المدارس النحويةالكتاب

الكتاب

عن هذه الطبعة
عَلَم
شوقي ضيف
الكتاب
المدارس النحوية
المؤلف
أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (المتوفى: 1426هـ)
الناشر
دار المعارف
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: من المؤكد أن سيبويه بدأ تأليف الكتاب بعد وفاة الخليل، إذ نراه في بعض المواضع يعقب على ذكره لاسمه بكلمة "رحمه الله".
وقد حمله عنه تلميذه الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، وأذاعه في الناس باسم "الكتاب" عَلَما اختص به هذا المصنَّف وحده دون بقية المصنفات في عصره، بحيث كان يقال في البصرة: "قرأ فلان الكتاب" فيُعلم أنه كتاب سيبويه دون شك.
وظل هذا الاسم خاصا به، دلالة على روعة تأليفه وإحكامه.
ونرى كثيرين من النحاة وغيرهم ينوهون به تنويها عظيما، من ذلك قول أبي عثمان المازني تلميذ الأخفش: "من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحْيِ", ويقول الجاحظ: "أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك "الزيات وزير المعتصم" ففكرت في شيء أهديه إليه، فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، وقلت له: أردت أن أهدي إليك شيئا، ففكرت، فإذا كل شيء عندك، فلم أر أشرف من هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفراء، فقال ابن عبد الملك: والله ما أهديت إلي شيئا أحب إلي منه".
ويقول أبو الطيب

اللغوي فيه وفي كتابه: "هو أعلم الناس بالنحو بعد الخليل، وألف كتابه الذي سماه الناس قرآن النحو".
ويقول السيرافي: "وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله، ولم يلحق به من بعده".
ويقول المبرد: "لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه".
ويقول صاعد بن أحمد الأندلسي: "لا أعرف كتابا أُلِّف في علم من العلوم قديمها وحديثها، واشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب؛ أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب أرسططاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كل واحد من هذه لم يشذّ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له".
ولعل أول ما يلاحظ على الكتاب أن سيبويه لم يضع له اسما يفرده به، وربما أعجلته وفاته عن تسميته كما أعجلته عن وضع مقدمة بين يديه وخاتمة ينتهي بها، فنحن نفاجأ في أول سطر فيه بهذا العنوان: "هذا باب علم ما الكلم من العربية" وفيه تحدث عن أقسام الكلمة, وأنها اسم وفعل وحرف.
ونمضي معه إلى نهاية الكتاب، فنجد الحديث ينقطع عند بيان حذف بعض العرب لحروف في بعض الأبنية تخفيفا على اللسان، ومثَّل لذلك فيما مثَّل بقول بعضهم: "عَلْماءِ بنو فلان" بحذف اللام في على أي: على الماء بنو فلان.
ونحس كأنه كانت لا تزال في نفسه بقية يريد أن يضيفها إلى الكتاب.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إنه لم يأخذ الفرصة الكافية كي ينقح الكتاب ويخرجه إخراجا نهائيا.
وربما كان هذا هو السبب الحقيقي في أننا نجد عنده أحيانا شيئا من الاستطراد كأن يتحدث في بعض أبواب النحو عن مسائل صرفية، وكأن يتعرض لبعض صيغ ليست من الباب كتعرضه لبعض صيغ الحال في حديثه عن النعت، وقد يتحدث عن باب في موضعين على نحو ما صنع بجموع التكسير في الجزء الثاني من الكتاب.
وينبغي أن لا نظن من ذلك أن الكتاب لم يُكْفَل له منهج سديد في التصنيف, فقد نسَّق سيبويه أبوابه وأحكمها إحكاما دقيقا، وخاصة إذا عرفنا أنه أول كتاب جامع في قواعد النحو والصرف.
وقد جعله في قسمين كبيرين، أما

القسم الأول فخصّه بالنحو ومباحثه، وكاد لا يترك في هذه المباحث جانبا إلا استقصاه من جميع أطرافه في الجزء الأول من الكتاب وأوائل الجزء الثاني، حتى إذا فرغ من هذه المباحث انتقل يبسط في دقة القسم الثاني وما يخوض فيه من المباحث الصرفية, محيطا بكل تفاصيلها إحاطة تامة, واصلا لها بمادة صوتية واسعة من مثل الحديث عن الإمالة والوقف والروم والإشمام والإشباع وما إلى ذلك.
وقد تحول ما ذكره من قواعد النحو والصرف إلى ما يشبه نجوما قطبية ثابتة, ظل النحاة بعده إلى اليوم يهتدون بأضوائها في مباحثهم ومصنفاتهم.
ويمكن أن نقول بصفة عامة: إن الكثرة من المصطلحات النحوية والصرفية التي لا تزال شائعة على كل لسان في عصرنا, كان لكتابه الفضل الأول في إشاعتها وإذاعتها طوال العصور، وكأنه لم يترك للنحاة من بعده إلا ما لا خطر له، كما قال صاعد آنفا، كأن يميزوا بعض المصطلحات أو يضيفوا مصطلحات جديدة لغرض الدقة في التوضيح، فمن ذلك أنه عرض لأبواب التوابع عرضا واسعا، وجرت على لسانه كلمات النعت والبدل والتوكيد والعطف ويريد به عطف البيان، ولكنها جميعا يتداخل بعضها في بعض، بحيث يسميها أحيانا صفة, وقد يسمي عطف البيان نعتا1، وجعل التوكيد قسمين: قسما مكررا وقسما غير مكرر2، وسماهما خالفوه التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي. وكان يسمي عطف النسق الشركة وحروفه مثل الواو حروف الإشراك3.
وقد لا يضع الاصطلاح الخاص المميز كأن نجده يقول: "هذا باب نظائر ضربته ضربة, ورميته رمية"4, وسمى النحاة الباب بعده "اسم المرة".
ويقول: "هذا باب ما عالجت به"5, وسماه النحاة بعده "اسم الآلة" مثل المقص.
ويقول: "هذا باب اشتقاقك الأسماء لمواضع بنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها"6 مثل مجلس، وسمى النحاة بعده ذلك "باسم المكان المشتق".
ومن مصطلحاته التي تركها الصرفيون مصطلح البيان والتبيين7, وقد سموه باسم "فك

الإدغام".
ويقول: "هذا باب الفاعلَين والمفعولين اللذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به وما كان نحو ذلك"1 مثل: كلمت وكلمني محمد, وسمى النحاة هذا الباب باسم "باب التنازع".
ويقول: "هذا باب ما يكون فيه الاسم مبنيا على الفعل قُدِّم أو أُخِّر, وما يكون الفعل فيه مبنيا على الاسم"2, وسمى النحاة الباب باسم "باب الاشتغال".
ومن ذلك عنوانه في أول الكتاب: "هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية"3 وهو ما سماه النحاة بعده باسم "أنواع الإعراب والبناء".
وتلقانا في مواطن مختلفة من الكتاب ظلال من الغموض والإبهام، وقد يرجع ذلك في الكثير الأكثر إلى أن سيبويه كان يضع قوانين النحو والصرف وضعا مفصلا متشعبا لأول مرة، فطبيعي أن يتصعب عليه التعبير أحيانا وأن يداخله من حين إلى حين شيء من الإبهام والالتواء.
وكثيرا ما يوجز في موضع يفتقر إلى شيء من البسط، ويصور ذلك من بعض الوجوه أن نجده يتحدث عن الحذف في الكلام وما قد يجري فيه حذف الفعل، ويمثل لذلك بقولهم: "حينئذ الآن" على تقدير: حينئذ اسمع الآن، كما يمثل بمثال ثانٍ هو قولهم: "ما أغفله عنك شيئا" وظل النحاة حتى عصر المبرد لا يدرون معنى العبارة, ولا يعرفون بالتالي موضع حذف الفعل حتى جاء الزجاج، فقال: إن العبارة تعليق على كلام تقدم، كأن قائلا قال: "زيد ليس بغافل عني", فأجابه صاحبه: "ما أغفله عنك, شيئا" على تقدير: انظر شيئا، يريد أن يقول له: تفقَّدْ أمرك ودع الشك عنك4، وبذلك فُهمت العبارة واتضحت بعد أن كانت عند من سبقه من النحاة كأنها لغز من الألغاز.
وهذا الغموض في جوانب من الكتاب كان سببا في أن يتناوله كثيرون من النحاة بالشرح والتفسير والتعليق وفي مقدمتهم تلميذه الأخفش وأصحابه من مثل الجَرْمي والمازني، وكلما تقدمنا مع الزمن تكاثرت شروحه وتفسيراته والتعليقات عليه، ومن أشهرها شرح السيرافي وشرح الرماني.
وعُنُوا عناية واسعة بشرح شواهده

الشعرية ونسبة المجهول منها إلى من نظموه من العرب، وكان أول من عُنِيَ بذلك الجرمي، وفي ذلك يقول: "نظرت في كتاب سيبويه، فإذا منه ألف وخمسون بيتا، فأما الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتّها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها"1.
وعني بعده كثيرون بشرح هذه الشواهد وفي مقدمتهم المبرد والزجاج والسيرافي.
وكان سيبويه من الثقة بحيث لم يطعن أحد في شيء مما أنشده من الأشعار المجهولة القائل ولا تعلق عليه باتهام أو إنكار، وفي ذلك يقول صاحب الخزانة: "الشاهد المجهول ... إن صدر من ثقة يعتمد عليه قُبل وإلا فلا؛ ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أن فيها أبياتا عديدة جُهل قائلوها وما عِيب بها ناقلوها"2.

3-

جارٍ التحميل