المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبلصفحات 283-322
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 283-322
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجد الدين بن تيمية
الكتاب
المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
المؤلف
عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (المتوفى: 652هـ)
الناشر
مكتبة المعارف- الرياض
الطبعة
الطبعة الثانية 1404هـ -1984مـ
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وفي اعتبار اتحاد الملة وجهان والأول المذهب.
ولا تقبل شهادة الصبيان بحال.
لعلوه على ذمة الإسلام ولانقطاع الولاية بينه وبين أهل الذمة فأما شهادته على حربي مثله فتقبل.
فظهر من ذلك أنه هل تقبل شهادة المستأمن والحربي أولا أو تقبل على مثله خاصة فيه ثلاثة أقوال وأنه هل تقبل شهادة الذمي على المستأمن والحربي فيه قولان.
قوله: "وفي اعتبار اتحاد الملة وجهان".
ذكر أبو الخطاب وغيره ما معناه أنه إنما لم تقبل شهادتهم على المسلمين لأنهم يعادونهم بالباطل وشهادة العدو لا تقبل ولا يلزمنا شهادة اليهود على النصارى فإنا لا نقبلها إذا قلنا الكفر ملل وهو رواية لنا وبه قال قتادة والزهري وابن أبي ليلى وأبو عبيدة وإسحاق.
وإذا قلنا الكفر ملة واحدة وهي رواية لنا قبلناها وهو قول أبي حنيفة وبينهم عداوة ظاهرة وهي عداوة بباطل ويجوز أن يقال بل وعدواتهم بحق لأن اليهود تنكر على النصارى قولهم المسيح ابن الله وهو إنكار بحق والنصارى تنكر على اليهود جحد نبوة عيسى وقولهم عزيز ابن الله وهو إنكار بحق فقبلت شهادتهم كشهادة المسلمين عليهم.
قوله: "ولا تقبل شهادة الصبيان بحال".
هذا هو المذهب وذكر جماعة أنه أصح الروايات منهم القاضي وقال نقل ذلك الميموني وحرب وابن منصور فقال لا تجوز شهادة الصبي حتى يحتلم أو يتم له خمسة عشر سنة وهو اختيار الخرقي وأبي بكر انتهى كلامه واختاره غيرهما من الأصحاب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي.

وعنه تقبل من المميزين إذا وجدت فيهم بقية الشروط وعنه لا تقبل إلا في الجراح إذا أدوها قبل تفرقهم عن الحال التي تجارحوا عليها.
قوله: "وعنه تقبل من المميزين إذا وجدت فيهم بقية الشروط".
قال القاضي وفي رواية أخرى تجوز شهادته في الجملة إذا كان مميزا وهو ظاهر ما رواه ابن إبراهيم وسئل هل تجوز شهادة الغلام قال إذا كان ابن عشر سنين أو اثنى عشرة سنة وأقام شهادته جازت شهادته انتهى كلامه.
وهذا النص إنما يدل لما ذكره بعض الأصحاب من أنه تقبل شهادة ابن عشر لأنه يضرب على الصلاة أشبه البالغ ولم أجد ما ذكره المصنف نصا عن الإمام أحمد ووجهه أنه مأمور بالصلاة أشبه البالغ وقد يقال إذا وجدت فيه بقية الشروط يدخل في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ قال ابن حامد تقبل على هذه الرواية في غير الحدود والقصاص كالعبد.
قوله: "وعنه لا تقبل إلا في الجراح إذا أدوها قبل تفريقهم عن الحال التي تجارحوا عليها".
لأن الظاهر صدقهم وضبطهم وإذا تفرقوا احتمل أن تلغو.
قال القاضي وفيه رواية أخرى تجوز شهادتهم في الجراح والقتل إذا جاءوا مجتمعين على الحال التي تجارحوا عليها أو يشهد على شهادتهم قبل أن يتفرقوا ولا يلتفت بعد ذلك إلى رجوعهم فأما إن تفرقوا ثم شهدوا بها لم تقبل وهذا ظاهر ما نقله حنبل عنه تجوز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح فإذا كانوا في المالا1 بأنهم عقلوا.
1 كذا في الأصل غير منقوطة ولعلها "تثبتنا شهادتهم إذا عقلوا" أو نحو هذا.

قال القاضي فقد أطلق القول بجوازها في الجراح لكنه محمول على التفصيل الذي ذكرناه لأنه صار في ذلك إلى قول على وهو على ذلك الوجه وذكر القاضي أن هذا قول مالك ومن الأصحاب من جمع ذلك وذكر روايتين.
قال القاضي بعد كلامه المذكور وقد ذكر أبو بكر هذه الرواية على التفصيل الذي ذكرنا في تعاليق أبي إسحاق فقال روى عن علي رضي الله عنه قال شهادة الصبيان بعضهم على بعض تجوز ما كانوا في الموضع فإذا تفرقوا لم تقبل قال أحمد ابن حنبل كذلك وزاد فإذا تفرقوا لم تقبل لأنه يمكن أن يجيبوا انتهى كلامه وليس ما ذكره موافق لما ذكره القاضي وإنما هو رواية أخرى بقبول شهادتهم بعضهم على بعض في كل شيء ما كانوا في الموضع فإذا تفرقوا لم تقبل.
قال الإمام أحمد في رواية المروزي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن خلاس أن عليا قال شهادة الصبيان على الصبيان جائزة وذكره في المغني عن علي وعن جماعة وهو قول في الرعاية فقال وقيل تقبل على مثله وعن أحمد ما يدل عليه قال عبد الله سألت أبي عن شهادة الصبيان فقال علي أجاز شهادة الصبيان الذين عرفوا بعضهم على بعض وروى سعيد حدثنا هاشم عن مغيرة عن إبراهيم قال "كانوا يجيزون شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما كان بينهم" فهذه ثمانية أقوال في المذهب إن لم يكن رواية عن الإمام أحمد وسيأتي في الفصل بعد هذا حكاية القاضي أن شهادتهم بالمال لا تقبل.
فصل قال الشيخ تقي الدين وذكر القاضي أنه لا يقبل إقراره وفاقا قال وهذا عندي عجيب واعتذروا عنه بأن إقراره لا يكون إلا بالمال إما عليه وإما

ولا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة نص عليه.
على غيره قال وذكر عنهم أن الخلاف في الشهادة على الجراح الموجب للقصاص فأما الشهادة بالمال فلا تقبل قال الشيخ تقي الدين وهذا أيضا عجيب فإن الصبيان لا قود بينهم وإنما الشهادة بما يوجب المال وما أظن إلا أنهم أسقطوا الإقرار لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف بخلاف المشهود به ولا تقبل في إتلاف بعضهم ثياب بعض وهل تقبل شهادة الصبيان على المعلم ذكرابن القصار فيه خلافا بين أصحابه انتهى كلامه.
وذكر في المغني أن إقرار الصبي لا يصح بغير خلاف نعلمه واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام."رفع القلم عن ثلاث فذكر منهم الصبي حتى يبلغ" ولأنه التزام حق بالقول فلم يصح منهم كالبلغ وما ذكره القاضي من أن الخلاف عنهم في الشهادة على الجراح الموجب للقصاص فأما الشهادة بالمال فلا تقبل تقدم أنا قبلنا شهادتهم وقال ابن حامد في غير الحدود والقصاص كالعبد.
وما ذكره من أنها لا تقبل في إتلاف بعضهم ثياب بعض هذا ينبغي أن يكون على رواية حنبل لا تقبل إلا في الجراح أما على غيرها من روايات القبول فتقبل وحكاية ابن القصار الخلاف في قبول شهادتهم على المعلم يدخل في الأقوال السابقة القبول وعدمه والمذهب عدم القبول مطقا كما تقدم.
قوله: "ولا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة نص عليه".
فقال في رواية حرب من كان أخرس فهو أصم لا تجوز شهادته وهذا هو المذهب المنصور وبهذا قال أبو حنيفة وحكاه القاضي وغيره عن الشافعي لأنها محتملة والشهادة يعتبر فيها اليقين فلم تقبل كإشارة الناطق وإنما قبلت في أحكامه المختصة به كالطلاق والعتق والنكاح والبيع واللعان واليمين للضرورة

وتوقف فيما إذا أداها بخطه واختار أبو بكر أن لا تقبل وعندي أنها تقبل.
وقيل تقبل بالإشارة ممن فهمت منه فيما طريقة الرؤية وقد أومأ إليه أيضا.
وتجوز شهادة الأصم في المرئيات وبما سمعه قبل صممه.
وهي هنا معدومة وهي أن تلك الأشياء لا تستفاد إلا من جهته بخلاف الشهادة وقال القاضي وقد قيل إن تلك الأشياء ينبنى أمرها على غالب الظن دون الشهادة.
قوله: "وتوقف فيما إذا أداها بخطه واختار أبو بكر أن لا تقبل وعندي أنها تقبل".
قيل للإمام أحمد في رواية حرب فإن كتبها فقال لم يبلغني فيه شيء قال أبو بكر عبد العزيز لا يعمل على الكتاب والشهادة لا تجوز على من لا يعرف.
وكأن وجه قول أبي بكر وصاحب المحرر الاختلاف في الكتابة هل هي صريحة حتى لو كتب طلاق امرأته ولم ينو فيه قولان.
قوله: "وقيل تقبل بالإشارة الخ".
هذا قول مالك لأنها أقيمت مقام نطقه في أحكامه فكذا في شهادته وحكاه في المغني عن الشافعي وهذا أحد الوجهين في مذهبه والأصح فيه عدم القبول.
قوله: "وتجوز شهادة الأصم في المرئيات وفيما سمعه قبل صححه".
لأنه في ذلك كمن لا صمم به ولأنه فيما رآه كغيره من الناس وقال الشيخ تقي الدين قال القاضي في مسألة الأعمى العمى فقد حاسة لا تمنع النظر1 1 كذا بالأصل.
ولعله "تمنع النظر ولا تمنع السمع"

وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات.
والسمع فلم تمنع من تحمل الشهادة كفقد الشم والذوق ولا يلزم عليه الخرس لأنه يمنع النطق ولا يلزم عليه الصمم لأنه يمنع السمع ولذلك قال بعد ذلك لا ينتقض بالأخرس وبالأطرش ثم قال الأصم لا يجوز قضاؤه ويصح أداء الشهادة منه ذكره محل وفاق.
قوله: "وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات".
يجوز للأعمى تحمل الشهادة فيما طريقه الصوت كالنسب والموت والملك المطلق والوقف والعتق والولاء وسائر العقود كالنكاح والبيع والصلح والإجارة والإقرار نص عليه في رواية مهنا فقال تجوز شهادة الأعمى في نسب الرجل إذا عرف أنه فلان وتجوز في النكاح شهادة مكفوفين ولا تجوز شهادة أعمى في الزنا ولذلك نقل الأثرم عنه قال إذا كان شيئا يضبطه مثله في النسب وما أشبهه ودار قد عرف حدودها قبل عماه فإن كان أعمى لم يزل فعلى ما يشبه أن يقوم به مثله ذكره القاضي وهو معنى كلام غيره وهو قول مالك وابن المنذر وروى عن علي وابن عباس قال أحمد في رواية مهنا قد أجاز على شهادة أعمى يروى من حديث أبي عوانة عن الأسود بن قيس أن عليا "أجاز شهادة أعمى" واحتج في الرواية محمد بن الحكم بالذين سمعوا من عوانة مثل الأسود وغيره وهذا أعظم لأنه يؤخذ به ويعمل به ويحكم لأنه يحصل له العلم بذلك وتجوز روايته بالسماع واستماعه لزوجته فجازت شهادته كالبصير وهذا بخلاف ما طريقه الرؤية لأنه لا رؤية له وقال أبو حنيفة لا تقبل في شيء أصلا مع تسليمه أن النكاح ينعقد بشهادة أعميين قال الإمام أحمد في رواية مهنا شهد قتادة عند إياس بن معاوية وهو أعمى فرد شهادته وقال الشافعي تقبل في ثلاث مواضع أحدها ما طريقه الاستفاضة كالنسب

وبما رآه قبل عماه إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه فإن لم يعرفه إلا بعينه فوصفه فوجهان.
والموت والنكاح ونحوه والثاني الضبط وهو أن يتعلق بإنسان فيسمع إقراره فيجوز أن يشهد عليه الثالث في الترجمة.
قوله وبما رآه قبل عماه إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه.
وبه قال الشافعي لما تقدم ولحدوث الصمم وروى الخلال عن إسماعيل بن سعيد سألت الإمام أحمد عن شهادة الأعمى فيما قد عرفه قبل أن يعمى فقال جائز في كل ما ظنه مثل النسب ولا تجوز في الحدود وقال أبو حنيفة لا تجوز أصلا وذكر أحمد عن أصحاب أبي حنيفة الجواز في هذه المسألة.
قوله: "فإن لم يعرفه إلا بعينه فوصفه فوجهان".
من الأصحاب من يعيد هذا إلى المسألة الأخيرة قال القاضي فإن تحمل الشهادة على الأفعال ثم آداها وهو أعمى جاز سواء كان على الاسم والنسب أو على الأعيان دون الاسم والنسب على ظاهر ما رواه الأثرم عنه.
وقوله: "إذا كان شيئا يضبطه وقد عرفه قبل عماه".
قال وقال أصحاب الشافعي إن كان قد تحملها على الاسم والنسب جاز وجها واحدا وإن كان على الأعيان فعلى وجهين.
وقال بعض أصحابنا بعد أن ذكر هذين الوجهين وكذا قيل إن عرفه بصوته فوصفه للحاكم بما يميزه فيه الوجهان ووجه الجواز عموم ما تقدم ووجه عدمه أن هذا مما لا ينضبط غالبا.
فصل فأما الشهادة على الأفعال فلا تجوز ذكره القاضي محل وفاق واعتذر

بأن الأفعال طريقها المشاهدة وذلك لا يمكن حصوله من الأعمى وكذلك ذكره غير القاضي.
قال الشيخ تقي الدين ما علمه بالاستفاضة كالولادة شهد به على قول الخرقي انتهى كلامه وهو معنى كلام القاضي والشيخ موفق الدين وغيرهما لأنه فيما علم بالاستفاضة كالبصير.
فصل قال الشيخ تقي الدين بعد مسألة شهادة الأعمى كذلك إذا تعذر وجود1 المشهود عليه بموت أو غيبة أو حبس فشهد البصير على حليته إذ في الموضعين تعذرت الرؤية من الشاهد فأما الشاهد نفسه هل له أن يعين من رآه وكتب صفته أو ضبطها ثم رأى شخصا بتلك الصفة هذا أبعد فإن ذاك تعريف من الحاكم وهذا تعريف من الشاهد وهو شبيه بخطه إذا رآه ولم يذكر الشهادة انتهى كلامه.
فصل فإن قال الأعمى أشهد أن لفلان علي هذا شيئا ولم يذكر اسمه ونسبه أو شهد البصير على رجل من وراء حائل ولم يذكر اسمه ونسبه لم يصح ذكره القاضي محل وفاق أصلا للمخالف وفرق بأن المشهود عليه مجهول.
قال الشيخ تقي الدين قياس المذهب أنه إذا سمع صوته صحت الشهادة عليه أداء كما تصح الشهادة عليه تحملا فإنا لا نشترط رؤية المشهود عليه حين التحمل ولو كان الشاهد بصيرا فكذلك لا نشترطها عند الأداء وهذا نظير إشارة البصير إلى الحاضر إذا سماه ونسبه وهو لا يشترط في أصح الوجهين فكذلك 1 في نسخة أخرى: حضور

إذا أشار إليه لا تشترط رؤيته قال وعلى هذا فتجوز شهادة الأعمى على من عرف صوته وإن لم يعرف اسمه ونسبه ويؤديها عليه إذا سمع صوته.
فصل قال القاضي ضمن المسألة وأيضا فإن حدوث العمى بعد تحمل الشهادة لم يتعذر معه إلا معاينة المشهود عليه والإشارة إليه وهذا لا يمنع من سماع شهادته وقبولها لأن المقصود بمعاينته والإشارة إليه هو تعيينه وتمييزه عن غيره ليصير معلوما عند الحاكم فيتمكن بذلك من إنفاذ الحكم عليه وهذا يحصل مع حدوث العمى بما يصفه بلسانه من اسمه ونسبه وصفاته التي تميزه وتعينه.
فإن قيل لو كان التعيين باللسان يقوم مقام الإشارة لوجب أن يصح في البصر إذا شهد قيل يصح ذلك من البصير من غير حضور الخصم ويكون التعيين باللسان بناء على قولنا في القضاء على الغائب وسماع البينة عليه فإن حضر الخصم احتمل أن تقبل الشهادة عليه من غير إشارة إليه إذا ذكر اسمه ونسبه وهو الصحيح واحتمل أن تجب الإشارة إليه مع الحضور لأنه أقرب إلى علم الحاكم به وفصل الحكم بينه وبين خصمه بخلاف الأعمى فإن فصل الحكم يحصل بسماع كلامه لتعذر الإشارة من جهته بدليل جواز الشهادة على الغائب عند المخالف بلا إشارة وإذا حضر وجبت الإشارة.
قال الشيخ تقي الدين الأعمى تمكن منه الإشارة إذا عرف الصوت قال القاضي وأيضا فإنه ليس من شرط صحة الشهادة معاينة المشهود عليه بدليل اتفاقهم على جواز الشهادة على الميت والموكل الغائب.
وقال أيضا تعيين الشهود عليه للحاكم يحصل بالتسمية والنسبة والصفة.

ولا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه بها نفعا.
قال الشيخ تقي الدين فقد سووا بين شهادة الأعمى وبين شهادة البصير على الغائب والميت وفي شهادة الأعمى بالصفة دون الاسم والنسب وجهان فكذلك الشهادة على الغائب والميت والضابط أن كل شهادة على غير معاين فإنه يشهد فيه بالاسم والنسب إن عرفه وإن لم يعرفه ففي الشهادة بالجلية وجهان.
فصل وقد تقدم بعض ذلك عند قوله في المحرر "والسماع على ضربين".
فصل ولا يمتنع أن تقبل شهادة الأعمى قياسا على شهادة غيره على ظاهر كلامه وإطلاقه.
قوله: "ولا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه بها نفعا".
للتهمة وقد تقدم الحديث في ذلك قال صالح قال أبي كل من شهد بشهادة يجر بها إلى نفسه شيئا شهادته وكذا نقل عنه أبو الحارث ونص أحمد في رواية أبي الصقر أن كل من جر إلى نفسه منفعة لا تجوز شهادته ويدخل في كلامه وكلام غيره ما صرح به ابن عقيل وغيره من أنه لو لم يحكم بشهادتهما حتى مات المشهود له فورثاه لم يحكم بشهادتهما لأنه لو حكم حكم بشهادة الشاهدين لأنفسهما.
ومراده في المحرر "من يجر إلى نفسه بها نفعا" حال الشهادة بدليل ما يأتي وهو معنى كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى فلو شهد غير وارث فصار عند الموت وارثا سمعت دون العكس كذا ذكر بعضهم هذه المسألة.

كشهادة السيد لمكاتبه والمكاتب لسيده والوصي للميت والغرماء للمفلس بالمال بشرط الحجر.
وتحريرها على ما ذكره بعضهم أن طرآن الإرث بعد الحكم بالشهادة لا يضر كطرآن الفسق وإن كان طرأ قبل الحكم بالشهادة لم يحكم بها لأنهما صارا مستحقين كما لو طرأ الفسق قبل الحكم.
قوله: "كشهادة السيد لمكاتبه والمكاتب لسيده".
وذكر القاضي شهادة المرء لنفسه أو لعبده لا تجوز جعله محل وفاق في مسألة مجهول النسب.
قوله: "والوصي للميت".
لأنه يأكل منه عند الحاجة ولأنه يثبت له فيه حق التصرف قال ابن منصور قلت للإمام أحمد سئل سفيان عن شهادة الوصي قال إذا شهد على الورثة جاز وإذا شهد لهم لم يجز وقال حرب سمعت الإمام أحمد يقول شهادة الوصي إذا كان لا يجر إلى نفسه شيئا جائزة وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.
قال في المغني والحكم في أمين الحاكم يشهد للأيتام الذين هم تحت ولايته كالحكم في الوصي قياسا عليه فأما شهادته عليه فمقبولة كما نص عليه الإمام أحمد وهو ظاهر كلام الأصحاب قال في المغني لا نعلم فيه خلافا.
وقال القاضي ويخرج على ذلك ما قاله في الأب من الروايتين يعني في شهادته على ولده.
وذكر الشيخ تقي الدين أنها تجوز قال إلا أن يقال قد يستفيد بهذه الشهادة نوع ولاية في تسليم ومثله شهادة المودع وفي مثله أودعنيها فلان وملكها فلان.
قوله: "والغرماء للمفلس بالمال بشرط الحجر لتعلق حقوقهم به".

وأحد الشفيعين يعفو الآخر عن شفعته والوكيل لموكله أو الشريك لشركيه بما هو وكيل أو شريك فيه.
وقيل الحجر إنما يتعلق حقوقهم بذمته وثبوت المطالبة لهم لم تثبت بشهادتهم بل بيساره وإقراره لدعواه الحق الذي شهدوا به وذكر القاضي أنه إذا شهد لغريمه المعسر بمال قبلت شهادته وإن كان يستفيد القضاء جعله محل وفاق لأن دينه ثابت في ذمة غريمه سواء كان غنيا أو فقيرا وحق المطالبة ثابت أيضا وليس يثبت بشهادته له حقا لنفسه لم يكن ثابتا قبل ذلك وإختار ابن حمدان أنه لا تقبل شهادته قبل الحجر مع إعساره وذكر القاضي أيضا وغيره أنه إذا شهد الأخ المعسر لأخيه المعسر بمال قبلت شهادته وله النفقة1 جعله محل وفاق كما تقبل الشهادة على رجل أنه أخذ من بيت المال وإن جاز أن يثبت له حق في بيت المال.
قوله: "وأحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته".
لأنه متهم لتوفرها عليه وتقبل بعد إسقاطه شعفته لعدم التهمة.
قوله: "والوكيل لموكله والشريك لشريكه بما هو وكيل أو شريك فيه".
نص عليه الإمام أحمد في الشريك لشريكه في رواية ابنيه وغيرهما وعلل بجر المنفعة وقال في المغني بعد أن ذكر أنه قول جماعة منهم الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا فإن شهد الوكيل لموكله بعد العزل فوجهان وإن كان 1 الذي نقله الشيخ تقي الدين بن تيمية عن القاضي: أنه في التعليق: وإذا شهد الأخ المعسر لأخيه المعسر بمال.
فإن شهادته مقبولة، وإن كان يجر بشهادته له النفقة.

والوارث يجرح موروثه قبل اندماله ونحوهم وفي شهادة الوارث لموروثه في مرضه بدين وجهان فإن قلنا تقبل فحكم بها لم يتغير الحكم بالموت بعده.
ولا تقبل شهادة من يدفع بها عن نفسه ضررا.
قد خاصم فيه ردت وكذلك شهادة الوصي ليتيم في حجره فإن شهد على موكله قبلت وذكر الشيخ تقي الدين فيه كلامه المكتوب في شهادة الوصي على الميت.
قوله: "والوارث يجرح موروثه قبل اندماله ونحوهم" لأنه قد يسرى إلى النفس فتجب الدية للشاهد ابتداء.
قوله: "وفي شهادة الوارث لموروثه في مرضه بدين وجهان".
أحدهما لا تقبل لأنه قد انعقد سبب استحقاقه بدليل أن عطيته للوارث وفي الزائد على الثلث يقف على الإجازة وكالمسألة قبلها والثاني تقبل ذكر في المغني أنه الأظهر كما لو شهدا له وهو صحيح والحق المشهود به في هذه المسألة إنما يحب للمشهود له ثم احتمال انتقاله إلى الشاهد لا يمنع الشهادة له كالشهادة لغريمه.
قوله: "فإن قلنا تقبل فحكم بها لم يتغير الحكم بالموت بعده".
وكذا ذكر الشيخ موفق الدين وغيره لما تقدم من أن طرآن المانع بعد الحكم بالشهادة لا يؤثر فيها كالفسق.
قوله: "ولا تقبل شهادة من يدفع بها عن نفسه ضررا كشهادة من لا تقبل شهادته لإنسان يجرح الشاهد عليه".
قال حرب سمعت الإمام أحمد يقول لا تجوز شهادة دافع الغرم لأنه يدفع عن نفسه وقد تقدم الحديث في ذلك وقد قال الزهري مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين والظنين المتهم وروى سعيد

كشهادة من لا تقبل شهادته للانسان يجرح الشاهد عليه.
حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني محمد بن زيد بن المهاجر عن طلحة بن عبد الله ابن عوف قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليمين على المدعى عليه ولا شهادة لخصم ولا ظنين مرسل جيد.
قوله: "كشهادة من لا تقبل شهادته".
ليس مثالا ومراده والله أعلم شهادة من يدفع عن نفسه بها ضررا لا تقبل ولو كان قال ولا شهادة من لا تقبل شهادته كان حسنا.
قال الشيخ تقي الدين عن كلامه في المحرر هذا ما دفع الضرر عن نفسه وإنما دفعه عمن لا يشهد له فهو بمنزلة من جر بشهادته إلى من لا يشهد لا يشهد له فلو قيل لا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه أو إلى من يتهم له أو يدفع عن نفسه أو من يتهم له لعم نعم لو جرح الشاهد على نفسه انتهى كلامه.
وقد ذكر في الرعاية الكبرى في شهادة الوالد لولده والعكس أن مكاتب والديه وولده كهما في ذلك وذكر ابن عقيل أنه لا تقبل شهادة العبد لمكاتب سيده.
قال ويحتمل على قياس ما ذكرناه أن لا تصح شهادته لزوج مولاته بالحقوق لأن في ذلك جر نفع لسيدته وبعضها يعود بنفعه انتهى كلامه.
وكلام أكثرهم يدل على القبول ويدخل في كلامه في المحرر شهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ لدفعهم الدية عنهم وظاهره قبول شهادته إذا كان لا يحمل من الدية شيئا لفقره أو لبعده وهو ظاهر كلام غيره.
وذكر غير واحد احتمالين أحدهما هذا والثاني لا تقبل لجواز أن يؤسر أو يموت قبل الحلول فيحمل.
فظهر أن احتمال تجدد الحق له لا يمنع قبول الشهادة إلا أن يجب له ابتداء

ولا تقبل شهادة العدو على عدوه كمن شهد على قذفه أو قطع الطريق عليه.
كشهادة الوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال وإلا لمن يعتقد سبب استحقاقه كشهادة الوارث لمورثه في المرض فإن في هذه المسألة وجهين كما تقدم واحتمال تجدد الحق عليه لا يمنع إلا بعد وجود السبب كمسألة العاقلة.
قوله: "ولا تقبل شهادة العدو على عدوه كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريق عليه".
أطلق العداوة وليس كذلك ولعل المثال يؤخذ منه تقييد المطلق وهو مراده قال القاضي شهادة العدو على عدوه غير مقبولة ذكره الخرقي فقال لا تقبل شهادة خصم وإنما يكون هذا في عداوة لا تخرجه عن العدالة مثل الزوج يقذف زوجته ولا تقبل شهادته عليها وكذلك من قطع عليه الطريق لا تقبل شهادته على القاطع وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور في رجل خاصم مرة ثم ترك ثم شهد لم تقبل وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة تقبل وهذا في عداوة لا تخرج إلى الفسق فإذا أخرجت فلا خلاف فيها واحتج القاضي وغيره بالأحاديث السابقة قال القاضي ولأنه متهم في شهادته بسبب منهى عنه فوجب أن لا تقبل شهادته كالفاسق.
قال الشيخ تقي الدين وهذا جيد والمقطوع والمقذوف ليس في حقه سبب منهى عنه فهذا يخالف ما ذكره أولا اللهم إلا أن يراد به عادي قاذفه وقاطعه فإن هجره المنهي عنها فهذا أقرب لكن يخالف ما ذكر أولا في الظاهر.
وكذلك قال القاضي في الفرق بين عداوة المسلم للذمي وعداوته للمسلم مع أن عداوة المسلم للذمي مأمور بها وعداوة المسلم للمسلم منهي عنها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:.
"لا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عبادا لله إخوانا".

فلم يكن اعتبار إحداهما بالأخرى لأن المسلم يعادي الذمي من طريق الدين وهو لا يدعوه إلى ما يخاف من ذنبه ومن الكذب عليه وعداوة المسلم للمسلم عدواة تحاسد وتنافس وتباغض وهذا يحمل من طريق العادة والجبلة على مخالفة الدين والإضرار به بالكذب والمين.
قال الشيخ تقي الدين وهذا يقتضي أن عدواة المتدين بذلك متأولا لا تمنع قبول الشهادة فصار على الظاهر فيها ثلاثة أوجه انتهى كلامه.
وقال أيضا ليس في كلام أحمد ولا الخرقي تعرض للعدو وإنما هو الخصم والتفريق بين الخصم في الحديث موافق لما قلت وقد يخاصم من ليس بعدو وقد يعادي من ليس بخصم وإنما الخصم هو المدعي أو المدعى عليه فشهادته شهادة مدع أو مدعى عليه ولا يجوز أن يراد به أن كل من خاصم شخصا في شيء مرة لم تقبل شهادته عليه في غير ذلك إذا لم يكن بينهما إلا مجرد المحاكمة فإن محاكمته في ذلك الشيء بمنزلة مناظرته في علم وقد يكون المتحاكمان عارفين للحق لا يدعي أحدهما ظلم الآخر بمنزلة المحاكمة في المواريث وموجبات العقود وهو أحد نوعي القضاء الذي هو إنشاء من غير إنكار ولا بينة ولا يمين ولا يحمل كلام أحمد على هذا وإنما أراد والله أعلم أن من خاصم في شيء مرة ثم شهد به لم تقبل شهادته لأنه بمنزلة من ردت شهادته لتهمة ثم أعادها بعد زوال التهمة وهنا المخاصم طالب فإذا شهد بعد ذلك فهو متضمن تصديق نفسه فيما خاصم فيه أولا وهذا يدخل فيه صور.
منها أن يخاصم في حقوق عين هي ملكه ثم تنتقل العين إلى غيره فيشهد ومنها أن يكون وليا ليتيم أو وقف ونحوهما ويخاصم في شيء من أموره ثم يخرج عن الولاية ويشهد به.
ومنها أن يكون وكيلا فيخاصم ثم تزول وكالته فيشهد فيما خاصم فيه.

فإذا قيل شهادة العدو غير مقبولة فإنما هو من عادى أما المقطوع عليه الطريق إذا شهد على قاطعه فهذا لا معنى له إذ يوجب أن لا يشهد مظلوم على ظالمه مع أنه لم يصدر منه ما يوجب التهمة في حقه.
والتحقيق أن العداوة المحرمة تمنع قبول الشهادة وإن لم تكن فسقا لكونها صغيرة أو صاحبها متأولا مخطئا وفيه نظر كعداوة الباغي للعادل وكما كان بين بعض السلف وكذلك مداعاة القاضي كذلك وقد كتبته قبل1 فأما المباحة ففيه نظر انتهى كلامه.
وقال أيضا الواجب في العدو والصديق ونحوهما أنه إن علم منهما العدالة الحقيقية قبلت شهادتهما وأما إن كانت عدالتهما ظاهرة مع إمكان أن يكون الباطن بخلافها لم تقبل ويتوجه مثل هذا في الأب وسائر هؤلاء انتهى كلامه.
وذكر في المستوعب والرعاية وغيرهما أن شهادة العدو لا تقبل على عدوه وجعلوا من ذلك الخصم على خصمه وقيد جماعة العداوة بكونها لغير الله.
قال في المغني المراد بالعداوة هنا العداوة الدنيوية ومثل كما في المحرر وغيره أما العداوة في الدين كالمسلم يشهد على الكافر أو المحق من أهل السنة يشهد على المبتدع فلا ترد شهادته لأن العداوة في الدين والدين يمنعه من ارتكاب محظور في دينه وزاد في الرعاية على قيد كونها لغير الله ظاهرة.
وقد قال القرطبي وغيره في قوله تعالى: [135:4] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية في هذا دليل على نفوذ حكم العدو على عدوه في الله ونفوذ شهادته عليه لأنه أمره بالعدل 1 بهامش النكت: هذا المضروب بالأحمر ليس من كلام الشيخ تقي الدين ولا فهمت ما هو.
وهو الكلام الموضوع تحته خط.

وإن أبغضه ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه.
وقال ابن عقيل التهم إنما تقدح إذا كانت تهمة قادحة لفرط الإشفاق في الأبوة والعداوة بين المتعادين والفسق الذي يزيل العدالة وتزول معه الثقة فأما ما بعد التهمة التي إذا علق الرد عليها انسد باب الشهادة فلا بدليل أن الأختان والأصهار يتضاغنون وأهل الصناعة الواحدة يتحاسدون والمختلفون في المذاهب يتخارصون ولكن لما بعد ذلك ولم يخل منه أحد سقط اعتباره ولم يمنع قبولها لئلا ينسد باب الشهادة وكذلك القرابة كلها تعطى إشفاقا وعصبية حتى القبيلة انتهى كلامه.
واحتج الخصم أن هذه العداوة فلا تمنع قبول الشهادة كالصداقة كشهادته له.
وأجاب القاضي وغيره بأن الشرع ورد بالتفرقة بين العداوة والصداقة فإنه صلى الله عليه وسلم قبل شهادته خزيمة بن ثابت لنفسه ونحن نعلم أن صداقة الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم تزيد على كل صداقه ورد شهادة العدو بقوله: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" "ولا تقبل شهادة ذي طعن" ولأن الصداقة لا تحمل على الكذب للصديق والعداوة تحمل على الكذب ولا تمنع العدالة منه وهذا معلوم بالعادة من طباع الناس وخلقهم وجبلتهم.
وأما شهادة العدو لعدوه فتقبل ذكره القاضي محل وفاق غير مرة لأنه متهم عليه غير متهم له فهو على ما قلنا في شهادة الأب تقبل على ولده ولا تقبل له.
وقال أيضا وقال شيخنا أبو عبد الله فيه وجه آخر لا تقبل شهادته له لأنه متهم أيضا في ذلك بأن يقصد الصلح والصداقة فيشهد له بذلك.

وفي شهادة البدوي على القروي وجهان.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية ابن منصور وقيل له رجل خاصم في خصومة مرة فردت ثم شهد بعدالة الشاهد قال لا تقبل انتهى كلامه.
فصل ومن سره إساءة أحد وغمه فرحه فعدو وقال ابن حمدان أو حاسد قال ابن عقيل ولا تقبل شهادة من عرف بالعصبية كعصبية أهل البادية على أهل القرى فإن البدوي يميل إلى البادية ولا يميل إلى أهل القرى وكذلك قبيلة على قبيلة تعرف بينهم مساوات1 ومباينة فتكون في حيز العداوة وكذلك شهادة أهل المحال المتباين أهلها بالعصبيات وهذا يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام "ولا ظنين" وهو المتهم والعصبية توجب التهمة.
فصل قوله: "وفي شهادة البدوي على القروي وجهان".
أحدهما تقبل وهو ظاهر كلام الخرقي واختاره أبو الخطاب وصححه في المستوعب وهو قول ابن سيرين وأبي حنيفة والشافعي للعمومات ولأن من قبلت شهادته على أهل البلد قبلت شهادته على أهل القرى.
قال ابن عقيل العدالة تجمع والمساكن لا تقدح في العدالة ولا توجب التهمة ولو جاز أن توجب تهمة لما قبلت شهادة عربي على عجمي ولا العكس لأن المنافرة والمباينة بين العجم والعرب أكثر من تباين البدو والحضر مع التساوي في العربية.
1 بهامش الأصل: كذا في الأصل "مساوات" جمع أسية.
أهـ، والصحيح في جمعها "إساءات"

وقال أيضا بعد أن حكى عن بعض أصحابنا أنه قال البدوي يعادي القروي في العادة قال وهذا بعيد لأن القبائل من البدو يتعادون أكثر عداوة ويصول بعضهم على بعض في مطرد العادة.
والثاني لا تقبل قطع به ابن هبيرة وغيره عن أحمد قال في المغني وهو قول جماعة من أصحابنا ومذهب أبي عبيد ورواه الخلال عن عمر بن عبد العزيز وقطع به القاضي في التعليق واحتج بقول أحمد في رواية حرب تجوز شهادة الأعراب على الأعراب وعلى القروي أخشى ألا تجوز لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:.
"لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية" إسناده جيد رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني وغيرهم.
قال في المغني ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته وخصه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم عنه.
قال أبو عبيد ولا أرى شهادتهم إلا لما فيهم من الجفاء لحقوق الله تعالى والجفاء في الدين.
قال الشيخ تقي الدين وبناه القاضي على أن العادة أن القروي إنما يشهد أهل القرية دون أهل البدو فإذا كان البدوي قاطنا مع المدعين في القرية قبلت شهادته لزوال هذا المعنى انتهى كلامه.
وقد ذكر غير واحد من الأصحاب هذا التعليل فيكون هذا قولا ثالثا.
وقيل للقاضي التهمة هنا ممن اشهد لا من الشاهد فقال التهمة هنا واقعة بهما لأن صاحب الحق لا يعدل عن أهل بلده إلا لعلة في الملك والشاهد أيضا في العادة إنما يشهد على أهل بلده ولا يخرج إلى بلد آخر فيشهد فيه على غيره.
وقال الشيخ تقي الدين البدوي على الوصية في السفر ينبغي أن يقبل لأنه ضرورة وهو أولى من الذميين انتهى كلامه وهو حسن لكنه قول

ولا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض وعنه تبل فيما لا يجر به نفعا في الغالب بأن يشهد له بعقد نكاح أو قذف وعنه تقبل شهادة المولود للوالد وبالعكس لا تقبل.
رابع قال مالك لا تجوز شهادة البدوي على القروي إلا في الجراح والقود احتياطا للدماء.
فصل تقبل شهادة البدوي برؤية الهلال اتفاقا وتقبل شهادة القروي عليه اتفاقا.
قوله: "ولا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض".
فنص أحمد أنه لا تجوز شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده1 انتهى كلامه.
وهو كالصريح إن لم يكن صريحا في أنه لا فرق بين الداعية وغيره وبين من يكفر أو يفسق وصرح به الشيخ تقي الدين على هذا التخريج.
وهذا التخريج قد يقال هو خلاف المذهب.
وإن قلنا برواية حنبل في قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض كما هو ظاهر قول جماعة من الأصحاب وقد يقال المذهب التسوية على رواية حنبل كما هو قول أبي الخطاب وظاهر كلام غيره ممن بعده.
ومن لم يذكر التخريج فإما أنه لم يثبت رواية حنبل هنا وإما لأنها خلاف المذهب فلم يشتغل بالتفريع عليها.
1 قال بهامش الأصل: هنا سقط ثلاث ورقات

وفي شهادة أحد الزوجين الآخر روايتان.
وتقبل شهادة بعض هؤلاء على بعض.
وتقبل شهادة الأخ لأخيه والصديق لصديقه والمولى لعتيقه وولد الزنا في الزنا وغيره والمرضعة على إرضاعها والقسام على قسمته.
والأول اختيار الشيخ تقي الدين فانه قال والفرق بينهما أن الذمي يقر على كفره والداعية إلى البدعة لا يقر على بدعته كذا قال.
والبدعة إن كانت مفسقة أقر عليها الداعية وغيره وإن كانت مكفرة لم يقر عليها الداعية ولا غيره لكن قد يفرق بينهما بأن أهل الذمة إنما قبلت شهادة بعضهم على بعض لمظنة الحاجة إلى ذلك لانفرادهم وعدم اختلاطهم بالمسلمين ولأنه لا يلزم من قبول شهادة كافر على كافر قبول شهادة كافر أو فاسق على مسلم.
قال الشيخ تقي الدين والواجب أن روايته وشهادته واحدة وفي روايته الخلاف المسطور في أصول الفقه ومأخذ رد شهادته إنما هو استحقاقه الهجران وعلى هذا فينبغي قبول شهادته حيث لا يهجر إما للغلبة وإما للتألف وتقبل عند الضرورة كما قبلنا شهادة الكتابي على المسلم عند الضرورة وأولى فإن من كان من أصله قبول شهادة الكافر على المسلم للحاجة فقبول شهادة المبتدع للحاجة أولى وكذلك شهادة النساء وكذلك شهادة بعض الفساق كما كتبته في موضع آخر وهذا هو الاقتصاد في هذا الباب فإنه إذا كثر أهل البدعة في مكان بحيث يلزم من رد شهادتهم فتنة وتعطيل الحقوق لم يهجروا بل يتألفوا وأما إذا كانوا مقهورين بحيث يهجرون لم تقبل شهادتهم ولو قيل في الامامة أيضا مثل ذلك لتوجه كما في علم الحديث والفرق بين الاضطرار والاختيار بين القدرة والعجز أصل عظيم.

وتقبل شهادة العبد والأمة فيما تقبل فيه شهادة الحر والحرة.
فصل قد عرف مما تقدم أنه هل تقبل شهادة من كفر أو فسق ببدعة أم لا تقبل أو تقبل مع الفسق خاصة أو تقبل إذا لم يكن داعية أو تقبل مع الحاجة والمصلحة خاصة؟ فيه أقوال.
قوله: "وتقبل شهادة العبد والأمة فيما تقبل فيه شهادة الحر والحرة" قال الخلال عن الميموني سأل رجل أحمد بن حنبل عن شهادة العبد تجوز قال لا أعرف إلا ذلك قلت من احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أمة في الرضاع على شهادة العبد هل يكون ذا حجة له قال نعم ورأيت أبا عبد الله يستحسنه ثم قال وأي شيء أكثر من هذا يفرق بينهما بقولها؟.
وقال حمدان بن علي الوراق سمعت أبا عبد الله يسأل عن شهادة العبد فقال كان أنس يجيز شهادة العبد وحديث عقبة بن الحارث "تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت إني قد أرضعتكما".
وقال الخلال أخبرنا المروذي حدثنا أبو عبد الله حدثنا محمد بن فضيل حدثنا مختار بن فلفل قال سألت أنس بن مالك عن شهادة العبد قال فيه اختلاف قلت حديث حفص عن المختار بن فلفل عن أنس قال ليس شيء يدفعه وقد أجاز شهادته وقال الله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فإذا كان عدلا ينبغي أن تجوز شهادته.
وقال الخلال حدثنا المروذي عن أبي عبد الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال قال علي "شهادة العبد جائزة" وقال أيضا عن المروزي "شهادة العبد جائزة".

وعنه لا تقبل شهادة الرقيق في القود والحد خاصة.
وقال أيضا عن المروذي حدثنا أبو إسحق بن يوسف حدثنا عوف بن محمد ابن سيرين قال "لا أعلم شهادة الحر تفضل على شهادة العبد إذا كان مرضيا".
وقدم هذا في الرعاية تبعا للمحرر واختاره أبو الخطاب في الانتصار فقال والأولى المنع1 فإنه لا فرق حتى العدل بين شهادة وشهادة.
وقال الإمام أحمد في رواية ابن منصور العبد إذا كان عدلا جازت شهادته والمكاتب أحرى أن تجوز شهادته قال وهذا يدل على أنها تقبل في جميع الأشياء وكذا قال في رواية مهنا إذا تزوج بشهادة عبدين جاز إذا كانا عدلين والنكاح عنده جار مجرى القصاص ولهذا لا يجيز فيه شهادة النساء انتهى كلامه.
ووجه هذه الرواية تقدم ولأنه ذكر مكلف يقبل إخباره فقبلت شهادته كالحر أو نقول ذكر مكلف تقبل شهادته في رؤية هلال رمضان وهي شهادة يعتبر لها مجلس الحكم وتحتاج إلى العدد ويخص أمانه وولايته في الصلاة وعلى أقاربه وتصح توليته أسباب السرايا2 وولايته فيما يوصى إليه ويوكل فيه فقبلت شهادته كالحر هذا معنى كلام أبي الخطاب والقاضي إلا أنه قال الشهادة برؤية الهلال شهادة عند أبي حنيفة يعتبر لها العدد وقد قيل يعتبر فيها مجلس الحاكم.
قوله: "وعنه لا تقبل شهادة الرقيق في القود والحد خاصة".
قال الإمام أحمد في رواية الميموني لا تجوز شهادتهم يعني العبيد في الحدود.
1 كذا في الأصل.
والجملة كلها مطربة فيما يظهر لي 2 كذا في الأصل.

ولم يقيموا الحدود مقام الحقوق في الحقوق شاهد ويمين والحد ليس كذلك قلت قول أنس لم يفرق في حد ولا حق.
وذكره أحمد عن إبراهيم النخعي جوازها في الشيء اليسير قال أحمد والناس اليوم على ردها فليس نرى أحدا يقبلها قلت وما يستوحش من هذا قال في الحدود كأنها أشنع وإنما ذاك عنده لتهيب الناس لردها.
وقطع به القاضي في التعليق وتبعه جماعة وذكر في المغني أنه ظاهر المذهب وذكر ابن هبيرة أنه المشهور من مذهب الإمام أحمد وعلل بعضهم بأنه ناقص فلم تقبل شهادته فيها كالمرأة.
قال الخرقي تجوز شهادة العبد في كل شيء إلا في الحدود وتبعه بعضهم على هذه العبارة وهو أحد احتمالين في المغني والكافي.
قال ابن القاسم سألت الإمام أحمد عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا أحدهم عبد قال تمت الشهادة هم أربعة العبد منهم يدرأ عنهم الحد.
قال محمد بن موسى سئل الإمام أحمد عن أربعة أعبد شهدوا على الزنا قال قد أحرزوا ظهورهم وإن كانوا عبيدا لأن الحدود مبناها على الدرء والإسقاط يغلظ في طريق ثبوتها ولهذا لا تقبل شهادة النساء ولا شاهد ويمين ولا يقضي فيها بالنكول ولا يستحلف فيها وتسقط بالشبهة بخلاف غيرها فجاز أن لا تسمع فيها شهادة العبد.
وعن أحمد التوقف في هذه المسألة قال أبو الحارث قلت للإمام أحمد شهادة العبد قال قد اختلف الناس في ذلك وأبى أن يجيب فيها وقال أيضا أحب العافية من ذلك وأبى أن يجيب قال وكذلك المكاتب والمدبر وعن أحمد رواية خامسة لا تقبل بحال قال في رواية أبي طالب العبد في جميع أمره ناقص ليس مثل الحر ولا تقبل له شهادة في الطلاق والأحكام

ومن شهد عند الحاكم فرد شهادته لكفره أو رقه أو صغره أو جنونه أو خرسه ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت في الأصح عنه.
وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي لأنها مبنية على المروءة والكمال.
قال الشيخ تقي الدين قد يؤخذ عن الإمام أحمد رواية كذلك وسيأتي في المسألة بعدها.
قوله: "ومن شهد عند الحاكم فردت شهادته لكفره أو رقه أو صغره أو جنونه أو خرسه ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت في الأصح عنه".
نقل عنه حنبل في الصبي إذا بلغ جازت شهادته وكذلك إذا شهد وهو عبد لم تجز فإذا أعتق جازت إذا كان عدلا واحتج القاضي أيضا مع أنه ذكر أن أحمد نص عليه بقول الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الصبي إذا حفظ الشهادة ثم كبر فشهد جازت شهادته وكذلك العبد إذا عتق وكذلك اليهودي والنصراني إذا كان عدلا جازت شهادته إذا أسلم.
قال الشيخ تقي الدين في رواية أبي طالب الظاهر أنها فيما إذا لم ترد في زمان المنع انتهى كلامه.
وهو الذي نصره القاضي وأصحابه وغيرهم.
وذكر في المستوعب أنه أصح الوجهين وبه قال أبو حنيفة والشافعي لأن هذا المانع زال قطعا ولا تهمة فيه فهو كما لو ابتدأ بها في هذه الحال بخلاف الفسق1.
1 بهامش الأصل: قال شيخ عز الدين ابن شيخ السلامية في نكته على المحرر، ومن خطه نقلت: هذه الرواية أنص عن أحمد من الأولى، بل لوقيل: إن المذهب رواية واحدة على المنع: لم يستبعد، فإن رواية أبي طالب في الجواز ليس فيها الرد.
كما تقدم.

وعنه لا تقبل أبدا.
وإن ردت لتهمة رحم أو زوجية أو عداوة أو جلب نفع أو دفع ضرر ثم زال المانع فأعادها لم تقبل على الأصح كما لو ردت لفسق وقيل تقبل.
قوله: "وعنه لا تقبل أبدا".
قال في رواية يعقوب بن بختان في الصبي إذا ردت شهادته ثم أدرك لم تجز شهادته لأن الحكم قد مضى ونقل ابن بختان أيضا في موضع آخر إذا ردت شهادة العبد أو الذمي أو الصبي ثم أسلم الذمي وعتق العبد وأدرك الصبي لم تجز شهادتهم لأن الحكم قد مضى وهذه اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وهي قول مالك لأنها ردت بمانع أشبه الفسق.
قوله: "وإن ردت بتهمة رحم أو زوجية أو عداوة أو جلب نفع أو دفع ضرر ثم زال المانع فأعادها لم تقبل على الأصح".
وذكر في الكافي أنه الأولى وقدمه في الرعاية لأن ردها باجتهاده فلا ينقض ذلك باجتهاده ولأنها ردت للتهمة كالمردودة بالفسق والثاني تقبل صححه في المغني لأن الأصل قبول شهادة العدل وقياسه على الفسق لا يصح لأن هذه ردت بسبب لا عار فيه فلا يتهم في قصد نفي العار بإعادتها بخلاف الفسق وقبول الشهادة هنا من نقض الاجتهاد في المستقبل وهو جائز وهذا معنى قوله: "تقبل".
قوله كما لو ردت لفسق.
نص عليه قال في رواية أحمد بن سعيد في شهادة الفاسق إذا ردت مرة ثم تاب وأصلح فأقامها بعد ذلك لم تجز لأنه حكم قد مضى ولم أجد فيه خلافا إلا قوله في الرعاية الكبرى لم تقبل على الأصح وهو مذهب الأئمة

وقيل لا تقبل في كل مانع ما زال باختيار الشاهد كإعتاق القن وتطليق الزوجة وتقبل فيما سواه.
ومن شهد عند الحاكم ثم عمى أو خرس أو صم أو جن أو مات لم يمنع الحكم بشهادته.
الثلاثة ورواية القبول قال بها أبو ثور والمزني وداود قال ابن المنذر والنظر يدل على هذا لغير هذه الشهادة كالمسائل المتقدمة وقد تقدم دليل المنع والفرق.
قال الشيخ تقي الدين وتعليلهم الفرق بين الكفر والفسق بأن الكفر يتدين به يقتضى أن يلحق به الفسق بالاعتقاد أو بعمل يستند إلى اعتقاد كشرب النبيذ إن قيل به انتهى كلامه.
وقوله: "وقيل لا تقبل في كل مانع زال باختيار الشاهد كإعتاق القن وتطليق الزوجة وتقبل فيما سواه".
يحتمل أن يكون هذا القول في هذه المسألة خاصة ويحتمل أن يكون فيها وفي التي قبلها وهذا الأمر قريب ووجهه أن زوال المانع باختيار الشاهد يورث تهمة تشبه الفسق.
فرع لو عزل من وظيفة للفسق مثلا ثم تاب وأظهر العدالة فهل يعود يتوجه أن يقال فيها ما قيل في مسألة الشهادة أو أولى لأن تهمة الإنسان في حق نفسه ومصلحته أبلغ من حق الغير1 أما لو رأى الحاكم رده إليها بتأويل أو تقليد كان له ذلك كسائر مسائل الخلاف وكما لو رأي قبول الشهادة في مسألتنا.
قوله: "ومن شهد عند الحاكم ثم عمى أو خرس أو صم أو جن أو مات لم يمنع الحكم بشهادته".
1 بهامش الأصل: قال ابن شيخ السلامية هذا فيه نظر

وإن حدث مانع من فسق أو تهمة منع الحكم بها إلا عداوة ابتدأها المشهود عليه بأن قذف الشهود فإنها لا تمنعه.
ولا يصح أداء الشهادة إلا بلفظها فإن قال أعلم أو أحق ونحوه لم يحكم بها قال القاضي على قياس حدوث العمى بعد التحمل وقبل الأداء وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد لعدم التهمة في حال أداء الشهادة فهو كالموت فإنه محل وفاق وقال أبو حنيفة لا يحكم بها كما لو طرأ الفسق.
قوله: "وإن حدث مانع من فسق أو تهمة منع الحكم بها".
لم أجد فيه خلافا كما تقدم وذكره القاضي محل وفاق أن الشهود إذا ارتدوا أو فسقوا أو رجعوا قبل الحكم أنه لا يحكم بها قال لأنه يورث تهمة في حال الأداء.
قال الشيخ تقي الدين إدخال الردة في هذا مشكل قال وقد علل بأن الفسق والردة مما يستسر به فيدل على نظائره مما قبله انتهى كلامه.
فصل فإن حدث ما يمنع الحكم بها بعد الحكم والاستيفاء لم ينقض الحكم وإن كان ذلك قبل الاستيفاء لم يستوف إن كان حدا الله تعالى لأنه يدرأ بالشبهة وإن كان مالا استوفي وإن كان قودا أو حد قذف فوجهان.
قوله: "ولا يصح أداء الشهادة إلا بلفظها".
فإن قال أعلم أو أحق ونحوه لم يحكم بها ذكره القاضي محل وفاق في مواضع منها شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال وذكر أنه يعتبر فيه لفظ الشهادة جعله محل وفاق ذكره الشيخ تقي الدين ولم يحك فيه خلافا وقال أبو الخطاب في الانتصار في بحث شهادة امرأة فيما لا يطلع عليه الرجال

باب عدد الشهود وما يتبعه

لا يقبل في الزنا واللواط إلا شهادة أربع رجال وهل يكفي في ثبوت الإقرار بهما رجلان أو يشترط أربعة على روايتين.
ويكفي في الشهادة على من أتى بهيمة إذا قلنا يعزر رجلان وقيل يعتبر أربعة ولا يقبل في بقية الحدود والقصاص إلا رجلان.
ويقبل في المال وما يقصد به كالبيع والأجل والخيار فيه والرهن والوصية.
لخصمه أين أنت من القياس على خبر الديانات ورؤية الهلال لرمضان لما قبل فيه شهادة النساء منفردات لم يلتفت إلى العدد وعلى هذا يجب أن لا يلتفت إلى لفظ الشهادة ولا مجلس الحكم كالخبر سواء وهو قول بعض الحنفية ولا أعرف عن إمامنا ما يرد هذا المنع انتهى كلامه ولم يذكر الأصحاب هذه المسألة في مسائل الخلاف فدل على أنها محل وفاق.
وذكر أبو الخطاب في التمهيد في بحث مسألة رواية الحديث بالمعنى أن الفقهاء يسلمون هذا ثم قال ويقوى عندي أن الشاهد إذا قال أعلم أو أعرف أو أتحقق أو أتيقن أن لفلان عند فلان كذا أن الحاكم يقبل ذلك لأن ظنه يقوى بذلك كما يقوى بقوله أشهد انتهى كلامه.
وذكره القاضي احتمالا وذكره في الرعاية قولا وذكر في المغني أن عدم الحكم مذهب الشافعي قال ولا أعلم فيه خلافا لأن الشهادة مصدر فلا بد من الإتيان بفعلها المشتق منها وهذه دعوى مجردة قال ولأن فيها معنى لا يحصل في غيرها بدليل أنها تستعمل في اللعان ولا يحصل ذلك في غيرها ومراده من هذه الألفاظ لأن لنا في اللعان في إبدال "أشهد" بأقسم أو أحلف وجهين وهذا معنى حسن إن شاء الله تعالى.

لمعين أو الوقف عليه ودعوى رق مجهول النسب وتسمية المهر ونحوه رجلان ورجل وامرأتان ورجل ويمين المدعي بما ادعاه وإن كان كافرا أو امرأة.
وذكر الشيخ تقي الدين في موضع آخر الحكم بذلك عن أحمد وأخذه من مناظرته لعلي بن المديني وأن أحمد شهد بالجنة لكل من جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من أهلها فقال ابن المديني أقول ولا أشهد فقال له أحمد إذا قلت فقد شهدت1.
قوله: "ورجل ويمين المدعي بما ادعاه وإن كان كافرا أو امرأة".
قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول في الشاهد واليمين جاز الحكم به قيل لأبي عبد الله إيش معنى اليمين قال قضى النبي صلى الله عليه وسلم بشاهد ويمين شهادة الشاهد مع اليمين.
1 بهامش الأصل: صورة ما ذكره الشيخ تقي الدين في هذا الموضع قال: اختلف الفقهاء في جواز أداء الشهادة عند الحاكم بغير لفظ الشهادة، مثل: أعلم وأثبت، وأحق على وجهين لأصحابنا وغيرهم ذكرها القاضي أبو يعلى، والمنع قول المتأخرين، والجواز هو مقتضى كلام أحمد لما ناظر علي بن المديني في الشهادة للعشرة بالجنة، فقال أحمد: أنا أشهد لهم بالجنة، فقال له علي: أنا أقول: هم في الجنة، ولا أقول: "أشهد" فقال أحمد: إذا قلت هم في الجنة: فقد شهدت أنهم في الجنة.
وهذا الذي قاله أحمد هو الراجح في الكتاب والسنة، ولا أعلم عنه نصا يوافق الوجه الآخر، وعلى هذا فنفس الإخبار شهادة، وإن لم يذكر عن نفسه فعلا، فإذا قال: لهذا عند هذا ألف درهم، أو قال: هذا سرق مال هذا، أو قال: هذا ضرب هذا، أو قال: باعه هذا العبد بكذا، فنفس هذا الإخبار شهادة، وإن لم يذكر عن نفسه "أعلم أو أحق أو أشهد" كما قال أحمد: إذا قلت: هم في الجنة فقد شهدت أنهم في الجنة.
وذكر في شهادة الاستفاضة قول أحمد: أنا أقول: بأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أشهد بأنها ابنته.

قال أبو عبد الله وهم لعلهم يقضون في مواضع بغير شهادة شاهد وكذلك نقل المروزي وأبو طالب وقال هارون بن عبد الله سمعت أبا عبد الله يذهب إلى اليمين والشاهد قيل لأبي عبد الله في المال قال في المال.
وقال علي بن زكريا قيل لأبي عبد الله شهادة شاهد ويمين قال في الحقوق.
قال الشيخ تقي الدين هذا اللفظ يعم جميع الحقوق وكذلك قال في رواية الميموني نحن نذهب إلى شهادة واحد في الحقوق ويمينه انتهى كلامه.
وقال علي بن سعيد سألت أحمد عن الشاهد الواحد مع اليمين قال في الحقوق جائز.
وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل ادعى وجاء بشاهد وليس المدعي بعدل أيحلف مع شاهده قال نعم قلت لأبي عبد الله إنما هذا في الأموال خاصة فقال نعم في الأموال خاصة.
وقال موسى بن سعيد وقد روى عن أحمد قول عمرو بن دينار في الأموال قال أحمد بن حنبل وهكذا أقول في الأموال والحقوق وقال له أبو طالب تذهب إلى الشاهد واليمين قال نعم في الحقوق وقال له أبو الحارث فإن كان الشاهد عدلا والمدعي غير عدل قال فإن كان غير عدل أو كانت امرأة أو رجل من أهل الذمة يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا ثبت له شاهد واحد حلف وأعطى ما ادعى وإنما الحكم فيه هكذا وليس يقوم اليمين مقام الشاهد هذا حكمه.
وقال له أحمد بن القاسم أنت لا تقبل شهادته فكيف تقبل يمينه قال ولم شهد هو لنفسه إنما الحديث شاهد مع يمين الطالب فنحن نعمل به.
وكذا نقل غيره وهذا قول أكثر العلماء منهم مالك والشافعي لما روى

ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد" رواه مسلم وغيره وهو في السنن من وجوه قال ابن عبد البر عن حديث ابن عباس لا مطعن لأحد في إسناده ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته قال وحديث أبي هريرة وجابر وغيرهما حسان.
وروى الخلال من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده "أن عمر كان يقضي باليمين مع الشاهد العدل ويقول: قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال أبو حنيفة والليث والأندلسيون من أصحاب مالك وغيرهم لا تقبل.
وقال الشيخ تقي الدين قصة خزيمة وقصة أبي قتادة وقصة ابن مسعود في قوله: "رأيته يذكر الإسلام" تنبيها بلا يمين وقد قال اليمين حق للمستحلف وللإمام فله أن يسقطها وهذا أحسن انتهى كلامه.
ويوافقه ما ذكره القاضي في بحث المسألة قال فإن قيل ما ذهبتم إليه يؤدى إلى أن يثبت الحق بشاهد واحد قيل هذا غير ممتنع كما قاله المخالف في الهلال في الغيم وفي القابلة وهو ضرورة أيضا لأن المعاملات تكثر وتتكرر فلا يتفق في كل وقت شاهدان انتهى كلامه.
وهو يدل على أن اليمين ليست كشاهد آخر وهو مخرج على ما إذا رجع الشاهد هل يضمن الجميع أو النصف.
ولهذا قال القاضي في بحث المسألة واحتج يعني الخصم بأنه لو كان يمين المدعي كشاهد آخر لجاز له أن يقدمه على الشاهد الذي عنده كما لو كان عنده شاهدان جاز أن يقدم أيهما شاء والجواب أنا لا نقول إنها بمنزلة شاهد آخر ولهذا يتعلق الضمان بالشاهد وإنما اعتبرناها احتياطا وقاسها على احتياط الحنفية بالحبس مع شاهد الإعسار ويمين المدعي مع البينة على الغائب

ولا يشترط أن يقول فيها وأن شاهدي صادق في شهادته1 وقيل يشترط.
ولا يقبل امرأتان ويمين مكان رجل ويمين وقيل يقبل.
والصبي والمجنون وقال أيضا إنما يحلفه الحاكم بعد أن تثبت عدالة الشاهد عنده.
وذكر القاضي أيضا أن لا تقدم اليمين على الشاهد جعله محل وفاق كما لا يقدم في البينة على الغائب.
قوله: "ولا يشترط أن يقول فيها وأن شاهدي هذا صادق في شهادته".
وقطع به القاضي ضمن المسألة وعليه يدل كلام الأصحاب لظاهر ما تقدم وكسائر من أحلفناه فإنه لا يشترط أن يقول في يمينه ذلك.
قوله: "وقيل يشترط".
لأن الشاهد هنا حجة ضعيفة ولهذا لم نكتف به فاشتراط أن يقول في يمينه ذلك تقوية له واحتياطا كما اشترطت اليمين معه.
قوله: "ولا يقبل امرأتان ويمين مكان رجل ويمين".
وكذا قطع به القاضي ولم يخرجه من المذهب.
قال الشيخ تقي الدين وقطع به أيضا أبو الخطاب والشريف وغيرهما في كتب الخلاف ونصره في المغني وغيره لأنه انضم ضعيف إلى ضعيف فلا يحكم به كما لو شهد أربع نسوة أو حلف المدعي يمينين فإنه محل وفاق مع مالك وغيره ذكره القاضي وغيره في المغني بالإجماع.
قوله: "وقيل يقبل".
لأن المرأتين في المال مقام رجل وهو مذهب مالك.
قال الشيخ تقي الدين هذا يقتضيه كلام أحمد يعني ما نقله ابن صدقة: 1 في منتهى الإرادات "ولا يشترط قول مدع ي حلفه: وأن شاهدي صادق في شهادته".

وهل يقبل الرجل والمرأتان والشاهد واليمين في العتق والوكالة في المال والإيصاء إليه.
سئل أحمد عن الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق ولا يحضر إلا النساء هل تجوز شهادتهن قال نعم تجوز شهادتهن في الحقوق وذكر ابن حزم أنهم اختلفوا في شهادة امرأة مع يمين الطالب ودون يمينه.
قوله: "وهل يقبل الرجل والمرأتان أو الشاهد واليمين في العتق".
قال القاضي في التعليق يثبت العتق بشاهد ويمين في أصح الروايتين وعلى قياسه الكتابة والولاء نص عليه في رواية مهنا وقال أيضا نص على الشاهد واليمين في قدر العوض الذي وقع العتق عليه وهو اختيار الخرقي وأبي بكر انتهى كلامه لأن الشارع متشوف إليه وذكر في المغني أن القاضي قال المعمول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين وذكر ابن عقيل أنه ظاهر ونصره في المغني ونصره جماعة منهم أبو الخطاب غير الرواية الأولى وبه قال مالك والشافعي لأنه ليس بمال ولا يقصد منه ويطلع عليه الرجال أشبه العقوبات وعن الإمام أحمد رواية ثالثة تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو قول جماعة منهم أصحاب الرأي لأن ذلك لا يسقط بالشبهة أشبه المال.
قوله: "والوكالة في المال والإيصاء إليه".
تبع فيه القاضي وغيره قال القاضي لأنها إن لم تكن مالا فإنها تتضمن التصرف في المال والدليل كما تقدم وقد نقل عنه البرزاطي في الرجل يوكل وكيلا ويشهد على نفسه رجلا وامرأتين إن كانت الوكالة بمطالبة بدين فأما غير ذلك فلا وقال في رواية بكر بن محمد عنه لا يقبل قوله إن وصى حتى يشهد الموصى رجلان عدلان أو رجل عدل.

قال القاضي فظاهر هذا قبول الشاهد واليمين في الوصية والوكالة وكلام جماعة يقتضى أنه لا فرق بين الوكالة في المال وغيره والإيصاء إليه فيه وغيره بل صريح كلام بعضهم وأنه هل يقبل في ذلك وامرأتان أو شاهد ويمين أو لا يقبل إلا رجلان فيه روايتان.
وقال الشيخ تقي الدين نصه في الوكالة فرق فيه بين الوكالة بمال وبين الوكالة بغيره وأما الوصية فقد أطلق فيها رجل عدل وتقدم نصه أيضا أنه يقبل فيها شهادة النساء منفردات فقد يقال لا يفتقر في هذا إلى يمين لأنه لا خصم جاحد فيه لا في الحال ولا في الاستقبال وهو يشبه القتل لاستحقاق السلب وتحليف الوصي فيه نظر لأنه لا يجر بهذا إلى نفسه منفعة بخلاف الموصى له وقد قبل الناس شهادة رجاء بن حيوة بالعهد إلى عمر بن عبد العزيز وهو وحده وما زال الولاة يرسلون الواحد في الولاية والعزل.
وقال أيضا وعلى طريقة أصحابنا في البينة هو الشاهد الواحد وإنما اليمين احتياط فهذا يقتضى شيئين أحدهما أنه لا يحتاج إليها إلا إذا كان ثم معارض وفي دعوى السلب لا معارض وعلى هذا يخرج حديث أبي قتادة.
والثاني أنه لو كان الحق لصبي أو مجنون لم يحتج إلى يمين وفي هذا نظر إلا إذا كان على ميت أو صبي أو مجنون ولعل حديث خزيمة بن ثابت يخرج على هذا ونص أحمد في الوصية أو رجل عدل ظاهر هذا أنه يقبل في الوصية شهادة رجل واحد.
وقال عقيب رواية ابن صدقة في شهادة النساء في الوصية ظاهر هذا أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد إن لم يحضره الرجال قال القاضي المذهب في هذا كله أنه لا يثبت إلا بشاهدين انتهى كلامه وقال ابن عقيل عقيب رواية ابن صدقة وهذا يشهد له من أصله قوله: "تقبل شهادة أهل

ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه.
الذمة على الوصية في السفر" انتهى كلامه.
ووجه رواية القبول بأنه عقد لا يفتقر في صحته إلى الشهادة فهو كعقد البيع.
قال القاضي في بحث المسألة ولا يلزم القضاء لأنه قد يجوز أن يثبت بشهادة رجل وامرأتين وهو إذا كانت ولايته خاصة في المال فادعى أنه قاض فأنكره أهل ذلك البلد وأقام شاهدا وامرأتين قبل ذلك والخلاف فيما إذا كانت الوكالة بعوض وبغير عوض سواء ونسلم أن الأجل وخيار الشرط يثبت بشاهد وامرأتين جعله محل وفاق ولأنه يوكل في استيفاء حق فتثبت الوكالة له بما يثبت به ذلك الحق كالوكالة بعقد النكاح والحد والقصاص واحتج به القاضي وسلم لهم أن الوكالة بالنكاح والطلاق والقصاص والحدود لا تثبت إلا بذكرين قاله الشيخ تقي الدين.
قال القاضي واحتج بعضهم بأنها ولاية فلم تثبت إلا بشاهدين كولاية القضاء قال الفاضي الوكالة ليست ولاية بل استنابة وأما القضاء فهو يتضمن ما يثبت بشاهد وامرأتين وهو المال وما يثبت بشاهدين وهو الحقوق وعقد النكاح والوكالة المختلف فيها هي المتضمنة للمال حسب.
قال الشيخ تقي الدين القضاء وإن كان في المال فقط فهو متضمن الإلزام والعقوبة بالحبس ونحوه والوكالة لا تتضمن إلا مجرد القبض ومعلوم أن المدعي لو ادعي الملك ليثبت هو ولوازمه فوكالة المالك أخف من دعوى الملك لأن أحق الوكيل دون حق المالك فإذا ثبت الكل فجزؤه أولى بخلاف القاضي فإنه يثبت له مالا يثبت للمالك.
قوله: "ودعوى قتل الكافر لاستحقاق سلبه".

ودعوى الأسير إسلاما سابقا لمنع رقه.
ذكر القاضي في هذه الروايتين نقل حنبل عن أحمد فيمن قتل قتيلا فأقام شاهدا ويمينا لم يجز.
وقال القاضي ظاهر كلامه فيما روينا عنه قبول ذلك في السلب لأنه يتضمن إثبات مال فهو كما لو شهد رجل وامرأتان بسرقة ثبت الغرم دون القطع.
وقد ذكر هذه المسألة الشيخ موفق الدين في الجهاد فقال قال أحمد لا يقبل إلا شاهدان وقالت طائفة من أهل الحديث يقبل شاهد ويمين لأنها دعوى في المال ويحتمل أن يقبل شاهد بغير يمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول الذي شهد لأبي قتادة من غير يمين.
ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر البينة وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين ولأنها دعوى للقتل فاعتبر شاهدان لدعوى قتل العمد انتهى كلامه.
قوله: "ودعوى الأسير إسلاما سابقا لمنع رقه".
قال القاضي إذا ثبت أن إسلام الأسير لا يمنع الرق فادعى إسلاما سابقا وأظهره لم تقبل دعواه إلا ببينة لأنه يدعي إسقاط الرق والأصل بقاؤه وإن أقام شاهدا واحدا وخلف معه فالمنصوص عنه أنه يقبل ذلك ولا يسترق فقال في رواية أبي الحارث فيمن أخذ علجا فقال كنت أسلمت قبل أن تأخذوني أسيرا لم يقبل منه وإن شهد له من أسره من المسلمين أنه قد كان أسلم قبل أن يؤخذ قبلت شهادته مع يمين المدعي فلا تقبل1 وكذلك إن شهد عبد وحلف معه أو شهدت امرأة وحلف معها نص عليه في رواية أبي طالب إذا قال إنما كنت مسلما لم يصدق فإن شهد له رجل قبل مع يمينه وإن شهدت 1 كذا بالأصل والظاهر: أن "فلا تقبل" زائدة".

امرأة أيضا قبلت شهادتها وإن شهد صبي لم تقبل شهادته وكذلك نقل يعقوب بن بختان.
وإذا قال قد أسلمت وشهد رجل من الأسرى جازت شهادته مع يمين المدعي وكذلك إن شهدت له امرأة وعبد مسلم.
واستدل القاضي بحديث عبد الله بن مسعود "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:.
لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى أو تضرب عنقه فقال عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهيل" رواه أحمد والترمذي وحسنه.
وقال القاضي يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استحلفه ولم ينقله الراوي وكذلك ذكر أن عمر درأ القتل عن الهرمزان بشهادة رجل له بالصلاة وليس فيه استحلاف وعلله القاضي بأنه قد يتعذر إقامة البينة الكاملة في دار الحرب على إسلامه فجاز أن يقبل فيه شهادة رجل وشهادة امرأة كما أجاز الإمام أحمد شهادة أهل الذمة على وصية المسلمين في السفر إذا لم يوجد مسلم وكذلك قال في السبي إذا ادعوا نسبا وأقاموا البينة من الكفار قبلت في رواية حنبل وصالح وإبراهيم ولم تقبل في رواية عبد الله وأبي طالب.
وكذلك قال في الأسير إذا ادعى إسلاما سابقا يرجع إلى شاهد الحال فإنه لم يكن معه سلاح قبل منه ولم يقتل وإن كان معه سلاح قتل نص عليه في رواية إبراهيم لأن الدعوى قد ترجح بالظاهر وكما قلنا في تداعي الزوجين قال وبنى المخالف هذا على أن الحرية لا تثبت بشاهد ويمين لأنه ليس بمال ولا المقصود منه المال وهذه الدعوى تتضمن الحرية قال ونحن نبنيها على ذلك الأصل وأن الحرية تثبت بشاهد ويمين على الصحيح من الروايتين وهي اختيار الخرقي وفيه رواية أخرى لا تثبت إلا بشاهدين فعلى هذا وبيض في التعليق

وجناية العمد والخطأ التي لا قود فيها بحال أم لا على روايتين.
فإن قلنا بالقبول في الجناية المذكورة ففيما إذا كان القود في بعضها كالمأمومة والهاشمة روايتان.
الجديد وكان قبل هذا قد قال وإن قلنا لا تثبت الحرية إلا بشاهدين فإنها هنا تثبت من طريق الحكم كما تثبت الولادة بشهادة النساء وتتضمن ثبوت النسب وإن لم يثبت النسب بشهادة النساء ثم قال وإذا قلنا لا تثبت إلا بشاهدين لم يثبت الإسلام هنا إلا بشاهدين انتهى كلامه.
ورواية الشاهدين في المسألة قول الشافعية.
وقطع الشيخ موفق الدين في هذه المسألة وجماعة في رءوس المسائل بشاهد ويمين منهم الشريف وأبو الخطاب وقال هذه المسألة مبنية على أن الحرية تثبت بشاهد ويمين قال غير واحد عقب المرأة وحدها1 فنص على قبول شهادة المرأة الواحدة في الإسلام وقال ابن عقيل فهذه الرواية إن لم يقع لنا فيها حديث يكون الإمام أحمد ذهب إليه وإلا فلا وجه لها.
قوله: "وجناية العمد والخطأ التي لا قود فيها بحال أم لا على روايتين".
إحداهما تقبل ذكر في الكافي أنه ظاهر المذهب وقول الخرقي وقطع به القاضي في غير موضع وقدمه غير واحد لأنها لا توجب إلا المال أشبهت البيع.
والثانية لا يقبل إلا رجلان وهو قول أبي بكر وابن أبي موسى لأنها جناية فأشبهت ما يوجب القصاص والفرق ظاهر وكلام بعضهم يقتضي الفرق بين جناية الخطأ وجناية العمد وإن كان موجبها المال.
قوله: "فإن قلنا بالقبول في الجناية المذكورة ففيما إذا كان القود في بعضها كالمأمومة والهاشمة روايتان".
1 كذا في الأصل.

فصول الكتاب · 30 فصل · 499 صفحة
جارٍ التحميل