدنه أو ثيابه فترك القيام لدفع ضرر ينفعه البصر1 أو غيره أولى.
ويعرف من أصول هذه الأقيسة أن المسألة يخرج فيها خلاف في المذهب وفاقا لمالك والشافعي في عدم الجواز لأن أصولها أو أكثرها فيه خلاف مرجوح في المذهب فوقع الكلام فيها على الراجح المقطوع به عند غير واحد.
وذكر في الكافي المسألة في الرمد كما ذكرها هنا واحتج بما ذكره غيره من أنه روى أن أم سلمة تركت السجود لرمد بها ولأنه يخاف منه الضرر أشبه المرض كذا قال.
وقوله: "إذا قال ثقات الطب" لا يعتبر قول ثقات الطب كلهم ولم أجد تصريحا باعتبار قول ثلاثة بل هو ظاهر كلام جماعة قال الشيخ زين الدين بن منجا وليس بمراد لأن قول الاثنين كاف صرح به المصنف وغيره يعني بالمصنف الشيخ موفق الدين وقدم في الرعاية أنه يقبل قول واحد وقد قال أبو الخطاب 1- كذا بالأصل.
ولعله "يخشاه على البصرة".

في الانتصار في بحث مسألة التيمم لخوف زيادة المرض قال المعتبر بالظاهر وغلبة الظن إذا اتفق جماعة من الأطباء على أنه بترك الماء يأمن زيادة المرض والشين المقبح صار ذلك عذرا في الترك كالمتيقن انتهى كلامه.
وثقات الطب يعطي اعتبار إسلامهم وهو مصرح به ويعطى العلم به ويعطى أيضا العدالة لأن الفاسق ليس بثقة ولا مؤتمن وينبغي أن يكتفي بمستور الحال.
وقد احتج من قال بالمنع في المسألة بما ذكره ابن المنذر وغيره عن ابن عباس "أنه لما كف بصره أتاه رجل فقال لو صبرت على سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا رجوت أن تبرأ فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكلهم قال أرأيت إن مت في هذه السبعة ما الذي تصنع بالصلاة فترك معالجة عينيه".
وأجاب في المغني بأنه إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر بخبر عن يقين وإنما قال أرجو وأنه لم يقبل خبره لكونه واحدا أو مجهول الحال بخلاف مسألتنا وهذا يدل على أنه لا يكفي قول واحد ولا مجهول الحال وظاهره سواء جهلت عدالته أو علم وأنه لا بد من جزم الطبيب بذلك.
وقال المصنف: الظاهر أنهم يئسوا من عود بصره بعد ذهابه ولم يثقوا بقول المخبر لقصوره أو للجهل بحاله أو لغير ذلك.
وقال الشيخ وجيه الدين: وأما ابن عباس فكان المخبر واحدا والبصر مكفوف فطلب عودته لم يخف زيادة مرض ولا تباطؤ برء.

باب صلاة المسافر

ومن نوى سفرا مباحا مسافته ستة عشر فرسخا كل فرسخ ثلاثة أميال بالهاشمي والميل أثنا عشر ألف قدم خير بين قصر الرباعية وإتمامها.
قوله: "خير بين قصر الرباعية".

إذا جاوز بيوت قريته والقصر أفضل ويشترط أن ينويه عند الإحرام.
ومن سافر أو أقام في أثناء صلاته أو ذكر صلاة سفر في حضر أو صلاة حضر في سفر أو أخر المسافر صلاته عمدا حتى خرج وقتها أو ضاق عنها أو ائتم بمقيم فيما يعتد به أو بمن يشك هل هو مسافر أم لا أو فسدت صلاته خلف مقيم فأعادها لزمه أن يتم ذلك كله.
لو قال إلى ركعتين كما قال بعضهم كان أولى لأنه ممنوع من صلاة الرباعية ثلاثا قال ابن عقيل وغيره وإذا صلى المسافر الرباعية ثلاثا ثم سلم متعمدا بطلت صلاته كما لو مسح على أحد خفيه ثم غسل الرجل الأخرى.
قوله: "أو أخر المسافر صلاته عمدا حتى خرج وقتها أو ضاق عنها لزمه أن يتم".
كذا ذكر هذه المسألة ولم أجد أحدا ذكرها قبله وكلامه في شرح الهداية يدل على أنه لم يجد أحدا من الأصحاب ذكرها فإنه قال هو كالناسي لذلك في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وظاهر تقييد أصحابنا بذكر الناسي في ذلك يعني وإن نسي صلاة سفر فذكرها فيه أو في سفر آخر المسألة قال وفي مسألة تغلب الإتمام فيمن نسي صلاة في سفر فذكرها في الحضر يدلان على أن القصر لا يجوز ههنا وهو ظاهر كلام بن أبي موسى فإنه قال إذا دخل وقت صلاة على مقيم يريد السفر فارتحل قبل أدائها ثم أداها في السفر ووقتها باق فله القصر وإن لم يصلها حتى خرج وقتها أتمها لا يجزئه غير ذلك.
ووجه ذلك أن القصر رخصة يختص بصلوات السفر معونة عليها وعلى مشاقه فوجب أن تختص بمن فعلها الفعل المأذون فيه ولم يؤخرها تأخيرا محرما كما اختصت بالسفر غير المحرم وعلى هذه المسألة يحمل قول القاضي في الخصال فإن كان قاضيا لها أو لبعضها لم يجز له القصر توفيقا بينه وبين الجواز للناسي في سائر صفاته

وإن سافر في وقت صلاة أو أدرك مقيما في التشهد الأخير فعلى روايتين.
وإن نسي صلاة سفر فذكرها فيه قصر وإن ذكرها في سفر آخر فعلى وجهين.
ويحتمل أن يحمل كلام القاضي في الخصال على ظاهره فلا يجوز قصر فائتة بحال كأحد قولي الشافعي فقد نقل المروزي ما يدل عليه فقال سألت أبا عبد الله عمن نسي صلاة في السفر فذكرها في الحضر قال يصلي أربعا في السفر ذكرها أو في الحضر انتهى كلامه.
وعموم كلام الأصحاب يدل على جواز القصر في هذه المسألة وصرح به بعضهم ذكره في الرعاية وجها وهو ظاهر اختياره في المغني فإنه ذكر عن بعض الأصحاب أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة لأنها صلاة مقصورة فاشترط لها الوقت كالجمعة وهذا فاسد لأنه اشتراط بالرأي والتحكم والجمعة اشترط لها شروط فجاز أن يشترط لها الوقت بخلاف هذه وإطلاق كلامه يقتضي أنه لا فرق بين التعمد والنسيان ولو فرق الحكم لبينه هو وغيره من الأصحاب واستدلوا عليه وأما التقييد بالناسي فإنه وقع على الغالب لأن الغالب في المسلم المصلي عدم تأخير الصلاة عن وقتها لا لأن حالة العمد تحالف حالة النسيان في ذلك ولهذا وقع التقييد بالنسيان في كتب عن الأصحاب من أهل المذاهب ولما صرحوا بحالة العمد صرحوا بأنها كحالة النسيان في هذا الحكم وإن افترقا في الإثم وعدمه وأما كلام ابن أبي موسى فإنما هو فيمن سافر بعد دخول وقت صلاة فسافر قبل فعلها فإن فعلها مع بقاء وقتها قصرها وإلا فلا وهذا هو الرواية الثالثة عن إمامنا في هذه المسألة ولم يذكرها المصنف في شرح الهداية بل حكى عن بعض الحنفية والشافعية والرواية الأخرى في هذه المسألة لا يقصرها مطلقا وهو المشهور والرواية الأخرى يقصرها مطلقا حكاها ابن عقيل وهي قول الأئمة الثلاثة ولهذا قال في المستوعب ومن سافر بعد دخول الوقت لم يجز له قصرها سواء سافر في أول وقتها أو في

ومن نوى الإقامة في بلد مدة عشرين صلاة قصر إلا أن يتزوج فيه أو يكون له فيه زوجة أو يكون بلد إقامته وإن نوى مدة إحدى وعشرين.
آخره وسواء صلاها في وقتها أو بعد خروجه وعنه إن صلاها في السفر في وقتها جاز لها قصرها وإن لم يصلها حتى خرج وقتها لزمه إتمامها واختارها ابن أبي موسى فمتى لم يبق من الوقت ما يتسع لفعل جميعها أربع ركعات لم يجز له القصر قولا واحدا وهو معنى قول القاضي في الخصال لا يكون قاضيا لها ولا لبعضها وكذا إذا سافر بعد ما بقى من وقتها ما يتسع لفعل جميعها لم يجز له القصر انتهى كلامه.
وأما اعتبار هذه المسألة بالسفر المحرم فيه نظر ظاهر لأن السفر المحرم سبب للترخص ولا تباح الرخص بالأسباب المحرمة لما فيه من الإعانة على فعل المحرم وأما هنا فليس تأخيره المحرم سببا لرخصة القصر حتى يقال يلزم من القول به ثبوت الرخصة مع تحريم سببها وأكثر ما فيه أنه أتى بها على وجه محرم وهذا لا يمنع رخصة القصر التي وجد سببها كما لو أتى بها بغير أذان ولا إقامة أو منفردا مع قدرته على الجماعة أو غير ذلك من الأمور المحرمة.
قوله: "ومن نوى الإقامة في بلد".
يعني يشترط في الإقامة التي تقطع السفر إذا نواها الإمكان بأن يكون موضع لبث وقرار في العادة فعلى هذا لو نوى الإقامة بموضع لا يمكن لم يضر لأن المانع نية الإقامة في بلده ولم توجد وقال الشيخ وجيه الدين من أصحابنا في شرح الهداية فإن كان لا تتصور الإقامة فيها أصلا كالمفازة ففيه وجهان أحدهما لا يقصر لأنه نوى الإقامة وتعرض للهلاك بقطع السفر والثاني يقصر لأنه لا يمكنه الوفاء بهذه النية للتعذر فلغت وبقي حكم السفر الأول مستداما

صلاة فعلى روايتين ومن حبسه عدو أو حاجة ولم ينو إقامة قصر أبدا وللملاح والمكاري والفيج المسافرون بأهليهم دهرهم إذا لم ينووا إقامة ببلد لا يقصرون.
قوله: "والفيج".
قال الشيخ وجيه الدين هو الساعي وقال ابن الأثير في نهايته الفيج هو المسرع في مشيه الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد والجمع فيوج وهو فارسي معرب وقال ابن عبد القوي وهو الراعي المتنقل وقيل: البريد.
قوله: "المسافرون بأهليهم دهرهم".
وقال أبو المعالي بن منجا شرط أبو الخطاب أن يكون معهم أهليهم ولا نية لهم في المقام في مقام يقصدونه وقال القاضي ليس ذلك بشرط بل المعتبر أن لا يكون له وطن يأوي إليه ويقصده وهذا منه يوهم أن المسألة على وجهين وقد يقال ليس كذلك لأن مراد من ذكر الأهل إذا كان له أهل لأنه لا فرق بين السائحين المجردين الذين يتسمون بالفقراء العزاب الذين دأبهم السير في الأرض غير ناوين إقامة ببلد وبين الملاح ونحوه الذين معهم أهلهم وقال ابن عبد القوي أطلق القاضي الحكم ولا بد من تقييده بكونهم يستصحبون أهلهم ومصالحهم وفي كلام الإمام أحمد الإشارة إليه قال ذكر ذلك ابن عقيل في عمد الأدلة.
وقوله: "إذا لم ينووا إقامة ببلد لا يقصرون" هذا هو مذهب الإمام أحمد المنصوص عنه وهو الذي عليه أصحابه لأنه غير ظاعن عن وطنه وأهله أشبه المقيم ولأنه في حكم المقيم بدليل أن امرأته تعتد عدة الطلاق معه ولأن السفر لا يسقط الصوم وإنما يجوز تأخيره عنه وقضاؤه في غيره لمشقة أدائه فإذا كان الأداء والقضاء في ذلك سواء كان جواز التأخير عن الوقت المعين عبثا فلا يجوز

فصول الكتاب · 30 فصل · 499 صفحة
جارٍ التحميل