نشاطه العقلي والعلمي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- شوقي ضيف
- الكتاب
- المدارس النحوية
- المؤلف
- أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (المتوفى: 1426هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
هو الخليل1 بن أحمد الفراهيدي البصري، عربي من أزدعمان، ولد سنة مائة للهجرة، وتوفي سنة مائة وخمس وسبعين، ومنشؤه ومرباه وحياته في البصرة، وقد أخذ يختلف منذ نعومة أظفاره إلى حلقات المحدثين والفقهاء وعلماء اللغة والنحو، وأكبّ إكبابا على حلقات أستاذيه عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، كما أكب على ما نُقل من علوم الشعوب المستعربة، وخاصة العلوم الرياضية، وكان صديقا لابن المقفع مواطنه، فقرأ كل ما ترجمه وخاصة منطق أرسططاليس، كما قرأ ما ترجمه غيره من علم الإيقاع الموسيقي عند اليونان، وحذق هذا العلم حذقا جعله يؤلف فيه كتابا كان الأصل الذي اعتمد عليه إسحاق الموصلي في تأليف كتابه الذي صنفه في النغم واللحون.
وكان عقل الخليل من العقول الخصبة النادرة، فهو لا يلم بعلم حتى يلتهمه التهاما، بل حتى يستوعبه ويتمثله وينفذ منه إلى ما يفتح به أبوابه الموصده، وحقا ما قاله ابن المقفع فيه من أن عقله كان أكثر من علمه، وهو عقل جعله يتصل بكل علم ويحوز لنفسه منه كل ما يبتغي من ثراء في التفكير ودقة في الاستنباط،
دقة تذهل كل من يقف على وضعه لعروض الشعر ورفعه لصرح النحو ورسمه المنهج الذي ألف عليه معجم العين أول معجم في العربية.
ولما أدركته الشهرة لم يستغلها لنفسه وتحقيق ما حققه بعض معاصريه من الثراء العريض، بل مضى مزدريا للشهرة وما قد يطوى فيها من مجد مادي، مكتفيا بكفاف العيش، وفي ذلك يقول النضر بن شميل أحد تلاميذه: "أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلس, وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال".
وعلى هذا النحو كان يزدري الخليل متاع الحياة الدنيا الذي كان الناس يشغفون به من حوله، ومتاع واحد هو الذي كان يلتمسه ويسعى إليه ويلح في السعي، هو المتاع العقلي الذي جعله يتكلف الجهد العنيف الممضّ في فتح أبواب العلوم اللغوية التي طال على العلماء من قبله ومن حوله قَرْعها دون أن تنفتح لهم، حتى إذا مستها عصاه السحرية انفتحت أغلاقها وفارقتها طلاسمها، وذلت له وانقادت.
وأول ما يلاحظ من ذلك اكتشافه علم العروض اكتشافا ليس له سابقة ولا تدانيه لاحقة، إذ استطاع أن يرسمه بكل أوزانه وحدوده وتفاعيله وتفاريعه، غير مبق لمن جاءوا بعده شيئا يضيفونه إليه.
وهو يحمل في تضاعيفه ما يشهد بتمثله تمثلا رائعا للنغم وعلم الإيقاع ومواضعه, كما يحمل ما يشهد بإتقانه لنظريات العلوم الرياضية في عصره علما وفقها وتحليلا، وخاصة نظريتي المعادلات، والتباديل والتوافيق، فقد اشتق له تفاعيل خاصة، وأدارها في دوائر كدوائر المهندسين مستخدما إشارات من النقط والحلقات تصور ما يجري في التفعيلات من زحافات، كما تفسح لأجزائها في التقدم والتأخر، بحيث تجمع الأوزان العروضية التي عرفها العرب وما لا يحصى من أوزان جديدة لم يعرفوها ولا ألفوها، مما أتاح للعباسيين أن ينظموا على أوزان جديدة أهملها أسلافهم, ولم يودعوا فيها شيئا من منظوماتهم.
ولم يستغل الخليل نظرية التباديل والتوافيق الرياضية في وضعه علم العروض فحسب، فقد استغلها أيضا في وضع منهج قويم لمعجم العين المشهور، إذ بناه على تقليب كل الصيغ الأصلية، بحيث تندرج فيه مع كل كلمة الكلمات الأخرى التي تجمع حروفها, وتختلف في ترتيبها بتقديم بعض منها على بعض،
فكتب مثلا يوضع معها: كبت، وتكب، وتبك، وبكت، وبتك.
وبذلك حصر في المعجم جميع الكلمات التي يمكن أن تقع في العربية، مميزا دائما بين ما استعملته العرب منها وما أهملته ولم تنطق به، على نحو ما ميز في العروض بين الأوزان المستعملة والأخرى المهملة.
ورأى أن يكون ترتيب الكلمات في المعجم على مخارج الحروف ومواقعها من الجهاز الصوتي وهو الحلق واللسان والفم والشفتان، بادئا بحرف العين وبه سماه.
وهو صنيع يلتقي فيه بصنيع الهنود في ترتيبهم لحروف لغتهم السنسكريتية وربما عرف ذلك من بعض نازلتهم في موطنه، وهي في معجمه مرتبة على هذا النحو1:
العين، الحاء، الهاء، الخاء، الغين، القاف، الكاف، الجيم، الشين، الضاد، الصاد، السين، الزاي، الطاء، الدال، التاء، الظاء، الذال، الثاء، الراء، اللام، النون، الفاء، الباء، الميم، الياء، الواو، الألف.
وهو ترتيب أساسه كما ذكرنا آنفا مخارج الحروف ومدارجها، وهي عنده سبعة عشر مخرجا موزعة على الجوف والحلق وأول الفم ومناطق اللسان وحافته وطرفه والثنايا والشفة السفلى والشفتين.
واتهم القدماء مادة هذا المعجم وقالوا: إنها ليست من عمله، وإنما هي من عمل تلميذه الليث بن رافع باسطين في ذلك أدلة قوية2، غير أنهم اتفقوا على أنه هو الذي رسم منهجه له، لما لاحظوه من التقاء منهجه بمنهج علم العروض الذي رسمه، وقيام المنهجين جميعا على أساس نظرية التباديل والتوافيق الرياضية.
ويظهر أنه عرف المباحث الصوتية عند الهنود وكانت قد نمت عندهم نموا واسعا3، وأضاف على ضوئها مادة صوتية غزيرة, نقل منها تلميذه سيبويه في كتابه نقولا كثيرة، كما نقلت منها الكتب المتأخرة، وهي ترد إلى ثلاثة جوانب، أولها ذوق أصوات الحروف عن طريق فتح الفم بألف مهموزة يليها الحرف المذاق ساكنا، فيقال في الباء: أبْ وفي التاء: أتْ وهلم جرا4.
وبذلك يتضح صوت الحرف بالوقوف عليه ساكنا والمكث عنده قليلا، بخلاف ما
لو وُصِل بحرف بعده, فإننا حينئذ لا نتمكن من إشباع الصوت، إذ نتهيأ للنطق بصوت الحرف التالي له.
وثاني هذه الجوانب وصف الأجراس الصوتية للحروف من همس وجهر وشدة ورخاوة واستعلاء واستفال، مما يتناثر في صحف كتاب سيبويه، وجعله ذلك يقف عند أصوات الحركات وما يداخلها من إمالة وروم وإشمام.
والإمالة معروفة، والروم حركة مختلسة ضعيفة، أما الإشمام فهو أن تذيق الحرف الضمة أو الكسرة بحيث لا تكاد تُسمَع وإنما تُرَى في حركة الشفة، فهو أقل من الروم همسا وخفة.
وأما الجانب الثالث فهو ما يحدث للصوت في بنية الكلمة من تغير يفضي إلى القلب أو الحذف أو الإعلال أو الإبدال أو الإدغام، وقد عرض على هذا الجانب مادة اللغة عرضا تدافعت سيوله وأمواجه تدافعا عند سيبويه.
وجعله عمق نظره في هذه الجوانب الصوتية وخاصة الجانب الثاني, يحاول أن يصوغ شكل الأصوات صياغة دقيقة، مما جعله يدخل على النقط أو الإعجام علامات للروم والإشمام والتشديد والهمزة المتصلة والمنقطعة1، واخترع علامات الضبط التي لا نزال نستعملها إلى اليوم, إذ أخذ من حروف المد صورها مصغرة للدلالة عليها، فالضمة واو صغيرة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء متصلة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوقه2.
وكان له في النقط والشكل كتاب اتخذه الأسلاف إمامهم مددا متطاولة من الزمن.
وما زال يوالي هذا النشاط العقلي والعلمي حتى توفي سنة 175 للهجرة.
2-