الإيضاح العضديباب المصادر التي أعملت عمل الفعل

باب المصادر التي أعملت عمل الفعل

المصادر التي تعمل عمل الفعل على ثلاثة أضرب.
أحدها أن تنون والآخر أن تضاف.
والثالث أن تدخل عليه الألف واللام.
فمثال ما أعمل من المصادر وهو منون قولهم: أعجبني ضرب زيد عمراً وإن شئت: ضرب عمراً زيد فزيد يرتفع بالمصدر كما يرتفع بالفعل إذا قلت: ضرب زيد عمراً، وينتصب به أيضا، ومما جاء من ذلك في القرآن قوله عز وجل: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا﴾ وقوله: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما﴾ ويمكن أن يكون من هذا قوله عز وجل: {قد أنزل

الله إليكم ذكرا رسولا} كأنه قال: لا يملك أن يرزق شيئا أو أن أطعم يتيماً وأن ذكر رسولا.
ومما جاء في الشعر من ذلك قوله: (فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد) ولو قلت: أعجبني ضرب زيد عمراً اليوم عند زيد فجعلت الظرفين متعلقين بالمصدر لم يحز أن تقدمهما عليه.
ولو جعلت اليوم متعلقا بأعجبني كأنك أردت أن الإعجاب كان [في] اليوم و [جعلت] قولك: عند زيد من صلة المصدر لم يجز لأنك فصلت بين الصلة والموصول

بشيء أجنبي [ليس] منهما.
وذلك أن اليوم إذا كان من صلة أعجبني فلا ملابسة له بصلة المصدر.
فإن جعلت ظرف المكان وهو قولك: عند زيد من صلة المصدر فقدمته فقلت: أعجبني ضرب زيد عمرا عند زيد اليوم جاز.
وإن جعلته متعلقا بأعجبني مع اليوم جاز أيضا ولم يمتنع ان تقدمه على ضرب فتقول: أعجبني عند زيد ضرب زيدا عمرا واليوم ويجوز أيضا ان تقدمه على أعجبني فتقول: عند زيد أعجبني ضرب زيد عمراً اليوم.
ومثال ما أعمل من المصادر عمل الفعل وهو مضاف قولك: ضربي زيداً حسن، وسرني ضرب عمرو خالداً فما أضفت إليه المصدر من الفاعل والمفعول انجر بالإضافة إليه وجرى الاسم الآخر على أصله تقول: أعجبني ضرب عمرو خالدا إذا كان عمرو فاعلا وضرب عمر وخالد إذا كان عمرو مفعولا.
فمن إضافته إلى الفاعل قوله عز وجل: ﴿ولولا دفع الله الناس﴾ ومن إضافته إلى المفعول من غير أن يذكر معه الفاعل قوله تعالى: ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾ وقوله

تعالى: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ ومما جاء من إضافته إلى المفعول ومعه الفاعل في الشعر قوله: (أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشؤون وكيف) وإذا أضفته إلى المفعول جاز أن تنصب المعطوف عليه وتحمله على المعنى، كما قلت في اسم الفاعل: هذا ضارب زيد وعمراً، وعلى هذا قوله:

قد كنت داينت بها حسانا مخافة الإفلاس والليانا [يحسن بيع الأصل والقيانا] ويجوز على هذا: أعجبني ضرب زيد وعمرو، فترفع عمراً بحمله على المعنى إذا كان زيد فاعلا لأن موضعه إذا كان فاعلا رفع، وعلى هذا حمل وصفه على الموضع في قوله: طلب المعقب حقه المظلوم فالمعقب في المعنى فاعل.

ومثال ما أعمل من المصادر وفيه الألف واللام قولك: أعجبني الضرب زيدا عمرا، والشتم بكر خالدا قبيح, ومما جاء في الشعر من هذا قوله: (ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل) فهذا بمنزلة قولك: أن شتم بكر خالدا قبيح.
وأقيس الوجوه الثلاثة في الإعمال الأول ثم المضاف.
ولم أعلم شيئا من المصادر بالألف واللام معملا في التنزيل.
ومن قال: عجبت من ضرب زيد عمرا، فأضاف المصدر إلى الفاعل لم يقل هذا اسم الفاعل [فتقول: عجبت من ضارب زيد كقولك: من ضرب زيد] لما يلزم فيه من إضافة الشيء إلى نفسه.
وذلك أن ضاربا هو زيد في المعنى وليس الضرب إياه هو غيره.

فأما قوله: (لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا) فمن أنشد كررت كان على إعمال الضرب في مسمع.
فإن قلت فهل يكون على أنه أراد: أنني كررت على مسمع فنصب كما قال:

(كأنه واضح الأقراب في لقح ... أسمى بنهن وعزته الأناصيل) يريد: عزت عليه.
فلما حذف على أوصل الفعل فإن ذلك لا يحمل عليه ما وجد مندوحه عنه.

جارٍ التحميل