كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجد الدين بن تيمية
- الكتاب
- المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
- المؤلف
- عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد، ابن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين (المتوفى: 652هـ)
- الناشر
- مكتبة المعارف- الرياض
- الطبعة
- الطبعة الثانية 1404هـ -1984مـ
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وما عدا ذلك مما ليس بعقوبة ولا مال وتطلع عليه الرجال غالبا كالنكاح والرجعة والطلاق والنسب والولاء والإيصاء والتوكيل في غير مال فلا يقبل فيه إلا رجلان وعنه يقبل رجل وامرأتان في النكاح والرجعة من ذلك1.
إحداهما يقبل ويثبت المال قطع به غير واحد لأن هذه الشهادة والجناية توجب المال والقود فإذا قصرت عن أحدهما ثبت الآخر.
والثانية لا تقبل ولا يثبت المال لأنها لما بطلت في البعض بطلت في الجميع وهذه المسألة تشبه مسألة من أقام بينة بسرقة لا تثبت بها هل يثبت المال وفيها قولان كهذه المسألة وسوى أبو الخطاب بينهما قاطعا بثبوت المال وكذا غيره.
وقد فرق المصنف بينهما فأطلق في هذه الخلاف وقطع بثبوت المال هناك وقال ابن عبد القوي في هذه المسألة ما يجتمع فيه قصاص ودية كشجة ما فوق الموضحة كالهاشمة لا تقبل في الأولى كمردودة في جميع ما شهد به في بعضه وقال في مسألة إذا شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لقائل أن يقول لم لا يجب القصاص أولا يجب المال ولا يجب القصاص كالوجهين فيما إذا شهد اثنان أو رجل وامرأتان بالهاشمة أو المأمومة ونحوه فيما فيه مال بقود وموضحة كذا قال.
قوله: "وما عدا ذلك إلى قوله خاصة".
توجيه ذلك يعرف مما تقدم وتقدم الكلام في الإيصاء والتوكيل في غير مال.
وقد قال الشيخ تقي الدين قال القاضي في تعليقه في ضمن مسألة تعديل المرأة هذا مبني على أن شهادة النساء هل تقبل فيما لا يقصد به المال ويطلع 1 في نسخة بهامش الأصل "من ذلك خاصة".
ويقبل في معرفة الموضحة وداء الدابة ونحوهما طبيب وبيطار واحد إذا لم يوجد غيره نص عليه.
عليه الرجال كالنكاح وفيه روايتان فجعل الروايتين عامتين في هذا الصنف حتى أدرج فيه التزكية إذا قلنا هي شهادة انتهى كلامه.
وقال القاضي في المجرد عن نص الإمام أحمد على قبول شهادة المرأة الواحدة في الإسلام يخرج من هذا أن كل تعقد ليس من شرط صحته الشهادة كالوصية سواء كانت في المال أو بالنظر والوكالة والكتابة فإنه يثبت بشهادة رجل وامرأتين وبشاهد ويمين لأنه لا يفتقر إلى الشهادة فجاز أن يثبت بذلك كالبيع.
وذكر أبو الخطاب في المسألة شهادة القابلة أنه إذا شهد أربعة على رجل بالزنا فادعى أنه غير محصن فشهد رجل وامرأتان بإحصانه فانه يرجم وإن لم يكن للنساء مدخل في الشهادة بالحد.
قوله: "وقبل في معرفة الموضحة وداء الدابة وغيرهما1 طبيب وبيطار واحد إذا لم يوجد غيره نص عليه".
كذا قطع بهذه المسألة جماعة من الأصحاب منهم صاحب المستوعب والكافي لأنه مما يعسر عليه إشهاد اثنين فقبل فيه قول الواحد كالرضاع ونحوه ولأنه إذا أمكن إشهاد اثنين اعتبر لأنه الأصل.
قال الإمام أحمد في رواية أحمد بن منصور كل موضع يضطر الناس إليه مثل القابلة تجوز فيه شهادة الطبيب وحده وقال أيضا إذا كان في موضع يضطر إليه إذا لم يكن إلا طبيب واحد وبيطار جاز إذا كان ثقة وقال أيضا يجوز 1 في نسخة: ونحوهما.
ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهد ويمين فيما يوجب القود لم يثبت به قود ولا مال وعنه يثبت المال إن كان المجنى عليه عبدا نقلها ابن منصور.
قول بيطار واحد ولم يقيده بضرورة ولا حاجة.
قوله: "ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهد ويمين فيما يوجب القود لم يثبت به قود ولا مال".
قطع به القاضي في التعليق وجماعة من الأصحاب وعللوا ذلك بأن القتل يوجب القصاص والمال بدل منه فإذا لم يثبت الأصل لم يجب بدله وإن قلنا موجبة أحد شيئين لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار فلو أوجبنا الدية وحدها أوجبنا معينا وقد تقدم كلام ابن عبد القوي في قوله فإن قلنا بالقبول في الجناية المذكورة.
وقد علل الشيخ تقي الدين هذه المسألة بأن المشهود عليه غير معين قال وهذا التعليل أنما يجئ في بعض الصور إذا كان على العاقلة.
قوله: "وعنه يثبت المال إن كان المجني عليه عبدا نقلها ابن منصور".
قال الشيخ تقي الدين لاختلاف المستحق في العبد كما في الحدود والحقوق لكن في الواجب أحدهما وهناك جميعهما كما أن في القود شيئين لو أخذ فهي أربعة أقسام لأنه إما الاثنان أو أحدهما على البدل لواحد أو لاثنين لكن إن كان الحقان لاثنين متلازمين كالخلع لم يقبل وإن كانا غير متلازمين كالقطع والتعزيز قبلت فصارت خمسة انتهى كلامه.
وقال بعض أصحابنا الموجودين في هذا الزمان إن تعليل الرواية باختلاف المستحق فيه نظر قال وإنما وجهها أن العبيد أموال هذا هو الأصل والمقصود بهم وإن قلنا بالقود بخلاف الأحرار انتهى كلامه وفيه نظر أيضا.
وذكر ابن عبد القوي هذه الرواية فقال وعنه يثبت المال إن كان المجني عليه رقيقا للمدعي لأوليائه نقلها ابن منصور ولم يعللها وقال في الرعاية الكبرى
ومن أتى بذلك في سرقة ثبت له المال دون القطع.
وإن أتى بذلك رجل في خلع ثبت له العوض.
فأما البينونة فتثبت بمجرد دعواه.
وإن أتت بذلك امرأة ادعت الخلع لم يثبت به.
وعنه إن كان المجني عليه عبدا أو حرا أولا قود فيه ثبت المال.
قوله: "ومن أتى بذلك في سرقة ثبت له المال دون القطع".
تقدمت في قوله فإن قلنا بالقود في الجناية المذكورة.
وقال ابن عبد القوي ولقائل أن يقول ولم لا يثبت القطع تبعا لثبوت السرقة كما يثبت رجم المحصن تبعا لثبوت الإحصان باثنين انتهى كلامه.
وفيه نظر لأنه لا يلزم من ثبوت الأدنى وهو المال بشاهده ثبوت الحد وهو الأعلى مع عدم شاهده وهو انتفاؤه بالشبهة والرجم لم يثبت تبعا وإنما ثبت بشهود الزنا وشاهدي الإحصان والسرقة لم تثبت ولهذا قال أبو الخطاب في هذه المسألة تثبت شهادتهن في أخذ مال مطلق لا أخذ يوجب الحد.
قوله: "وإن أتى بذلك رجل في خلع ثبت له العوض".
لأنه يدعي مالا كما يثبت مقدار عوضه والمهر بها إذا اختلفا فيها.
قوله: "فأما البينونة فتثبت بمجرد دعواه" لإقراره بها.
قال في الرعاية الكبرى وقيل بل بذلك.
قوله: "وإن أتت بذلك امرأة ادعت الخلع لم يثبت به".
لأنه ليس بمال ولا يقصد منه بخلاف دعوى الزوج فإن قصده عوضه لقدرته على مفارقتها بالطلاق.
وإن أتى بذلك رجل ادعى على آخر بيده أمة لها ولد أنها أم ولده وإن ولدها ولده حكم له بالأمة وأنها أم ولد وفي ثبوت حرية الولد ونسبه منه روايتان وقيل يثبت نسبه بدعواه وإن بقيناه للمدعى عليه.
ومالا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والولادة والحيض والرضاع ونحوه تقبل فيه امرأة.
قوله: "وإن أتى بذلك رجل ادعى على آخر بيده أمة لها ولد أنها أم ولده وأن ولدها ولده حكم له بالأمة".
لأنه يدعي ملكها لأن أم الولد مملوكة له وقد أقام بينة كافية في الملك.
قوله: "وأنها أم ولده".
أما حكم ثبوت الاستدلال فواضع لكن هل حصل بقول البينة أو بإقراره ظاهر كلام غير واحد أنه حصل بقول البينة وصرح بعضهم بأنه ليس بمراد وأنه إنما حصل بإقراره وقطع به في المغني لأن المدعي مقر بأن وطأها كان في ملكه وإقراره يثبت في ملكه.
قوله: "وفي ثبوت حرية الولد ونسبه منه روايتان".
أي من مدعيه وللشافعي أيضا قولان أحدهما يثبت لأن الولد نماء الجارية وقد ثبتت له ومن ثبت له العين له نماؤها زاد بعضهم في تعليلها ثم يثبت نسبة وحريته بإقراره والثانية لا يثبت نصره في المغني بأنه إنما يدعي حريته ونسبه وهذه البينة لا تصلح لإثبات ذلك فعلى هذا يبقى الولد في يد المدعي عليه مملوكا له.
قوله: "وقيل يثبت نسبه بدعواه وإن بقيناه للمدعى عليه".
احتياطا للنسب مع أنه لا ضرر على أحد فيه وهو منفعة للولد.
قوله: "ومالا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والولادة والحيض والرضاع ونحوه تقبل فيه امرأة".
وعنه يفتقر إلى امرأتين.
لا بد من عادة أو غالبا قاله الشيخ تقي الدين وغيره وهو صحيح وهذا هو المنصوص في المذهب وذكر القاضي أنه أصح الروايتين وأن الإمام أحمد نص عليه في رواية الجماعة.
قال في رواية ابن منصور تجوز شهادة امرأة واحدة في الاستهلال والحيض والعدة وفيما لا يطلع عليه إلا النساء وكذلك نقل أبو طالب عنه تقبل شهادة القابلة بالاستهلال هذا ضرورة ويقبل في الرضاع امرأة واحدة.
وقال في رواية الميموني هو موضع ضرورة لا يحضره الرجال ونص في رواية إسماعيل بن سعيد على قبول شهادة امرأة في الاستهلال وقال في رواية أحمد بن سعيد وغيره الشهادة شهادة امرأة واحدة في الرضاع.
قوله: "وعنه يفتقر إلى امرأتين".
قال حنبل قال عمي يجوز في الاستهلال شهادة امرأتين صالحتين وقال الفضل بن عبد الصمد سمعت أبا عبد الله وسئل عن شهادة امرأة واحدة في الرضاع وهل تريد الإضرار قال لا تقبل شهادتها وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شهادة السوداء: "كيف وقد قيل".
وقال مهنا سألت الإمام أحمد عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي فقال لا تجوز شهادتها وحدها وقال لي أحمد بن حنبل قال أبو حنيفة تجوز شهادة القابلة وحدها وإن كانت يهودية أو نصرانية.
وسألت أحمد هو كما قال أبو حنيفة فقال أنا لا أقول لا تجوز شهادة واحدة عليه فكيف أقول بيهودية وهذه الرواية قول مالك لأن كل جنس يثبت به الحق يكفي فيه اثنان كالرجال.
قال الشيخ تقي الدين وعن أحمد ما يقتضي أن قبول الواحدة إنما هو إذا
لم يكن غيرها وقوله في رواية أبي طالب "تقبل شهادة القابلة بالاستهلال هذه ضرورة" يدل عليه وذكر القاضي عند مسألة تعديل الواحد أنه تجوز شهادة الطبيب في الجراحة وكل موضع يضطر إليه فيه مثل القابلة إذا لم يكن إلا طبيب واحد أو بيطار واحد ومقتضى هذا أنه في العيوب التي تحت الثياب إن وجد امرأتان وإلا اكتفى بواحدة كما في البيطار انتهى كلامه.
وذكر أيضا أن القاضي جعل الشرط في ذلك دون القابلة وقد تقدم وجه هذا.
وقال ابن عقيل في الفنون وهو قول في الرعاية لا تقبل في الولادة شهادة امرأة حاضرة بدلا من القابلة بل يختص ذلك بالقابلة لأنها تتولى ذلك بنفسها وتعمله بيدها وأن الطفل خرج من هذه المرأة وعن الإمام أحمد رحمه الله التوقف في هذه المسألة قال صالح قلت لأبي تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال قال فيها اختلاف كثير قلت إلى أي شيء تذهب قال دعها وقال أبو حنيفة لا يقبل في ذلك إلا رجلين أو رجل وامرأتين ووافق على الولادة وروى ذلك عن عمر رواه سعيد بن منصور بإسناد فيه ضعف وانقطاع وقال تعالى: [282:2] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية وقال الشافعي لا يقبل من النساء أقل من أربع لأن كل امرأتين كرجل.
ولنا ما تقدم من قبول النبي صلى الله عليه وسلم شهادة أمة في الرضاع.
وعن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يجوز من الشهود في الرضاع؟ قال: "رجل أو امرأة" قال البيهقي إسناد ضعيف وقد اختلف في متنه وروى المدايني عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة "أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة" وعن علي "أنه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال" رواه أحمد وسعيد
من رواية جابر الجعفي ولأن هذه شهادة على عورة فقبل فيها شهادة النساء منفردات فقبل فيه شهادة امرأة كالخبر.
قال أبو الخطاب واحتج يعني الخصم بأنها شهادة على الولادة فلم يقبل فيها امرأة كما لو ادعت المطلقة البائن أنها ولدت وجحد المطلق فشهدت امرأة بولادتها فإنه لا يقبل ذلك ولا يلحق النسب بالمطلق كذلك هنا في مسألتنا قالوا وكذلك لو علق طلاقها بالولادة فشهدت امرأة بالولادة وكذلك إذا شهدت باستهلال الولد لا يقبل منها في الإرث.
قلنا لا نسلم جميع ذلك ونقول يثبت النسب ويقع الطلاق ويستحق الميراث ذكره شيخنا وقال هو ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية ابن منصور وأبي طالب وهو مذهب أبي يوسف ومحمد وإنما سلمه أبو حنيفة وقال إنما يثبت قول القابلة في الولادة ويثبت الولد بالفراش فإذا زال الفراش بالبينونة لم يثبت النسب وفي الطلاق والميراث لا يثبت إلا بشاهدين أو شاهد وامرأتين يشهدان بالولادة ثم أفرد أبو الخطاب مسألة وقال أبو حنيفة لا يثبت النسب إلا أن يكون النكاح قائما أو يكون الحمل ظاهرا ويقر بالحبل ولا يقبل في الاستهلال والطلاق إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
وكذا ذكر القاضي المسألة والخلاف مع أبي حنيفة وقال فلا يجوز أن يقال ثبت هناك بإقراره وبظهور الحمل لأن هذا الإقرار والظهور لا عبرة به بدليل أنه لا يصح اللعان عليه ولا الإقرار به لأنه يصير تعلقا بشرط.
ومن الحجة قول علي السابق لأن هذه حجة تامة في ثبوت الولادة فيثبت بها ذلك كرجل وامرأتين وهذا لأن ثبوت النسب يترتب على ثبوت الولادة في حال قيام النكاح بلا خلاف فرتب على ثبوتها مع بقاء حكم النكاح وهو العدة كما لو كان ثبوت الولادة برجلين.
فصل
قال الشيخ تقي الدين قال أصحابنا والاثنتان أحوط وليس الرجل أحوط من المرأة جعله القاضي محل وفاق انتهى كلامه.
وقال أبو الخطاب فإن قيل فلم قلتم إن الاثنين أحوط فأجاب للخروج من الخلاف قال فأما الحجة فالواحدة والجماعة فيه سواء.
فصل
قال الشيخ تقي الدين حديث أبي مسروعة في الأمة الشاهدة بالرضاع يستدل به على شهادة المرأة الواحدة وعلى شهادة الأمة وعلى أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة على الشهادة وعلى أن الشهادة بالرضاع المطلق تؤثر حملا للفظ المطلق على ماله قدر انتهى كلامه.
فصل
روى الخلال عن الإمام أحمد أنه قال وسئل هل تجوز شهادة امرأة في الاستهلال والحيض والعدة والسقط والحمام كل مالا يطلع عليه إلا النساء تجوز شهادة امرأة واحدة إذا كانت ثقة.
ونص الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه على قبول شهادة المرأة في الحمام يدخله النساء بينهن جراحات.
وقال حنبل قال عمي ولا تجوز إلا فيما لا يراه الرجال.
ووجه ابن عقيل عدم قبول شهادة الصبيان في الجراح في الصحراء بأن قال لأنه لو قبل لأجل العذر لقبل شهادة النساء بعضهن على بعض في الجراح في الحمامات بل حمام النساء لا يدخله رجل قط والصحراء قد لا تخلو من رجل.
فلو جاز هنا لعذر لجاز في شهادة النساء في تجارحهن في الحمامات.
وقالت المالكية وإحدى الروايات عن أحمد إن الجراحة تدعو إلى قبول شهادتهم في هذا الموضع كما دعت الحاجة إلى قبول شهادة النساء منفردات في الولادة لأنهن يخلون بها قالوا ولهذا قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه في المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات إهلال الصبي وفي الحمام يدخله النساء فيكون بينهن الجراحات.
قال القاضي في التعليق ضمن مسألة شهادة الصبيان الجواب أنه ليس العادة أن الصبيان يخلون في الأهداف أن يكون معهم رجل بل لا بد أن يكون معهم من يعلمهم أو ينظر إليهم فلا حاجة تدعو إلى قبول شهادتهم على الانفراد.
ثم نقول إذا كان الشخص على صفة لا تقبل شهادته لم يجز قبولها وإن لم يكن هناك غيره ألا ترى أن النساء يخلو بعضهن ببعض في المواسم والحمامات وربما يجني بعضهن على بعض ولا تقبل شهادة بعضهن على بعض على الإنفراد وكذلك قطاع الطريق والمحبسون بها لا تقبل شهادة بعضهم على بعض وإن لم يكن معهم غيرهم.
قال الشيخ تقي الدين الصورة التي استشهد بها قد نص الإمام أحمد على خلاف ما قاله لكنه ملحق وعلى المنصوص هنا أن كل مجمع للنساء لا يحضره الرجال لا تقبل شهادتهن فيه كالشهادة على الولادة وليس بين هذا وبين ماسلمه القاضي وغيره فرق إلا أن المشهود به في الحمام ونحوها لا يقع غالبا بخلاف الاستهلال ونحوه فإنه يقع غالبا ولا يشهده إلا النساء ولهذا فرق المالكية بين الصبيان والنساء بأن الصبيان اجتماعهم مظنة القتال بخلاف النساء وأيضا فان الاستهلال ونحوه هو جنس لا يطلع عليه الرجال وجراح الحمام ونحوها جنس يطلع عليه الرجال وإنما كونه في الحمام هو الذي منع الاطلاع وهذا نظير نص أحمد على قبول شهادة البيطار والطبيب ونحوه للضرورة فصارت الضرورة
والرجل فيه كالمرأة.
مؤثر في الجنس وفي العدد فيتوجه على هذا أن تقبل شهادة المعروفين بالصدق وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضرورة مثل الحبس وحوادث البر وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل وله أصول أحدها شهادة أهل الذمة في الوصية إذا لم يكن مسلم وشهادتهم على بعضهم في قول الثاني شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال الثالث شهادة الصبيان فيما لا يشهده الرجال ويظهر ذلك بمحتضر في السفر إذا حضر إثنان كافران واثنان مسلمان مصدقان ليسا بملازمين للحدود واثنان مبتدعان فهذان خير من الكافرين والشروط التي في القرآن إنما هي شروط التحمل لا الأداء وقد ذكر القاضي هذا المعنى في مسألة شهادة أهل الكتاب على الوصية فقال لما قاس على شهادة النساء منفردات فقال الضرورة قد تؤثر في الشهادات بدليل شهادة النساء على الإنفراد فيما لا يطلع عليه الرجال.
فإن قيل الأنوثة لا تؤثر في الدين وفي العدالة وهذا يؤثر في العدالة فيما قد اعتبرت فيه.
قيل لا يمنع أن يسقط اعتبارها لأجل الضرورة كما قالوا العدالة معتبرة في ولاية النكاح فسقط اعتبارها بالضرورة وهو إذا كان الأب كافرا والبنت مسلمة جاز أن يزوجها لأنها حال ضرورة وفقد العدالة ليس بأكثر من فقد الصفة في الشهادة وهذا يجوز مع الضرورة كالذكورية هي شرط في الشهادة وتسقط عند الضرورة وهي في الحال التي لا يطلع عليها الرجال.
قوله: "والرجل فيه كالمرأة".
وفي عبارة جماعة كأبي الخطاب والشيخ موفق الدين أنه أولى لكماله ولأن ما قبل فيه قول الرجال كالرواية.
باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة
لا تجوز الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة
قوله: "لا تجوز الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي".
أما جواز الشهادة على الشهادة فذكره في المغني بالإجماع.
وقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب إنها لا تجوز في الحدود وتجوز في الحقوق قال ليس تختلف الناس في هذا وذلك لأن الحاجة داعية إليها فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة على الوقوف وما يتأخر ثبوته عند الحاكم ثم يموت أو يموت شهوده وفي ذلك ضرر ومشقة فوجب القبول كشهود الأصل ونصب القاضي وأصحابه الخلاف في هذه المسألة مع داود فإنه قال لا تجوز الشهادة على الشهادة وتقبل في المال وما يقصد منه المال عند الأئمة الأربعة وهل يختص القول في ذلك كقول أبي بكر وابن حامد وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول لأنه لا يثبت إلا بشاهدين أو لا يختص فيقبل في الجميع كقول مالك والشافعي في قول وهو الصحيح عند أصحابه لعموم الدليل في ذلك أولا يقبل في حد الله ويقبل فيما سواه قدمه غير واحد وهو ظاهر كلام الخرقي لأن حد الله مبني على الستر والدرء بالشبهات بخلاف غيره أولا يقبل في النسب والحد ويقبل فيما عدا ذلك فيه روايتان.
وذكر في المغني أن الدم كالحد ونصر أبو الخطاب والشريف وغيرهما أن الدم كالأموال وذكر القاضي وغيره أن الحد رواية واحدة في عدم القبول ورواية القبول ذكرها في الإفصاح والرعاية وغيرها وقد قال جعفر بن محمد سمعت أبا عبد الله يسأل عن الشهادة على الشهادة فقال جائزة.
ولا يحكم بها إلا إن تعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة إلى مسافة القصر وقيل إلى مسافة لا تتسع للذهاب والعود في اليوم.
قوله: "ولا يحكم بها إلا إن تعذر شهادة شهود الأصل بموت أو مرض أو غيبة".
زاد في المغني وغيره أو خوف من السلطان أو غيره وهذا قول الأئمة الثلاثة لأن الأدنى لا يقبل مع القدرة على الأقوى وكسائر الإبدال.
وقال ابن عبد القوي مع ذلك أحبس وفي معناه الجهل بمكانهم ولو في المصر انتهى كلامه.
وقال أبو يوسف ومحمد تقبل شهادة حاضر في المصر.
وقال الشيخ تقي الدين متوجه على قولنا إن شهادة الفرع خبر ولو كان الأصل في المجلس لم تقبل الفروع ذكره يعني القاضي محل وفاق وقد علل يعني القاضي بالمشقة على شهود الأصل في الحضور وهذا تتعدد أسبابه قال يعني القاضي ويحتمل أن نعتبر سفرا تقصر فيه الصلاة ويحتمل أن لا يعتبر ذلك وتجوز مع الغيبة القصيرة لأن مشقة السفر القصير أكثر من مشقة المريض المقيم في البلد انتهى كلامه.
قوله إلى مسافة القصر.
قطع به في المستوعب وغيره ورجحه غير واحد وهو قول الثلاثة لأن مادونه في الحاضر.
قوله وقيل إلى مسافة لا تتسع للذهاب والعود في اليوم الواحد.
ذكره القاضي في موضع وبه قال أبو يوسف وأبو حامد والشافعي للمشقة في ذلك بخلاف مادون اليوم وفي المسألة قول آخر تقدم.
وعنه لا يحكم بها حتى يموت الأصول.
فعلى الأولى إن شهد الفروع فلم يحكم حتى حضر الأصول أو صحوا وقف حكم الحاكم على سماعه منهم وإن حدث فيهم مالو حدث فيمن أقام الشهادة منع الحكم بها منعه ههنا.
قوله: "وعنه لا يحكم بها حتى يموت الأصول".
نص عليه في رواية جعفر بن محمد وغيره إذا كان حيا وهو غائب لم يشهد على شهادته إلا أن يكون موتا لأنه لا يؤمن أن يتغير عن حاله لما يحدث من الحوادث انتهى كلامه وروى عن الشعبي.
قوله: "فعلى الأولى إن شهد الفروع فلم يحكم حتى حضر الأصول أو صحوا وقف حكم الحاكم على سماعه منهم".
لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل فأشبه المتيمم يقدر على الماء.
قوله: "وإن حدث فيهم مالو حدث فيمن أقام الشهادة منع الحكم بها منعه ههنا".
هذا قول الحنيفة وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية جعفر بن محمد المذكورة قاله القاضي لإن الحكم مبني عليها كشهود الفرع وغيرهم.
فصل
وإنكار شهود الأصل يمنع قبول شهادة شهود الفرع ذكره القاضي وغيره محل وفاق وكذلك احتج المخالف في الرواية لأنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين فقال شاهدا الأصل لا نذكر ذلك ولا نحفظه لم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما كذلك الخبر وكذلك الحاكم إذا ادعى رجل أنه قضى له بحق على فلان ولم يذكر القاضي فأحضر المدعي بينة على حكمه لم يرجع إليها كذلك ههنا
ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل.
قال القاضي والجواب أنا لا نسلم هذا في القاضي بل نقول يرجع وأما شهود الفرع فإننا لم نسمع شهادتهم لأن الشهادة أغلظ حكما وأشق طريقا من الخبر.
قال الشيخ تقي الدين القول في الشهود كالقول في الحكام والمحدثين متوجه.
قوله: "ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل".
نقله محمد بن الحكم وغيره وقال في رواية الميموني لا تجوز شهادة على شهادة إلا أن يشهدك فأما إذا سمعه يتحدث فإنما هو حديث.
ونقل ابن منصور قلت للإمام أحمد قال ابن أبي ليلى السمع سمعان إذا قال سمعت فلانا أجزته وإذا قال سمعت فلانا يقول سمعت فلانا لم يجزه كان هذا شهادة على شهادته لم يشهد عليه قال ما أحسنه.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة والنيابة بغير إذن لا تجوز ولأنه يحتمل أن يكون له في تحمله عذر فلم يشهد مع الاحتمال بخلاف الاسترعاء فانه لا يكون إلا على واجب.
وخرج ابن عقيل هذه المسألة على شهادة المستخفي قياسا فقال في الفصول وهذا يخرج على ما قدمنا في شهادة المستخفي ووجهه أن هذا ينقل شهادته ولا ينوب عنه لأنه لا يشهد مثل شهادته وإنما ينقل شهادته وقال ابن حمدان وإن شهد عدل عند حاكم فعزل فهل الحاكم المعزول يصير فرعا على الشاهد يحتمل وجهين.
قال المغني فإن قيل فلو سمع رجلا يقول لفلان على ألف درهم جاز أن يشهد بذلك فكذا هذا قلنا الفرق بينهما من وجهين.
أحدهما أن الشهادة تحتمل العلم ولا يحتمل الإقرار ذلك.
فيقول أشهده على شهادتي بكذا.
الثاني أن الإقرار أوسع في لزومه من الشهادة بدليل صحته في المجهول وأنه لا يراعى فيه العدد بخلاف الشهادة ولأن الإقرار قول الإنسان على نفسه وهو غير متهم عليها فيكون أقوى منها ولهذا لا تسمع الشهادة في حق المقر ولا يحكم بها.
قوله: "فيقول أشهده على شهادتي بكذا".
قال في المغني فأما إن قال أشهد أني أشهد على فلان بكذا فالأشبه أنه يجوز أن يشهد على شهادته وهو قول أبي يوسف لأن معنى ذلك اشهد على شهادتي أني أشهد لأنه إذا قال أشهد فقد أمره بالشهادة ولم يسترعه وما عدا هذه المواضع لا يجوز أن يشهد فيها على الشهادة انتهى كلامه.
وفي كلام الشيخ تقي الدين أشهد على أني أشهد وقال في الرعاية فيقول أشهدك أو أشهد على شهادتي أني أشهد لزيد على عمرو بكذا أو أني أشهد له عليه بكذا أو أنه عندي طوعا بكذا أو أشهد به عليه إلى أن قال فان سمعه فرعه يقول أشهد له عليه بكذا لم يشهد على شهادته به أو قال أشهدني فلان بكذا أو عندي شهادته عليه بكذا أو لفلان على فلان كذا أو شهدت عليه به أو أقر عندي به فوجهان أقواهما منعه قال وإن سمعه خارج مجلس الحكم يقول عندي شهادة لزيد أو أشهد بكذا لم يصر فرعا.
قال في المغني ولو قال شاهد الأصل أنا أشهد أن لفلان على فلان ألفا فاشهد به أنت عليه لم يجز أن يشهد على شهادته لأنه ما استرعاه بشهادة فيشهد عليها ولا هو شاهد بالحق لأنه ما سمع الاعتراف به ممن هو عليه ولا شاهد بسببه.
فصل
قال في الكافي ويؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها فيقول أشهد أن فلانا يشهد أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته وإن سمعه يشهد عند الحاكم أو يعزو الحق إلى سببه ذكره.
قال في المستوعب في الصورتين الأخيرتين فيقول أشهد على شهادة فلان عند الحاكم بكذا أو يقول أشهد على شهادته بكذا وأنه عزاه إلى واجب فيؤدى على حسب ما تحمل فإن لم يؤدها على ذلك لم يحكم بها الحاكم.
وقال في المسألة الأولى ويشترط أن يؤدي شاهد الفرع إلى الحاكم ما تحمله على صفته وكيفيته.
وقال الشيخ تقي الدين الفرع يقول أشهد على فلان أنه يشهد له أو أشهد على شهادة فلان بكذا فإن ذكر لفظ المسترعي فقال أشهد على فلان أنه قال أشهد أني أشهد فهو أوضح فالحاصل أن الشاهد بما يسمع تارة يؤدي اللفظ وتارة يؤدي المعنى وقال أيضا والفرع يقول أشهد أن فلانا يشهد أو بأن فلانا يشهد فهو أول رتبة والثانية أشهد عليه أنه يشهد أو بأنه يشهد والثالثة أشهد على شهادته.
وقال في الرعاية ويحكي الفرع صورة تحمله ويكفي العارف أشهد على شهادة فلان بكذا والأولى أن يحكي ما سمعه أو يقول شهد فلان عند الحاكم بكذا أو أشهد أن فلانا أشهد على شهادته بكذا.
فرع
فإن سمع شاهدا يشهد عند حاكم فقال آخر أشهد بمثل ما شهد به أو قال وبذلك أشهد أو قال وكذلك أشهد أو قال أشهد بما وضعت به خطي ولم يذكر وقت الأداء ما تحمله وكتب به خطه فقال ابن حمدان يحتمل
أو يسمعه يشهد بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب وجوبه من قرض أو بيع ونحوه فيجوز وعنه لا يجوز بدون الاسترعاء بحال.
ولا تثبت شهادة شاهدي الأصل إلا بشاهدين فتثبت سواء شهدا على كل واحد منهما أو شهدا على كل شاهد شاهد نص عليه.
وقال ابن بطة لا تثبت إلا بأربعة على كل أصل فرعان.
أوجها الثالث أنه يصح في كذلك وبذلك فقط والقول بالصحة في الجميع أولى.
قوله: "أو يسمعه يشهد بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب وجوبه من قرض أو بيع ونحوه فيجوز وعنه لا يجوز بدون الاستبرعاء بحال".
منهم من يحكي وجهين ومنهم من يحكي روايتين ورواية الجواز ذكر في الرعاية أنها أشهر وهو مذهب الشافعي لأنه يزول الاحتمال بذلك فهو كما لو استرعاه ورواية المنع قطع به القاضي في التعليق وبه قال أبو حنيفة لما تقدم.
قوله: "سواء شهدا على كل واحد منهما أو شهدا على كل شاهد شاهد نص عليه".
في رواية المروزي وجعفر بن محمد وحرب وحكاه أيضا إجماعا قال إلا أن أبا حنيفة أنكره لأن شهادة شاهدي الأصل تجري مجرى الإقرار الواحد لأنهما لو كانا مجرى الإقرارين من رجلين لجاز شهادة أحد شاهدي الأصل مع أجنبي على شهادة الآخر وإذا ثبت هذا فالإقرار الواحد اذا شهد عليه نفسان صح وجاز الحكم به وكما لو شهدا بنفس الحق ولأنهم بدل فاكتفى بمثل عدد الأصل.
قوله: "وقال ابن بطة لا تثبت إلا بإربعة على كل أصل فرعان".
ذكره أبو حفص في تعليقه وكذا حكاه غير واحد وهو أحد قولي الشافعي وذكره في الخلاصة رواية عن الإمام أحمد كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين
ويتخرج أن تكفي شهادة فرعين بشرط أن يشهدا على كل واحد من الأصلين.
ولا مدخل للنساء في شهود الفرع ولا في أصولهم.
يشهد كل واحد منهما على شاهد واحد ولا من ثبت به أحد طرفي الشهادة لا يثبت به الطرف الآخر كما لا يجوز أن يكون شاهد أصل فرعا مع آخر على شاهد أصل والفرق ظاهر.
قوله: "ويتخرج أن تكفى شهادة فرعين بشرط أن يشهدا على كل واحد من الأصلين".
وقطع به ابن هبيرة عن الإمام أحمد وهو ظاهر ما ذكره في المغني والكافي عن ابن بطة وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في القول الآخر لأنه إثبات حق آدمي بقول عدلين فهو كالشهادة على إقرار نفسين وقد قال في رواية حرب لا تجوز شهادة رجل على شهادة امرأة.
قال القاضي فقد منع أن يكون شهود الأصل نساء فأولى أن يمنع أن يكون شهود الفرع نساء وحملها أبو الخطاب على أنها لا تقبل شهادة الرجل حتى ينضم إليه غيره قال فيخرج من هذه الرواية أنه لا يكفي شاهد واحد.
وذكر القاضي رواية أخرى أنه تقبل شهادة شاهد من شهود الفرع على شاهدي الأصل قال في رواية حرب تقبل شهادة رجل على شهادة رجلين.
وذكر أبو الحسين أن القول الأول الصحيح من المذهب واحتج له بالقياس على أخبار الديانات ثم قال فإن قيل لو كان جاريا مجرى الخبر لجاز أن تقبل شهادة شاهد واحد من شهود الفرع على شهادة شاهدي الأصل كما يقبل خبر الواحد على اثنين قيل في ذلك روايتان.
قوله: "ولا مدخل للنساء في شهود الفرع ولا في أصولهم".
وعنه يدخلن فيهما وعنه يدخلن في الأصول دون الفروع وهو الأصح فإذا شهد رجل وامرأتان على مثلهم أو على رجلين لم يجز إلا على الوسطى ولو شهد رجلان على رجل وامرأتين جاز إلا على الأولى.
نصره القاضي في التعليق ونصره أصحابه أيضا لأنه ليس بمال ولا يقصد منه ويطلع عليه الرجال أشبه القود والنكاح ولأن في الشهادة على الشهادة ضعفا فاعتبر تقويتها باعتبار الذكورية فيها.
قوله: "وعنه يدخلن فيهما".
نصره في المغني وقدمه في الرعاية وقيد جماعة هذه الرواية فيما تقبل فيه شهادتهن مع النساء أو منفردات وحكاه في الرعاية قولا وليس كذلك.
قال القاضي في التعليق إن حربا نقل عن الإمام أحمد ما يقتضي هذه الرواية فقال شهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز قال ورأيت في جامع الخلال أن هذا قول إسحاق قال شهادة رجل على شهادة امرأتين جائز يحكم به فلا يضاف هذا إلى أحمد وبهذا قال أبو حنيفة لأن القصد من شهادتهن إثبات الحق فكان لهن مدخل كالبيع.
قال الشيخ تقي الدين هذا قياس المذهب في التي قبلها بناء على أن الشهادة على الشهادة تجري مجرى الخبر وإن ألحقناها بثبوت حكم الحاكم قوى المذهب وهذا متوجه جدا فإن شاهد الفرع مسترعى كالحاكم انتهى كلامه.
قوله: "وعنه يدخلن في الأصول دون الفروع وهو الأصح".
هذه طريقته في الكافي وغيره لأنهم قدموا الدخول في الأصول وأطلقوا روايتين في الفروع وبه قال الشافعي لأنها شهادة بمال بخلاف شهادتهن في الفروع.
قوله: "فإذا شهد رجل وامرأتان إلى آخره".
ولا يجوز أن يحكم بالفروع حتى تثبت عدالتهم وعدالة أصولهم وإذا حكم ثم رجع شاهدا الفرع ضمنا ولو قالا لقد بان لنا كذب الأصول أو غلطهم لم يضمنا شيئا.
تفريع واضح على الروايات.
فرع
قال القاضي ولو شهد على شاهدين بأن هذه الدار لزيد وعلى آخرين بأنها لعمرو صح ذكره محل وفاق.
قوله: "ولا يجوز أن يحكم بالفروع حتى تثبت عدالتهم وعدالة أصولهم".
لأن الحاكم يبنى على شهادتهما ومقتضى كلامه الاكتفاء بتعديل شهود الفرع كغيرهم وهو صحيح وذكر في المغني أنه لا يعلم فيه خلافا وقال في الرعاية وفيه نظر ووجهه أن فيه تهمة كما لا يزكى ففيه في الشهادة.
قوله: "وإذا حكم ثم رجع شاهدا الفرع ضمنا".
لأنهما تسببا إلى إتلافه بشهادة الزور فأشبه مالو أتلفوه بأيديهم.
قوله: "ولو قالا لقد بان لنا كذب الأصول أو غلطهم لم يضمنا شيئا".
وفي كلام بعضهم إشارة إلى هذا لأنهما لم يفرطا ولم يتسببا في إتلافه ولأنهما لو ضمنا في هذه الحال أفضى إلى عدم الشهادة على الشهادة وظاهر كلام جماعة الضمان لأن إتلافه حصل بشهادتهم كالتي قبلها والافتراق في الكذب لا يمنع الضمان ويعرف من كلامه أنهما لو قالا لا نعلم أنهم كذبة أو غالطون ضمنا.
وصرح به الشيخ تقي الدين قال لأنه من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين وكذلك كل من شهد على أقرار أو حكم يعلم أنه باطل وإن شهدوا على عقد يعلمون تحريمه انتهى كلامه.
وإن رجع الأصول فقالوا كذبنا أو غلطنا ضمنوا وقيل لا يضمنون ولو قالوا ما أشهدناهم بشيء لم يضمن الفريقان شيئا.
وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض سواء قبض المال أو لم يقبض تالفا كان أو باقيا.
قوله: "وإن رجع الأصول فقالوا كذبنا أو غلطنا ضمنوا".
وقدمه في الرعاية لأن الحكم مبنى على شهادتهم وكذلك تعتبر عدالتهم ولأنهم سبب فضمنوا كالمزكين.
قوله: "وقيل لا يضمنون".
قدمه الشيخ وغيره وتبع أبا الخطاب في ذكره احتمالا بالضمان وقطع به القاضي ونصب الخلاف مع محمد بن الحسن بحصول الإتلاف عقيب شهادة الفروع كالمباشر مع المتسبب.
قوله: "ولو قالوا ما أشهدناهم بشيء لم يضمن الفريقان شيئا".
أما الأصول فلعدم ثبوت ذلك عليهم وأما الفروع فإنه لا تفريط منهم والأصل صدقهم فلا ضمان.
قوله: "وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض سواء قبض المال أو لم يقبض تالفا كان أو باقيا".
قد أطلق في مواضع أن الشاهد يضمن ولم يفرق بين ما قبل التلف وبعده قاله الشيخ تقي الدين وسيأتي في الشاهد واليمين وذكره القاضي محل وفاق وذكر في المغني أنه قول أهل الفتيا من علماء الأمصار لأن حق المشهود له قد وجب فلا يزول إلا ببينة أو إقرار ولم يوجد واحد منهما.
قال الشيخ تقي الدين في كلام أحمد ما ظاهره أنه ينقض الحكم إذا رجعا بعد الحكم ثم إن كان المال باقيا أعيد وإن كان تالفا ضمناه ولفظ رواية ابن
منصور يقتضي ذلك فإنه قال إذا شهد شهادة ثم رجع عنها وقد أتلف مالا فهو ضامن لحصته فإنما أوجب الضمان إذا تلف المال وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل قضى عليه بشهادة شاهدين فرجع أحد الشاهدين قال يلزمه ويرد الحكم قيل لأبي عبد الله وإذا قضى له بحق بشهادة شاهد ويمين المدعي ثم رجع الشاهد فقال إذا تلف الشيء كان على الشاهد لأنه إنما ثبت ههنا بشهادته ليس اليمين من الشهادة في شيء فقد نص على أن يرد الحكم.
قال إذا تلف الشيء كان على الشاهد وقال أحمد بن القاسم قلت لأبي عبد الله فإن رجع الشاهد عن الشهادة كم يغرم قال المال كله لأنه شاهد وحدة قضى بشهادته ثم قال لي كيف قول مالك فيها قلت لا أحفظه قلت له بعد هذا المجلس إن مالكا كان يقول إن رجع الشاهد فعليه نصف الحق لأني إنما حكمت بشيئين بشهادة ويمين الطالب فلم أره رجع عن قوله وسألته عن رجوع الشهود قبل الحكم وبعده سواء قال لا كيف يكون سواء وقبل الحكم لم يقع شيء ولم يؤخذ من الرجل شيء كيف يكون هذا وذاك سواء هذا قائم بعد بحاله.
فعلم أن الموجب للضمان بعد هذا فعل تلف المال لا مجرد الحكم ولكن جوابه بأن الضمان جميعه على الشاهد دون المال قد يظن أنه لا ضمان معه على الطالب فلا ينقض الحكم لكن مقصود أحمد أن الشاهد هنا يطالب بجميع المشهود به بخلاف ما لو كانا شاهدين فإنه إذا رجع أحدهما لم يطالب إلا بنصفه وروى الأثرم عن ابن أبي شيبة عن وكيع قال قال سفيان إذا مضى الحكم جازت الشهادة ويغرم الشاهد إذا رجع وعن ابن أبي شيبة عن ابن مهدي وغندر عن شعبة عن حماد قال: "يرد الحكم" ثم ذكر نص أحمد قال يلزمه ويرد الحكم انتهى كلامه.
ويلزمهم الضمان ولا يلزم من زكاهم شيء.
وإن رجع شهود العتق غرموا القيمة.
وعن ابن المسيب والأوزاعي ينقض الحكم وإن استوفى الحق كما لو تبين أنهما كانا كافرين قلنا في الأصل لم يوجد شرط الحكم وفي الفرع وجد ظاهرا وكذا باقي الرجوع.
قوله: "ويلزمهم الضمان".
نص عليه ذكره القاضي وغيره كما تقدم وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في المذهب القديم وقال في الجديد لا ضمان عليهما ووافق في العتق والطلاق.
ووجه قولنا أن شهادتهما صارت سببا في الإتلاف وهما متعديان في السبب فضمنا لمحل الوفاق.
فرع
ذكر القاضي أنه لو أقر المشهود له بالعين للمشهود عليه بعد ما حكم له بها الحاكم فإنها تعود إليه على حكم ملك مستقبل1.
قوله: "ولا يلزم من زكاهم شيء".
ذكره القاضي محل وفاق في مسألة رجوع الأصول لأن من زكاه صدقة محتمل وإنما كذبه في رجوعه فلا يلزمهم شيء مع الشك.
قوله: "وإن رجع شهود العتق غرموا القيمة".
وكذا لو صدق العبد الشهود في بطلان الشهادة لم يرجع إلى الرق لأن في الحرية حقا لله تعالى ذكره القاضي محل وفاق فيه وفي الطلاق.
1 بهامش الأصل: فإنها تعود على حكم ملك المستقبل، كذا ذكره القاضي.
وإن رجع شهود بطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى وإن كان بعده لم يغرموا شيئا وعنه يغرمون المسمى كله.
وإن رجع شهود القود أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف وقيل يستوفى فإذا كان لآدمي كما في الفسق الطارئ.
قوله: "وإن رجع شهود بطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى".
وفاقا لأبي حنيفة ومالك لا مهر المثل ولا نصفه خلافا لقولي الشافعي لأن خروج البضع من ملك الزوج غير متقوم بدليل مالو أخرجته من ملكه بردة أو رضاع وقد ألزم الزوج نصف المسمى بشهادتهما فرجع كما يرجع به على من فسخ نكاحه.
قوله: "وإن كان بعده لم يعزموا شيئا".
هذا هو الراجح في المذهب وفاقا لأبي حنيفة ومالك خلافا للشافعي في ضمان مهر المثل لأنهما لم يقررا على الزوج شيئا ولم يخرجا من ملكه متقوما كما لو أخرجاه أو غيرهما برضاع أو غيره.
قوله: "وعنه يغرمون المسمى كله".
فإن عدم فما يلزم الزوج من مهر المثل لأنهما فوتا عليه نكاحها كما قبل الدخول وهذه الرواية تدل على أن المسمى لا يتقرر بالدخول فيرجع الزوج على من فوت عليه نكاحها برضاع أو غيره.
قوله: "وإن رجع شهود القود أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف".
هذا هو المشهور وقطع به غير واحد لأنه يدرأ بالشبهة والمال يمكن جبره والقود شرع للتشفى لا للجبر فعلى هذا ذكره ابن الزاغوني في الواضح أن المشهود عليه له الدية إلا أن نقول الواجب القصاص حسب فلا يجب شيء.
قوله: "وقيل يستوفى إذا كان لآدمي كما في الفسق الطارئ".
وإن كان بعده وقالوا أخطانا لزمهم دية ما تلف ويتقسط الغرم على عددهم بحيث لو رجع شاهد من عشرة غرم العشر وإن رجع منهم خمسة غرموا النصف.
وإن شهد بالمال رجل وثمان نسوة ثم رجعوا لزم الرجل الخمس وكل امرأة العشر.
على خلاف فيه وفرق بأن الشاهد هنا يقر بأن شهادته زور حين شهادته وحين الحكم بها فهو أقوى في الشبهة لأن من طرأ فسقه لا يقر بشيء من ذلك ولو أقر لم يتحقق صدقه في فسقه ولو بعد الاستيفاء لم يضمن شيئا بخلاف الراجع.
قوله: "وإن كان بعده وقالوا أخطأنا لزمهم دية ما تلف".
مخففة لا تحمله العاقلة ويعزران.
قوله: "ويتقسط الغرم على عددهم بحيث لو رجع شاهد من عشرة غرم العشر وإن رجع منهم خمسة غرموا النصف".
قطع به جماعة ونص عليه أحمد لأنه حصل بقول الجميع كما لو رجعوا جميعا ويحتمل أن يجب على الراجع الجميع لأن الحق إنما ثبت به ذكره ابن الزاغوني وعلى الأول إذا شهد بالقتل ثلاثة وبالزنا خمسة فرجع أحدهم في القتل فالثلث وفي الزنا فالخمس قال في الرعاية الكبرى وقيل لا يلزمهما شيء لبقاء من يكفي فيهما وهو أقيس وهو قول أبي حنيفة ومنصوص الشافعي وإن رجع من ثلاثة القتل اثنان فهل يغرمان النصف أو الثلثين على الوجهين وإن رجع من خمسة الزنا اثنان فهل عليهما الخمسان أو الربع على الوجهين.
قوله: "وإن شهد بالمال رجل وثمان نسوة ثم رجعوا لزم الرجل الخمس وكل امرأة العشر".
وقيل يلزمه النصف وكل امرأة نصف الثمن.
وإذا شهدوا أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجع الستة لزمتهم الدية أسداسا وقيل يلزم شهود الزنا النصف وشاهدي الإحصان النصف.
قطع به غير واحد وهو قول أبي حنيفة والشافعي لما تقدم ولأن كل امرأتين كرجل.
قوله: "وقيل يلزمه النصف وكل امرأة نصف الثمن".
ذكره القاضي في الجامع الصغير وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن الرجل نصف البينة بدليل رجوعه وحده قبل الحكم وقيل الرجل كأنثى وفيه وعن أبي حنيفة وأصحابه متى رجع من النسوة ما زاد على اثنتين فليس على الراجعات شيء ويكون قولا لنا كما تقدم في التي قبلها وهو قول بعض الشافعية.
قوله: "وإذا شهدوا أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجع الستة لزمتهم الدية أسداسا".
لأن القتل حصل بقول جميعهم كما لو شهدوا جميعا على الزنا.
قوله: "وقيل يلزم شهود الزنا النصف وشاهدي الإحصان النصف"
لأنه قتل بنوعين فتقسم الدية عليهما وذكر ابن هبيرة عن الإمام أحمد روايتين كالوجهين وقال أبو حنيفة والأظهر عن مالك وأحد الوجهين للشافعية لا ضمان على شهود الإحصان لأنهم شهدوا بالشرط لأن السبب الموجب للقتل ثبت بشهادة الزنا وذكر ابن عقيل مثل هذا في تعليل مسألة الحكم بشاهد ويمين وتشبه هذه المسألة ما لو شهد اثنان بتعليق عتق أو طلاق واثنان بوجود شرطه ثم رجعوا قال في الرعاية فالعزم على كل جهة نصفه وقيل يغرم كله شهود التعليق.
وقيل يلزمه النصف وكل امرأة نصف الثمن.
وإذا شهدوا أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجع الستة لزمتهم الدية أسداسا وقيل يلزم شهود الزنا النصف وشاهدي الإحصان النصف.
قطع به غير واحد وهو قول أبي حنيفة والشافعي لما تقدم ولأن كل امرأتين كرجل.
قوله: "وقيل يلزمه النصف وكل امرأة نصف الثمن".
ذكره القاضي في الجامع الصغير وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن الرجل نصف البينة بدليل رجوعه وحده قبل الحكم وقيل الرجل كأنثى وفيه وعن أبي حنيفة وأصحابه متى رجع من النسوة ما زاد على اثنتين فليس على الراجعات شيء ويكون قولا لنا كما تقدم في التي قبلها وهو قول بعض الشافعية.
قوله: "وإذا شهدوا أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرجم ثم رجع الستة لزمتهم الدية أسداسا".
لأن القتل حصل بقول جميعهم كما لو شهدوا جميعا على الزنا.
قوله: "وقيل يلزم شهود الزنا النصف وشاهدي الإحصان النصف"
لأنه قتل بنوعين فتقسم الدية عليهما وذكر ابن هبيرة عن الإمام أحمد روايتين كالوجهين وقال أبو حنيفة والأظهر عن مالك وأحد الوجهين للشافعية لا ضمان على شهود الإحصان لأنهم شهدوا بالشرط لأن السبب الموجب للقتل ثبت بشهادة الزنا وذكر ابن عقيل مثل هذا في تعليل مسألة الحكم بشاهد ويمين وتشبه هذه المسألة ما لو شهد اثنان بتعليق عتق أو طلاق واثنان بوجود شرطه ثم رجعوا قال في الرعاية فالعزم على كل جهة نصفه وقيل يغرم كله شهود التعليق.
وإذا حكم في مال بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غرم المال كله نص عليه.
قوله: "وإذا حكم في مال بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد عن الشهادة غرم المال كله نص عليه".
في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث وأبي الحارث يضمن الشاهد جميع المال ولا يرجع بنصفه على المشهود له وقال إنما ثبت الحق بشهادته.
وكذلك نقل ابن مشيش وابن بختان وهذا قول مالك.
قال الشيخ تقي الدين بنى القاضي المسألة على أن الحكم إنما وقع بالشهادة وإنما اليمين للاحتياط كاليمين مع الشاهدين على الغائب وأن اليمين قول المدعي فلا يحكم له بها وهذه بحوث تشبه بحوث الحنفية فإنهم لا يجعلون اليمين في جنبة المدعي قط ويتوجه للمسألة مأخذ آخر وهو أن اليمين هنا قول آخر فأشبهت دعواه وقبضه فإن الشاهد هو الذي مكنه من أن يحلف ويأخذ كما أن الشاهدين هما اللذان مكناه من أن يأخذ ألا ترى أنه لا يحلف إلا بعد الشهادة بخلاف أحد الشاهدين مع الآخر وحقيقته أن الشاهد متسبب في الإتلاف والحالف مباشر ولم يمكن إحالة الحكم عليه فيحال على السبب وكل واحد من الشاهدين متسبب وهذا فقه جيد يبين به حسن فقه أبي عبد الله.
وقال القاضي في التعليق ضمن مسألة الشاهد إذا ادعى على ميت أو صبي أو مجنون واستحلفه الحاكم مع بينته فإن الحكم بالبينة لا باليمين ذكره محل وفاق فلو رجع الشاهدان هنا ضمنا جميع المال قال وهو يستحلف عندنا إذا ألزمه الحاكم وفيها روايتان مطلقا فاعتذر المخالف بأن اليمين هناك على وجه الاستظهار لأن المدعى عليه لا يعبر عن نفسه واليمين هنا لإثبات الحق فقال لا نسلم أنها لإثبات الحق وإنما هي للاحتياط وإنما يثبت الحق بالشاهد
وقيل يغرم النصف ويضمن شهود التزكية إذا رجعوا عنها ما يضمنه من زكوهم لو رجعوا.
قال الشيخ تقي الدين وهذا يؤيد أن الروايتين في مسألة الغائب أن يحلف على ثبوت الحق المشهود به لا على بقائه كما في الشاهد واليمين إذ لولا ذلك لكان عذر المخالف عن تلك المسألة ظاهرا لأن المحلوف عليه المشهود به.
قوله: "وقيل يغرم النصف".
خرجه أبو الخطاب من رد اليمين على المدعي وهو قول الشافعي وحكاه بعضهم عن مالك ورواية عن الشافعي يرجع بنصفه على المشهود له.
قال الشيخ تقي الدين وهذه العبارة ليست بجيدة إلا فيما إذا رجعا معا وفي هذه الصورة قرار الجميع على المشهود له وأما الشاهد فيضمن إما الجميع وإما النصف ويرجع به.
قوله: "ويضمن شهود التزكية إذا رجعوا عنها ما يضمنه من زكوهم لو رجعوا".
وكذا ذكره الشيخ موفق الدين محل وفاق قاس عليه رجوع شهود الأصل لأن الحكم ينبنى على شهادتهم كشهود الفرع
فصل
قال الشيخ تقي الدين وإذا تبين خطأ الشهود أو كذبهم أو خطأ المزكين فهنا الحكم باطل لكن ينبغي أن تكون الشهادة أو التزكية سببا للضمان والقرار على المتلف بخلاف الرجوع فإنه لا ضمان إلا على الراجع انتهى كلامه.
ولعل هذه المعنى يؤخذ من كلام الشيخ موفق الدين وغيره.
وقال القاضي لو شهدا عليه بالقرض فحكم الحاكم عليه بالمال وسلمه إلى المقرض ثم أقام المشهود عليه البينة بعد ذلك أنه كان قضاه لم يضمن شهود
وإذا رجع شهود الحق قبل الحكم لغت شهادتهم ولم يضمنوا.
القرض لأنه لم يكن في شهادتهم إثبات المال في الحال ولو كانوا شهدوا بأن لفلان عليه ألف درهم فحكم الحاكم بشهادتهم ثم أقام المقضي عليه البينة أنه كان قضاه قبل ذلك ضمن الشهود الذين شهدوا بالمال ذكره محل وفاق مع الحنفية.
قال الشيخ تقي الدين وهذا يقتضى أن خطأ المشهود موجب للضمان كرجوعهم وإن ظهر ذلك ببينة كما قيل في شاهد الزور قد يظهر كذبة بإقرار أو تبيين لكن هنا قالوا ببينة.
قال الشيخ تقي الدين وكذا يجب فإن الشهادة إذا كانت باطلة فسواء علم بطلانها برجوعهم أو بطريق آخر وكذلك التزكية لو ظهر فسق الشهود ضمن المزكون وكذلك يجب أن يكون في الولاية لو أراد الإمام أن يولي قاضيا أو واليا لا يعرفه فسأل عنه فزكاه أقوام ووصفوه بما يصلح معه للولاية ثم رجعوا أو ظهر بطلان تزكيتهم فينبغي أن يضمنوا ما أفسده الوالي والقاضي وكذلك لو أشاروا عليه أو أمروه بولايته فإن الآمر بالأمر بمنزلة الشهادة بالشهادة لكن الذي لا ريب في ضمانه من تعمد المعصية مثل أن يعلم منه الخيانة أو العجز ويخبر عنه بخلاف ذلك أو يأمر بولايته أو يكون لا يعلم بحاله ويزكيه أو يشير به فأما إذا اعتقد صلاحه وأخطأ فهذا معذور والسبب هنا ليس محرما وعلى هذا فالمزكي للعامل من المقرض والمشتري والوكيل كذلك فالتزكية أبدا جنس واحد وأما الأمر فهو نظير التزكية التي هي خبر انتهى كلامه.
قوله: "وإذا رجع شهود الحق قبل الحكم لغت شهادتهم ولم يضمنوا".
وهذا قول عامة العلماء لأنها شرط الحكم فيشترط استدامتها إلى انقضائه كعدالتها ولأن رجوعها يظهر كذبها ولأنه يزول ظنه في أن ما شهد به حق.
وإذا زاد العدل في شهادته أو نقص قبل الحكم.
كما لو تغير اجتهاده وقد قال الإمام أحمد في رواية الأثرم في شاهدين شهدا على رجل بألف درهم فقال أحدهما بعد إقامة الشهادة قد قضاه منها خمسمائة درهم قد أفسد ما شهد به إذا كان بحضرة ذلك ولو جاء بعد هذا المجلس فقال أشهد أن قضاه منها خمسمائة لم يقبل لأنه قد أمضى الشهادة قال ابن عقيل وظاهر هذا من كلامه أنه لم يعتبر حكم الحاكم وإنما اعتبر انقضاء المجلس وهو محمول على أن الإمام أحمد أبطل شهادته في قدر المرجوع فيه قبل أن يحكم الحاكم بشهادتهما.
وقال الشيخ تقي الدين عقيب هذا النص وشهادته بالقضاء رجوع أو بمنزلة الرجوع وقد قال إذا كان في غير ذلك المجلس لم يقبل لأن الشهادة عند الحاكم قد تعلق بها حق المشهود له وثبتت عنده فرجوعه حينئذ كرجوعه بعد الحكم لكن لم يذكر ضمانه للمشهود عليه إما لعدم الحاجة أو كمذهب الشافعي انتهى كلامه.
قوله: "وإذا زاد العدل في شهادته أو نقص قبل الحكم".
قال ابن منصور قلت للإمام أحمد الرجل يغير شهادته ويزيد وينقص قال من الرجل العدل ليس به بأس وقطع به في المستوعب والكافي وغيرهما.
وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق أنها شهادة من عدل كغيرها والشهادة شرط الحكم فيجب استمراره على شهادته إلى تمامه لأن ما ذكره محتمل لاحتمال سبق اللسان وقيل يؤخذ بقوله الأول وهو قول مالك لأنه أداها غير متهم كما لو اتصل بها الحكم وقيل ترد شهادته في ذلك مطلقا وهو قول الزهري لأنه مقر بغلط في الأولى ولا يؤمن مثله في الثانية.
أو أداها بعد إنكارها قبلت نص عليه.
وإذا علم الحاكم بشاهد الزور بإقراره أو تبين كذبه يقينا عزره وطاف به حتى يشتهر أمره ويقال إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه.
قوله: "أو أداها بعد إنكارها قبلت نص عليه".
في رواية ابن منصور إذا قيل له عندك شهادة قال لا ثم شهد بها شهادته جائزة وكذلك ذكره القاضي محل وفاق إذا أنكر الشاهد شهادته ثم شهد بها قبلت وكذلك قطع به جماعة كالمستوعب والكافي لأن ما ذكره محتمل لاحتمال النسيان وقد أشار أحمد إلى هذا فقال ذكر ما لم يقبل ذلك وقيل لا تقبل كالمدعي إذا أنكر أن تكون له بينة فان بينته لا تقبل في المشهور والتفريق بينهما فيه إشكال وفرق القاضي بين مسألة الكتاب وبين المدعي إذا أنكر الشهادة له بأن البينة غير متهمة وصاحب الحق متهم.
قوله: "وإذا علم الحاكم بشاهد الزور بإقراره أو تبين كذبه يقينا عزره وطاف به حتى يشتهر أمره ويقال إنا وجدناه شاهد زور فاجتنبوه".
قال الإمام أحمد في رواية عبد الله وإسحاق بن إبراهيم في شاهد الزور يطاف به في حيه ويشهر أمره ويؤدب أيضا ما به بأس.
وقال في رواية ابن منصور ويقام للناس ويعرف ويؤدب وهكذا في رواية يعقوب يشهر أمره وبهذا قال مالك والشافعي لأنه قول محرم يضر به الناس لا كفارة فيه أشبه السب والقذف ولأن فيه زجرا وذكر القاضي في تعزير الإمام على الظهار وجهين وفرق غيره بأن فيه كفارة وبأنه يختص بنفسه ولو سب نفسه أو شتمها لم يعزر ولو سب غيره وشتمه عزر.
قال الشيخ تقي الدين هذا مع قوله إن كل معصية لا حد فيها ولا كفارة يجب فيها التأديب والتعزير انتهى كلامه.
وقال أبو حنيفة لا يعزر ثم حكى أنه يوقف في قومه ويقال إنه شاهد زور وحكي عنه عدمه ووافق أنه إذا كان مصرا فعل به ذلك لكن إذا ظهر منه الندم والتوبة لم يعزر وقد روى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب فيه أن يجلد ظهره وفي رواية أربعين ويسخم وجهه ويطال حبسه ويطاف به وفي رواية يحلق رأسه والأسانيد فيها ضعف.
فتأولت الحنفية ذلك على أنه كان مصرا ولهذا جمع بين التعزير والحبس والتسخيم قالوا وعندكم يفعل التسخيم والحبس والتعزير فقال القاضي الظاهر يقتضي الجمع بينهما لكن قام دليل الإجماع على إسقاط الحبس.
قال الشيخ تقي الدين قال الإمام أحمد يؤدب والأثران عن عمر هو رواهما فلعل الأدب عنده هو ما رواه عن عمر انتهى كلامه.
ونقل عنه حنبل يحكم فيه السلطان بما يرى وقال في رواية مهنا يبعث به إلى مجلسه ثم يقولون هذا فلان شهد بالزور اعرفوه فقلت له ثم يضرب قال نعم قلت كم قال يعزر كم قال نصف الحد لا أقل قلت ويسود وجهه قال قد روى عن عمر "أنه سود وجه شاهد الزور" قلت ترى أنت أن يسود وجهه قال لا أرى فرأيت أنه كره تسويد الوجه.
ونقل عنه حنبل أيضا قال يبين أمره قلت له فعليه عقوبة في نفسه قال يبين للناس أمره ويشهر لئلا يغر غيره ولا يغتر به وذاك إلى السلطان إن شاء عاقب.
وقال القاضي وغيره لا يزيد في التعزير على عشر جلدات والله أعلم بمعنى قول الإمام أحمد نصف الحد.
قال ابن عقيل ولا أدري من أين له هذا التقدير يعني القاضي وقال ابن عقيل أيضا قال أصحابنا ولا يركب ولا يحلق رأسه ولا يمثل به وهذا
إنما يكون بحسب حاله فعندي أنه لا يفعل ذلك بمن ندرت منه نادرة وهو من أهل البيوتات وذوي الهيئات فأما إن كان معروفا بذلك يتكرر منه أشباه ذلك فردعه بما يراه الحاكم رادعا لمثله وإن أفضى إلى إشهاره راكبا والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل بالعرنيين لما رأى ذلك حدهم وعقوبتهم والصحابة رضي الله عنهم بعده مثلت لما رأت ذلك فأبو بكر أحرق في اللواط وعلي أحرق الزنادقة في الأخاديد ولما شاور أبو بكر في حد اللواط وفي الذي يلاط به اختلف الصحابة في أنواع المثلة فقيل يحرق وقيل يرجم وقيل يرمى من شاهق أعلى بيت في القرية وقيل يحبس إلى أن يموت انتهى كلامه.
وكلام الإمام أحمد في رواية حنبل السابق يشهد له.
واحتج الحنفية فقالوا الرجوع عن القول الموجب وهو الإقرار بالزنا أسقط عنه الحد فالرجوع عن القول الذي يوجب التعزير وهو التزوير على المشهود عليه أولى أن يسقط عنه.
فقال القاضي والجواب أنه ليس الخلاف فيمن تاب وإنما الخلاف فيمن ثبت عليه أنه شهد بالزور إما بقيام البينة على إقراره بذلك أو بعلم الحاكم به قطعا بأن شهد بقتل رجل والحاكم يعلم أنه لم يقتل وهو أن يكون الرجل عنده وقت القتل أو يكون الذي يدعي أنه مقتول حي لم يقتل فأما إذا تاب فإنا لا نعزره وقيل لا يسقط التعزير بالتوبة لأنه قد تعلق بحق آدمي وهو شهادته عليه وحقوق الآدميين لا تؤثر فيها التوبة.
قال الشيخ تقي الدين أما إذا تاب بعد الحكم فيما لا يبطل برجوعه فهنا قد تعلق به حق آدمي ثم تاره يجيء إلى الإمام تائبا فهذا بمنزلة قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه وتارة يتوب بعد ظهور تزويره فهنا لا ينبغي أن يسقط
عنه التعزير وقد احتج الحنفية بأنه ساع في الأرض بالفساد فهو كقاطع الطريق وذلك لو جاءنا تائبا قبل القدرة عليه لم نعزره كذلك شاهد الزور إذا جاء تائبا فقال القاضي والجواب عنه ما تقدم.
فصل
قال الشيخ تقي الدين الإقرار بالشهادة هل يكون بمنزلة الشهادة على الشهادة فيه حديث الأمة السوداء في الرضاع فإن عقبة بن الحارث "أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة أخبرته أنها أرضعتهما" فنهاه عنها من غير سماع من المرأة وقد احتج به الأصحاب من قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع فلولا أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة ما صحت الحجة وهو ظاهر يؤيده أن الإقرار كحكم الحاكم بالعقد الفاسد مسوغ للحاكم الثاني أن ينفذه مع مخالفته لمذهبه والشهادة على الشهادة بمنزلة كتاب القاضي إلى القاضي فإذا كان الإقرار بالحكم يجوز العمل به كالشهادة فكذلك الإقرار بالشهادة إلا أنه إنما لم يجب العمل بالإقرار بالكتاب إذا خالف رأي القاضي الثاني لأن إقرارهم لا يقبل عليه.
فلو كان الإقرار بكتاب لا يرى مخالفته وجب عليه العمل به وعلى هذا فمتى أقر أهل الوقف بكتاب يتضمن شرط الواقف أو غيره وجب العمل به في حقهم وضابطه أن الإقرار ثلاثة أنواع إقرار بنفس الحكم كإقراره بأن له علي ألفا أو بأن هذا العين ملكه أو بأني عبده أو أنه أخوه أو أني زوجه ونحو ذلك وإقرار بسببه كالإقرار بالبيع والهبة والإرث ونحو ذلك وإقرار بحجة الحكم كالإقرار بالإقرار والإقرار بالشهادة والإقرار بالحكم وكل هذه شهادات على نفسه فأما الإقرار بالسبب فمعروف.
وأما الإقرار بالحكم فمقبول إلا أن يكون فيه حق لله تعالى وهو مما يجهل المقر ثبوته مثل إقراره بأنه يجب رجمه أو يجب قطع يده أو يجب حد قذفه
أو يجب قتله قودا أو أن هؤلاء يستحقون دمه فالأشبه في مثل هذا أن يستفسر عن صفة الإقرار كما استفسر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا أو يفرق بين الحق المحض لله تعالى وبين القود وحد القذف.
وأما الإقرار بالحجة فمقبول أيضا لكن لو قال أقررت بهذا المال وكنت غالطا فهنا يتوجه أن لا يحكم بهذا الإقرار كما لو قال كان له علي وقضيته لأن الإقرار الأول لم يثبت والثاني إنما أثبته على صفة لا يحكم بها فهو كما لو قال شهد على شاهد وهو كاذب والشاهد لم تعلم عدالته وفيه نظر.
يوضح هذا أن أصحابنا شبهوا الشهادة على الشهادة بالشهادة على الإقرار وقبلوا على كل شاهد شاهدا والرجل هنا أعني عقبة بن الحارث مقر شاهد على الشهادة والاحتجاج بحديث الأمة السوداء على أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة على الشهادة فيه نظر لأنه فتيا من النبي صلى الله عليه وسلم لعدم شروط الحكم من الدعوى وغيرها واقتصار الأصحاب في الشهادة على الشهادة على مجرد المعنى يدل على أنه لا أثر في المسألة عندهم.