بسط السماع والقياس, وقبضهما حتى في القراءات:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- شوقي ضيف
- الكتاب
- المدارس النحوية
- المؤلف
- أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (المتوفى: 1426هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
كان الفراء يتوسع مثل أستاذه الكسائي في الرواية عن الأعراب المتحضرين، وإن كنا نلاحظ أنه إنما كان يتتبع فصحاءهم، ممن سميناهم في غير هذا الموضع، أمثال أبي ثروان وأبي الجراح.
وتدل كثرة ما رواه عن العرب وقبائلهم أنه كانت له رحلة واسعة إلى الجزيرة، إذ يكثر في كتابه معاني القرآن أن يقول: "وسمعت العرب تقول" أو يقول: "أنشدني بعض بني أسد أو بعض بني كلاب أو بعض بني ربيعة أو بعض بني عامر أو بعض بني حنيفة" إلى غير ذلك من قبائل كثيرة, وأكثر أيضا من الرواية عن المفضل الضبي.
أما الكسائي فله الحظ الأوفر من الأشعار التي استشهد بها في معاني القرآن.
وقلما يذكر اسم الشاعر الجاهلي والإسلامي الذي ينشد من شعره؛ اكتفاء بأن ذلك كان معروفا متداولا بين
علماء اللغة والنحو في عصره. وكثيرا ما يتوارد مع سيبويه فيما ينشد من أشعار، مما يدل على أنه كان يضع كتابه نصب عينه وبصره1.
وقد مضى مثل النحاة البصريين وأستاذه الكسائي لا يستشهد بالحديث النبوي في كتابه "معاني القرآن"، إلا ما جاء عرضا وعفوا2 بحيث لا يصح التعميم عنده, وأن يقال: إنه كان يستشهد به، فقد كانوا يصطلحون على أن روايته بالمعنى وأنه رواه أعاجم غير ثقات في العربية.
أما القراءات فهي محور الكتاب، وقد أدار عليها توجيهاته لها من أساليب العرب، متحدثا عن لغاتهم التي تجري مع القياس, والتي تشذ عنه في رأيه، مما جعله يرد بعضها أحيانا، كما رد بعض القراءات.
وليس معنى ذلك أنه لم يكن يتوسع في السماع من العرب، بل لقد كان يتوسع فيه إلى أقصى حد أمكنه، ملتمسا منه القياس، وخاصة إذا اتفق ذلك مع بعض آي الذكر الحكيم وبعض قراءاته.
وقد يمد القياس إلى أحكام لم ترد في القرآن ولا على ألسنة العرب, ونضرب بعض الأمثلة لما بسط فيه القياس, معتمدا على القرآن وقراءاته وأشعار الشعراء.
فمن ذلك أنه جوز إذا اجتمع شرط وقسم وتقدم القسم أن يكون الجواب للشرط، والبصريون يوجبون أن يكون الجواب للأول، ويتضح الخلاف في مثل: "لئن قمت أقوم معك", فالبصريون يحتِّمون أن تكون أقوم جوابا للقسم لوجود اللام الموطئة المؤذنة به وبذلك تكون مرفوعة، ويجوز الفراء أن تكون جوابا للشرط، فيقال: "لئن قمت أقم معك" بجزم المضارع في الجواب، واحتج لذلك بقول الأعشى:
لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا من دماء القوم ننتفل3
والبصريون يؤولون مثل ذلك بأن اللام زائدة4.
وقد وقف بإزاء الآية الكريمة:
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقال: إن الواو معناها السقوط, أي: زائدة في جواب إذا متابعا في ذلك الأخفش, ومثَّل لسقوطها في الجواب بآية الصافات: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ﴾ فإن ناديناه هي الجواب في رأيه، وكذلك بقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ مستدلا بآية مماثلة في نفس السورة, إذ حذفت فيها من نفس العبارة الواو، وتمثل بقول بعض الشعراء:
حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا1
وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب2
فإن "قلبتم" وهي الجواب زادت في أولها الواو. والبصريون يؤولون مثل ذلك بأن الجواب محذوف، والواو عاطفة الجملة المذكورة معها عليه3.
وجوز في الآية الكريمة: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أن يكون كل من الحرفين: اللام ومن وُضع في مكان صاحبه، على طريقة القلب المكاني، وقال: إن ذلك طريقة معروفة للعرب في تعبيرهم، واستشهد له بقول بعض الشعراء:
إن سراجا لكريم مفخره ... تحلى به العين إذا ما تجهره
قائلا: "العين لا تحلى, إنما يحلى بها سراج؛ لأنك تقول: حليتَ بعيني، ولا تقول: حليت عيني بك إلا في الشعر"4.
ووقف بإزاء قراءة الآية: "فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لَا تَخَفْ دركا ولا تخشى" ملاحظا أن الفعل الأخير في هذه القراءة: "ولا تخشى" معطوف على فعل مجزوم وأثبتت فيه الألف، ووجه ذلك بأنه قد يكون مستأنفا وقد يكون في موضع جزم وإن كانت فيه الياء, واحتج بأن العرب قد تصنع ذلك، موردا قول بعض بني عبس:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد5
فأثبتت الياء في "يأتيك" وهي في موضع جزم، وأورد في ذلك أيضا قول بعض الشعراء:
هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من سب زبان لم تهجو ولم تدع
إذ أثبت الواو في "تهجو" مع وجود لم الجازمة1.
وكان البصريون لا يجيزون أن تقع اللام المؤكدة في خبر لكن على نحو ما تقع في خبر إن، وجوز ذلك الفراء محتجا بقول بعض الشعراء:
ولكنني من حبها لكميد
واحتج البصريون بأن ذلك شاذ لا يعول عليه2.
واشترط البصريون لمجيء كان زائدة أن تكون بلفظ الماضي, وأن تتوسط بين مسند ومسند إليه مثل: "ما كان أجملَ هذا المنظر"، وجوز الفراء زيادتها بلفظ المضارع لقول بعض الشعراء:
أنت تكون ماجد نبيل
وجوز أيضا زيادتها في آخر الكلام قياسا على إلغاء ظن آخره، فتقول: "زيد مسافر كان" كما تقول: "زيد مسافر ظننت" ومنع ذلك البصريون لعدم وروده في السماع3.
ومر بنا في الفصل الخاص بالكسائي وتلاميذه أنه كان يُعْمل إن النافية عمل ليس لسماع ذلك عن بعض العرب, ولقراءة سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم" بتخفيف النون في إن ونصب عبادا ومنع ذلك الفراء محتجا بأنها من الحروف التي لا تختص، فالقياس فيها أن لا تعمل، وكأنه بذلك قدم القياس على السماع4.
وعلى نحو ما نرى في المثالين الآنفين كان تارة يبسط ظل القياس وتارة يقبضه, غير ملتفت إلى السماع. ومما بسطه فيه دون شاهد يسنده إضافة اسم الفاعل المحلى بالألف واللام إلى العلم قياسا على جواز إضافته إلى المعرف بالألف واللام، فتقول: الضارب زيدٍ كما تقول: الضارب الرجل5.
ومما قبضه فيه مع عدم أخذه بالسماع مجيء مرفوعين بعد كان، وجوز ذلك الجمهور على أن في كان ضمير
شأن محذوفا هو اسمها والجملة خبرها لمجيء ذلك كثيرا على لسان الشعراء, كقول بعضهم:
إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع1
وقد يقف لينص على أن العرب قد يغلطون، يقول تعليقا على قراءة الحسن البصري آية يونس: "وَلَا أَدْرَأْتُكُمْ بِهِ" في مكان القراءة المشهورة: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ بعد أن صحح قراءته: "وربما غلطت العرب في الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز، فيهمزون غير المهموز، سمعتُ امرأة من طيئ تقول: رثأت "أي: رثيت" زوجي بأبيات، ويقولون: لبَّأت "أي: لبيت" بالحج, وحلأت "أي: حليت" السويق، فيغلطون؛ لأن حلأت قد يقال في دفع العطاش من الإبل، ولبأت: ذهب إلى اللبأ "اللبن عقب الولادة" الذي يؤكل، ورثأت زوجي: ذهبت إلى رَثِيئة اللبن, وذلك إذا حلبت الحليب على الرائب"2.
ولعلنا بكل ما قدمنا نكون قد عرفنا موقف الفراء من كلام بعض العرب، فهو قد يخطئهم.
وقد يرد بعض ما سمعه منهم مؤمنا بأنه شاذ لا يقاس عليه ولا يصح طرده في العربية.
وإذن فما يتردد في بعض الكتابات من أن البصرة كان تخطئ العرب بينما كانت الكوفة تقبل كل ما يروى عنهم، حتى لربما بنت على الشاهد الواحد قاعدة غير صحيحة.
وهي حقا قد تتوسع في القياس على نحو ما رأينا عند الفراء أحيانا من بنائه قاعدة دخول اللام على خبر كأن لشاهد واحد سمعه.
ولكن ليس معنى ذلك أنها كانت تصنع ذلك بكل شاهد، بل لقد كانت تتكاثر الشواهد أحيانا، وترفض القاعدة والقياس على نحو ما رفض الفراء إمامها الحقيقي إعمال إن النافية.
وأدخل من ذلك في الغلط على الكوفة ونحاتها ما تحدثنا عنه في الفصل الخاص بنشأة نحوها مما يقال عنها من أنها تعتد بالقراءات، بينما كانت البصرة كثيرا ما تعدل عن هذا الاعتداد، وقد أوضحنا هناك خطأ هذا القول وأن سيبويه والخليل جميعا لم يردّا قراءة من القراءات وأن الأخفش احتج في غير موضع لبعض القراءات التي يظن أنها خارجة على
قياس النحو البصري، وصورنا ذلك من بعض الوجوه في حديثنا عنه، وأشرنا إلى أن الكسائي كان يرد بعض القراءات ولا يجوِّزها, وأن البصريين الذين خطئوا بعض القراءات إنما اقتدوا في ذلك بالفراء.
ومن يرجع إلى كتابه "معاني القرآن" يجد الآيات التي خطئوا القراء فيها قد سبقهم إلى تخطئة جمهورها الأكبر، فهو الذي فتح لهم هذا الباب على مصاريعه.
ونحن نسوق بعض ما قرأناه له من ذلك في الجزأين المطبوعين من الكتاب، ولا بد أن وراءه فيما لم ينشر منه مادة أخرى من هذه التخطئة.
وأول ما يلقانا به أنه سقطت في بعض المصاحف ألف الوصل والقطع من كلمة ﴿الْأَيْكَةِ﴾ فكتبوها هكذا: "لَيْكَة" يقول: والقراء يقرءونها على التمام أي: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ 1. وكأنه بذلك ينكر قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: "لَيْكَة" بفتح اللام وسكون الياء, وفتح التاء في آية الشعراء: "كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ الْمُرْسَلِينَ"2 وهم من أصحاب القراءات السبع المتواترة. ولا يلبث أن يقف عند قراءة حمزة بن حبيب الزيات، أستاذ الكسائي وأحد أصحاب هذه القراءات، للآية الكريمة: ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فقد قرأها "يُخَافَا" بالبناء للمجهول، وأثبت ذلك الفراء قائلا: "ولا يعجبني ذلك" واستشكل عليه بأنه يترتب على قراءته أن يكون الخوف قد وقع على ضمير الاثنين وعلى ﴿أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وكأن الفعل ليس له نائب فاعل واحد بل له نائبان، والنحويون يوجهون ذلك بأن عبارة ﴿أَلاَّ يُقِيمَا﴾ بدل اشتمال من ألف الاثنين3.
ووقف بإزاء قراءة عاصم -وهو من أصحاب القراءات السبع المتواترة- لكلمة "يُؤَدِّهْ" بسكون الهاء في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ وقال: إذا كان قد ظن هو ومن شاكله من القراء أن الجزم في الهاء، وإنما هو فيما قبل الهاء، فهذا وإن كان توهما، خطأ.
وكان حريا به أن لا يذكر هذا التوهم والخطأ؛ لأنه عاد فقال موجها للقراءة بأن من العرب من يجزم الهاء، أو بعبارة
أخرى: يسكنها، إذا تحرك ما قبلها فيقول: ضربته ضربا شديدا، وكان ينبغي أن يحمل القراءة على هذه اللغة مباشرة دون تشكيك فيمن قرءوا بها, وأنهم ربما توهموا خطأ أن الجزم على الهاء لا على ما قبلها1.
وقرأ القراء: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ برفع ﴿ثَمُودُ﴾ ونصبها، ووجه سيبويه النصب على أن أما أشبهت الفعل فثمود منصوبة بها، أما الرفع فعلى أنها مبتدأ. ورد الفراء قراءة النصب قائلا: "وجه الكلام في ثمود الرفع؛ لأن أما تحسن في الاسم ولا تكون في الفعل"2.
وكان حسبه أن يقول: قراءة الرفع أفصح. ووقف بإزاء الآية الكريمة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ وقال: نصب الأرحام يريد: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ثم ذكر قراءة إبراهيم النخعي لها -وكان يتابعه في ذلك حمزة- بالجر عطفا على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وقال: "في ذلك قبح؛ لأن العرب لا ترد "لا تعطف" مخفوضا على مخفوض, وقد كنيى عنه "أي: أضمر كالهاء في به" ... وإنما يجوز هذا في الشعر لضيقه"4.
وقد حمل صاحب الإنصاف البصريين مسئولية تضعيف هذه القراءة4, مع أن الفراء -كما رأينا- هو أول من ضعفها، وتبعه في ذلك المبرد5، فحمل ذلك النحاة على البصريين عامة، ومر بنا في ترجمة الأخفش أنه كان يصحح هذه القراءة مستمدا منها الحكم بجواز العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض. وعرض الفراء لقراءة "وعَبُدَ الطاغوت" بضم الباء، وقال: إن تكن فيه لغة مثل حَذِر بكسر الذال وحَذُر بضمها فهو وجه، وإلا فإنه أراد قول الشاعر:
أبني لبينى إن أمكم ... أمة وإن أباكم عبد
وهذا "أي: تحريك الحرف المتوسط بالضم" في الشعر يجوز لضرورة القوافي، فأما في القراءة فلا6.
وأنكر قراءة ابن عامر مقرئ أهل الشام للآية الكريمة: "وكذلك زُيِّنَ لكثير من المشركين قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ" بالفصل بين قتل3
وشركائهم بكلمة أولادهم, أو بعبارة أخرى: بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به. والنحاة لا يجوزون هذا الفصل بينهما إلا بالظرف والجار والمجرور، ومن هنا استشكل الفراء على القراءة، وحاول أن يجد لجر شركائهم وجها، فقال: "وفي بعض مصاحف أهل الشام: شركائهم بالياء, فإن تكن مثبتة عن "القراء" الأولين فينبغي أن يقرأ "زُيِّن" وتكون الشركاء هم الأولاد لأنهم منهم في النسب والميراث" يريد بذلك أن تقرأ كلمة "أولادهم" بالجر مضافة إلى قتل, وبذلك تكون كلمة "شركائهم" بدلا منها أو صفة. وكان الأخفش كما قدمنا في ترجمته يصحح هذه القراءة ويحتج لها بقول بعضهم فاصلا بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول:
فزججتها بمزجة ... زجَّ القلوصَ أبي مزاده
فقال رادا عليه في عنف: "وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر "وأنشد البيت" بشيء وهذا مما كان يقوله نحويو أهل الحجاز ولم نجد مثله في العربية"1.
وقال في موضع آخر: الصواب في البيت:
فزججتها متمكنا ... زج القلوصِ أبو مزاده2
ووهم صاحب الإنصاف، فحمّل البصريين مسئولية رفض هذه القراءة3، ولا نعلم بصريا معاصرا للفراء ولا سابقا له رفضها، بل لقد صححها الأخفش البصري معاصره كما قدمنا، واحتج لها من الشعر.
ومر بنا في ترجمة المازني أنه كان يرى أن تجمع معيشة على معايش بالياء؛ لأن حرف اللين فيها عين الكلمة وليس حرفا زائدا مثل ياء صحيفة التي تجمع على صحائف، وأنه لذلك أنكر قراءة نافع: "معائش" بالهمزة في قوله تعالى: "ولقد مكناكُمْ فِي الأرْضِ وَجعلنَا لَكم فِيهَا مَعَائِشَ قَلِيلا مَا تشكرون".
وهو في هذا الإنكار إنما كان يتابع الفراء فقد ذكر الآية ثم قال بعقبها: "معايش لا تهمز؛ لأنها -يعني الواحدة- مَفْعِلة، فالياء من الفعل، فلذلك لم تهمز، إنما يهمز من
هذا ما كانت الياء فيه زائدة مثل: مدينة ومدائن وقبيلة وقبائل". وهو بذلك يعد أول من أنكر قراءة نافع لمعايش مهموزة، وإن قال العرب: ربما همزت هذا وشبهه يتوهمون أنه على وزن فعيلة لشبهها بها في وزن اللفظ وعدة الحروف على نحو ما صنعوا في جمعهم لمصيبة على مصائب1.
ووقف بإزاء الآية الكريمة: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كفروا سبقوا إِنهم لا يعجزون" وقال: إن القراء قرءوها "تحسبن" بالتاء وقرأها حمزة: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء ولم يلبث أن ضعف قراءته قائلا: "ما أُحبها لشذوذها"2.
وعلق على الآية الكريمة: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ بقوله: "وقد قرأها الحسن البصري: "وَشُرَكَاؤُكُمْ" بالرفع، وإنما الشركاء ههنا آلهتهم, كأنه أراد: أجمعوا أنتم وشركاؤكم، ولست أشتهيه لخلافه للكتاب "يريد: كتابة المصحف" ولأن المعنى فيه ضعيف؛ لأن الآلهة لا تعمل ولا تجمع"3.
وتلا قوله جل وعز: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ثم قال قوله: ﴿يَعْقُوبَ﴾ يرفع وينصب أي: يجوز فيه الوجهان، ولم يلبث أن قال: إن حمزة كان يقرأ الكلمة بالخفض, يريد: ومن وراء إسحاق بيعقوب ولا يجوز الخفض إلا بإظهار الباء، وبذلك رد قراءته للكلمة مجرورة على نية إعادة الباء4.
ووقف بإزاء الآية الكريمة: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وذكر قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب ومن تبعهما مثل حمزة: "بِمُصْرِخِيِّ" بخفض الياء، وقال: "لعلها من وهم القراء طبقة يحيى, فإنه قل من سلم منهم من الوهم. ولعله ظن أن الباء في كلمة "بِمُصْرِخِيِّ" خافضة للحرف كله والياء من المتكلم خارجة من ذلك"5.
وتلا آية سورة الشعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ وقال: "جاء عن الحسن: "الشياطونَ" وكأنه من غلط الشيخ ظن أنه بمنزلة المسلمين والمسلمون"6, أي: إنه جمع تكسير لا جمع مذكر سالم؛ ولذلك لا يجوز فيه: "الشياطون" بالواو.
وهذه الحروف التي ردها الفراء إنما هي فيما نُشر من كتابه معاني القرآن،
وقد بقي منه نحو جزء لم ينشر، وأغلب الظن أنه ضمنه حروفا أخرى ردها على القراء منكرا لها, أو مقبحا, أو مضعفا. ولا نعلم بصريا جاء بعده ورد مثل هذا القدر من القراءات، بل لقد كان المازني والمبرد وأضرابهما ممن توقفوا بإزاء بعض القراءات متابعين له, مقتدين به. وبذلك يسقط جل ما نسبه صاحب الإنصاف إلى البصريين دون الكوفيين من إنكار بعض القراءات. وينبغي أن نعرف أن الفراء ومن تابعه من البصريين لم يكونوا يقصدون إلى الطعن على القراء من حيث هو، إنما كانوا يتثبتون ويتوقفون في مواضع التوقف حين يُعييهم أن يجدوا للقراءة الشاذة على عامة القراء ما يسندها من كلام العرب. وقد تمسكوا تمسكا شديدا بصورة كتابة المصحف، ولم يدلوا برأي يخالفها بوجه من الوجوه. ونرى الفراء نفسه يتوقف بإزاء الآية: "فما أتانِ الله" ويقول: إنه لم يثبت الياء في "أتاني" لأنها محذوفة من الكتاب. ويذكر أن بعض القراء كان يستجيز زيادة الياء والواو المحذوفتين في مثل الآية السابقة ومثل: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ فيثبت الياء في "أتاني" والواو في "يدعو" وليست في المصحف، ويقول: إنه لا يأخذ بذلك، بل يتقيد بالمصحف وكتابته المأثورة ما دام لذلك وجه من كلام العرب، وما دام هو الذي قرأ به القراء، ولا يلبث أن يقول: "كان أبو عمرو يقرأ: "إن هذين لساحران" أي: بدلا من القراءة العامة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ولست أجترئ على ذلك وقرأ: "فأصَّدق وأكونَ" "أي: بدلا من القراءة العامة: ﴿وَأَكُنْ﴾ " فزاد واوا في الكتاب ولست أستحب ذلك"1.
ولعل في هذا ما يشهد شهادة قاطعة بأنه وأمثاله ممن كانوا يردون بعض القراءات التي لا تعدو حروفا معدودة لم يكن دافعهم إلى ذلك الطعن والتنقص، إنما كان دافعهم الرغبة الشديدة في التحري والتثبت.
الفصل الرابع:
ثعلب
وأصحابه
1- ثعلب:
هو أبو العباس أحمد1 بن يحيى، كان أبوه من موالي بني شيبان، ويغلب أن يكون فارسي الأصل، ولد ببغداد سنة 200 للهجرة، وألحقه أبوه منذ نعومة أظفاره بكتاب تعلم فيه الكتابة، وحفظ القرآن الكريم وشدا بعض الأشعار، وما كاد يخطو على عتبة سنته التاسعة حتى أخذ يختلف إلى حلقات العلماء، وخاصة علماء اللغة والعربية، حتى إذا اشتد عوده أخذ نفسه بجهد صارم في التزود باللغة والنحو، أما النحو فلزم فيه حلقات تلامذة الفراء: أبي عبد الله الطوال ومحمد بن قادم وسلمة بن عاصم، وعكف على حلقة الأخير حيث كان يملي على الطلاب كتب الفراء، وكان يؤديها أداء بارعا.
وعليه ابتدأ النظر في حدود الفراء، وهو في السادسة عشرة من عمره، وما إن بلغ الخامسة والعشرين حتى كان قد حفظ كل ما للفراء من كتب.
وأما اللغة فلزم فيها حلقات ابن الأعرابي بضع عشرة سنة.
ولم يلحق الأصمعي وأبا عبيدة وأبا زيد، وإنما لحق تلاميذهم، وأخذ عنهم مادة علمهم اللغوي، أما الأصمعي فأخذ كتبه عن تلميذه أبي نصر أحمد بن حاتم، وأخذ كتب أبي عبيدة عن تلميذه الأثرم وكتب أبي زيد عن تلميذه ابن نجدة، كما أخذ كتب أبي عمرو الشيباني عن ابنه عمرو.
ورأى أن يضم إلى ذلك زادا من القراءات والحديث النبوي والفقه والشعر والأخبار، ووجد عند أستاذه سلمة عتادا من قراءات القراء، وصله بما ثقفه من حلقات القراء الآخرين وما قرأه عند الفراء، مما أتاح له أن يصنف في القراءات كتابا، وأن يكون صاحب قراءة يحملها عنه بعض تلاميذه, وفي مقدمتهم أبو بكر بن مجاهد.
واختلف إلى حلقات المحدثين، وخاصة عبيد الله بن عمر القواريري، وفي بعض الروايات عنه أنه سمع منه مائة ألف حديث.
وطبيعي أن يختلف إلى حلقات أحمد بن حنبل أكبر المحدثين والفقهاء في عصره، ويظهر أنه حمل عنه مذهبه الفقهي، إذ نجد أصحاب كتب التراجم للحنابلة تسلكه بينهم.
وثقف كثيرا عن رواة الأخبار والأشعار، وفي مقدمتهم عمر بن شبة ومحمد بن سلام الجمحي صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء، والزبير بن بكار الراوية الأخباري.
وبجانب هذه المادة الغزيرة التي رواها شفاها نجده يعكف على قراءة كتاب سيبويه وكتب الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة.
وتتردد قراءته للكتاب في ترجمته ويقال: إنه لم يقرأه على العلماء وإنما قرأه بنفسه، وفي أخباره أنه طلب من أبي حاتم السجستاني أن ينسخ له كتاب المسائل للأخفش فلبى طلبه.
وفي محاورة بينه وبين الرياشي لسنة 230 للهجرة ما يدل دلالة واضحة أنه كان قد حذق النحو الكوفي والبصري جميعا.
ويقول ياقوت: إنه كان متبحرا في مذهب البصريين غير أنه لم يكن مستخرجا للقياس ولا طالبا له.
وقد بدأ تصنيف الكتب وسنه لا تتجاوز الثالثة والعشرين، وسرعان ما أخذ يلقي محاضراته على الطلاب، وهو في الخامسة والعشرين، وظل أكثر من ستين عاما يملي عليهم، وهم يقصدونه من كل صوب؛ لما أتقنه من المعرفة بالغريب ورواية الشعر ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين، بل لقد أصبح إمام هذا النحو وعَلَمه المفرد في عصره.
وكان طوال حياته في بحبوحة من العيش، إذ أخذ يرعاه بعض ذوي الجاه والثراء -كما حدث عن نفسه- منذ سنة 223 للهجرة، وممن تولاه برعايته محمد بن عبد الله بن طاهر صاحب شرطة بغداد, وقد اتخذه مؤدبا لابنه طاهر، وظل
يرعاه إلى أن توفي، ولم يلبث الموفق أخو الخليفة المعتمد الذي كان يطلق يده في أموال الدولة يدبرها حسب مشيئته أن جعل له راتبا سَنِيا.
وكان ثعلب مقترا على نفسه مما جعله يتوفى لسنة 291 عن ثروة كبيرة.
وقد صنف مؤلفات كثيرة في النحو واللغة والقراءات والأمثال، سقط معظمها من يد الزمن، ولم يصلنا منها إلا كتابه "المجالس" وهو كتاب نفيس لما يشتمل عليه من النحو واللغة والأخبار ومعاني القرآن والأشعار الغريبة والشاذة والأمثال والأقوال المأثورة، وكتابه الفصيح وقد طُبع مع شرح للهروي وهو كتاب أراد به تقويم ألسنة المبتدئين على نحو ما أراد الفراء بكتابه "البهاء فيما تلحن فيه العامة".
ويقول ابن خلكان: إنه ليس فيه زيادات على كتاب الفراء إلا أشياء يسيرة، ثم كتابه قواعد الشعر وهو رسالة قصيرة يقسم الشعر فيها إلى: أمر ونهي وخبر واستخبار، ويتحدث حديثا قصيرا عن أغراضه ويسلك بينها التشبيه، وعن بعض ما يجري فيه من الصور البيانية والبديعية.
ويقول القدماء: إنه صنع طائفة من دواوين الشعراء الجاهليين والإسلاميين بينهم الأعشى والنابغتان وطفيل والطرماح، وقد نشرت له دار الكتب المصرية شرحه لديوان زهير الشاعر الجاهلي المشهور.
وإذا أخذنا نستعرض مجالسه وما نسبته كتب النحو له من آراء, وجدناه مطبقا تطبيقا واسعا لآراء الفراء والكسائي وما نهجاه لمدرستهما من أصول وما دار على لسانيهما من مصطلحات وما أخذا به أنفسهما من السماع عن العرب والتوسع في روايته, واستمداد الآراء النحوية منه.
ونبدأ باستعراض المصطلحات الكوفية عنده، فمن ذلك التقريب، وهو اسم الإشارة حين يليه مرفوع ومنصوب، فقد كانوا يشبهونه بكان الناقصة، ومعروف أنهم كانوا يعربون خبرها حالا كما مر بنا عند الفراء.
ونرى ثعلبا يقول: "هذا تكون مثالا "وهي التي لا يليها مرفوع ومنصوب" وتكون تقريبا، فإذا كانت مثالا قلت: هذا زيد ... وإذا قلت: هذا كزيد قائما فهو حال, كأنك قلت: هذا زيد قائما ولكنك قد قرَّبته,
والتقريب مثل كان"1 ويقول في موضع آخر من مجالسه: "تقول: هذا الخليفة قائما، والخليفة قائم، فتدخل "هذا" وتخرجه فيكون المعنى واحدا، وكلما رأيت إدخال "هذا" وإخراجه واحدا فهو تقريب مثل قولهم: من كان من الناس سعيدا فهذا الصياد شقيا، وهو قولك: فالصياد شقي، فتسقط هذا وهو بمعناه"2.
وواضح أنه يشير بذلك إلى أن دخول اسم الإشارة على عبارة "الصياد شقي" يشبه تماما دخول كان.
وكان يسمي اسم الفاعل بالفعل الدائم، يقول: "ولا تجيء عسى إلا مع مستقبل, ولا تجيء مع ماض ولا دائم ولا صفة"3.
ويقول ابن كيسان: قال لي ثعلب: "كيف تقول: مررت برجل قائم أبوه؟ فأجبته بخفض قائم ورفع الأب، فقال لي: بأي شيء ترفعه؟ فقلت: بقائم، فقال: أوليس هو عندكم "يشير إلى أنه بصري المنزع" اسما, وتعيبوننا بتسميته فعلا دائما؟ "4 وكأنه يريد أن يذكر علة تسميتهم له بفعل دائم، إذ يعمل في الأسماء كما تعمل الأفعال.
وكان يصطلح على تسمية الضمير باسم المكنى والكناية، يقول: "الأعداد لا يكنى عنها ثانية فلا أقول: عندي الخمسة الدراهم والستتها, وأقول: عندي الحسن الوجه الجميله فأكني عنه"5.
وكان يتوسع مثل الفراء فيطلق اسم العماد لا على ضمير الفصل في مثل: محمد هو الشاعر, وإن محمدا هو الكاتب, بل أيضا على ضمير الشأن، في مثل: "إنه قام زيد" و"إنه قامت هند"6.
وأكثر في مجالسه من تسمية النفي باسم الجحد، من مثل قوله: "كل استفهام يكون معه الجحد يجاب المتكلم به ببلى ولا، وكل استفهام لا جحد معه فالجواب فيه نعم، وإنما كُره أن يجاب ما فيه جحد بنعم لئلا يكون إقرارا بالجحد من المتكلم"7, وهو يريد أن يقول: إنك تجيب على مثل: أمعك كتاب؟ بنعم أي:
إنه معك، وأنت حينئذ تقر بطرح الاستفهام وحده، وتجيب على مثل: أليس معك كتاب؟ ببلى, أي: إنه معك كتاب وكأنها خُصصت للرجوع عن الجحد، ولو أنك قلت: نعم في هذه الحالة لكان معنى ذلك أنه ليس معك كتاب؛ لأن نعم تفيد الإقرار في الجواب بما بعد الاستفهام وبعده الجحود, وهو عكس الجواب, وقد سمى لا النافية للجنس باسم التبرئة مرارا1.
وكان يكثر من تسمية الجر باسم الخفض مقتديا بالفراء، وكان يطلق الخفض أيضا على الكسر الذي يقع في آخر الأفعال المجزومة عندما تتحرك لالتقاء الساكنين في مثل: لم يذهب الرجل2.
ودارت على لسانه كلمتا ما يجري, وما لا يجري في مقابل كلمتي مصروف, وممنوع من الصرف3.
وتوسع في اصطلاح الصفة الذي مر بنا عند الفراء, فقد كان يطلقها على الظرف، وكان يسميه الفراء المحل بينما كان يجعل الصفة خاصة بالجار والمجرور، أما ثعلب فكان يطلقها عليهما، يقول في تعليقه على الآية الكريمة: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ : "وقعت الصفة في موضع الفعل"4 يريد: وقع الجار والمجرور متقدما على الخبر, ويقول: "وإذا أفردوا الصفة رفع "مثل": زيد خلف، وزيد قدام، وزيد فوق"5 وكلها ظروف.
وكان يسمي التمييز باسم التفسير6، وسمى البدل ترجمة، يقول تعليقا على الآية الكريمة: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ : " ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مرافع "خبر" ﴿فَذَلِكَ﴾ ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ترجمة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ "7, وسمى الصفة نعتا8.
ولعل في هذا كله ما يصور مدى استخدامه للمصطلحات التي وضعها الفراء، وإن كنا نلاحظ أنه لم يأخذ بوجهة نظره في أن المضارع المنصوب بعد الواو والفاء وأو نُصب بالصرف أو الخلاف، فقد كان يذهب إلى أنها جميعا تنصب المضارع لدلالتها على شرط؛ لأن معنى مثل: "هلا تزورني فأحدثك": إن تزرني أحدثك، فلما نابت عن
الشرط ضارعت كي، فلزمت المستقبل وعملت عملها1.
وواضح ما في هذا الرأي من ضعف في التعليل، وعقله من هذه الناحية لم يكن مثل عقل الفراء والكسائي، فقد كان يهبط عنهما درجات، ويتضح ذلك في كثير من آرائه وتعليلاته، كرأيه في أن المضارع مرفوع بنفس المضارعة2 وكأنه مرفوع بنفسه. ومر أن سيبويه كان يذهب إلى أن الألف والواو والياء في المثنى وجمع المذكر السالم هي حروف الإعراب نابت عن حركات الرفع والنصب والجر, وأن الأخفش ذهب إلى أن إعرابهما إنما هو بحركات مقدرة على ما قبل هذه الحروف، وذهب الجرمي إلى أن انقلاب الألف في المثنى والواو في الجمع ياء مع النصب والجر هو الإعراب, أما ثعلب فذهب إلى أن الألف في المثنى بدل من ضمتي زيد وزيد, وأن الواو بدل من الضمات الثلاث في زيد وزيد وزيد وهو توجيه بعيد. ولاحظ الزجاجي ما فيه من بعد، فقال معترضا عليه: "يلزم ثعلبا أن يقال له: كيف صارت الألف بدلا من ضمتين وليست الضمة من حيز الألف ولا تجانسها؟ وإذا كانت الواو في الزيدون بدلا من ثلاث ضمات، فكيف يجمع إذا جمع مائة نفس؟ هل تصير عنده بدلا من مائة ضمة؟ وكذلك إلى ما زاد"3.
وكان الكسائي والفراء وهشام يقولون: "الاسم أخف من الفعل؛ لأن الاسم يستتر في الفعل، والفعل لا يستتر في الاسم" وحاول أن يأتي بعلة أخرى لهذه الخفة، فقال: "الأسماء أخف من الأفعال؛ لأن الأسماء جوامد لا تتصرف والأفعال تتصرف, فهي أثقل منها"4.
ومعروف أن من الأسماء ما يتصرف وهو المشتقات، ونفس التعليل ليس متجها؛ لأن المعقول أن يكون المتصرف أخف، ولذلك تصرف وتحرك في صور مختلفة.
وكان القدماء يلاحظون هذا الجانب فيه وأن تعليلاته ضعيفة، مع تمثله الواسع للنحو الكوفي, ومع روايته الضخمة للغة وشوارد صيغها وألفاظها، فقالوا عنه: إنه كان يقول: "قال الفراء: وقال الكسائي: فإذا سُئل عن الحجة والحقيقة لم يأت بشيء"5.
غير أن ضعف الحجة عند ثعلب ينبغي أن لا يستر عنا قيمته الحقيقية في تاريخ النحو الكوفي، فقد شهد له القدماء بأنه كان من معرفته ومعرفة آراء إماميه الكسائي والفراء على ما ليس عليه أحد لا من معاصريه ولا ممن خلفهم، وقد مضى في إثرهما يستخدم المصطلحات التي جرت على ألسنتهما، واضعا السماع نصب عينه، فهو الحجة القاطعة والبرهان الناصع على القاعدة النحوية، ونراه يعتد -اعتدادهما- بأشعار وأقوال الفصحاء المتحضرين, مضيفا إلى ذلك مادة لا تكاد تنفد من أشعار الجاهليين والإسلاميين والبدو المعاصرين، ومستعينا بما رواه الكسائي والفراء في كتبهما من تلك المادة, وقد ظل أحقابا متطاولة يدرسها لطلابه، وكأنهما كانا علمين منصوبين أمامه، لا بآرائهما النحوية فقط بل أيضا بكل ما أنشداه من نوادر الأشعار.
ووجدهما لا يعتمدان على الحديث النبوي في النحو واللغة، فتبعهما في ذلك، كما تبعهما في الاستشهاد بالقراءات، ولكنه لم يتوقف عند حروف منها على نحو ما توقف الشيخان، وكأنه كان يجد في ذلك حرجا، ولعل ذلك ما جعله يقول: "إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضل إعرابا على إعراب، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى"1.
ومر بنا أن الفراء كان ينكر قراءة ابن عامر: "وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائهم" بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وأنكر معها البيت الذي استشهد به الأخفش واتهمه، أما ثعلب فوثقه وأنشده في مجالسه2، وبذلك وجه الكوفيين إلى اعتماد مثل ذلك في تصاريف العبارات3.
وقد أخذ نفسه بدعم آراء الكسائي والفراء, مستشهدا بما استشهدا به من أشعار ومضيفا إليها عَتَادا جديدا، خاصة إذا تناولت مسألة من المسائل التي اختلفا فيها مع البصريين، من ذلك ما كان يجيزه الكسائي من حذف لام الأمر في المضارع وبقاء جزمه مع تقدم قُلْ، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: ليقيموها، وكان المبرد يذهب إلى أنه لا يصح حذف
هذه اللام حتى في الشعر، مخالفا في ذلك الكسائي وسيبويه1 والفراء، ونرى ثعلبا يستشهد لذلك ببيتين استشهد بهما من قبله الفراء، وهما قول أحد الشعراء:
فلا تستطلْ مني بقائي ومدتي ... ولكن يكنْ للخير فيك نصيب
بجزم يكنْ، وقول الآخر:
فقلت ادعي وأدعُ فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
بجزم أدعُ وحذف حرف العلة2.
ومن ذلك أن الكسائي والفراء جعلا من نواصب المضارع "كما" بشرط أن لا يُفصَل بينها وبينه بفاصل، ونرى ثعلبا يستشهد على إعمالها بقول عمر بن أبي ربيعة:
وطرفك إما جئتنا فاحفظنَّه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تصرف
بينما يستشهد على إلغائها؛ لوجود فاصل بينها وبين الفعل بقول عدي بن زيد:
اسمع حديثا كما يومًا تحدثُه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
وقد عقب على البيتين بقوله: "زعم أصحابنا أن "كما" تنصب، فإذا حِيل بينها رفعت"3.
والبصريون يذهبون إلى أن "كما" في بيت ابن أبي ربيعة أصلها: "كيما" فحُذفت الياء ضرورة، وقالوا في البيت رواية ثانية هي: "لكي يحسبوا"4.
وكان الكسائي يذهب إلى عمل أن النصب في المضارع مع حذفها، وخرّج على ذلك حذف النون من المضارع في قراءة من قرأ الآية: "وإذ أخذنا ميثَاق بني إسْرائِيل لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه" بحذف النون في "لا تعبدوا" وقال: أصلها بأن لا تعبدوا، حذفت الباء وأن5.
وقد حكى ثعلب ذلك عن العرب في مثل قولهم: "خذ اللص قبل يأخذَكَ" بنصب المضارع، واستشهد له بقول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضرَ الوغى ... وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي؟
بنصب أحضر وحذف أن، وإن كان جعل ذلك شاذا وقال: إن القياس الرفع1.
وقد تابع غيره من الكوفيين الكسائي وجعلوا ذلك قياسا مطردا2.
وكان الفراء يذهب إلى أنه يجوز في أن الناصبة للمضارع أن لا تعمل فيه النصب وأن يرفع بعدها على أن تكون مخففة من أنّ الثقيلة، وبذلك وجه قراءة: "وحسبوا أن لا تكونُ فتنة" برفع تكون، وقول الشاعر:
إذا مت فادفنِّي إلى جنب كَرْمة ... تروِّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننِّي في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقُها
برفع أذوقها3.
وتبعه ثعلب في أنها حينئذ لا تعمل النصب، بل اتسع بذلك وقال: إنها تهمل أحيانا ولا تكون مخففة من الثقيلة، بل تكون مثل ما المصدرية التي تؤول مع الفعل بمصدر دون أن تعمل فيه، ومثل لذلك بقول بعض الشعراء:
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلامَ وأن لا تخبرا أحدا4
وكان الكسائي والفراء يذهبان -كما أسلفنا- إلى أن أسماء المبالغة مثل فَعّال وفَعُول لا تعمل النصب فيما بعدها لضعفها, مخالفين بذلك سيبويه والبصريين، ويقول ثعلب: ""أنت زيدًا ضروبٌ" يأباه أصحابنا لأنه لا يتصرف، ومثله مضراب وضرّاب أيضا وأهل البصرة يجيزونه"5.
وذهب الكسائي والفراء جميعا إلى جواز إبطال عمل إنّ إذا بعد عنها اسمها، ونرى ثعلبا ينشد قول بدوية:
فليت ابن جَوَّابٍ من الناس حظنا ... وأن لنا في النار بَعْدُ خلود
ويقول بعقبه:
وأن لنا في النار بعد خلود
رفع على الاستئناف، وحكى
الكسائي والفراء جميعا: "إن فيك زيد راغب" وقالا: بطلت إنّ لما تباعدت"1.
وكان الكسائي يذهب إلى أن إلا في مثل: "ما قام القوم إلا زيد" برفع زيد حرف عطف، وكأن زيدا في حقيقته فاعل لقام، وكأن إلا بمنزلة لا العاطفة في أن ما بعدها مخالف لما قبلها مثل: قام محمد لا علي. وقد توقف الفراء بإزاء قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ، وقال: "إن بعض النحويين "يريد الكسائي" ذهب إلى أن "إلا في هذا الموضع بمنزلة الواو كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة ولا للذين ظلموا، وهذا صواب في التفسير خطأ في العربية, إنما تكون إلا بمنزلة الواو إذا عطفتها على استثناء قبلها فهنالك تصير بمنزلة الواو كقولك: لي على فلان ألف إلا عشرة إلا مائة، تريد إلا الثانية أن ترجع على الألف، كأنك أغفلت المائة فاستدركتها؛ فقلت: اللهم إلا مائة، فالمعنى: له عليّ ألف ومائة، وأن تقول: ذهب الناس إلا أخاك، اللهم إلا أباك، فتستثني الثاني، تريد: إلا أباك وإلا أخاك"2.
وعرض ثعلب رأي الفراء والكسائي دون أن يفضل أحد الرأيين، يقول: ومن التشبيه أيضا أن توضع ألا في موضع واو العطف كما في هذا البيت:
أتيت بعبد الله في القد موثقا ... فألا سعيدًا ذا الخيانة والغدر
فقد اتفق الكسائي والفراء في نصب "سعيدا" أنه مفعول لفعل محذوف مثل أتيت، ثم اختلفا في جره فاستحسنه الكسائي وضعفه الفراء، قال ثعلب: "ومن خفض "يريد الكسائي" شبه ألا بالنسق والفراء يستقبحه ويجيزه فيعطف "سعيدا" على عبد الله في أول الكلام. ولعل وجه قبح العطف عند الفراء أنه قد فُصل بين المعطوف والمعطوف عليه"3.
ويصرح الرضي بأن ثعلبا لم يكن يجيز أن تعرب "زيد" في مثل: "ما قام القوم إلا زيد" بدلا كما يعربها البصريون, إذ كان يأخذ برأي الكسائي في أنها في مثل هذا التعبير حرف عطف مثل لا4.
ونراه يقف في صف الكسائي ضد الفراء في جواز حذف الفعل مع الوقت حين يكون قريبا، يقول: "وحكى الكسائي: نزلنا المنزل الذي البارحة والمنزل الذي اليوم والمنزل الذي أمس، فيقولون في كل وقت شاهدوه من قرب ويحذفون الفعل معه، كأنهم يقولون: نزلنا المنزل الذي نزلنا أمس، والذي نزلناه اليوم، اكتفوا بالوقت من الفعل, إذ كان الوقت يدل على الفعل، وهو قريب، ولا يقولون: الذي يوم الخميس ولا الذي يوم الجمعة، وكذا يقولون: لا كاليوم رجلا "بتقدير: لقينا رجلا" ولا كالعشية رجلا ولا كالساعة رجلا، فيحذفون مع الأوقات التي هم فيها، وأباه الفراء مع العلم وهو جائز ... وكل ما كان فيه الوقت فجائز أن يحذف الفعل معه؛ لأن الوقت القريب يدل على فعل لقربه" ومَثَّل ثعلب لذلك من الشعر بقول جرير:
يا صاحبيّ دنا الصباح فسيرا ... لا كالعشية زائرا ومزورا
أي: لا أرى كالعشية زائرا ومزورا1.
على أن وقوف ثعلب مع الكسائي في هذه المسألة لا يعني أنه لم يكن يعتمد على الفراء كل الاعتماد، فقد رأيناه يستظهر جملة المصطلحات النحوية التي وضعها لنحاة الكوفة.
ولا أبالغ إذا قلت: إن ثعلبا لم يترك بيتا شاذا في معاني القرآن للفراء إلا أنشده في كتبه، ونفس مجالسه تغص بالأبيات التي اقتبسها من هذا الكتاب.
وهو يبدو في كثير من كتاباته كأنه شارح لما أجمله الفراء من آراء نحوية، ونضرب لذلك مثلا: أننا نجد الفراء في الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ يدلي برأيين: أن تكون ﴿مَاذَا﴾ كلمة واحدة بمعنى: أي شيء وهي لذلك تكون مفعولا به لـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ؛ لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إذ له الصدارة وإنما يعمل فيه ما بعده، أو تكون ذا بمعنى الذي, أي: ما الذي ينفقون؟ وإذن تكون خبرا لما و ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلتها، ويسند هذا الرأي بأن العرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: "ومن ذا يقول ذاك؟ " في معنى "من الذي يقول ذاك؟ ". ثم يقف عند ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيقول: "وجه الكلام فيه النصب،
يريد: قل ينفقون العفو"1.
وكأنه أبطل أن تكون "ماذا" مبتدأ وخبرا؛ لأنه على تقدير معناها: "ما الذي ينفقون؟ " تكون الإجابة: الذي ينفقون العفو، وتكون العفو خبرا لمبتدأ محذوف. ويوضح ذلك ثعلب، فيقول: "وإنما اختار الفراء النصب؛ لأن معنى ماذا عندنا "أي: عند الكوفيين" حرف "أي: لفظ" واحد كثر في الكلام، فكأنه قال: ما ينفقون؟ فلذلك اختير النصب، ومن جعل ذا بمعنى الذي رفع"2.
ودائما نحس أنه يجري على ما أنهجه الفراء؛ ولذلك كان اسمه يتردد في مجالسه متخذا منه أدلته على ما يذهب إليه من آراء، من ذلك أن سيبويه والبصريين كانوا يذهبون إلى أن "أي" تكون دائما وصلة لنداء ما فيه أل مثل: يا أيها الرجل، ورد ثعلب عليهم هذا الرأي مستدلا بما قاله الفراء من أن "الدليل على أنه ليس كما قالوا أنه يقال: "يا أيهذا أقبلْ" فيسقط الثاني "أي: ما فيه أل مثل الرجل" الذي زُعم أنه وصف لازم"3.
وكان الفراء يذهب -كما مر بنا في الفصل السابق- إلى أن نعم وبئس اسمان, مخالفا بذلك البصريين والكسائي، وتبعه ثعلب محتجا بما نقل عن العرب من دخول حرف الخفض عليها، إذ بُشِّر أعرابي بمولودة فقال: والله ما هي بنعم المولودة، يقول ثعلب: فأدخلوا على نعم وبئس حرف الخفض، ودخول حرف الخفض يدل على أنهما اسمان؛ لأن حروف الخفض لا تدخل إلا على الأسماء4.
وقد يذهب ثعلب إلى بعض الآراء التي يظن أنها من اجتهاده، وهي في الواقع مستمدة من كلام الفراء، من ذلك ما يتردد في كتب النحاة من أنه كان يقول بأن اللام الناصبة للمضارع إنما تنصبه لقيامها مقام أن الناصبة له، أو بعبارة أخرى: لنيابتها عن أن5، بينما كان الفراء يذهب إلى أن اللام تنصب المضارع بنفسها لا بأن مضمرة كما ذهب البصريون، وثعلب في الواقع إنما استمد رأيه من قول الفراء, تعليقا على قوله تعالى: {يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} ، وقال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ والعرب تجعل اللام على معنى كي في موضع أن في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب وأردت لتذهب, وأمرتك أن تقوم وأمرتك لتقوم"1.
وقال في موضع آخر تعقيبا على قوله عز شأنه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ : "هو في معنى: ما كان هذا القرآن ليفترى, ومثله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: ما كان ينبغي لهم أن ينفروا"2.
وليس معنى ذلك أنه لم يكن يعدو آراء الفراء والكسائي وما فهمه من كتاباتهما، فقد كان يجتهد أحيانا. ومر بنا أنه لم يكن يأخذ برأي الفراء في أن المضارع يُنصَب بعد واو المعية وفاء السببية وأو التي بمعنى حتى أو إلى على الصرف، إنما ينصب لما يداخل هذه الحروف من معنى الشرط، وكأنه لم يكن يعجب بفكرة الصرف التي كان يذهب إليها الفراء, وكذلك لم يكن يعجب بفكرته في أن الظرف حين يقع خبرا في مثل: محمد عندك منصوب على الخلاف، وأراد أن يتوسط بينه وبين البصريين الذين يذهبون إلى أن مثل عندك السالفة ينصب بفعل مقدر، تقديره: استقر، أو بتقدير اسم فاعل تقديره: مستقر، فذهب إلى أن مثل عندك ينصب بفعل مقدر ولكنه غير مطلوب، فقد اكتُفي بالظرف عنه، فبقي منصوبا على ما كان عليه من الفعل3.
ومن اجتهاداته إضافته على أخوات كاد فعلي نشب4 وقام5، بينما ذهب إلى أن عسى حرف وليست فعلا6، وكان يذهب إلى أن لفظة الاسم مشتقة من الوسم؛ ولذلك كان يقول: "الاسم سمة توضع على الشيء يعرف بها" وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو7.
وربما اختار بعض آراء البصريين وآثرها على بعض آراء مدرسته، فقد كان يذهب مذهبهم في أن إذن يجوز إلغاؤها ورفع المضارع بعدها مع اجتماع الشروط الموجبة للنصب8، وكان يقف مع البصريين في تجويزهم
مثل: "ما طعامَك أكل إلا زيد" بينما كان الكسائي يمنع مثل هذا التعبير؛ لتقدم المفعول به، بينما الفاعل محذوف، إذ كان لا يعرب "زيد" فاعلا كما يعربه البصريون؛ ولذلك كان يأبى مثل هذه الصيغة1.
ولعل في كل ما قدمنا ما يوضح منزلة ثعلب في النحو الكوفي، فقد مضى يطبقه ويصدر عنه في كل ملاحظاته النحوية إلا أشياء طفيفة أداه إليها اجتهاده, وكأنما كان يحمل راية هذا النحو في عصره، مستقصيا استقصاء دقيقا لكل ما قاله إماماه: الكسائي والفراء وكل ما أنشداه من أشعار مع الدفاع الشديد عنهما أمام البصريين دفاعا أساسه الاحتكام إلى السماع والرواية والإحاطة بالشاذ والنادر من اللغة وتصاريفها على ألسنة العرب.
2-