كتاب الإقرار
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجد الدين بن تيمية
- الكتاب
- المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
- المؤلف
- عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (المتوفى: 652هـ)
- الناشر
- مكتبة المعارف- الرياض
- الطبعة
- الطبعة الثانية 1404هـ -1984مـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإن أقر وليها عليها بالنكاح قبل إن كانت مجبرة.
وهو ظاهر كلام غيره أيضا وقطع به في المغني لعدم ثبوت اليد على حرة.
وقال القاضي في موضع آخر إذا ادعيا نكاح امرأة وأقاما البينة وليست في يد واحد منهما فإنهما يتعارضان ويسقطان ذكره محل وفاق.
قال الشيخ تقي الدين ومقتضى هذا أنها لو كانت في يد أحدهما كانت من مسائل الداخل والخارج.
فرع
فلو أقر الرجل بالنكاح فهل يقبل إقراره يخرج على الروايتين في قبول قول المرأة والأولى في العبارة أن يقال إذا ادعى النكاح وصدقته فهل تقبل دعواه لأن الحق له والحق فيه تبع بخلافها؟.
قال الشيخ تقي الدين عقب رواية عدم قبول إقرارها ويلزم من هذا أيضا أنه لا يصح إقرار الرجل بالنكاح فإنها إذا أقرت ابتداء فلا بد من تصديقه فلا يصح وإن أقر هو ابتداء فتصديقها إقرارها فلا يصح انتهى كلامه.
قال في الكافي من ادعى نكاح صغيرة في يد فرق بينهما وفسخه الحاكم إلا أن يكون له بينة لأن النكاح لا يثبت إلا بعقد وشهادة ومقتضى هذا أنها لو صدقته فيه لم يقبل لكن قال وإن صدقته إذا بلغت قبل ولم يزد على ذلك.
وقال في الرعاية قبل على الأظهر وقد قال في آخر باب في المستوعب ومن أقر بأب أو مولى عليه أعتقه أو بزوجية وصدقه المقر له ثبت إقراره بذلك سواء كان المقر رجلا أو امرأة انتهى كلامه.
قوله: "وإن أقر وليها عليها بالنكاح قبل إن كانت مجبرة"
أو مقرة له بالإذن وإلا فلا نص عليه وقيل لا يقبل إقراره إلا على المجبرة.
وإذا أقر الرجل أو المرأة بزوجية الآخر فلم يصدقه الآخر إلا بعد موته صح وورثه.
لعدم اعتبار قولها.
قوله: "أو مقرة له بالأذن وإلا فلا نص عليه وقيل لا يقبل إقراره إلا على المجبرة".
لما تقدم من أن من ملك شيئا ملك الإقرار به وقال ابن عبد القوى لأنها كالمقرة بأصل العقد.
معنى قوله: "وقيل لا يقبل إقراره إلا على المجبرة".
لعل هذا في الموجود في كلامهم قال ابن عبد القوي لأن الفروج يحتاط لاستباحتها فلا تباح مع لفظ محتمل ولهذا لا ينعقد بالكناية وهذا فيه نظر والأول أولى ولعل صورة الإذن من أهلها لم يتفطن لها فلا يكون مخالفا فيها وإن تناولها إطلاق كلامه فأما إن لم تكن مجبرة ولا مقرة بالإذن لم يقبل قوله عليها كإقرار أجنبي على غيره بمال.
قوله: "وإذا أقر الرجل أو المرأة بزوجية الآخر ولم يصدقه الآخر إلا بعد موته صح وورثه".
هذا ينبنى على صحة إقرار المرأة بالنكاح قاله الشيخ تقي الدين وهو صحيح.
وإنما ذكرها الأصحاب لخلاف أبي حنيفة فيها.
قال القاضي هذا قياس قول أصحابنا وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة إن أقرت المرأة وماتت فصدقها لم يرثها وإن أقر هو ومات فصدقته ورثته.
ولنا أنه أحد الزوجين فورث كالآخر وكما لو وجد التصديق في الحياة.
إلا أن يكون قد كذبه في حياته فوجهان.
ومن أقر بولد أو أب أو زوج أو مولى أعتقه قبل إقراره وإن سقط به وارثا معروفا إذا أمكن صدقه.
قال الشيخ شمال في شرحه وقد ذكرنا فيما إذا أقر بنسب كبير عاقل بعد موته هل يرثه على وجهين بناء على ثبوت نسبه فيخرج هنا مثله انتهى كلامه.
كذا قال ومأخذ الخلاف في الملك لا يجيء في هذه لكن فيما إذا أقر بنسب صغير ميت قول بعدم الإرث معللا بالتهمة في ذلك كذلك يخرج هنا.
قوله: "إلا أن يكون قد كذبه في حياته فوجهان".
والصحة والإرث قطع به أبو الخطاب والشريف في رءوس المسائل ونصبا الخلاف مع أبي حنيفة كما تقدم وذكر ابن عبد القوي أن عكس هذا أقوى الوجهين في نظيرهما في ثبوت النسب وهو غريب وقطع غير بثبوت النسب احتياطا له.
وهذه المسألة نظير من أقر له بمال فكذبه ثم صدقه وفيها وجهان وكذلك يجيء هنا لو كذبه في الحياة ثم صدقه فيها وقد تقدم كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.
قوله: "ومن أقر بولد أو أب أو زوج أو مولى أعتقه قبل إقراره وإن أسقط به وارثا معروفا".
كذا ذكر غيره نصا وظاهرا لأنه إقرار من مكلف ليس فيه منازع فثبت كما لو أقر بمال ولأن الظاهر احتياط الإنسان فلا يلحق به من ليس منه فيقبل ذلك.
قوله: "إذا أمكن صدقه".
ولم يدفع به نسبا لغيره وصدقه المقربه إلا في الولد الصغير أو المجنون.
لأنه لا يلتفت إلى قول من لا يمكن صدقه.
قوله: "ولم يدفع به نسبا لغيره".
لما فيه من قطع النسب الثابت من غيره وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه".
قوله: "وصدقه المقر به".
لأن له قولا صحيحا فاعتبر تصديقه في ذلك كما لو أقر له بمال فإن صدقه ثبت وإن كان بعد موت المقر لوجود الإقرار والتصديق وذكر ابن عبد القوي أنه لو خرج فيه قول كما سيأتي لم يكن بعيدا للتهمة فيه ولا بد من عدم اشتراط المنازع فيه لأنه لا ترجيح يسقط به حق الآخر.
قوله: "إلا في الولد الصغير أو المجنون".
فلا يشترط تصديق كما سبق في باب ما يلحق من النسب لأنه لا قول له وإن بلغ أو عقل فأنكر لم يقبل منه للحكم بثبوت نسبه كما لو قامت به بينة وكما لو ادعى ملك عبد صغير في يده وثبت ملكه بذلك فلما كبر جحد قوله وسبق فيه رواية بأن إقرار المزوجة لا يقبل بالولد تقدم ذلك.
فصل
وظاهر كلامه أنه لو استلحق كبيرا عاقلا ميتا لم يثبت نسبه وهو أحد الوجهين لأنه مكلف لم يوجد منه تصديق والثاني يثبت قطع به في الكافي وهو قول القاضي وغيره وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه غير مكلف كالصغير وذكر الشيخ تقي الدين أو الأول أصح وأن في الإقرار بالميت الصغير نظرا وذكر غيره احتمالا في ثبوت نسبه دون ميراثه للتهمة وقال أبو حنيفة لا يثبتان لذلك قلنا:
فلا يشترط تصديق كما سبق في باب ما يلحق من النسب وسبق فيه رواية بأن إقرار المرأة المزوجة لا يقبل بالولد.
يبطل بما إذا كان المقر به حيا موسرا والمقر فقيرا قال في المستوعب لا عبرة بمن قال لا يثبت نسبه.
فصل
ومتى ثبت نسب المقر به ورجع المقر عن الإقرار لم يقبل رجوعه وإن صدقه المقر له في الرجوع فكذلك في أصح الوجهين كالثابت بالفراش والثاني لا يثبت كالمال.
قال الشيخ تقي الدين إن جعل النسب فيه حق الله فهو كالحرية وإن جعل حق آدمي فهو كالمال والأشبه أنه حق لآدمي كالولاء.
ثم إذا قبل التراجع عنه فحق الأقارب الثابت من المحرمية ونحوها هل يزول.
وكذلك إذا رجع عن التصادق على النكاح فالمصاهرة الثابتة هل تزول أو تكون كالإقرار بالرق بعد التصرف انتهى كلامه.
فصل
قال الشيخ تقي الدين فأما إن ادعى نسبا فلم يثبت لعدم تصديق المقر به1 أو قال لا أب لي أو أنا فلان بن فلان وانتسب إلى غير معروف أو قال لا أب لي أو لا نسب لي ثم ادعي بعد هذا نسبا آخر أو ادعى أن له أبا فقد ذكروا فيما يلحق من النسب أن الأب إذا اعترف بالابن بعد نفيه قبل منه فكذلك غيره لأن هذا النفي أو الإقرار لمجهول أو لمنكر لم يثبت به نسب.
1 بهامش الأصل: في كلام الشيخ تقي الدين "أو قال: لا أب لي"
ويكفى في تصديق الولد بالوالد وفي عكسه سكوته إذا أقر به نص عليه وللشاهد أن يشهد بنسبهما بناء على ذلك وقيل لا يكفي حتى يتكرر ذلك.
ومن أقر بطفل له أم فجاءت بعد موت المقر تدعى زوجيته لم تثبت بذلك.
فيكون إقراره بعد ذلك مجهولا كما قلنا فيما إذا أقر بمال المكذب إذا لم نجعله لبيت المال فإنه إذا ادعى المقر بعد هذا أنه ملكه قبل منه ولو كان المقر به رق نفسه فهو كغيره بناء على أن الإقرار للمكذب وجوده كعدمه وهناك على الوجه الآخر نجعله بمنزله المال الضائع أو المجهول الحال فيحكم بالحرية وبالمال لبيت المال وهنا يكون بمنزلة المجهول النسب فيقبل منه الإقرار به1 ثانيا وسر المسألة أن الرجوع عن الدعوى مقبول والرجوع عن الإقرار غير مقبول والإقرار الذي لم يتعلق به حق لله ولا لآدمي هو من باب الدعاوي فيصح الرجوع عنه انتهى كلامه.
وقد تقدمت الإشارة إلى المسألة في غير موضع.
قوله: "ويكفي في تصديق الولد بالوالد وفي عكسه سكوته إذا أقر به نص عليه وللشاهد أن يشهد بنسبهما بناء على ذلك".
هذا هو المشهور لأن النسب يحتاط له فاكتفى بالسكوت كما لو بشر بولد فسكت بخلاف سائر الأشياء.
قوله: "وقيل لا يكفي حتى يتكرر ذلك".
لأن السكوت محتمل فاعتبر التكرار لزوال الاحتمال.
قوله: "ومن أقر بطفل له أم فجاءت بعد موت المقر تدعى زوجيته لم تثبت بذلك".
1 بهامش الأصل: في نكت ابن شيخ السلامية في كلام الشيخ تقي الدين هذا "فيقبل به الإقرار"
كذا ذكره الأصحاب وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة إن كانت حرة معروفة الأصل فهي زوجة استحسانا.
وقال القاضي فإن قيل أليس قد قال أبو بكر في النكاح من المقنع وأومأ إليه الإمام أحمد في رجل باع أمة له من رجل فولدت عند المشترى ولدا فأدعاه البائع أنه ولده وصدقه المشترى أنها تصير أم ولد للبائع فحمل إقراره بالولد على أنه كان في ملكه ولم يحمله على وطء شبهة لذلك يجب أن يحمل إقراره بالولد على أنه كان في زوجية.
قيل له كلام أبي بكر محمول في تلك المسألة على أن البائع ادعى أنه ولده وأنها علقت به في ملكه فمثاله هنا أن يقر بنسبه في زوجية وسلم القاضي أن إقراره بالولد لا يكون إقرارا بنسب أخيه قاله الشيخ تقي الدين.
ومراد القاضي والله أعلم غير التوأم وظاهر كلام أبي بكر خلاف ما قال الشيخ تقي الدين في مسألة أبي بكر قد تقدم في هذه المسألة وجهان في الاستيلاد مع أن الوجهين ذكرهما في الكافي على قولنا أن الاستيلاد لا يثبت إلا إذا علقت به في ملكه فأما إذا قلنا إنه إذا استولدها بنكاح أو وطء شبهة ثم ملكها صارت أم ولد فهذا الأشبه فيه.
وقال ونظير هذا اللقطة فلذلك يجب أن يكون في هذه المسألة مع أن الأشبه بكلام الإمام أحمد ثبوت الاستيلاد هناك والزوجية هنا حملا على الصحة انتهى كلامه.
والوجه بصيرورتها أم ولد وهو منصوص الشافعي لأنه الظاهر بإقراره بولدها وهي في ملكه بخلاف مسألتنا.
ووجه الأول أن ذلك ليس حقيقة لفظه ولا مضمونه والنسب يحتاط له
ولا يصح إقرار من له نسب معروف بغير هؤلاء الأربعة من جد وابن ابن وأخ وعم وغيرهم إلا وورثة أقروا بمن لو أقر به مورثهم ثبت نسبه.
فيلحق بشبهة أو نكاح فاسد فلا يلزمه مالم يتضمنه لفظه وكما لو كانت غير معروفة بالحرية عند أبي حنيفة.
قوله: "ولا يصح إقرار من لا نسب له معروف بغير هؤلاء الأربعة من جد وابن ابن وأخ وعم وغيرهم".
لأن إقرار الإنسان على غيره مقبول وفيه عار وضرر وقال بعضهم من له نسب معروف لا يصح إقراره ولعل مراده من ليس له فسقطت لفظة "ليس".
قوله: "إلا ورثة أقروا بمن لو أقر به موروثهم ثبت نسبه".
وهذا قول الشافعي وأبي يوسف وحكاه عن أبي حنيفة.
قال في المغني والمشهور عن أبي حنيفة لا يثبت إلا بإقرار رجلين أو رجل وامرأتين وقال مالك لا يثبت بإقرار اثنين وهذا الذي حكاه عن مالك حكاه الأصحاب عن أبي حنيفة كالشهادة.
ولنا قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وهي مشهورة متفق عليها وقد أثبت فيها النبي صلى الله عليه وسلم بقول عبد بن زمعة وحده فلأن الوارث يقوم مقام الموروث في حقوقه ولو أنه واحد كذا النسب لأنه منها ولأنه حق يثبت بإقرار فلم يعتبر فيه العدد كالدين بخلاف الشهادة ولهذا لا نعتبر لفظها ولا العدالة.
ويعرف من قوله: "ورثة" أقرار غير الوارث لا يقبل لعدم قبوله في المال فكذا النسب ومقتضى كلامه أنه لو أقر الوارث بمن نفاه الموروث ثبت نسبه والظاهر أنه لم يرده لأنه قد حكى في موضع آخر أن نص الإمام أحمد لا يثبت خلافا للقاضي وقطع الشيخ موفق الدين وغيره بالمنصوص لما فيه من الضرر
فإن كان المقر بعض الورثة لم يثبت النسب.
على الموروث والعار عليه.
قوله: "فإن كان المقر بعض الورثة لم يثبت النسب".
ذكره غير واحد بالإجماع إذالم يكن المقر اثنين لأن النسب لا يتبعض ولا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر.
قال في الرعاية فإن أقر بعضهم ولم يشهد منهم أو من غيرهم عدلان أنه ولده أو ولد على فراشه أو أنه أقر به لم يثبت نسبه على المذهب فهذا رواية في ثبوت النسب بقول البعض ولعل مراده إذا كان البعض ابنين لأنه هو المعروف في كلام القاضي وغيره قال ابنه أبو الحسين إذا أقر اثنان من الورثة على أبيهما بدين أو نسب فهل يثبت ذلك في حق الباقين بغير لفظ الشهادة على روايتين إحدهما يعتبر لفظ الشهادة لأنه إثبات حق على الغير أشبه ما إذا شهد اثنان على نسب الغير أو بدين على الغير والثانية لا يعتبر لأنه يشبه الشهادة لأنه إثبات حق على الغير ويشبه الإقرار من حيث تثبت المشاركة له فيما في يده من المال المقصود فأعطيناه حكم الأصلين فاشترطنا العدد اعتبارا بالشهادة ولم تشترط لفظ الشهادة اعتبارا بالإقرار.
قال القاضي في التعليق ويتخرج على هذا الاختلاف هل يشترط فيهما العدالة على روايتين وقال أبو حنيفة يثبت إذا كانا عدلين.
فرع
وإذا لم يثبت النسب من الموروث لعدم إقرار كل الورثة فهل يثبت من المقر حتى لو مات المقر ولا وارث له غير المقر به يرثه الذي قطع بعضهم أنه لا يثبت.
وذكر غير واحد وجهين أحدهما يثبت لأن النسب يحتاط له والمعنى
لكن يعطى للمقر له ما فضل في يده عن حقه أو كله إن كان يسقطه كما ذكر في الفرائض.
ولو مات المنكر المقر وارثه ثبت نسب المقر به منهما وقيل لا يثبت لكن يعطيه الفاضل في يده عن إرثه فلو مات المقر بعد ذلك عن بني عم وكان المقر به أخا ورثه دونهم على الأول وعلى الثاني يرثونه دون المقر به.
الذي لأجله لم يثبت النسب من الموروث يختص به ولا يتعداه والثاني لا يثبت لأن النسب لا يتبعض.
قوله: "لكن يعطى للمقر له ما فضل في يده عن حقه أو كله إن كان يسقطه كما ذكر في الفرائض".
تقدم ذلك.
قوله: "ولو مات المنكر والمقر وارثه ثبت نسب المقر به منهما".
وقدمه أيضا في المغني لأنه صار جميع الورثة كما أقر به ابتداء.
وقطع به في المستوعب وقال ذكره القاضي في المجرد.
قوله: "وقيل لا يثبت لكن يعطيه الفاضل في يده عن إرثه".
كما لو لم يمت وكما لو أنكر الأب نسبه في حياته فأقر به الوارث وكذا الخلاف لو كان وارثه ابنا فأقر بالذي أنكره أبوه ذكره في المغني وغيره فأما إن كان المقر غير مكلف لم يثبت النسب فإن مات فوارثه يقوم مقامه وإن صار مكلفا ثبت نسبه وإن أقر له وإلا فلا وإن لم يخلف وارثا إلا أخاه المقر قام مقامه في الإقرار لأنه صار جميع الورثة.
قوله: "فلو مات المقر بعد ذلك عن بني عم وكان المقر به أخا ورثه دونهم على الأول وعلى الثاني يرثونه دون المقر به".
ولو مات المقر بنسب ممكن ولم يثبت ولم يخلف وارثا من ذي سهم ولا رحم ولا مولى سوى المقر به جعل الإقرار له كالوصية فيعطى ثلث المال في أحد الوجهين وجميعه في الآخر وقيل لا يجعل كالوصية ويكون الإرث لبيت المال.
هذا تفريع واضح لا حاجة للمختصر إليه لأنه ثبتت أخوته على الأول بخلاف الثاني والأخ يسقط بني العم.
قوله: "ولو مات المقر بنسب ممكن ولم يثبت ولم يخلف وارثا من ذي سهم ولا رحم ولا مولى سوى المقر به جعل الإقرار كالوصية فيعطى ثلث المال في أحد الوجهين وجميعه في الآخر".
لأن إقراره تضمن جعل المال له فأشبه جعل المال وصية وهل تصح وصية من لا وارث له بجميع ماله فيه روايتان وعليهما يخرج الوجهان في هذه المسألة.
قوله: "وقيل لا يجعل كالوصية ويكون الإرث لبيت المال".
لأن ثبوت المال من ثبوت الأخوة فإذا انتفى انتفى تابعه وقطع في المغني بعدم ثبوت النسب لعدم إقرار كل الورثه ثم قال وهل يتوارثان فيه وجهان.
أحدهما يتوارثان لأن كل واحد منهما يقر أنه لا وارث له سوى صاحبه ولا منازع لهما والثاني لا يتوارثان لأن النسب بينهما لم يثبت فإن كان لكل واحد منهما وارث غير صاحبه لم يرثه لأنه منازع في الميراث ولم يثبت نسبه انتهى كلامه.
فقد جعل الخلاف في توارثهما مع انتفاء النسب وهذا غريب وكيف يثبت التوارث مع انتفاء سببه وقد تقدم قريبا ذكر هذه المسألة في فرع وأن فيها خلافا في ثبوت النسب وأن فيها معنى الإرث ذكره في المستوعب وغيره.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الفرائض في زياداته على كتاب
وإن أقر المجهول النسب الذي عليه ولاء بنسب وإرث لم يقبل حتى يصدقه مولاه نص عليه ويتخرج أن يقبل بدونه.
أبيه حدثنا عبد الله بن عوف وكان ثقة حدثنا شريك من جابر عن الشعبي عن علي في رجل ادعى أخاه وأنكره إخوته قال: "يتوارثان بينهما دونهم".
جابر هو الجعفي ضعيف وإن صح فقد يقال توارثهما يدل على تواضع النسب وثبوته بينهما لما بينهما من اللازم.
وقال الشيخ تقي الدين هذا يقتضي أن المقر به يرث المقر مطلقا كما عليه أن يدفع في حياته فضل ما في يده له كأنه أقر بأن المال الذي في يده يتسحقه هكذا قال.
قوله: "وإذا أقر المجهول النسب الذي عليه ولاء بنسب وإرث لم يقبل حتى يصدقه مولاه".
نص عليه في رواية أحمد بن القاسم وذكر له أن قوما يقولون في الحميل إنه إنما منعوه الميراث إلا ببينة من أجل الميراث فأما قوم يسبون جاءوا مسلمين أو أسلموا في مواضعهم فإنهم خلاف هذا قال أجل هذا غير ذاك.
قال القاضي فقد نص على أنه لا يقبل قبول السبي وبين أن العلة فيه إسقاط الميراث بالميراث وقال أيضا في رواية حرب من ميراث الحميل إذا قامت البينة أنه أخوه أو ابنه أو وارث له ورثتاه وإلا فلا.
قال القاضي فقد نص على اعتبار البينة في ذلك وأنه لا يقبل مجرد إقرارهم وهذا هو الذي عليه الأصحاب لأن الولاء لحمة كلحمة النسب والحق لمولاه فلا يقبل إقراره بما يسقطه كما لو دفع بإقراره نسبا لغيره.
قوله: "يتخرج أن يقبل بدونه".
وإن لم يكن له عليه ولاء قبل إقراره وإن كان أخا أو عما أو غيرهما بشرط التصديق والإمكان.
وإذا أقر ورثة ميت عليه لزمهم قضاؤه من التركة وإن أقر بعضهم لزمه منه بقدر إرثه.
قال ابن عبد القوى لأنه لم يسقط به نسبا والإرث يسقط تبعا لا قصدا فلا نص لحد الأصل انتهى كلامه.
ولعل هذا التخريج من قبول إقراره بالنسب وهو أسقط به وارثا معروفا إذا لم يدفع به نسبا لغيره وهنا لم يسقط به نسبا والنسب يحتاط لإثباته وهذا قول أبي حنيفة وأنهم يصدقون في كل ما يصدق فيه أهل الذمة.
قوله: "وإن لم يكن عليه ولاء قبل إقراره به وإن كان أخا أو عما بشرط التصديق والإمكان".
قال في الرعاية وتصديقه إن كان مكلفا لأنه لا ضرر على أحد بإقراره فيقبل.
قوله: "وإذا أقر ورثه ميت بدين عليه لزمهم قضاؤه من التركة".
كإقرار الميت به في حياته لأن الوارث يقوم مقام الموروث والإقرار أبلغ من البينة ويلزم الوارث أقل الأمرين من قيمتها أو قدر الدين بمنزلة الجاني.
قوله: "وإن أقر بعضهم لزمهم منه بقدر إرثه".
فلو كان ابنين فأقر أحدهما وجب عليه في حصته نصف الدين وإن كانوا ثلاثة وجب عليه ثلث الدين قال القاضي في رواية الأثرم فيمن علم على أبيه دينا فإنما عليه بحصته وإن لم يرد الآخرون وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم عنه في الورثة يقر اثنان منهم بدين على أبيهم وينكر الباقون أعطى كل واحد منهما بحصته من الدين الذي على أبيهما وهذا قول الشافعي وأبي ثور لأنه لا يستحق أكثر من ذلك كما لو أقر الورثة كلهم ولأنه أقر بدين تعلق بمال
إلا أن يقرأ عدلان فيشهدا للغريم أو عدل يحلف مع شهادته فإنه يسقط حقه.
ويقدم ما ثبت بالبينة أو إقرار الميت على ما ثبت بمجرد إقرار الورثة.
مشترك فلزمه بقدر حصته كالشريك ولأنه حق يتعلق بالتركة فلم يؤخذ منه إلا ما يخصه كالوصية وقال أبو حنيفة يلزمه جميع الدين أو جميع ميراثه لأن الدين يتعلق بالتركة فلا يستحق الوارث منها إلا ما فضل ولأنه يدعي أن ما يأخذه المنكر غصبا فأشبه ما لو غصبه أجنبي.
وقال ابن عبد القوي ويخرج لنا مثله على قولنا إنه إذا اختار السيد فداء العبد الجاني يلزمه جميع الأرش انتهى كلامه وفيه نظر.
وقد تقدم لنا في إقرار بعض الورثة بالنسب أنه إذا أقر اثنان من الورثة بدين هل يلزم الباقين على روايتين.
قوله: "إلا أن يقرأ عدلان فيشهدا للغريم أو عدل يحلف مع شهادته فإنه يسقط حقه".
يعني من التركة لثبوت الحق كما لو كانت البينة أجنبية.
قوله: "ويقدم ما ثبت بالبينة أو إقرار الميت على ما ثبت بمجرد إقرار الورثة".
أما كون إقرار الميت يقدم على إقرار الوارث فتؤكده بالسبق واحتمال المواطأة في الثاني ومن عليه الحق أعلم به فيقدم.
قوله: "وقيل يقدم ما أقر به الورثة".
لثبوته بإقرارهم كشهادتهم ويحتمل التسوية بين الإقرارين ويقدم ما ثبت ببينة على مجرد الإقرارين لقوتهما ولما في التساوي من تسليط على إبطال حق غيره الثابت بالبينة بمجرد قوله.
وإذا أقر الوارث لرجل بدين يستغرق التركة ثم أقر مثله لآخر في مجلس ثان لم يشارك الثاني الأول وإن كانا في مجلس واحد تشاركا عند الخرقي كما لو أقر لهما معا.
قوله: "وإذا أقر الوارث لرجل بدين يستغرق التركة ثم أقر بمثله لآخر في مجلس ثان لم يشارك الثاني الأول".
قطع به الأصحاب رحمهم الله تعالى وقال الشيخ تقي الدين يشبه إذا أقر في مرضه مرتين أو أقر في صحته ثم في مرضه من وجه انتهى كلامه.
وقال الشافعي يقبل إقراره الثاني فيتشاركان لأن من قبل إقراره أولا قيل ثانيا إذا لم يتغير حاله كالموروث.
ووجه قولنا أن الأول تعلق حقه بالتركة فلا يقبل إقرار غيره بما يسقط حقه كإقرار الراهن بجناية الرهن أو الجاني فأما الموروث فإن أقر في صحته صح لعدم تعلق الدين بماله وإن أقر في مرضه لم يحاص المقر له غرماء الصحة لذلك قال في المغني.
وهذا يدل على استوائهما في الحكم لاستوائهما في المعنى وأنه إذا قيل بالمحاصة قيل بالمشاركة هنا لعدم الفارق فيكون لنا قولان كقول الشافعي.
قال في المغني وأن أقر يعني الموروث في مرضه لغريم يستغرق تركته دينه ثم أقر لآخر في مجلس آخر والفرق بينهما أن إقراره الأول لم يمنعه من التصرف في ماله ولا أن يعلق به دينا آخر بأن يستدين دينا آخر بفعله فلا يملكه بقوله ولا يملك التصرف في التركة ما لم يلتزم قضاء الدين انتهى كلامه ولعل الفرق من هذه الجهة فيه نظر فتأمله.
قوله: "وإن كانا في مجلس واحد تشاركا عند الخرقي كما لو أقر لهما معا".
قطع به جماعة منهم الشيخ موفق الدين وصاحب المستوعب لأن حكم
وقيل يقدم الأول وظاهر كلام أحمد يتشاركان إن تواصل الكلام بالإقرارين وإلا قدم الأول ولو أقر لرجل بعين التركة ثم أقر بها لآخر فهي للأول ويغرم قيمتها للثاني.
المجلس حكم الحال الواحد فيما يعين قبضه ولحوق الزيادة وإمكان الفسخ وغير ذلك كذا في مسألتنا.
قال الشيخ تقي الدين وهو الذي في التعليق ذكره وفاقا مع أبي حنيفة في ضمن مسألة الإقرار مرتين لكن قال إذا ادعى رجل أن له على أبيه ألف درهم فأقر له بذلك فقيدها بالإقرار بعد الدعوى فيمكن الفرق انتهى كلامه.
قوله: "وقيل يقدم الأول".
لما تقدم لأن الغير لا يملك إسقاط حق غيره كما نقول في إقرار الراهن بجناية الرهن أو الجاني ودعوى ثاني المجلس ممنوعة وإنما حصل الثاني في مواضع لمصلحة المكلفين لاحتمال حصول اتحاد غرض أو غيره أو دهشة ونحو ذلك فجعل الشارع المجلس فيه ظاهرا نظرا إلى مصلحة مخصوصة.
قوله: "وظاهر كلام الإمام أحمد يتشاركان إن تواصل الكلام بالإقرارين وإلا قدم الأول".
لأن مع تواصل الكلام هو كالإقرار الواحد بدليل أنه يملك تغييره وتقريره بشرط استثناء ونحو ذلك فيكون كالكلام الواحد وإلا قدم الأول لما تقدم.
قوله: "ولو أقر لرجل بعين التركة ثم أقر بها لآخر فهي للأول ويغرم قيمتها الثاني".
لأنه حصل للأول بالإقرار السابق ولم يقبل رجوعه بالإقرار الثاني لأنه حق آدمي ويغرم قيمتها للثاني لأنه بإقراره لغيره حال بينه وبين ملكه
باب ما يحصل به الإقرار وحكم ما يصله به مما بغيره
إذا ادعى على رجل مائة فقال نعم أو أجل أو صدقت أو أنا مقر بها أو بدعواك فقد أقر بالمدعى.
فغرمه كما لو شهد على غيره بإعتاق عبده ثم رجع عن الشهادة وكما لو أتلفه ثم أقر به وقال الشافعي في أحد القولين لا يغرم للثاني شيئا ولنا فيما إذا قال غصبت هذا العبد من زيد لا بل من عمرو وجه لا شيء لعمرو فيلزم هنا مثله وأولى لأن أبا حنيفة وافق في صورة الغصب وقال هنا إن سلم الغير إلى الأول بحكم حاكم فهي له ولا شيء للثاني لأن الواجب الإقرار وقد أقر وإنما منعه الحكم من القول وهو غير موجب الضمان.
فصل
قد عرفت من هذه المسألة أن الرجوع عن الإقرار بغير حد خالص لله لا يقبل وهذا صحيح وقطع به أكثر الأصحاب وقال في المغني لا نعلم فيه خلافا لأنه حق ثبت لغيره وقدم هذا في المستوعب والرعاية وقدم أبو بكر في التنبيه أن من أقر بمال أو حد أنه يقبل رجوعه تسوية بين الحقين.
قال السامري لما حكى في قبول الرجوع عن الإقرار بالأموال وجها لا يجوز أن يكون هذا مذهبا.
قوله: "وإذا ادعى رجل على رجل مائة فقال نعم أو أجل أو صدقت أو أنا مقر بها أو بدعواك فقد أقر بالمدعي".
وهو واضح قال تعالى: [44:7] ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ﴾ وقيل لسلمان "قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال أجل" وكذا إن قال زاد بعضهم لعمري أو لا أنكر أنا بحق في دعواك.
وقوله: "إذا ادعى" قال الشيخ تقي الدين لا بد أن يكون بصيغة الخبر وهو إني أستحق عنده أو لي عنده وإما بصيغة الطلب وهو أن يقول أعطني انتهى كلامه وهو ظاهر فإنه إذا قال أعطني مائة قال نعم لا يلزم أن يكون مستحقا عليه وهو محتمل لذلك وللوديعة والقرض وغير ذلك فإذا قال أعطني عبدي هذا أو أعطني الألف الذي عليك قال نعم كان مقرا قطع به الشيخ موفق الدين وغيره لأنه تصديق لما ادعاه لأن "نعم" مقررة لما سبقها وهذا بخلاف ما لو قال خذها أو خذ فإنه ليس بصيغة التصديق وإنما هو بذل مجرد ولا يلزم من بذل المدعى به وجوبه ولا إشكال.
وقال الشيخ تقي الدين في هذه المسألة عقيب كلام الشيخ موفق الدين فيه نظر فإن "نعم" هنا جوابا لطلب وجواب الطلب الطاعة والبذل وفي كونه إقرارا وجهان فإن قوله هنا "نعم" لا يزيد على قوله خذها بل هو إلى الأخذ أقرب ومثاله الساعة أعطيك أو نعم أنا أعطيك أو وكرامة وعزازة.
وأما كون الطالب وصفها بأنها عنده فهذا له نظائر في الطلب استفهاما وأمرا مثل ألهذا العدل عندك ألف أو لهذه المرأة التي طلقتها عندك ألف وقد أبرأتك هذه المرأة التي طلقتها من جميع الدعاوى أو تقول هذه المطلقة قد أبرأتك أتصدقها فيقول نعم انتهى كلامه.
قال الشيخ تقي الدين والنحويون يقولون "نعم" جواب الاستفهام ولكن قد صارت في العرف بمنزلة أجل كما قد استعمل أجل جواب الاستفهام انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن العرف يعمل دون الحقيقة اللغوية ولعل مراده في العامي دون اللغوي كما هو الراجح في المذهب في نظائره.
وقد ذكر ابن الحاجب وغيره أن "نعم" مقررة لما سبقها من الكلام شيئا مثبتا
وإن قال يجوز أن يكون محقا أو عسى أو لعل أو أحسب أو أظن أو أقدر.
كان أو منفيا استفهاما كان أو خبرا تقول لمن قال قام زيد أو ما قام زيد أو لم يقم زيد نعم تصديقه لما قبله هذا بحسب اللغة دون العرف ألا ترى أنه لو قيل لك أليس لي عندك كذا مالا فقلت نعم لألزمك القاضي به تغليبا للعرف على اللغة.
وظاهر هذا تقديم العرف مطلقا كما هو ظاهر قول الشيخ تقي الدين وقال في المغني وإن قال أليس لي عندك ألف قال بلى كان إقرارا صحيحا لأن بلى جواب للسؤال بحرف النفي قال الله تعالى: [182:7] ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وستأتي هذه المسألة في كلام المصنف.
وظاهر هذا أنه لو قال نعم لم يكن إقرارا صحيحا لخروجه عن اللغة وقد ذكروا في قوله أن دخلت الدار فأنت طالق بفتح "أن" هل يكون شرطا أم لا أم يفرق بين المعاصي وغيره كما هو الراجح؟ وكذا الخلاف في غير هذه المسألة.
فظهر من هذا أن الإتيان بحرف الجواب في غير محله كنعم في الجواب المنفي كقوله أليس عندك كذا فيقول نعم فيه ثلاثة أقول.
قوله: "وإن قال يجوز أن يكون محقا أو عسى أو لعل أو أحسب أو أظن أو أقدر".
لأن هذه الأشياء تستعمل للاستهزاء و"لعل وعسى" للترجي وللمستقبل "وأظن وأحسب وأقدر" وضعت للشك والأصل بقاء براءة الذمة.
وقال القاضي في ضمن مسألة فيما أعلم فيما أعلم لا يمتنع أن نقول إذا قال له على ألف فيما أحسب وفيما أظن أنه يلزمه.
أو قال خذ أو أتزن أو أحرز أو افتح كمك لم يكن مقرا.
وإن قال أنا مقر أو أنا أقر أو لا أنكر أو خذها أو أتزنها أو أحرزها أو اقبضها أو هي صحاح فوجهان.
قوله: "أو قال خذ أو اتزن أو أحرز أو فتح كمك لم يكن مقرا".
قطع به الأصحاب لأن هذه الأشياء تستعمل على سبيل البسط والمزح مع احتمالها خذ الجواب واتزن أو احرز أو افتح كمك لشيء آخر والذمة لا تشتغل بالاحتمال.
وقال الشيخ تقي الدين الصواب أن المفصول المحذوف هنا هو الدرهم على قياس أصح الوجهين إذا قال أنا مقر فتكون كالتي بعدها أعني خذها يبقى أن مجرد البذل هل هو إقرار كما لو قال أعطني الألف التي لك التي لي عندك فقال نعم ففيهما إذا ثلاثة أوجه.
قوله: "وإن قال أنا مقر أو أنا أقر أو لا أنكر إلى أن قال فوجهان".
أحدهما يكون مقرا لأن الظاهر انصرافه إلى المدعي لوروده عقب الدعوى وكذا الخلاف إن قال أقررت لأنه تعالى اجتزأ منهم في كونهم مقرين في الآية بقولهم ﴿أَقْرَرْنَا﴾ جوابا لقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ ثم قالوا ﴿أَقْرَرْنَا﴾ ولم يقولوا أقررنا بذلك.
والثاني لا يكون مقرا لاحتمال مقر ببطلان دعواك أو بالعقد أو الشهادة ونحوه لأن قوله: "أقر" وعد بالإقرار في المستقبل فهو كقوله سأقر بدعواك ونحوه ولم أجد في هذا الأصل خلافا ولا يلزم من عدم إنكاره إقراره لوجود واسطة وهي السكوت عنهما مع احتمال لا أنكر بطلان دعواك وقيل يكون مقرا في "أنا مقر" فقط قواه بعضهم.
قال الشيخ تقي الدين قياس المذهب فيما إذا قال "أنا مقر" أن يكون مقرا بها لأن المفعول ما في الدعوى كما قلنا في قوله قبلت أن القبول ينصرف إلى الإيجاب لا إلى قبول شيء آخر فالإقرار أولى وقال المتوجه إن مجرد نفي الإنكار إن لم ينضم إليه قرينة بأن يكون المدعي مما يعلمه المطلوب أو قد ادعى عليه علمه وإلا لم يكن إقرار وإن قال "لا أنكر أن تكون محقا" فوجهان لاحتمال محقا في اعتقاده ونحوه.
قوله: "أو أخذها أو أتزنها أو أحرزها أو اقبضها أو هي صحاح فوجهان".
ووجههما ما تقدم ولاحتمال خذها وإن لم تكن واجبة علي.
فصل
وإن قال لي عليك ألف فقال قضيتك منها مائة فقال القاضي ليس هذا إقرارا بشيء لأن المائة قد رفعها بقوله والباقي لم يقر به وقوله: "منها" يحتمل مما يدعيه وكذا قطع به في الكافي وغيره وذكر في المغني أنه يجيء على الرواية الأخرى يعني قوله إذا قال كان له على كذا وقضيت منه كذا أنه يلزمه ما ادعى قضاءه لأن في ضمن دعوى القضاء إقرارا بأنها كانت عليه فلا يقبل دعوى القضاء بغير بينة.
وقال ابن حمدان في الرعاية الكبرى ويحتمل أن يلزمه الباقي يعني تقبل دعوى القضاء وهي تتضمن الإقرار بالباقي فيلزمه.
وقال الشيخ تقي الدين يخرج على أحد الوجهين في "أتزنها وخذها واقبضها" أنه مقر بباقي الألف لأن الهاء ترجع إلى المذكور ويتخرج أن يكون مقرا بالمائة على رواية في قوله: "كان له علي وقضيته" ثم هل هو مقر بها وحدها أو بالجميع على ما تقدم انتهى كلامه.
وإن قال له على مائة إن شاء الله.
فصل
قال الشيخ تقي الدين هذه الألفاظ يعني الإقرار تارة تكون مبتدأة وهو ظاهر وتارة تكون جواب طلب وتارة جواب خبر وتارة جواب استفهام من المقر له أو من الشهود أو من غيرهما ثم تارة يكون بحضرة الحاكم وتارة بحضرة من يعلم أنهم يشهدون عليه وتارة مطلقا وقد تقدم هذا القسم في الشهادات ثم هذه الألفاظ قد تظهر على وجه التهكم والاستهزاء فهذه أقسام لا بد من اعتبارها.
قوله: "وإن قال له على مائة إن شاء الله".
قال أبو طالب سمعت الإمام أحمد قال إذا قال الرجل على ألف درهم إن شاء الله فقد أقر ليس استثناؤه بشئ وعلى هذا الأصحاب لأنه وصل بإقراره ما يرفعه واللفظ لا يحتمله فصح الإقرار وبطل ما يرفعه كاستثناء الكل.
قال أبو الخطاب وغيره ولا يلزم إذا قال له على ألف قبضها لأن ذلك يحتمله اللفظ وكذا ذكره القاضي والأولى المنع كما قطع به غير واحد ولأنه عقب الإقرار بما لا يفيد حكما آخر ولا يقتضي رفع الحكم أشبه ما لو قال له علي ألف في مشيئة الله وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه والشافعي لا يصح الإقرار وهو احتمال في الرعاية لأنه علق إقراره بشرط فلم يصح كتعليقه على مشيئة زيد ولنا في هذا الأصل وجهان.
أحدهما الصحة كتعليقه بمشيئة الله تعالى.
والثاني لا يصح لإن الإقرار إخبار بحق سابق فلا يعلق على شرط مستقبل فعلى هذا الفرق أن مشيئة الله تعالى تذكر في الكلام تفويضا إليه وتبركا
بخلاف مشيئة الآدمي ولأن مشيئة الله لا تعلم إلا بوقوع الأمر فلا يمكن وقوف الأمر على وجودها ومشيئة الآدمي يمكن العلم بها فيمكن جعلها شرطا فيوقف الأمر على وجودها والماضي لا يمكن وقفه في تعيين الأمر هنا على المستقبل فيكون وعدا.
فصل
ولو قال بعتك إن شاء الله أو زوجتك إن شاء الله فقال أبو إسحاق بن شاقلا لا أعلم خلافا عنه في أنه إذا قيل له قبلت هذا النكاح فقال نعم إن شاء الله أن النكاح واقع وبه قال أبو حنيفة ذكره في المغني وقال القاضي وظاهر هذا أن الاستثناء في العقد لا يبطله ويحتمل أن يفرق بين الاستثناء في الإقرار والاستثناء في العقود فلا يحكم بصحة العقود وإن صححنا الإقرار لأنه إذا وجب البيع والنكاح كان له الرجوع في ذلك قبل القبول بخلاف الإقرار فإنه لا يمكنه الرجوع فيه ويحتمل أن يلزم على ما قال أبو إسحاق بن شاقلا ويكون تقديره إن شاء الله أن أتلفظ بالبيع أو إن شاء الله أن أبيعك وقد علمنا مشيئتنا به بوجود الإيجاب من جهته وقال القاضي أيضا في الخلاف وعلى قياس الإقرار بالبيع والنكاح وذكر أبو الخطاب والشريف مسألة تعليق الإقرار بمشيئة الله ثم قال وكذلك إذا قال قبلت النكاح إن شاء الله ذكره أبو إسحاق ثم استدل للمسألة كما تقدم وقال ولأن هذا مما يصح في المجهول وليس فيه تمليك فتعليقه بالشرط لا يبطله كالعتاق والطلاق والضمان ولا يلزم البيع لأنه لا يصح في مجهول ولا يلزم النكاح لأنه يبطل إذا علقه بشرط وإن كان يصح في المجهول لأننا قلنا وليس فيه تمليك وفي ذلك تمليك ومقتضى هذا أن تعليق الإقرار بشرط مطلقا لا يبطله بخلاف البيع والنكاح.
أو فيما أعلم أو في علمي أو إلا أن يشاء زيد أو إلا أن أدخل الدار أو قال المداعي أعطني فرسي هذه أو ثوبي هذا أو المائة التي لي عليك فقال نعم أو قال أو ليس لي عليك مائة فقال بلى فقد أقر بذلك ولزمه.
قوله: "أو فيما أعلم أو في علمي".
وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي لأنه لما أضافه إلى علمه كان يقينا لأن ما في علمه لايحتمل إلا الوجوب.
قال أبو الخطاب والشريف دليله إذا قال له علي ألف أعلمها وقال أبو حنيفة الإقرار باطل.
قال الشيخ تقي الدين وسلم ما إذا قال لفلان على ألف درهم وقد علمت وسلم له القاضي وغيره أن الشاهد لو قال أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم فيما أعلم لم تقبل شهادته وفرق بأن الإقرار يصح بالمجهول والمبهم ولا تصح الشهادة بذلك قال الشيخ تقي الدين وفيه نظر انتهى كلامه.
وما قاله صحيح والأولى قبول الشهادة وهذا الفرق لا أثر له هنا.
وقد عرف من هذه المسألة أنه لو قال فيما أظن لم يلزمه شيء وهو كذلك ونقله ابن هبيرة عن اتفاق الأئمة الأربعة.
قوله: "أو إلا أن يشاء زيد أو إلا أن يشاء الله كان الحكم كذلك".
وفيه الاحتمال السابق في قوله إن شاء الله وفيه نظر هنا.
قوله أو قال المدعي أعطني فرسي هذه أو ثوبي هذا أو المائة التي لي عليك فقال نعم أو قال المدعي أليس لي عليك مائة فقال بلى فقد أقر بذلك ولزمه.
تقدم ذلك في قوله إدا ادعى على رجل مائة والأولى بأن يكون مقرا وقد تقدم ذلك.
وإذا علق الإقرار بشرط تقدمه كقوله إن قدم فلان أو إن شاء أو إن دخل الدار فله علي مائة أو إن شهد فلان علي بكذا صدقته ونحو ذلك لم يصح إلا في قوله إذا جاء وقت كذا فعلي لزيد كذا أو قال إن شهد علي فلان بكذا فهو صادق فإنه على وجهين.
قوله: "وإذا علق على الإقرار بشرط تقدمه كقوله إن قدم فلان أو إن شاء أو إن دخل الدار فله علي مائة أو إن شهد فلان علي بكذا صدقته ونحو ذلك لم يصح".
أما المسألة الأولى فلأنه ليس بمقر في الحال لأن المشروط عدم عند عدم شرطه والشرط لا يقتضى إيجاب ذلك بل إشكال فيقال يجب عند وجود الشرط وأما في الثانية فلا يصدق الكاذب.
وقال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه إن كان الشرط بما يجب به الحق صح تعليق الإقرار به1 كقول المرأة إن كان قد طلقني فله علي ألف أو إن طلقني أو إن كان عمل لي ونحو ذلك انتهى كلامه.
وليس هذا إقرارا وإنما هو التزام فهو كقولها اخلعني أو طلقني ولك ألف أو علي ألف أو بألف ونحو ذلك.
قوله: "إلا في قوله إذا جاء وقت كذا فعلى لزيد كذا أو قال إن شهد علي فلان بكذا فهو صادق فإنه على وجهين".
أما عدم صحة إقراره في المسألة الأولى فذكر في المغني أنه قول الأصحاب وقطع به في الكافي وهو منصوص الشافعي لأنه بدأ بالشرط.
وقوله: "فعلي كذا" يصلح إقرارا ووعدا فلا يثبت الإقرار مع الاحتمال.
1 بهامش الأصل: الذي في نكت ابن شيخ السلامية عن الشيخ تقي الدين أنه قال "والتحقيق أنه إن كان الشرط مما قد يجب الوفاء به صح تعليق الإقرار به"
ولو أخر الشرط كقوله له على ألف إن شفي زيد أو إن قدم أو إذا جاء المطر أو إن شهد بها فلان ونحوه فعلى وجهين إلا في قوله له علي كذا إذا جاء وقت كذا فإنه يصح وجها واحدا.
ووجه الصحة أنه ظاهر في الإقرار لأن لفظه على ظاهرة في الثابت واللازم ومجيء الوقت يصلح أجلا لحلول الحق بخلاف غيره وحمل كلام المكلف على الصحة أولى.
وأما المسألة الثانية فوجه عدم الصحة فيها أنه علقه على شرط ووجه الصحة أنه لا يتصور صدقه إلا أن يكون ثابتا في الحال وقد أقر بصدقه.
قوله: "ولو أخر الشرط كقوله له على ألف إن شفى زيد أو إن قدم أو إذا جاء المطر أو إن شهد بها فلان ونحوه فعلى وجهين".
أحدهما لا يكون مقر لما تقدم وكما لو قدم الشرط والثاني يكون مقرا فإن قدم الإقرار فلم يثبت حكمه والشرط لا يصلح أجلا فبطل ولأن الحق ثابت في الحال لا يقف على الشرط فسقط الاستثناء ولأن المقر لا يكون عليه علم الشرط إلا وهو عليه في الحال لأن الشرط لا يوجد.
قوله: "إلا في قوله له علي كذا إذا جاء وقت كذا فإنه يصح وجها واحدا".
وكذا قطع به في الكافي وغيره ونقله في المغني عن الأصحاب وهو منصوص الشافعي لأنه بدأ بالإقرار وقوله: "إذا جاء وقت كذا" يحتمل أنه أراد المحل فلا يبطل بالاحتمال قال في المغني ويحتمل أن لا فرق بينهما يعني هذه المسألة وعكسها المتقدمة قال لأن تقديم الشرط وتأخيره سواء فيكون فيهما جميعا وجهان انتهى كلامه.
وإن أقر بدين مؤجل فالقول قوله في التأجيل نص عليه.
وقال الشيخ تقي الدين مضمون هذه المسائل أن الإقرار لا يتعلق بشرط بل إذا تأخر الشرط هل يبطل وحده أو الإقرار كله على وجهين.
قال والصواب أن نفس الإقرار لا يتعلق وإنما يتعلق المقر به لأن المقر به قد يكون معلقا بسبب يوجبه أو يوجب أداءه أو دليل يظهره فالأول كما لو قال إن قدم فلان فعلي لزيد ألف درهم فإذا قال مقرا إذا قدم زيد فلفلان علي ألف درهم صح وكذا لو قال إن رد عبدي الآبق فله ألف درهم ثم أقر بها فقال إن رد عبدي فله عندي صح وكذا الإقرار بعوض الخلع لو قالت إن طلقني أو إن عفا عني قال وأما التعليق بالشهادة فقد يشبه التحكيم ولو قال إن حكمت علي بكذا التزمته لزمه عندنا فكذلك قد يرضي بشهادته وهو في الحقيقة التزام وتزكية للشاهد ورضى بشهادة واحد فهو بمنزلة أن يقول للحاكم إن شهد علي فلان فاقض بحكمه وما هو ببعيد لأن تعديل الشخص للشاهد قد يكفي.
وإذا حكم بشاهد فابرأ المطلوب من اليمين فهو بمنزلة إن شهد فلان فهو صادق انتهى كلامه.
قوله: "وإن أقر بدين مؤجل فالقول قوله في التأجيل نص عليه".
في رواية ابن الحكم سئل الإمام أحمد عمن أقر فقال لفلان علي كذا وكذا إلى أجل.
فقال أبو عبد الله إذا قال لي في مرة واحدة قبل منه يعني إلى أجل وفي رواية أبي طالب في مسألته الطويلة في مناظرة أبي ثور وهي في الفلس وهذا هو المذهب لأن الأجل صفة في الدين فرجع فيه إلى المقر كالسواد والبياض والحلول ولأنه هكذا أقر كما لو قال ناقصة ولا بد من اتصاله وفي
ويحتمل أن يكون قول خصمه في حلوله فعلى الأول لو عزاه إلى سبب يقبل الأمرين فالقول قوله في الضمان وفي غيره وجهان.
معناه سكوت لا يمكنه الكلام فيه.
قوله: "ويحتمل أن يكون قول خصمه في حلوله".
ذكره أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة ومالك وعن الشافعي كالمذهبين لأن التأجيل يمنع استيفاء الحق في الحال كما لو قال قضيته إياها والفرق ظاهر.
قوله: "فعلى الأول لو عزاه إلى سبب يقبل الأمرين فالقول قول في الضمان وفي غيره وجهان".
أما كون القول قول المقر في الضمان فلأنه فسر كلامه بما يحتمله من غير مخالفة لأصل ولا ظاهر فقبل لأن الضمان مقتضاه ثبوت الحق في الذمة فقط ومن أصلنا صحة ضمان الحال مؤجلا.
وأما إذا كان السبب غير ضمان كبيع وغيره فوجه قبول قول المقر في التأجيل أنه سبب يقبل الحلول والتأجيل فقبل قوله فيه كالضمان ولأن الأصل براءة الذمة وإنما ثبت شغلها بالحق وصفة الحلول أمر زائد محتمل فلا ينتقل عن الأصل بالاحتمال ووجه عدم قبول قوله أن سبب متقضاه الحلول فوجب العمل بمقتضاه وأصله كما لو صرح به أو فلم يقبل تفسيره بخلافه كما لو صرح به وبهذا فارق الضمان هذا ما ظهر لي من حل كلامه.
وقال ابن عبد القوي بعد نظمه كلام المحرر الذي يقوي عندي أن مراده يقبل في الضمان أي يضمن ما أقر به لأن إقرار عليه فإن ادعى أنه ثمن مبيع أو أجرة ليكون بصدد أن لا يلزمه هو أو بعضه إن تعذر قبض ما ادعاه أو بعضه أحد الوجهين يقبل لأنه إنما أقر به كذلك فأشبه ما إذا أقر بمائة
وإذا أقر العربي بالعجمية أو بالعكس وقال لم أدر ما قلت حلف وخلى سبيله.
وإذا قال لفلان على مائة درهم وإلا فلفلان على مائة دينار أو قال لفلان على مائة درهم وإلا فلفلان لزمته المائة للأول ولا شيء للثاني.
صكة معيبة أو ناقصة قال وقيل بل مراده نفس الضمان أن يقبل قوله إنه ضامن ما أقر به عن شخص حتى إن برىء منه برىء المقر ويريد بغيره سائر الحقوق انتهى كلامه ولا يخفى حكمه.
وقد ذكر في المستوعب بعد مسألة الإقرار بدين مؤجل وإن أقر أنه كفل بألف إلى أجل كانت مؤجلة إلا أن تقوم ببينة بالحلول وهذا يؤيده ما تقدم.
وتخصيصه هذه المسألة يقتضي عدم القبول في غيرها فيكون تضمن القبول في الضمان وعدم القبول في غيره.
قوله: "وإذا أقر العربي بالعجمية أو بالعكس وقال لم أدر ما قلت حلف وخلى سبيله".
لأنه منكر والظاهر صدقه والأصل براءة ذمته وكذا إن أقر بغير لسانه ولو قال وإن أقر بغير لسانه لعربي بعجمية كان أولى.
قال الشيخ تقي الدين إذا أقر العامي بمضمون محضر وادعى عدم العلم بدلالة اللفظ ومثله يجهله فهو كما لو قال في الطلاق إن دخلت أو قال أنت طالق واحدة في ثنتين انتهى كلامه وهو متوجه.
قوله: "وإذا قال لفلان مائة درهم وإلا فلفلان علي مائة دينار أو قال لفلان علي مائة درهم وإلا فلفلان لزمته المائة الأولى ولا شيء للثاني".
قطع به جماعة في كتب الخلاف منهم أبو الخطاب والشريف لأن
وقال القاضي في الجامع قياس المذهب أن يلزمه المقداران لهما ولو قال لأحدهما علي مائة لزمته وطولب بالتعيين كالإقرار بالعين وإذا قال له علي مائة لا تلزمني أو مائة إلا مائة لزمته المائة.
وإن قال له علي من ثمن خمر مائة لم تلزمه.
مقاصد الناس ومرادهم ترجع إلى أن للأول فإن لم يكن فالثاني كما يقول بع هذا الثوب من فلان وإلا فمن فلان وإلا كما يقول الحاكم للقاذف أئت بأربعة يشهدون لك وإلا جلدتك واقض دينك وإلا حبستك ويراد بذلك عند تعذر الأول كذا في مسألتنا وقد ثبت للأول بإقراره فلا يملك رفعه.
قوله: "وقال القاضي في الجامع قياس المذهب أن يلزمه المقداران لهما".
لأنه أقر للأول فثبت له وأضرب عنه بالإقرار الثاني فيلزمه أيضا كما لو قال لزيد لا بل لعمرو واقتصر في المستوعب على حكاية قول القاضي هذا وقاسه على هذا الأصل والأول أولى وقال أبو حنيفة لا يلزمه هذا الإقرار في حقهما جميعا.
قوله: "ولو قال لأحدهما على مائة لزمته وطولب بالتعيين كالإقرار بالعين".
وكذا ذكره غيره الحكم والدليل.
قوله: "وإذا قال له على مائة لا تلزمني أو مائة إلا مائة لزمته المائة".
أما في المسألة الثانية فلأنه استثنى الكل فلا يصح بغير خلاف وأما في المسألة الأولى فلأن هذا يناقض ما أقر به أو نقول رفع جميع ما أقر به فلم يقبل كاستثناء الكل وفي هذه المسألة احتمال بعيد ذكره في الرعاية الكبرى.
قوله: "وإن قال له على من ثمن خمر مائة لم تلزمه".
لأنه لما قدم الصفة على المقر به لم يلتزم شيئا فهو كما لو قال على خمر
وإن قال له على مائة من ثمن خمر أو بكفالة بشرط الخيار أو ثمن مبيع لم أقبضه أو هلك قبل قبضه فوجهان.
قبلها ألف بخلاف ما لو أخرها لأن إقراره به مطلقا اقتضي لزومه فلا يقبل رفعه لأنه رجوع عن إقراره بحق آدمي كاستثناء الكل.
قوله: "وإن قال له على مائة من ثمن خمر أو سلفا بشرط الخيار أو ثمن مبيع لم أقبضه أو هلك قبل قبضه فوجهان".
وكذلك لو قال بشرط أجل مجهول ذكره القاضي وغيره.
أحدهما يلزمه ما أقر به ولا يقبل قوله لم يذكر ابن هبيرة عن الإمام أحمد غيره واحتج في ذلك بمذهب ابن مسعود رضي الله عنه وأنه قول أبي حنيفة ومالك وأظهر قولي الشافعي عند أصحابه لما تقدم.
والثاني يقبل قوله وهو الذي ذكره القاضي قياس المذهب وقياس قول الإمام أحمد في مسألة كان له على وقضيته لأنه عزا إقراره إلى سببه فقبل كما لو عزا إلى سبب صحيح وقيل يقبل قوله في ثمن مبيع لم أقبضه وفي معناه هلك قبل قبضه ذكره القاضي وغيره وصرحوا ومن شرط ضمانه القبض وهو واضح وهو ظاهر اختيار الشيخ موفق الدين وغيره لأنه إقرار بحق في مقابلة حق لا يميل أحدهما عن الآخر فإذا لم يسلم ما له ما عليه كما لو قال بعتك هذا بألف قال بل ملكتنيه بغير شيء ولأنه فسر الإقرار بما يحتمله فقبل كاستثناء البعض.
وحكى القاضي وأصحابه عن أبي حنيفة إن عين المبيع قبل قوله وإن كان أضعاف الثمن وإن لم يعين لم يقبل قوله.
قال القاضي إذا لم يكن معينا فإنما يكون موصوفا فإذا أحضر له ما تتناوله الصفة لزمه قبوله ولم يجز له الامتناع فلا فرق بين المعين وغيره.
وإذا قال كان له علي كذا وقضيته فهو منكر والقول قوله مع يمينه نص عليه في رواية ابن منصور وغيره.
قال الشيخ تقي الدين وهذا يقتضي أنه إذا لم تكف الصفة لم يلتفت إليه وكذلك لو ادعى أن المحضر غير الموصوف.
قوله: "ألف من ثمن مبيع ثم سكت ثم قال لم أقبضه قبل كالمتصل".
ذكره في المعنى ويؤخذ من كلام غيره لأن الإقرار تعلق بالبيع والأصل عدم القبض ولو قال على ألف ثم سكت ثم قال من ثمن مبيع لم أقبضه لم يقبل.
قوله: "وإذا قال كان له على كذا وقضيته فهو منكر والقول قوله مع يمينه نص عليه في رواية ابن منصور وغيره".
وأبي الخطاب وابن ماهان وهو الذي نصره القاضي وغيره وذكر القاضي أنه المذهب وأنه لم يجد عن أحمد رواية بغير هذا وقطع به ابن هبيرة عن أحمد واحتج في ذلك بمذهب ابن مسعود واختاره الخرقي وغيره لأنه قول يمكن صحته ولا تناقض فيه من جهة اللفظ فوجب قبول قوله ولا يلزمه شيء كاستثناء البعض بخلاف المنفصل فإنه قد استقر بسكوته عليه ولهذا لا يرفعه استثناء ولا غيره.
واحتج القاضي بأنه يصح أن يرفع جميع ما أقر به كما يصح أن يرفع البعض إذا لم يتناقض اللفظ كما في قول صاحب الشريعة وقال لأنه رفع ما ثبت بقوله على وجه لا يفضي إلى التناقض فأشبه دعوى الاستبراء بعد الاعتراف بالوطء.
قال الشيخ تقي الدين هذا الضابط يعم صورا كثيرة لكن قد ينازع في قوله له على وقال لو قال إلى سنة أو ألف طرية فذكره القاضي محل وفاق محتجا به وكذلك لو قال ألف من ثمن مبيع شرط فيه الخيار.
وعنه أنه مقر بالحق مدع لقضائه فيحلف خصمه أو يأتي ببينة وعنه أن هذا ليس بجواب صحيح فيطالب برد الجواب.
وقال الشيخ تقي الدين وكأن الضابط أن الصلاة المغيرة قدرا أو وصفا تقبل بلا تردد فأما الصلاة المسقطة فهي محل وفاق.
قوله: "وعنه أنه مقر بالحق مدع لقضائه فيحلف خصمه أو يأتي ببينة به".
اختارها أبو الخطاب وهو قول أبي حنيفة ومالك وهو أحد قولي الشافعي وهو الأظهر عند أصحابه لأنه أقر وادعى القضاء فلا يسمع إلا ببينة أو يحلف خصمه كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل ولأنه وصل كلامه بما يرفعه فلم يقبل كاستثناء الكل.
قوله: "وعنه أن هذا ليس بجواب صحيح فيطالب برد الجواب".
لأنه كلام ظاهره التناقض لأنه نفي ما أثبت فكان وجوده كعدمه فيطالب بجواب صحيح قال في الرعاية الكبرى وهي أصح وأشهد كذا قال.
فصل
وكذا الخلاف فيمن قال وقضيت منه كذا وكذا الخلاف أيضا إن قال وبرئت منه أو من بعضه وقيل تقبل دعوى الوفاء لا الإبراء لأنه فعل الغير فلم يقبل قوله فيه بخلاف الوفاء وإن قال جوابا للدعوى أبرأني منها أو برئت إليه منها فهو كقوله كان له على ألف وقضيته قدمه في الرعاية وذكر ابن أبي موسى أنه إقرار فإن عجز عن إثبات البراءة فله اليمين.
فصل
ولو قال كان لي عنده ألف درهم قبضت منها خمسمائة وأطالبه بخمسمائة أخرى فهذا لا يكون إقرارا بالخمسمائة المقبوضة على الرواية الأولى وهو ظاهر.
وأما على الرواية الثانية فقد يقال كذلك أيضا لأنه بدأ بالدعوى قبل القبض ولم يقر إلا بأنه قبض ما هو حقه وهذا اللفظ ليس بإقرار بحال بخلاف قوله كان لي علي فإن هذا اللفظ لو تجرد كان إقرارا.
ومثال ذلك أن يقول ابتعت منه بعيرا وقبضته وكذلك كل قبض مسبوق بدعوى الاستحقاق بخلاف ما لو قال قبضت منه ألفا كانت لي عليه أو كانت لي عنده فإن هذا بمنزلة قوله كان له علي ألف وقضيته إياه أو كان له عندي غصب وأعطيته إياه لكن ذاك إقرار بقبض وهذا إقرار بحق.
ونظير هذا أن يقول اقترضت منه ووفيته أو ابتعت منه ووفيته فإن الإقرار بأسباب الحقوق من العقود والفرض وسائر الأفعال كالإقرار بالحقوق فقوله كان له على أو عندي كذا أو غصب أو ثمن مبيع أو قرض أو أعطيته ذلك منزله قوله اقترضت منه ووفيته أو استعرت منه وأعدت إليه وبمنزلة قوله قبضت منه دين حق كان لي عنده فإن الدين يسقط بالقضاء والإبراء.
وجماع هذا كل إقرار بقبض غير موجب للضمان أو غير موجب للرد هل يجعل إقرارا بقبض مجرد وتسمع دعوى المقبض باستحقاق الرد أو الضمان.
لكن فرق بين أن يقر بقبض حقه وبين أن يقر بقبض مال المعطى ويدعى قبضا غير مضمون فالأول قبضته الدين الذي كان لي عليه أو الوديعة التي كانت لي عنده أو العارية أو الغصب والثاني أودعني أو رهنني ونحو ذلك.
فصل
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية إذا قلنا بظاهر المذهب وأنه ليس بمقر بل منكر فهل يحلف على بقاء الاستحقاق أو يحلف على لفظ الجواب إن اتفقا على نفي الاستحقاق فلا ريب وإلا فينبغي أن تطابق اليمين جواب الدعوى فيحلف لقد رددت عليه هذه الألف الذي يدعى به أو لقد وفيته إياها وإن لم
وإن قال له علي كذا وقضيته إياه ففيه الروايتان الأوليان وعنه ثالثة أنه قد أقر بالحق وكذب نفسه بالوفاء فلا يسمع منه ولو أتى ببينة.
يقر بها في الحال لكون الإنكار مقيدا بردها في الزمن الماضي كما لو أنكر المؤتمنون الاستحقاق بناء على رد أو تلف فكما أن جواب الدعوى مجمل ومفسر فكذا اليمين على الجواب مجمل ومفسر انتهى كلامه.
وهذه المسألة وهي هل نكلف المدعى عليه اليمين على حسب الدعوى أو تكفي يمينه على نفي الاستحقاق مطلقا أو إن كان الجواب مطابقا للدعوى كلف اليمين على حسبه وإلا حلف على نفي الاستحقاق فيه ثلاثة أوجه.
قوله: "وإن قال له على كذا وقضيته إياه ففيه الروايتان الأوليان".
إحداهما يلزمه فيحلف المدعي أنه باق عليه ويأخذه نصره في المغني واختاره أبو الخطاب وقدمه بعضهم لما تقدم ولأنه قول متناقض وبه قال أبو حنيفة ومالك.
والثانية لا يلزمه مع يمينه وهي التي ذكرها القاضي وأبو الخطاب في رءوس المسائل واختارها الخرقي وعن الشافعي كالمذهبين لأنه فسر كلامه بما يحتمله فقبل كاستثناء البعض لأنه يحتمل أنه كان له وقضاه.
قوله: "وعنه ثالثة أنه قد أقر بالحق وكذب نفسه في الوفاء فلا يسمع منه ولو أتى ببينة".
لأن قوله: "له علي" إقرار يلزم منه عدم القضاء فدعوى الوفاء بعد ذلك يكذبها الإقرار السابق فلا تقبل ولا بينة لأنه مكذب لها وقيل ما أجابه بشيء.
فصل
وكذا إن قال وقضيته منه كذا أبو برئت منه أو من بعضه لأن عدم
وإذا قال كان له على كذا وسكت فهو إقرار.
الصحة لتناقض كلامه كذا في البعض لاستحالة بقاء المقر به عليه مع بقاء بعضه.
وقال ابن أبي موسى إن قال قضيت بعضه قبل منه في رواية كاستثناء البعض وإن قال قضيت جميعه لم يقبل إلا ببينة كاستثناء الكل.
قوله: "وإذا قال كان له علي كذا وسكت فهو إقرار".
قطع به في الكافي وغيره وذكره في المغني ظاهر كلام أصحابنا لأنه أقر بالوجوب ولم يذكر ما يرفعه فيجب استدامته حتى يعلم زواله قال ولهذا لو تنازعا دارا فأقر أحدهما للآخر أنها كانت ملكه حكم له بها ذكر هذا في الإقرار وذكر في الدعاوي أن المدعى عليه إذا أقر أنها كانت للمدعى أمس أو فيما مضى سمع إقراره في الصحيح وحكم به لأنه حينئذ يحتاج إلى سبب انتقالها إليه فيصير هو المدعي فيحتاج إلى بينه انتهى كلامه.
فالمستشهد به هو نظير له المستشهد له لا فرق بينهما وفيهما جميعا الخلاف.
فعلى هذا إن عاد فادعى القضاء أو الإبراء سمعت دعواه لأنه لا تنافى بين الإقرار وبين ما يدعيه ذكره في المغني والشرح وزاد هذا على إحدى الروايتين.
وإنما زاد هذا لظنه أن معنى سماع دعوى له هو قبول قوله منفصلا كما لو أتى به متصلا على إحدى الروايتين فيها وليس كذلك فسماع الدعوى لعدم التنافي بين الدعوى والإقرار فتسمع بينته لأنه غير مكذب لها ولا يقبل قوله بمجرده كمسألة الاتصال قطع به الشيخ فيها وفي الشرح تبعا له ولم أجد فيه خلافا وهو واضح.
وجاء بن عبد القوي فتتبع الشرح على ما ذكره وزاد فقال كما لو وصله بإقراره مع أنه ذكر مسألة الانفصال في مسألة الاتصال وقطع بما قطع به غيره
ويتخرج أنه ليس بإقرار.
وإذا قال له عندي مائة وديعة قبضها أو هلكت قبل ذلك فالقول قوله نص عليه في رواية ابن منصور ويتخرج أن تلزمه لظهور مناقضته.
قوله: "ويتخرج أنه ليس بإقرار".
هذا التخريج من نظيرها في مسألة الشهادة فإن فيها روايتين على ما ذكره الشيخ تقي الدين وذكر غير واحد وجهين.
وقال القاضي في شرح الخرقي لا يكون إقرارا وهو أحد قولي الشافعي لأنه أخبر به في زمن ماض فلا يثبت في الحال وكذلك لو شهدت البينة به لم يثبت.
وأجيب بأن الإقرار أقوى لأنه شهادة الإنسان على نفسه ويزول به النزاع ولأن الدعوى يجب أن تكون معلقة بالحال والإقرار يسمع ابتداء.
قوله: "وإذا قال له عندي مائة وديعة قبضها أو هلكت قبل ذلك فالقول قوله نص عليه في رواية ابن منصور".
إذا قال لك عندي وديعة دفعتها إليك صدق وهذا قول القاضي وغيره كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل قاله في المغني وغيره.
قوله: "ويتخرج أن تلزمه لظهور مناقضته".
الظاهر أن هذا التخريج من مسألة له على وقضيته وهذا اختيار الشيخ موفق الدين وقول الشافعي وقال ابن حمدان إن قاله منفصلا وإلا فلا.
وهذا خلاف ما ذكره في المغني وفيه نظر لأنه لا مناقضة مع الانفصال.
فرع
وإن قال كانت عندي وظننت أنها باقية ثم عرفت أنها قد تلفت
وإذا قال له علي مائة درهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال زيوف أو صغار أو مؤجلة لزمته مائة جيدة حالة.
قال في المغني فالحكم فيها كالتي قبلها وذكر غيره وجهين فعلى هذه الطريقة يقبل هنا وإن قلنا لا يقبل في التي قبلها.
فصل
ذكر الشيخ تقي الدين هنا مسائل المعروف في أكثرها خلاف ما ذكره قال وإذا أقر بأنه ووصله بأني أقررت قبل القبض أو أقررت أن مالي عنده شيء لئلا يتهم أو أني قبضت مالي عليه لئلا يؤذي ونحو ذلك لم يبعد إلا أن يكون هذا الإقرار بالإقرار إقرارا.
ولو قال له عندي هذا المال رهن لم يبعد إلحاقه بهذا وأما لو قال أودعني مالا وأذن لي في الصدقة به فهذا ظاهر.
ولو قال أباح لي أكله إذا شئت وقد أكلته فكذلك.
ولو قال الوارث لمورثي عندك ألف وديعة فقال أودعني ألف درهم وأمرني أن أتصدق بها أو أدفعها إلى فلان فينبغي أن يكون كذلك ولو كان الورثة صغارا فقال أمرني أن أدفعها إلى فلان جعله وصيا فكذلك.
وحاصله أن من أقر بأمانة ووصل كلامه بما يصح فهو بمنزلة من أقر بدين ووصل كلامه بما يصح بخلاف لو ثبتت الأمانة بإقرار أو غيره فادعى فيها آخر فإن هذا يقبل في بعض الأشياء دون بعض انتهى كلامه.
قوله وإذا قال له علي مائة درهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ثم قال زيوف أو صغار أو مؤجلة لزمه مائة جيدة حالة.
لأن الإطلاق يقتضي ذلك كما لو أطلقه في عقد بيع أو غيره ولأنه إذا سكت
سكوتا يمكنه الكلام فيه استقر حكم ما أقر به فلم يرتفع كالاستثناء المنفصل.
ذكره الأصحاب رضي الله عنهم وعللوا الاستثناء المنفصل باستقرار حكمه ولم يذكروا له أصلا وقاس في المغني الاستثناء في اليمين بإلا فدل على أن هذا عنده محل وفاق ولهذا لم يحك فيه خلافا كما حكاه في الاستثناء في اليمين.
وذكر في المستوعب أن الاستثناء هنا لا يصح إلا متصلا قال على ما ذكرنا في الاستثناء في اليمين ويوافق هذا ما قال ابن الزاغوني في الواضح فإن كان منفصلا وهو أن يسكت سكوتا يمكنه الكلام ثم استثنى فهل يصح فيه روايتان أصحهما لا والثانية يصح كما لو تقارب ما بينهما أو منعه مانع من تمام الكلام انتهى كلامه وهو يقتضي أنه إذا تقارب ما بينهما يصح قولا واحدا وفيه نظر ظاهر.
ويوافق هذا أيضا ما قال الشيخ تقي الدين يتوجه أن يعتبر في اتصال الصفات والاستثناء في الإقرار ما اعتبر في ذلك الإنشاءات وقد فرق الأصحاب بينهما فإن هناك لو سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ووصل به بعض الصلات نفعه إذا عد اتصالا معتادا فينظر انتهى كلامه.
ووجه هذا أنه كلام متصل بعضه ببعض فأشبه الاستثناء في اليمين ووجه القول الآخر أن الأصل اعتبار الاتصال في الجميع خولف في الاستثناء في رواية للخبر فيه فيقتصر عليه ولأن الكفارة حق الله تعالى ومبناه على المسامحة بخلاف مسألتنا وفيه نظر.
والزيوف الرديئة والصغار دراهم طبرية كل درهم ثلثا درهم أربع دوانق.
فرع
ولا فرق بين الإقرار بها من غصب أو وديعة أو قرض أو غيره ذكره غير واحد.
وقيل إن كان ببلدة أوزانهم ناقصة أو دراهمهم مغشوشة لزمه منها كثمن المبيع بها.
وقال الشيخ تقي الدين أما إذا كان مودعا فقال له عندي دراهم أو أودعني دراهم ثم قال بعد هي زيوف أو ناقصة ونحو ذلك فيجب أن يقبل قوله مع يمينه لأنه لو ادعى ردها أو تلفها بعد ذلك قبل قوله مع يمينه فلا يكون دعوى تغيرها بأكثر من دعوى ردها أكثر ما فيه أن يقال دعوى الرد والتلف لا تنافي موجب الإقرار الأول بخلاف دعوى الصفة الناقصة لكن هو مؤتمن في الموضعين أكثر ما فيه أنه ادعى ما يخالف الأصل وذلك مقبول منه انتهى كلامه.
قوله: "وقيل إن كان ببلد أوزانهم ناقصة أو دراهمهم مغشوشة لزمه منها كثمن البيع بها".
هذا الوجه ذكر في المغني أنه أولى وقدمه في الكافي لأن مطلق كلامهم يحمل على عرف بلدهم كما في البيع والصداق وكما لو كانت معاملتهم بها ظاهرة في الأصح.
ذكر هذا الأصل في الرعاية لأن إطلاق الدرهم ينصرف إلى درهم الإسلام وهو ما كان منها كل عشرة وزن سبعة مثاقيل وتكون فضة خالصة بدليل تقدير الشرع بها نصب الزكوات والديات والجزية والقطع في السرقة ويخالف الإقرار البيع من حيث إنه إقرار بحق سابق فانصرف إلى دراهم الإسلام والبيع إيجاب في الحال فاختص بدراهم البلد1.
1 بهامش الأصل: حاشية اقتضى كلامه -وهو ما صرح به غيره- أنه إذا أقر بعشر دارهم، ثم سكت سكوتا كان يمكنه الكلام فيه.
ثم قال: زيوفا =