المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبلصفحات 28-62
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 28-62
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجد الدين بن تيمية
الكتاب
المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
المؤلف
عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (المتوفى: 652هـ)
الناشر
مكتبة المعارف- الرياض
الطبعة
الطبعة الثانية 1404هـ -1984مـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب المواقيت

أول وقت الظهر زوال الشمس وآخره تساوي الشيء وظله سوى فيء الزوال ثم يعقبه وقت العصر وهي الوسطى ويمتد وقتها المختار حتى يصير ظل الشيء مثليه وعنه حتى تصفر الشمس ويبقى إلى غروب الشمس وقت ضرورة لايحل تأخيرها إليه إلا لعذر ثم يعقبه الغروب ووقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق الأحمر ثم يعقبه وقت العشاء ويمتد وقتها المختار إلى ثلث الليل وعنه إلى نصفه ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني وهو البياض البادي من المشرق ولاظلمة بعده ثم يعقبه وقت الصبح ثم يبقى حتى تطلع الشمس.
والصلاة في أول الوقت أفضل إلا عشاء الآخرة والظهر مع القيظ والغيم لمن يقصد الجماعة والمغرب ليلة جمع للمحرم ومع الغيم كالظهر نص عليه وهل الأفضل تأخير الفجر إذا أسفر الجيزان على روايتين.
ومن أخر الصلاة عمدا فخرج الوقت وهو فيها أثم وأجزأته ومن أخبره كتاب الصلاة قوله: "ومن أخر الصلاة عمدا فخرج الوقت وهو فيها أثم: وأجزأته" وقوله: "ورذا أسلم المرتد لزمه قضاء ما تركه قبل الردة من صلاته" ظاهره أن طرآن الحيض والجنون وما في معناهما من الردة: غير مسقط لأن الوجوب استقر بما التزمه بالإسلام فهو كحقوق الآدميين وقطع المصنف في شرح الهداية والشيخ وجيه الدين والأزجي في نهايته وصاحب الرعاية فيها

ثقة بدخول الوقت عن علم قلده وإن أخبره عن اجتهاد لم يقلده واجتهد فإذا غلب على ظنه دخوله صلى ولم يعد بحال إلا إن تبين صلاته قبل الوقت.
وإذا دخل وقت صلاته على عاقل فجن أو امرأة فحاضت وجب قضاؤها وفي قضاء التي تليها إن كانت تجمع إليها روايتان.
وإذا بلغ صبي أو أفاق مجنون أو أسلم كافر أو طهرت حائض قبل خروج وقت صلاة ولو بقدر تكبيرة وجب قضاؤها وقضاء التي قبلها إن كانت تجمع معها ومن صلى صلاة ثم ارتد ثم أسلم ووقتها باق لم يجب إعادتها ويتخرج أن يجب كمن حج ثم ارتد ثم أسلم فإن في إعادة الحج روايتين.
بأن المرتدة إذا حاضت ثم طهرت وأسلمت لا تقضي الصلاة وقطع المصنف والشيخ وجيه الدين وغيرهما بأن المرتد لا تسقط عنه عبادة زمن جنونه في ردته وقدمه الأزجي لأن سقوطها بالحيض عزيمة وبالجنون رخصة وتخفيف وليس من أهله قال الشيخ وجيه الدين وليس هو من أهله قال الشيخ وجيه الدين لو صلى المجنون لا تكون صلاته معصية بل طاعة ولو صلت كانت معصية قال الأزجي ويحتمل أن لا يجب القضاء لأنه في هذه الحال غير مخاطب بشيء من العبادات لفقد آلة الخطاب وهو العقل لأن المعصية لا تتمكن من سبب الرخصة حتى تمنع التخفيف.
قوله: "ومن صلى صلاة ثم ارتد ثم أسلم ووقتها باق لم تجب إعادتها ويتخرج أن تجب كمن حج ثم ارتد فإن في إعادة الحج روايتين" والروايتان في مسألة الحج مشهورتان ذكرهما جماعة منهم أبو إسحاق بن شاقلا والقاضي وعن مالك أيضا روايتان ورواية عدم وجوب إعادته نصرها أبو الخطاب وغيره وهي ظاهر ما قطع به الشيخ وغيره وقدمه غير واحد وهي قول

وإذا أسلم المرتد لزمه قضاء ماتركه قبل الردة من صلاة وزكاة وصوم ويتخرج أن لايلزمه وفي قضاء مافات في الردة روايتان وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه أصليا كان أو مرتدا ولا صلاة على الصبي وتصح منه إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ العشر أدب عليها فإن بلغ في الوقت وقد صلاها الشافعي ورواية الوجوب ذكرها القاضي أبو الحسين وغيره أنها أصحهما وهي قول أبي حنيفة.
وأما مسألة الصلاة فلا أجد أحدا ذكر فيها نصا عن الإمام أحمد ومن الأصحاب من جعلها كمسألة الحج كأبي الخطاب وغيره ومنهم من يأبى ذلك.
قال القاضي أبو يعلى قياس المذهب أن لا يعيد الصلاة ويعيد الحج قال أبو الخطاب ولا أعرف لذلك وجها قال واعتمد على أن الصلاة يفعل أمثالها في الإسلام الثاني والحج لا يفعل أمثاله وتسمى حجة الإسلام ولا بد في هذا الإسلام الثاني من حجة قال وهذا ظاهر الفساد لأنه إن كانت الحجة في الإسلام الأول بطلت بالردة فالصلاة في أول وقت الصلاة تبطل بالردة وإذا أسلم فإن لزمه حجة الإسلام فيجب أن يلزمه ههنا صلاة الوقت فإن وقت الحج جميع العمر كما أن وقت الصلاة مشروع لها وتسمية حجة الإسلام مثل تسمية صلاة الظهر والعصر.
قوله: "فإن بلغ الوقت وقد صلاها أو ابتدأها أعادها" كذا ذكر الأصحاب لأنه دخل فيها قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها أشبه البالغ إذا دخل فيها دخول الوقت لأنها من فروع الدين مقصودة في نفسها أشبه الحج وفيه احتراز من الإيمان والوضوء وهذا قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشيخ وجيه الدين في شرح الهداية وأما الإسلام فيجب تجديده ولم

أو ابتدأها أعادها وعنه أنها تجب على ابن عشر.
يزد على ذلك واختار الشيخ تقي الدين عدم وجوب إعادتها وذكر أن بعضهم حكاه وجها لنا وهو مذهب الشافعي وقاس أبو الخطاب على الحج.
فقيل له الحج لو بلغ في أثنائه أجزأه فيجب إذا بلغ في أثناء الصلاة أن تجزئه فأجاب بأن كل وقت من عرفة وقوفه يجزئ في الحج وليس كل ركعة من الصلاة تجزئ عن بقية الصلاة فنظيره أن ينصرف من عرفة قبل البلوغ ثم يبلغ فإنه لا يجزئه حتى يعود فيقف بعرفة قال والصحيح أن الحج مثل الصلاة فعلى الرواية التي تقول لا تجزئ الصلاة نقول لا يجزئ الحج إذا بلغ بعد إحرامه قال الشيخ تقي الدين هذا قول منه بروايتين في الصلاة قبل وجوبها قال الشيخ تقي الدين فيصير لنا في الصلاة والحج جميعا ثلاثة أقوال وفي الصوم روايتان أعني إذا بلغ في نفس الفعل فأما إذا بلغ بعد الفعل وبقاء الوقت فلا خلاف في وجوب الحج ويمتنع مثل ذلك في الصوم انتهى كلامه.
وظاهر كلامه في المحرر أن هذا التفريع على قولنا لا تجب عليه كما هو المذهب وأن على رواية وجوبها عليه كما هو قول أبي الحسن التميمي وأبي بكر لا إعادة ويجب عليه إتمامها ولا يجب عليه إتمامها على الأول صرح بذلك القاضي وغيره وعليه يحمل إطلاق كلام غير واحد من الأصحاب وهو ظاهر كلام الإمام أحمد فإنه قال في رواية يعقوب بن بختان في غلام احتلم في بعض الليل يصلي المغرب والعشاء فقيل له وإن كان قد صلاهما قال نعم أليس صلاهما وهو مرفوع عنه القلم قال القاضي فقد أوجب الإعادة بعد الفراغ منها وجعل العلة فيها أنه فعلها قبل جريان القلم انتهى كلامه.
وصرح بعضهم على رواية الوجوب: أنه يقضي ما فاته بعد عشر وهذا واضح وينبغي أن يقال: لو بلغ عشر سنين في أثناء صلاة أو بعدها في وقتها,

ومن زال عقله بغير جنون قضى كل صلاة فاتته ومن أخر صلاة تكاسلا لاجحودا أمر بها فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى وجب قتله وعنه لزمه إعادتها على هذه الرواية كما بلغ خمس عشرة لتوجه الخطاب إليه ويؤخذ هذا من تعليل الإمام والأصحاب وهو واضح إن شاء الله تعالى.
فصل المذهب: أن الصلاة لا تجب على صبي وعنه تجب على من بلغ عشرا وعنه تجب على ابن أربع عشرة سنة قال الشيخ وجيه الدين ونقل عن الإمام أحمد في ابن أربع عشرة سنة إذا ترك الصلاة قتل وقال الشيخ موفق الدين في الروضة في المميز وقد روى عنه أنه مكلف فهذه أربع روايات.
ذكر في المحرر أن في قضاء المرتد ما فاته حال الردة من عبادة روايتين وكذا الخلاف مشهور في كتب الأصحاب في وجوب القضاء على المرتد ما تركه في حال ردته وظاهر هذا أن الخلاف مطرد في كل صورة وهو أولى.
وليس الأمر كذلك عند صاحب المحرر رحمه الله تعالى فإنه قال في شرح الهداية له في تارك الصلاة تهاونا إذا دعي إلى فعلها فامتنع وحكمنا بكفره وقتله قال وإذا عاد لم تسقط عنه صلاة مدة امتناعه على الروايتين معا وإن قلنا تسقط عن المرتد لا نكفره بتركها فلو سقطت به لزال التكفير ولأن أمره بها في مدة الاستتابة يدل على صحتها منه وأنه مكلف بها فأشبهت نفس الإسلام في حق المرتد انتهى كلامه وهذا فيه إشكال.
قوله: "ومن زال عقله بغير جنون قضى كل صلاة فاتته" لو سكرت ثم حاضت لم يلزمها قضاء أيام الحيض وجها واحدا ذكره الأزجي وغيره لما تقدم في المسألة قبلها قال الأزجي وإن شرب محرما فسكر

لايجب إلا بترك ثلاث وبضيق وقت الرابعة ويستتاب بعد وجوب قتله ثلاثة أيام ويقتل حدا وعنه كفرا.
به ثم جن متصلا بالسكر فهل يلزمه قضاء ما فاته في حال الجنون فيه احتمالان أحدهما يلزمه القضاء أيضا لاتصاله بالسكر لأنه هو الذي تعاطى سببا أثر في وجود الجنون والثاني لا يلزمه لأن طرآن الجنون منه ليس من ولا هو منسوب إليه كما فعله لو وجد ذلك ابتداء وزوال العقل بالجنون مسقط للقضاء في حق المسلم فأما المرتد فتقدم في المسألة قبلها.
قوله: "لأن تكفيره بتركها فلو سقطت به لزال التكفير" لقائل يقول: ليس الخلاف فيما نكفره بتركها لأن ما نكفره بتركها وهي صلاة واحدة أو وحتى يتضايق وقت الأخرى أو غير ذلك على الخلاف المعروف فيه ووجب عليه في حال إسلامه قبل الحكم بوجوب قتله وكفره فإذا وجوب قضائها ليس وجوب قضاء عبادة تركها في حال ردته بل وجوب قضاء عبادة تركها في حال إسلامه وما تركه بعد الحكم بوجوب قتله وكفره من الصلوات ليس نكفره بتركها لأن الغرض أنه قد حكم بكفره وقتله قبل ذلك.
فإن قيل مراده إنما نكفره بتركها يجب قضاؤه ولا يأتي فيه الخلاف في ان تركه المرتد ان ماني حال إسلامه من عبادة هل يجب قضاؤها إذا عاد إلى الإسلام أم لا قيل ليس هذا مراده بل تتمة كلامه ولأن أمره بها في مدة الاستتابة يدل على صحتها منه مدة الاستتابة ثلاثة أيام بعد الحكم بوجوب قتله وكفره وأنه قاسها على الإسلام في حق المرتد مأمور بالإسلام ولأنه قال لم تسقط عنه صلاة مدة امتناعه وما نكفره به صلاة أو صلاتان على ظاهر المذهب ومدة الامتناع حقيقتها إلى زمن التوبة والمراجعة.
قوله: "ولأن أمره بها في مدة الاستتابة يدل على صحتها منه"

ولا يصح أن يصلى حاضرة وعليه فائتة إلا أن يتمها ناسيا للفائتة فإن ذكر لقائل أن يقول: من يقول إن المرتد لا يجب عليه قضاء ما تركه في حال الردة يقول إنما هو مأمور ومكلف بالإسلام وإيقاع الصلاة من حيث الجملة أعني من حيث هي صلاة لا هذه الصلاة المعينة أو إيقاع الصلاة المحكوم بكفره بتركها ولأنه لا يمتنع وجوب العبادة على المرتد في حال ردته فإذا تاب بإسلام صحيح سقطت عنه ترغيبا في الإسلام ولأن الأدلة في أن المرتد لا يقضي ما تركه في حال الردة تعم مسألتنا لا سيما قياسه على الكافر الأصلي والأولى حمل كلامه إن أمكن على مسألة ما تركه حال إسلامه وأن الخلاف فيها لا يأتي هنا لكنه يورد هذا القيد على إطلاق كلامه في المحرر فإنه ذكر الخلاف فيما تركه زمن إسلامه من غير تفصيل.
وقول ابن عبد القوي رحمه الله بعد أن ذكر كلام صاحب المحرر في شرح الهداية المذكور هذا يدل على أنه لا يكفر وإن قتل فحد لا نعقاد الإجماع أن الكافر غير مكلف بفعل الصلاة وإن قلنا يكلفون بالفروع وإنما فائدته زيادة العذاب في الآخرة وإلا فلا فيه نظر لأن الإجماع إنما هو في الكافر الأصلي.
فصل قال ابن عقيل في الفنون فيمن ترك الصلاة تهاونا: وقيل: بكفره إذا كان كافرا فبماذا يكون مسلما بالشهادتين أم بفعل الصلاة قال اعترض به بعضهم وحكاه غيره وهو: الكيا الهراسي في مفرداته عن الشافعي إن قيل بالشهادتين فما زال ناطقا بهما لم يرجع عنهما وإن كان بالصلاة فصلاته مع كفره لا تصح فكيف يعود بها إلى الإسلام؟.

فيها أتمها نفلا وصلى الفائتة ثم الحاضرة وإن ضاق الوقت سقط الترتيب وعنه لا يسقط.
قال ابن عقيل الجواب ليس لنا كلمة تحكي ما في نفسه من الأيمان إلا الشهادتان وليس بقوله لها حين ترك الصلاة ولا يعمل بها إذا تاب وندم وهذا الذي نسلكه مع الزنديق في قبول توبته فإنه يتظاهر بالإسلام حتى يكون مؤديا ثم إذا تاب قبلت توبته وأعدناه إلى الإسلام بنفس الكلمتين لا غير لما ذكرنا.
قال الشيخ تقي الدين: الأصوب: أنه يصير مسلما بنفس الصلاة من غير احتياج إلى إعادة الشهادتين لأن هذا كفره بالامتناع من العمل ككفر إبليس بترك السجود وكفر تارك الزكاة بمنعها والمقاتلة عليها لا بكفره بسكوت فإذا عمل صار مسلما كما أن المكذب إذا صدق صار مسلما ومثل هذا الكافر تصح صلاته كما أن المكذب تصح شهادته فإن صلاته هي توبته من الكفر أما تصييره مسلما على أصلنا بالصلاة فظاهر فإن الكافر الأصلي والمرتد بالتكذيب لو صلى حكم بإسلامه وإنما الكلام في صحة صلاته قبل تجديد الشهادتين والمسألة مذكورة في المرتد لاسيما والكافر يصير مسلما بالشهادة لمحمد صلى الله عليه بالرسالة لتضمن ذلك الشهادة بالتوحيد.
وأيضا فلو قال أنا مسلم صار مسلما وما ذكره في الزنديق فالأشبه أيضا أن الزنديق إذا قبلت توبته فلا بد من أن يذكر أنه تائب منها في الباطن وإن لم يقل فلعل باطنه تغير انتهى كلامه.
وكلام ابن عقيل يقتضي الحكم بإسلامه بالشهادتين فقط كما يكتفي بهما في الزنديق فيكون كالبينة أولا فظهر من هذا ثلاثة أقوال بالصلاة أم بالشهادتين أم بهما؟

وقول الشيخ تقي الدين: والمسألة مذكورة في المرتد قال: في المرتد الأصلي وهل صلاته صحيحة قال القاضي الصلاة باطلة ويحكم بإسلامه بها كالشهادتين إذا وجدتا حكمنا بإسلامه بهما ولا يستدل بهما على إسلام سابق وقال أبو الخطاب هي صلاة صحيحة مجزئه في الظاهر لأنا نستدل بفعلها على أنه كان معتقدا للإسلام قبلها.
ثم أورد على نفسه أن الإمام أحمد نص على أن المؤتم به يعيد فقال: الأصوب أنه قال بعد الفراغ إنما فعلتها وقد اعتقدت الإسلام قلنا: صلاته صحيحة وصلاة من خلفه وإن قال فعلتها تهزؤا قبلنا فيما عليه من إلزام الفرائض ولم نقبل منه فيما يؤثره من دينه ولأن أحمد قد قال فيمن صلى خلف محدث يعيد ولا يعيدون والمحدث ليس في صلاته كذلك الكافر لا يكون في صلاة من خلفه صحت صلاته.
قال الشيخ تقي الدين شرط الصلاة تقدم الشهادة المسبوقة بالإسلام فإذا تقرب بالصلاة يكون بها مسلما وإن كان محدثا ولا يصح الائتمام لفقد شرطه لا لفقد الإسلام وعلى هذا عليه أن يعيدها انتهى كلامه.

باب الأذان

الأذان المختار: خمس عشرة كلمة بلا ترجيع يكبر في أوله أربعا ويقول في أذان الفجر بعد الحيعلة "الصلاة خير من النوم" مرتين والإقامة فرادى إحدى عشرة كلمة منها قول "قد قامت الصلاة" مرتين.
قوله: "باب الأذان" لم يذكر حكم رفع الصوت بالأذان وظاهر ما ذكره حصول الأذان المشروع بدون رفع الصوت والمعروف في كلام الأصحاب أنه يستحب رفع الصوت بالأذان الظاهر أن مرادهم المبالغة في الرفع بحيث لا يجهد

ويسن أن يرتل الأذان ويحدر الإقامة ويتولاهما معا قائما متطهرا، ويجعل إصبعيه في أذنيه ويدير وجهه إذا حيعل يمنة ويسرة ولا يزيل نفسه فيكون على هذا لو أذن سرا أو رفع يسيرا لم يحصل الأذان المشروع وقد قطع بأن رفع الصوت بالأذان للجماعة غير الحاضرين زاد في الرعاية أو الصحراء ركن فيه لأنه المقصود بالأذان فان أذن لنفسه أو لجماعة حاضرين فإن شاء رفع صوته قال بعضهم وهو أفضل وإن شاء خافت بالكل أو بالبعض والأفضل رفع مقدار طاقته ولا يجهد نفسه لئلا ينضر وينقطع صوته وعنه التوسط أفضل انتهى كلامه.
قال القاضي: قال الإمام أحمد في رواية: يرفع صوته ما استطاع قال الميموني: رأيت ابن حنبل وهو يؤذن صوتا بين الصوتين وكان إلى خفض الصوت أقرب قال وظاهر هذا: أنه لا يرفع رفعا يخرج عن طبعه قال في رواية حنبل رجل ضعيف الصوت: لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد إذا كان يسمع أهل المسجد والجيران فلا بأس قال القاضي: وظاهر هذا: أنه إذا لم يسمع الجيران لم يصب سنة الأذان وذلك لأن القصد من الأذان الإعلام ودعاء الناس إلى الصلاة ولهذا المعنى لم يؤذن للثانية من صلاتي الجمع ومن الفائتة لأنه لا حاجة إلى جمع الناس لأنهم قد اجتمعوا للأولة فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصود فلم يكن مسنونا فإن أذن لنفسه جاز له أن يسر لأنه ليس المقصود منه الإعلام انتهى كلامه.
قوله: "ويجعل إصبعيه في أذنيه" نص عليه في رواية حنبل وروى جماعة عنه أنه كان يفعل ذلك فإن اقتصر على واحدة كفى قاله القاضي وقال: رأيت أبا عبد الله إذا أذن يضع إصبعه على أذنيه في الأذان والإقامة ولعل جعفر بن محمد قال: رأيت أبا عبد الله أذن ووضع أصابعه على أذنيه في

قدميه وعنه يزيلهما وفي مثل المنارة الكبيرة والصومعة فيدور فيها ويؤذن على علو ويقيم فيه مالم يشق عليه ولو أذن جنبا جاز وقال الخرقي يعيده ويجزئ أذان المميز البالغ وعنه لا يجزئ وفي أذان الفاسق والأذان الملحن وجهان.
ويشترط للأذان: الترتيب والموالاة ولا يبطله الفصل اليسير إلا لمحرم كالستر ونحوه ويجوز الأذان للفجر بعد نصف الليل ولا يجوز لغيرها قبل الوقت.
ويسن لمن سمع المؤذن أن يقول كقوله إلا في الحيلعة فإنه يقول: لاحول ولاقوة إلا بالله ويقول في كلمة الإقامة أقامها الله وأدامها وينهض عندها فإن كان الإمام غائبا لم يقوموا حتى يروه.
الأذان والإقامة وكذلك نقل حنبل وقال في رواية أبي طالب أحب أن يجعل يديه على أذنيه على حديث أبي محذورة "وضم أصابعه الأربع ووضع على أذنيه" قوله: "ويشترط للأذان الترتيب والموالاة" ظاهر ما ذكره أنه لا يشترط للأذان غير ذلك والنية شرط له فلو أذن غافلا أو ساهيا أو لاهيا ونحو ذلك لم يصح أذانه وظاهر ما ذكره شرطا للأذان أنه لا يشترط للإقامة وليس كذلك بل هو شرط لها وكذا يبطلها ما يبطله وغير ذلك.
وقوله في الرعاية "ويعتبر للأذان: النية" قلت: وكذا للإقامة فليس هذا قوله وحده بل هو قول غيره وإنما خص الأذان بالذكر لأن الإقامة تبع له في الأحكام إلا فيما يخالفه كإحدارها.
قوله: "ويسن لمن سمع المؤذن أن يقول إلى آخره" في الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعا " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول " وظاهر الأمر على

ويسن الفصل بين أذان المغرب وإقامتها بفعل ركعتين.
والأذان والإقامة: سنتان للمسافرين فرضا كفاية على المقيمين يقاتلون على تركهما وليسا بشرط للصلاة ولا مسنونين للنساء.
وينادى للعيد والكسوف والاستسقاء الصلاة جامعة.
الوجوب وقد قال به هنا بعض العلماء وأكثرهم على الاستحباب كقولنا وقد ورد ما يؤخذ منه صرفه عن ظاهره وهو ما رواه جماعة منهم مسلم عن أنس "أنه عليه الصلاة والسلام كان يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع إذانا أمسك وإلا أغار فسمع رجلا يقول الله أكبر الله أكبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على الفطرة ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: خرجت من الناس النار " وقد نص الإمام أحمد في رواية الأثرم وغيره على أنه لا يجب إجابة المؤذن قال القاضي في الجامع الكبير وذلك أنه لا يخلو إما أن الأذان في حق المؤذن واجب أو تطوع فإن كان واجبا في حقه فليس بواجب على غيره لأنه فرض على الكفاية وإن كان تطوعا فأولى أن يكون على السامع تطوعا انتهى كلامه.
وفيه نظر لأن الإجابة ليست بأذان ليكون وجوبها مقتضيا وجوب الأذان على الأعيان وقد يكون الشيء تطوعا ويجب رده بدليل ابتداء السلام ورده والمؤذن يستحب له أن يقول مثل ما يقول في حقه نص عليه قال في المستوعب يقول خفية مثل ما يقوله من يستمعه وعن الإمام أحمد أنه كان إذا أذن فقال كلمة من الأذان قال مثلها سرا.
ولو قال في المحرر "ويستحب لمن سمع الأذان" كان أدل على حكم هذه المسألة وظاهر كلامه وكلام الأصحاب: أنه يكرر قوله مثل ما يقول

ومن صلى مجموعتين أو فوائت أذان للأولى خاصة وأقام لكل صلاة.
وإذا أقيمت الصلاة لم يشرع في نافلة وإن افتتحها ثم أقيمت قطعها إن خشى فوات الجماعة وعنه يتمها.
والأذان أفضل من الإمامة وقيل: هي أفضل.
المؤذن بتكرر سماع الأذان للصلاة الواحدة وفي المسألة قولان للعلماء وينبغي تقييد الأذان الثاني بكونه مشروعا وذلك لظاهر حديث أبي سعيد الذكور ولأن الظاهر من حال السامعين أذان ابن أم مكتوم إجابتهم له بعد سماعهم أذان بلال وإجابتهم له ولأنه أذان مشروع فاستحب إجابته كالأذان الأول وكالأذانين لصلاتي وقتين وصفة إجابة الأذان: ما ذكره هنا عند أكثر الأصحاب لأن في حديث عمر " فإذا قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله " رواه مسلم وهو أخص من حديث أبي سعيد فيقدم قال في المغنى: أو يجمع بينهما وحكى المصنف في شرح الهداية استحباب الجمع بينهما عن بعض الأصحاب وقال الخرقى وجماعة يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول "ولم يستثنوا شيئا".
فهذه ثلاثة أوجه وظاهر كلامه وكلام غير واحد أنه يقول الصلاة خير من النوم كقول المؤذن وقطع المصنف في شرح الهداية أنه لا يقوله بل يقول صدقت وبالحق نطقت ونحوه وعلى الوجه الآخر: يجمع بينهما وعلى غيره يقول صدقت وبررت وهل يقوله معه؟ فيه وجهان وقوله في كلمة الإقامة: " أقامها الله وأدامها " لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله: رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف زاد جماعة " ما دامت السموات والأرض " قال في التلخيص الحبير: وهل يقول كما يقول مع ذلك فيه وجهان ويقول كل ذلك خفية.

وظاهر كلامه: إنه إذا سمع الأذان وهو يقرأ قطع القراءة وأجابه فإذا فرغ عاد إليها لأنها لا تفوت وهذا صحيح قال المصنف وغيره: وكذا إذا دخل المسجد والمؤذن يؤذن وافقه ثم أخذ في التحية نص عليه لأنها لا تفوت بالتأخير اليسير وعلل غيره بأن فيه جمعا بين الفضيلتين وعنه لا بأس.
وظاهر كلامه: أن القاعد لا يقوم للصلاة بل يشتغل بالإجابة حتى يفرغ الأذان وهذا صحيح قال بعضهم: ولا يقوم القاعد حتى يفرغ أو يقرب فراغه.
نص الإمام أحمد على معنى ذلك لأن الشيطان ينفر حين يسمع الأذان وظاهر كلامه أيضا: أنه إن سمعه في الصلاة أجابه وليس كذلك لم أجد فيه خلافا وأن الأولى أن يكف عن الإجابة ويشتغل بصلاته لأن في الصلاة شغلا.
قال جماعة: فإذا فرغ من الصلاة أجابه فإن أجابه بجيعلة بطلت لأنه خطاب آدمي وإلا لم تبطل لأنه ذكر وثناء على الله تعالى مشروع مثله فيها وقد ذكر طائفة كابن الجوزي أنه إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه عمدا: هل تبطل صلاته؟ على وجهين وقال الشيخ وجيه الدين بن المنجا في الذكر: كما ذكر غيره قال وإن ذكر الحيعلة وعلم أنها دعاء إلى الصلاة بطلت وإن لم يعلم فهو ككلام الساهي في الصلاة وفيه روايتان ثم قال وهذا إذا نوى به الذكر فإن نوى به الأذان وإقامة الشعار والإعلام بدخول الوقت بطلت.
وإطلاق كلامه أيضا: أنه يجيبه على قضاء الحاجة والظاهر أن هذه الصورة تحته وهذا أولي وإذا سقط رد السلام في هذه الحال مع وجوبه فهذا أولى وفيه نظر لكراهة البداءة بالسلام في هذه الحال وقد ذكر غير واحد: أنه لو عطس وهو على قضاء الحاجة حمد الله وذكر غير واحد رواية: أنه يحمد

لفظا ومسألتنا تشبه هذه ولهذا قال بعض الأصحاب: وكذلك يخرج في إجابة المؤذن ويتوجه على قولنا: لا يجيبه في هذه الحال: أن يجيبه وحدها.

السوءتان فقط وكل الحرة عورة سوى الوجه وفي كفيها روايتان وعورة فصل ذكر هو وغيره: أن ستر العورة شرط وذكروا مقدار العورة والخلاف فيها وكلامهم يقتضي أنه يجب سترها من جميع الجهات وصرح به بعضهم لعموم الأدلة وحديث سلمة بن الأكوع وغيره وهو مذهب مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يجزئه ستر العورة بما قابلها ولا اعتبار بالطرفين من فوق وأسفل فإن الستر من أسفل الإزار والذيل لا يجب فكذلك من فوق قياسا لأحد الطرفين على الآخر.
قال الشيخ وجيه الدين أبو المعالي في شرح الهداية بعد أن ذكر هذا عن أبي حنيفة: واحتج بحديث سلمة في رده قال: فالمرعى في الستر من الجوانب ومن فوق أما من أسفل: فلا يمكن الاطلاع عليه إلا بمعاناة وتكلف فإن وقف على طرف سطح وليس عليه سوى قميص واحد وهو معرض للرياح تعبث بذيله ففيه للفكر مجال والأظهر عدم الجواز ليستتر النظر فأشبه فوق لأنه لا يعد ساترا في العرف أصلا إلا أن يكون الذيل ملتفا بالساق انتهى كلامه.
فقد ظهر من هذا أنه هل يجب ستر العورة من أسفل أم لا يجب أم يفرق بين يسير النظر وعدمه فيه ثلاثة أقوال.
قوله: "وكل الحرة عورة - إلى آخره" أطلق ولم يقيد وقطع المصنف في شرح الهداية بأن المراهقة كالأمة واحتج له وقطع به أبن تميم أيضا وقطع به في المغنى في كتاب النكاح واحتج بما احتج به المصنف ونحوه وقال عن العورة

الأمة مالا يظهر غالبا وعنه مابين السرة والركبة وأم الولد كالأمة وعنه كالحرة والمعتق بعضها كالحرة على الأصح ولا يجزئ الرجل ستر عورته إذا جرد عاتقيه عن اللباس في الفرض وفي النقل روايتان فإن ستر أحدهما أجزأه نص عليه.
والخنثى المشكل فيما يجب ستره كالرجل وقيل: كالمرأة ومن انكشف من عورته يسير وهو مالا يفحش في النظر لم تبطل صلاته وعنه تبطل.
ومن صلى في ثوب غصب أوحرير أو في بقعة غصب لم يجزئه وعنه يجزئه مع التحريم.
في النظر يحتمل أن يكون حكمها حكم ذوات المحارم كقولنا في الغلام المراهق وكلام كثير من الأصحاب يقتضى أنها كالبالغة في عورة الصلاة كما نقول في المراهق والمراهقة انهما كالبالغين في عورة النكاح في إحدى الروايتين.
قوله: "ومن صلى في ثوب غصب أو حرير أو بقعة غصب لم يجزئه وعنه يحزئه مع التحريم" هذه الرواية ذكر في الوسيلة أنها اختيار الخلال وهي مذهب الثلاثة وتعليل المسألة مشهور ويؤخذ منه أن النافلة تخرج صحتها على الروايتين مع أن كلام صاحب المحرر وغيره أعم وقد جعل المصنف في شرح الهداية الصلاة في السترة النجسة أصلا لعدم صحة الصلاة في السترة المغصوبة وكذا جعل الصلاة في الموضع النجس أصلا لعدم صحتها في الموضع المغصوب بجامع التحريم.
وقد ذكر ابن الزاغوني الروايتين في إعادة الفرض وقال فإن قلنا: لا يعيد صلى النافلة وإن قلنا: يعيد لم يصلها لأن المقصود شغل الوقت كما نقول فيمن لم يجد ماء ولا ترابا.
وذكر غيره أن الفرض والنفل سواء وقيل: يصح النفل.

وإذا اشتبهت ثياب نجسة بطاهرة صلى في ثوب بعد ثوب بعدد النجسة وزاد صلاة فإن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه وأعاد نص عليه ونص فيمن وذكر أبو الخطاب في بحث المسألة أن النافلة لا تصح بالاتفاق فهذه ثلاث طرق في النفل وقد عرف من هذا أنه هل يثاب على الفرض إذا صححناه على قولين.
وذكر القاضي في بحث مسألة وصول القربات إلى الميت أنه لا يثاب على الفرض إذا صححناه على إحدى الروايتين وكذا عند المخالف.
قال الشيخ محيي الدين النووي قال جماهير أصحابنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها.
ورأيت في فتاوى أبي نصر بن الصباغ التي نقلها عنه ابن أخيه القاضي أبو منصور قال المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة يسقط بها الفرض ولا ثواب فيها.
قال أبو منصور ورأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا فمنهم من قال لا تصح الصلاة قال وذكر شيخنا في الكامل أنه ينبغي أن تصح ويحصل الثواب على الفعل فيكون مثابا على فعله عاصيا بالمقام في المغصوب فإذا لم يمتنع من صحتها لم يمتنع من حصول الثواب قال أبو منصور وهذا هو القياس على طريق من صححهما والله أعلم.
ويعرف من كلامه في المحرر: أنه حيث أبيح استعمال ذلك أن الصلاة تصح وقد صرح به غيره وظاهره: أنه لو انتفى التحريم لعارض جهل أو نسيان أن صلاته تصح وفيه رواية أنها لا تصح وظاهره أنه لا فرق بين العالم بالنهي وغيره وفيه رواية بالتفرقة.
وقد ذكر ابن تميم وجها غريبا بعيدا: أن صلاته في ذلك تصح مع الكراهة,

جلس في موضع نجس فصلى أنه لا يعيد فيخرج فيهما روايتان ومن لم يجد إلا ثوبا لطيفا أرسله على كتفيه وعجزه وصلى جالسا نص عليه فإن لم يحوهما اتزر به وصلى قائما.
وهو ظاهر كلام السامري وظاهر كلامه في المحرر أنه لا فرق بين أن يلي المحرم عورته أولا وهو أشهر الوجهين وتخصيصه الصلاة يدل على أن غيرها ليس كذلك وهو المشهور.
وقال ابن الزاغوني لو عقد البيع والنكاح في موضع غصب فقال المخالف يصح ملزما فقال ابن الزاغوني لا نسلم هذا ونقول البيع والنكاح وسائر العقود الشرعية باطلة لأنه قد نقل يعقوب بن بختان عن الإمام أحمد وسئل إذا اكترى دكانا غصبا وهو لا يعلم فما الذي يصنع بما اشترى منه قال يرده في الموضع الذي أخذه منه قال وإن سلمنا ذلك فالمكان ليس بشرط فيها بخلاف الصلاة وهذا معنى ما ذكر أبو الخطاب وصرح بالزكاة والصوم في المكان الغصب وكذا صرح غيره بالأذان.
فرع يؤخذ من كلام صاحب المحرر وغيره: أنه لو طولب بوديعة وشبهها فصلى قبل الأداء مع القدرة أن صلاته تصح.
ونقل الشيخ تقي الدين من كلام ابن الزاغوني في أصول الفقه قال: حكى عن المخالف أظنه شافعيا: أنه لو طولب بالوديعة أو الغصب فصلى قبل الأداء صح فرضه دون نفله.
قال ابن الزاغوني: اتفق أصحابنا في هذه الحال على التسوية بين الفرض والنفل واختلفوا بعد ذلك في الحكم فقالت طائفة: لا يصح منه الفرض ولا

وقال القاضي: يستر منكبيه ويصلي جالسا فإن وجد مايستر بعض العورة ستر الفرجين فإن كفى أحدهما ستر الدبر وقيل: القبل أولى فإن أعير سترة لزمه قبولها فإن لم يجد صلى جالسا وأومأ لسجوده ولو قام وسجد بالأرض جاز وعنه يلزمه السجود.
وإذا وجد السترة في الصلاة بالبعد بطلت وبالقرب يستر ويبني.
النفل وقال الأكثرون: يصح منه الفرض والنفل لأن النهي لا يتعلق بشرط ولا ركن وعلى هذا فالصلاة قربة ويثاب عليها وكذلك ذكر في النافلة عند تضيق وقت الفرض وجهين انتهى كلامه وهذه المسألة الأخيرة تشبه ما لو اشتغل بالقضاء حيث قلنا لا يجوز الاشتغال به والذي نص عليه الإمام أحمد أن الصلاة تصح وقيل: لا تصح كذا ذكره غير واحد.
قال ابن الزاغوني: فإن قلنا: بوجوب الترتيب مع ضيق الوقت فإن اشتغل بالأداء حكمنا ببطلانه ويخرج في مسألة من طولب بوديعة قول ثالث من صلاة الآبق بصحة الفرض فقط وقياس القول بعدم صحة الصلاة في هذه المسائل أنه لا تصح صلاة من طولب بدين يقدر على وفائه ولا عذر وكذا صلاة من وجبت عليه الهجرة فلم يهاجر وكذا صلاة من صلى حاملا لشيء مغصوب ومما يؤيد هذا أن الصلاة تصح مع عمامة حرير أو تكة حرير أو مغصوبة وخاتم ذهب وخف حرير في المشهور قطع به بعضهم وقاسه على ما لو صلى وفي جيبه دراهم مغصوبة فدل على المساواة.
واعتذر المصنف عن صحة صلاة من وجبت عليه الهجرة في دار الحرب فقال: إنما صحت لأن المحرم عليه: ما يفوت من فروض الدين بترك الهجرة

المقدور عليها لا نفس المقام ومطلق التصرف فيه فهو كمن صلى في ملكه وعليه فروض لا يمكن أداؤها إلا بخروجه منه.
فرع لو غصب مسجدا فهل يضمنه بذلك المشهور: أنه لا يضمنه وسيأتي في باب الغصب إن شاء الله تعالى وهل تصح صلاته كلامه في المحرر يصدق على هذه الصورة تكن هي نادرة وقال ابن عقيل وتبعه على ذلك جماعة إن أزال الآلة الدالة على كونه مسجدا كان كسائر الغصوب في صحة الصلاة فيه روايتان وإن لم يغير هيأته لكن منع الناس الصلاة فيه فاحتمالان.
أحدهما تصح قدمه الشيخ وجيه الدين وصاحب الرعاية لأن حركته فيه وصلاته ليس بغاصب ولا آثم وإنما هو آثم بمنع الناس.
والثاني لا تصح كما لو تغلب على أملاك الناس وكما لو غصب ستارة الكعبة وصلى فيها أو حصر المسجد وصلى عليها.
قال ابن الزاغوني: لو زحم رجلا عن موضعه في المسجد فهل تصح صلاته على وجهين أشهرهما في المذهب: أنها تصح لأن الموضع مشترك الحق بينهما فإن أزاله عما استحقه بسبقه إليه جلس فيه وصلى بحقه الذي شاركه فيه فخرج بهذا عن أن يكون غصبا.

فرع هل تصح صلاة من غصب نفسه وهو العبد الآبق قال ابن عقيل في الفصول تصح صلاته لأن العبد في أوقات الصلاة ليس لسيده عليه حجر فهو مستثنى فصار كصلاة الحر إذا صلى في بيت يملكه في دار غصبها فإنه يصح كذلك صار ظاهره أن النافلة لا تصح وذكر في كتابه الواضح هذه المسألة وقال آخر كلامه والذي يتحقق غصبه لنفسه فيها من الصلاة تكون عندنا باطلة وهي النافلة وكذا قطع به الشيخ وجيه الدين في شرح الهداية.
وقد ذكر أصحابنا أن العبد لا يجوز له التطوع إلا بإذن سيده وأنه إن خالف وأحرم بحج صح لأنها عبادة بدنية كالصلاة والصوم.
وقال ابن عقيل في الحج من الفصول ويتخرج بطلان إحرامه بغصبه لنفسه فيكون قد حج في بدن غصب فهو أوكد من الحج بمال غصب.
وقال الشيخ تقي الدين بعد ذكره لكلام ابن عقيل في الواضح لكنه غاصب للمكان الذي حل فيه مقامه فيه يحرم كمقام الغاصب في ملك المغصوب فبطلان الصلاة أقوى انتهى كلامه.
فظهر من ذلك ثلاثة أقوال الثالث يصح الفرض فقط ونظير مسألة العبد الآبق من أمره سيده بالذهاب إلى موضع فخالفه وأقام وهي مسألة من وجبت عليه الهجرة فخالف وأقام ونحو ذلك.

باب ستر العورة

وهي شرط لصحة الصلاة وعورة الرجل مابين سرته وركبته وعنه

باب اجتناب النجاسات وحكم البقعة

ومن حمل نجاسة لا يعفى عنها أو لاقاها بيديه أو ثوبه أو حمل ما يلاقيها لم تصح صلاته إن علم بها وفي الجاهل والناسي روايتان [المذهب الصحة] . وإن صلى على بساط بطرفه نجاسة لا تصيبه جاز فإن حاذاها بصدره إذا

باب استقبال القبلة

وهو شرط للصلاة مع القدرة إلا في النفل للمسافر السائر ماشيا أو راكبا فيصلي حيث توجه وعنه لايجوز ذلك إلا للراكب.

ويلزمه الإحرام للقبلة إن لم يشق عليه ولا يجوز التنقل على الراحلة في الحضر وعنه يجوز وإصابة عين الكعبة فرض من قرب منها قال في المحرر "وإصابة عين الكعبة فرض من قرب منها ولم يفرق بين أن يكون ثم حائل أم لا" والذي قطع به غير واحد أنه إن كان ثم حائل فإن كان أصليا كجبل ففرضه الاجتهاد إلى عينها وعنه إلى جهتها إن تعذر اليقين وإن كان غير أصلي كالدور فلا بد من اليقين فإن تعذر اجتهد.
ونقل ابن الزاغوني وجماعة فيه رواية أن فرضه الاجتهاد وهذا معنى قول بعضهم إن كان غائبا عن الكعبة بحيث يقدر على رؤيتها لكنه مستتر عنها بالمنازل والجدار فهل فرضه يقين القبلة أو التوجه إليها بالاجتهاد فيه روايتان فإن قلنا اليقين فأخطأ أعاد وإلا فلا.
قال الشيخ وجيه الدين إذا كان ممنوعا بحائل من جبل أو أكمة فإنه يستخبر من على ذلك الحائل من المشاهدين هذا إن كان الحائل من الأبنية المحدثة والجدران المستجدة لأنه لو كلف حكم المشاهدة لأدى إلى تكليفه بشيء يشق عليه ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما كمذهبنا فلا فرق بين الحائل المحدث والأصلي وهو ظاهر كلام الشافعي والثاني تجب عليه المعاينة وذلك اليقين في الحائل المحدث لأن ذلك فرضه قبل حدوث الحائل وحدوث الحائل لا يغير حكم الموضع والخبر يكون عن مشاهدة أو عن علم انتهى كلامه.
وقال القاضي في الجامع أما من فرضه المعاينة فأن يكون في المسجد الحرام يشاهد الكعبة ويعاينها وأما من فرضه الإحاطة واليقين وإن لم يعاين فهو كمن كان بمكة من أهلها أو من غيرها لكن كثر مقامه فيها ولكنه من دون

حائل عن الكعبة لأمر أصلي الخلقة كالمنازل والتلول لأنه يتمكن من التوجه إلى عينها قطعا وإن كان من دون حائل وهكذا من كان بالمدينة ففرضه الإحاطة واليقين لأنه يتوجه إلى محراب النبي صلى الله عليه وسلم فيقطع على أنه متوجه إلى الكعبة.
وأما من فرضه الخبر فمن خفى عليه التوجه وهناك من يخبر عن الكعبة عن علم ويقين.
وأما من فرضه التقليد فمن خفيت عليه الدلائل ولم يتوصل إلى القبلة بالدليل.
وأما من فرضه الاجتهاد فمن كان من مكة على مسافة لا يتوصل إلى المعاينة ولا يتمكن من الإحاطة واليقين ولا ممن يخبره عن إحاطة ويقين.
فأما من كان بمكة أو بالقرب منها من دون حائل عن الكعبة فإن كان الحائل كالجبال والتلول ففرضه الاجتهاد أيضا وإن كان لا من أصل خلقه كالمنازل ففرضه الإحاطة واليقين.
وكل من قلنا فرضه الإحاطة أو اليقين أو الخبر عمل عليه.
وكل من قلنا فرضه الاجتهاد فهل عليه الاجتهاد في طلب العين أو الجهة على روايتين.
وذكر القاضي أن المشهور والصحيح عن الإمام أحمد أن عليه الاجتهاد في طلب الجهة وأن علي بن سعيد قال إنه مذهب الإمام أحمد وكذا عند غيره من الأصحاب.
وذكره القاضي وغيره الفائدة التي ذكرها في المحرر على الروايتين وأنه لو اختلف اجتهاد رجلين في الجهة الواحدة لكن أحدهما يميل يمينا والآخر يميل شمالا فهل لأحدهما أن يأتم بالآخر؟ ينبني على ذلك.

أو من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وفرض من بعد الاجتهاد إلى جهتها وعنه إلى غيرها فلو انحرف عن قبلته قليلا صحت صلاته على الأولى دون الثانية ومن أخطأ القبلة في الحضر أعاد وإن اجتهد في السفر وأخطأها لم يعد ومن أخبره ثقة بالقبلة عن علم قلده وإن أخبره عن اجتهاد اجتهد ولم يقلده ويقلد الأعمى أوثقهما عنده فإن تساويا قلد أيهما شاء فإن صلى الأعمى بلا دليل أعاد فإن لم يجد مقلدا صلى ولم يعد وقيل: يعيد وقيل: لا يعيد إلا أن يخطئ والجاهل بأدلة القبلة كالأعمى فيما ذكرنا ومن رأى محاريب ببلد خراب أو بلد كفر وشك هل هي للمسلمين أم لا لم يعمل بها.
قوله: "أو من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم".
لتيقن صحة قبلته لعدم إقراره على الخطأ.
قال ابن عبد القوي وفي معناه كل موضع ثبت أنه صلى فيه وضبط جهته قال وكذلك ما اجتمعت عليه الصحابة رضي الله عنهم كمحراب الكوفة وهذا فيه نظر لأنهم لم يجمعوا عليه وإنما أجمع عليه طائفة منهم ولا يحصل مطلوبه.

باب صفة الصلاة

يشترط النية للصلاة ويجب تعيينها للمكتوبة والنفل المعين ولا تجب نية الفرضية للفرض ولا نية القضاء للفائتة وقال ابن حامد يجبان.
ويكفي لمطلق النفل نية الصلاة.
وإذا تقدمت النية التكبير بزمن يسير أجزأه مالم يفسخها وإذا فسخها في صلاته بطلت وإن تردد في فسخها أو نوى أن يفسخها فعلى وجهين.

ولا تنعقد الصلاة إلا بقوله: "الله أكبر" فإن عجز عنه كبر بلغته وقيل: لا يترجم عنه كالقرآن ويرفع يديه مع التكبير مبسوطتين مضمومتي الأصابع إلى منكبيه وعنه إلى أذنيه وعنه هما سواء.
ثم يضع يمنى يديه فوق كوع اليسرى تحت سرته وعنه تحت صدره وعنه يخير وينظر إلى محل سجوده ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم" ثم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" سرا وليست من الفاتحة قوله: "ويرفع يديه مع التكبير" يستحب ولا يجب وهو من تمام الصلاة نص الإمام على ذلك ويقال لمن تركه تارك السنة في إحدى الروايتين وهل يقال لتاركه مبتدع قال القاضي أطلق القول بأن تاركه مبتدع فقال في رواية محمد بن أبي موسى وقد سأله رجل خراساني إن عندنا قوما يأمرون برفع اليدين في الصلاة وقوما ينهون عنه قال لا ينهاك إلا مبتدع فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القاضي والوجه فيه حديث ابن عمر "أنه كان إذا رأى مصليا لا يرفع يديه في الصلاة حصبه".
وهذا مبالغة ولأن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام مجمع عليه هكذا قال ابن المنذر قال القاضي فإذا كان مجمعا عليه فمنكره مبتدع لمخالفة الإجماع.
وهل يهجر من تركه مع العلم روي عن الإمام أحمد فيمن تركه يخبر به فإن لم ينته يهجر ذكره الخلال وهذا الهجر على سبيل الجواز والاستحباب لعدم وجوب المتروك وينبغي أن يكون هذا النص بالهجر والنص بأنه مبتدع بناء على النص بأنه تارك للسنة فأما على النص الآخر أنه لا يكون تاركا للسنة فلا يهجر ولا يبدع فعلى هذا يكون في المسائل الثلاث روايتان.

وعنه هي آية منها ثم يقرأ الفاتحة متوالية وأن أطال قطعها بذكر أو سكوت عمدا ابتدأ وإن كان سهوا أو يسيرا بنى فإذا أتمها قال آمين يجهر بها الإمام ومن خلفه فيما يجهر بقراءته ثم يقرأ سورة في الفجر من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي البقية من متوسطه ويطيل أول ركعتين من صلاته وله قراءة أواخر السور وأوساطها وجمع سور في الفرض وعنه يكره ذلك.
قوله: "في الفاتحة إنه يقرؤها" أطلق القراءة وليس كذلك فإنه يجب تصوت1 الإمام والمنفرد والمأموم بكل قول واجب قطع به الأصحاب وهو قول مالك والشافعي وأكثر الحنفية لأنه لا يكون كاملا بدون الصوت إنما هو مجرد حركة ونية بلا حروف كل أحد يعلم صحة ذلك من نفسه والصوت ما يتأتى سماعه وأقرب السامعين إليه نفسه حتى لو لم يسمعه لم يحصل علم ولا ظن بحصول شرط الصلاة فإن كان ثم مانع كطرش وصمم اعتبر قدر ما يسمع نفسه لو عدم ذلك كما يحصل الإمام سنة الجهر إذا لم يسمع من خلفه لمانع بقدر ما يسمعونه لولا المانع.
واختار الشيخ تقي الدين أنه يكفي محصل الحروف وإن لم يسمع نفسه وهو قول الكرخي الحنفي فإن أسمع نفسه فهو عند الكرخي أدنى الجهر.
قوله: "وجمع سور في الفرض تبع بعضهم على هذا التقديم وتبعه أيضا بعضهم وهو أجود من تقديم غير واحد الكراهة.
وذكر القاضي في الجامع الكبير أن الجواز أصح الروايتين قال نقل ذلك الجماعة صرح بأنه لا بأس في الفريضة في رواية ابنيه وحنبل.
وقال في رواية أبي طالب في الرجل يصلى بالناس يقرأ سورتين في ركعة قال نعم.
قوله: "ويكره" قال في رواية ابن منصور في الذي يجمع بين السور في 1- كذا في الأصل

ويجهر الإمام في الفجر وفي الأوليين من العشاءين ولا قراءة على المأموم.
ركعة قال لا بأس به في التطوع وأما في الفريضة فلا.
وعن الإمام أحمد يكره المداومة ولا يكره ذلك في النفل وقيل: يكره وهو غريب بعيد ودليل المسألة مشهور.
قوله: "ولا قراءة على المأموم" قطع به الأصحاب ونص عليه الإمام أحمد في غير موضع وقال الترمذي في جامعه واختار الإمام أحمد القراءة خلف الإمام وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام وقال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العكبري سمعت إبراهيم بن أبي طالب سألت أحمد بن حنبل عن القراءة فيما يجهر به الإمام فقال يقرأ بفاتحة الكتاب ورواه البيهقي في مناقب الإمام أحمد عن شيخه الحاكم وقال كأنه رجع إلى هذا القول كما رجع إليه الشافعي فقال يقرأ بفاتحة الكتاب وإن جهر الإمام وحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على صحة ما رجعا إليه هذا كلامه ووجه هذا القول عموم الأدلة الدالة على وجوب الفاتحة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "فإنها عامة في الإمام والمأموم والمنفرد في خصوص فاتحة الكتاب فيعمل بعمومها في خصوص ما وردت فيه إلى أن يرد دليل تخصيص والأصل عدمه وقد اعتمد في التخصيص على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [لأعراف: الآية] نقل الإمام أحمد في رواية أبي داود الإجماع على أنها في الصلاة وقوله صلى الله عليه وسلم: " وإذا قرأ فأنصتوا " رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري وصححه هو وغيره من حديث أبي هريرة وقوله صلى الله عليه وسلم: " من كان له إمام فقراءته له قراءة " والصحيح عند الحفاظ أنه مرسل وهذا المعتمد عليه إنما يدل على خصوص المأموم ولا دلالة فيه على خصوص القراءة ولا معارضة بينه وبين ما قبله أما لو دل على خصوص المأموم

وخصوص القراءة كان معتمدا صحيحا في التخصيص وهذا عند التأمل على النظر الصحيح.
واعتمدوا على قياس وهو أنه مأموم صح اقتداؤه بإمامه في ركعة فلم تلزمه قراءتها كما لو أدركه راكعا وقد ثبت الأصل بحديث أبي بكرة وأصل هذا القياس وهو المسبوق المدرك للركوع إن قيل لا تسقط عنه الفاتحة كما هو قول طائفة من العلماء واختاره من الشافعية ابن خزيمة وصاحبه أبو بكر الضبعي فهو ممنوع وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لا " تدرك الركعة بإدراك الركوع " لكن ضعفه ابن عبد البر والصحيح عنه كقول الجماعة وقال الحاكم في تاريخه أبو بكر أحمد بن إسحق بن أيوب الإمام المفتي المتكلم المغازي الرئيس الولي وأحد عصره سمعته وقد سأله الرئيس أبو الحسين عن الرجل يدرك الركوع ولم يقرأ فاتحة الكتاب في تلك الركعة فقال يعيد تلك الركعة قال الحاكم وقد صنف الشيخ أبو بكر هذه المسألة ويروي عن أبي هريرة وجماعة من السابقين أنهم قالوا يعيد الركعة والله أعلم.
ويجاب عن حديث أبي بكرة بأنه يحتمل أنه قرأ الفاتحة بسرعة أو لم يقرأها ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بتركه لها فهو قضية في عين فلا حجه فيه وإن قيل تسقط عنه كما هو قول أكثر القائلين بوجوب الفاتحة على المأموم وإسحق بن راهويه أوجبها على المأموم وقال أجمع الناس على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة وكذا نقل غيره الإجماع.
إن قيل بهذا قيل الدليل الشرعي قد دل على وجوبها على المأموم وعدم سقوطها عنه بخلاف المسبوق والدليل متبع وكون الشيء واجبا أو ركنا وغير ذلك أمور اصطلاحية فجميع ما دل دليل على وجوبه فالأصل عدم سقوطه مطلقا فإن دل دليل على سقوطه في موضع قيل به عملا بالدليل.

وكان الباقي على أصل الدليل وعلى هذا لا يتوجه النقض بالأركان على من أوجبها أو أسقطها عن المسبوق.
ولو أدركه في الركوع فأتى بتكبيرة الإحرام فقط صحت صلاته مع تركه تكبيرة الركوع وهذا واجب سقط للعذر كذا في مسألتنا.
ولو قام الإمام عن التشهد الأول فذكره بعد شروعه في القراءة أو قبلها وقلنا لا يرجع والمأموم جالس قام وتبعه وهذا واجب سقط للعذر وهو متابعة الإمام.
ومن أدلة وجوبها على المأموم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال إني أراكم تقرءون وراء إمامكم قال قلنا يا رسول الله إي والله قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها رواه الترمذي.
حدثنا عباد حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة وقال حديث حسن وقد رواه أحمد في المسند من حديث ابن إسحاق عن مكحول وروى أيضا حدثنا أبي عن بن إسحاق حديث مكحول فذكره ولم أجد أحمد رواه من غير حديث أبي الخفاف1 عن محمد بن أبي عاصم عن صحابي وعن أبي معاذ كما سيأتي بعد ذلك ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن خزيمة حدثنا مؤمل بن هشام اليشكري حدثنا إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق حدثني مكحول ورواه أبو داود من حديث ابن إسحاق وكذلك الدارقطني وقال إسناده حسن وفي لفظ " لا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن ". رواه النسائي أخبرنا هشام بن عمار عن صدقة عن زيد بن واقد عن حزام ابن حكيم عن نافع بن محمود بن ربيعة عن عبادة.
1- في الكنى للدولابي: أبو خفاف ناجية بن كعب القرطي كوفي روي عنه شعبة

ورواه أبو داود من حديث زيد بن واقد وكذلك رواه الدارقطني وقال إسناد حسن ورواته ثقات كلهم وعنده أنه سمع عبادة بن الصامت ولحديث عبادة غير طريق وقد رواه البخاري في غير الصحيح وصححه ورواه أيضا ابن حبان والطبراني والبيهقي وغيرهم وقد ضعف الإمام أحمد حديث عبادة من قبل ابن إسحاق وقال لم يرفعه غير ابن إسحاق واعتمد ابن الجوزي على هذا وابن إسحاق لم ينفرد به والظاهر أن الإمام أحمد لم يقع له غير طريق محمد بن إسحاق فلهذا قال هذا وابن إسحاق مختلف فيه والأكثرون على أنه ثقة إذا صرح بالسماع كما هو هنا فالصواب حسن حديثه لزوال التدليس الذي يخشى منه وقال الترمذي وروى هذا الحديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " قال وهذا أصح.
والظاهر أن مراده أن هذا أصح إسنادا من حديث ابن إسحاق فإنه قد حسن حديث ابن اسحاق ولو كان ضعيفا لم يحسنه وضعف أيضا من قبل زيد بن واقد فإن أبا زرعة قال فيه ليس بشيء كذا قال ابن الجوزي وتبعه المصنف في شرح الهداية وليس كذلك فإن زيد بن واقد هذا دمشقي من أصحاب مكحول وثقه الإمام أحمد وابن معين وروى له البخاري في الصحيح ولم يقل فيه أبو زرعة ليس بشيء إنما قال في زيد بن واقد البصري الذي يروي عن حميد وقال ابن عبد البر في نافع بن محمود هو مجهول وليس كذلك فإنه يروي عنه غير واحد من الثقات ووثقه ابن حبان والثاني سديد في الرجال وقد أخرج له ولم أجد فيه جرحا.
وهذه إشارة إلى حديث عبادة ومن نظر فيه ظهر له حسنه وأنه صالح

للاحتجاج به وهو في خصوص المأموم وخصوص القراءة وقد احتج به ابن الجوزي على خصمه الحنفي في قراءة الفاتحة إذا لم يجهر.
قال المصنف في شرح الهداية ثم لو صح فحديث إذا قرأ الإمام فأنصتوا أصح منه إسنادا فهو مقدم عليه وهذا فيه نظر لأنه بتقدير صحته يجب تقديمه على حديث إذا قرأ فأنصتوا لخصوصه وهذا ظاهر.
قال ثم يحمل قوله: " إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " على الفضيلة والاستحباب لا استثناء من قوله: " فلا تفعلوا " والمراد به استحباب الترك.
وهذا فيه نظر أيضا لأن الصواب مذهبا ودليلا أن حرف النفي إذا دخل على شيء دل حقيقة على عدم صحته فالتزام هذا المحذور الذي ذكره من غير ضرورة ظاهرة بعيد مع أنه مخالف للمذهب لا على كراهة قراءتها بل قد ذهب بعضهم إلى البطلان فإن كان ولا بد من مخالفته فمخالفته بالمصير إلى قول سلف وعليه جماعات من الأئمة أولى لا سيما وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه سئل عن القراءة خلف الإمام فقال اقرأ بفاتحة الكتاب قلت وإن كنت أنت قال وإن كنت أنا قلت وإن جهرت قال وإن جهرت رواه جماعة بمعناه منهم سعيد بن منصور والدارقطني وهذا لفظه وقال إسناد صحيح.
والاستحباب يروى عن الليث والأوزاعي.
وقد روى معنى حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه رواه الإمام أحمد عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من الصحابة ورواه أيضا عبد بن حميد في مسنديهما من حديث أبي قتادة ورواه الطبراني من حديث

ويسن له أن يستفتح ويتعوذ ويقرأ إلا أن يسمع إمامه فيكره وعنه لا يكره أن يستفتح ويتعوذ بحال وعنه يستفتح بكل حال ولا يتعوذ إذا سمع إمامه ومن لم يحسن سورة الحمد لزمه تعلمها فإن ضاق الوقت قرأ من غيرها سبع آيات لا تنقص عنها في الحروف فإن نقصت فعلى وجهين [المذهب الصحة] . عبد الله بن عمرو وغير ذلك من الوجوه وفيها ضعف والله سبحانه وتعالى أعلم.
وحكى القاضي في وجوبها على المأموم في صلاة السر وجهين.
أحدهما تجب ولا تجب في صلاة الجهر مطلقا حكاه ابن المنذر عن الزهري ومالك وعمرو بن دينار وأحمد وإسحاق بن سعيد المؤدب سألت أحمد بن حنبل عن القراءة خلف الإمام فقال اقرأ إذا لم يجهر وظاهره وجوب القراءة في غير حالة الجهر وقال في رواية ابن مشيش وسئل عن القراءة قراءة الإمام لك قراءة فقال هذا الآخر أقوى يعني إذا جهر فأنصت وإذا خافت فاقرأ هكذا في مسائل ابن مشيش.
فصار في وجوبها على المأموم أربعة أقوال.
قوله: "ويسن له أن يستفتح ويتعوذ ويقرأ إلا أن يسمع إمامه فيكره".
قال المصنف في شرح الهداية في فصل سكتات الإمام وعلى كل حال فمتى سكت الإمام السكوت المذكور أو غيره لغفلة أو نوم أو تعب أو اشتغال أو غير ذلك فاغتنام القراءة فيه للمأموم مستحب.
ظاهة استحباب القراءة إذا لم يسمع مطلقا فيدخل فيه استحباب القراءة عند رؤوس الآي واختاره الشيخ زين الدين بن المنجي لأنه الآن لا يسمى قارئا ويقال هو ساكت وقد سكت والأمر بالإنصات إنما هو لاستماع القرآن ولا قراءة في هذه الحال وليس هذا ببعيد إن لم يخالف الإجماع

وإن لم يحسن إلا آية كررها بقدرها وقال ابن أبي موسى لا يجب تكرارها.
وإن لم يحسن قرآنا لزمه قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر فإن لم يحسن ذكرا وقف بقدر الفاتحة.
ثم يرفع يديه ويركع مكبرا ويجعل يديه على ركبتيه ورأسه بإزاء ظهره ويجافي عضديه على جنبيه وإن انحنى بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه أجزأه.
ويقول: "سبحان ربي العظيم" ثلاثا وهو أدنى الكمال.
وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: "إذا كان له سكتات قرأ الحمد وإذا لم تكن له سكتات قرأ عند انقطاع نفسه".
واختار ابن المنذر في الإشراف أنه يقرأ في سكتات الإمام فإن بقي من الفاتحة شيء قرأ عند وقفات الإمام فإن بقي شيء فإذا ركع الإمام.
وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية هذا لم يقله أحد من العلماء.
وقوله: "فيكره" هذا هو المشهور قال في رواية الميموني يقرأ فيما لا يجهر فيه الإمام ولا يقرأ فيما جهر فيه الإمام وقال في رواية أبي الخطاب لا يقرأ فيما يجهر فيه ويقرأ فيما يسر وقال في رواية عبد الله يقرأ فيما لا يجهر به الإمام فإن جهر أنصت وقال في رواية صالح يقرأ فيما لا يجهر ولا تعجبني القراءة خلف الإمام يعني فيما يجهر أحب إلى أن ينصت وقال في رواية يقرأ فيما لا يجهر ولا يعجبني أن يقرأ والإمام يجهر ذكره جماعة منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب المستوعب وهو معنى كلام الشيخ موفق الدين والمصنف في شرح الهداية وقدم ابن تميم التحريم وذكر في الرعاية الكراهة ثم قولا ببطلان الصلاة بها ومراده والله أعلم على هذا وتكون القراءة محرمة.
قوله: "وإن انحنى بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه أجزأه" أطلق العبارة وصرح جماعة من الأصحاب في حق متوسط الناس في اليدين

ثم يرفع رأسه ويديه قائلا "سمع الله لمن حمده" إن لم يكن مأموما.
فإذا انتصب قال ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ويقتصر المأموم على التحميد ويأتي به في رفعه وقيل: هو كالإمام والمنفرد.
لو قدر ذلك في حق غيره وأما اشتراط مس ركبتيه بكفيه وعدم الاكتفاء بأصابعه فلم أجد أحدا صرح بالاكتفاء لكن ظاهر كلامه وكلام جماعة الاكتفاء وقد قال حرب قلت لأحمد متى يدرك الرجل الركوع مع الإمام قال إذا وضع يديه على ركبتيه وركع قبل أن يرفع الإمام رأسه وقطع جماعة منهم الآمدي وابن البنا وصاحب التلخيص بعدم الاكتفاء فإنه لا بد من مس ركبتيه بكفيه.
فصل لم يذكر حكم يديه بعد الرفع من الركوع قال الإمام أحمد إن شاء أرسلهما وإن شاء وضع يمينه على شماله وقطع به القاضي في الجامع لأنه حالة قيام في الصلاة فأشبه قبل الركوع لأنه حالة بعد الركوع فأشبه حالة السجود والجلوس وذكر في المذهب والتلخيص أنه يرسلهما بعد رفعه وذكر في الرعاية أن الخلاف هنا كحالة وضعهما بعد تكبيرة الإحرام.
فصل ظاهر كلامه أنه لا يرفع يديه للسجود ولا للرفع منه وهو ظاهر المذهب والمشهور وعنه يرفع ونص على أنه يرفع في كل خفض ورفع وذكره القاضي وغيره.
وإن قرأ سجدة فهل يرفع يديه حين انحطاطه للسجود فيه؟ روايتان,

فصول الكتاب · 30 فصل · 499 صفحة
جارٍ التحميل