باب نعم وبئس
نعم وبئس فعلان ماضيان وفاعلاهما على ضربين:
أحدهما أن يكون الفاعل مضمراً قبل الذكر فيفسر بنكرة منصوبة والآخر أن يكون مظهراً.
فالمضمر نحو: نعم رجلا عبد الله، وبئس غلاما عمرو، ففي كل واحد من نعم وبئس فاعل أضمر قبل الذكر، فلزم تفسيره بالنكرة ليكون هذا التفسير في تبيينة المضمر بمنزلة تقدم الذكر له.
والضرب الآخر من فاعل نعم [وبئس] أن يكون مظهراً فيه الألف واللام أو مضافا إلى ما فيه الألف واللام وذلك
قولك: نعم الرجل عبد الله، وبئست المرأة هند والمضاف إلى ما فيه الالف واللام نحو قولك" نعم غلام الرجل عمرو، وبئس صاحب القوم بكر.
وقد حكى أنه (قد) جاء فاعله مظهراً على غير هذين الوجهين وليس ذلك بالشائع وأنشد في ذلك:
(فنعم صاحب قوم لا سلام لهم .. وصاحب الركب عثمان بن عفانا)
فأما عبد الله في قولك: نعم الرجل عبد الله فارتفاعه على أحد وجهين:
أحدهما أن يكون أراد به الإبتداء فأخره كأنه كان قبل التأخير: عبد الله نعم الرجل فأخر عبد الله والنية فيه التقديم كما تقول: مررت به المسكين تريد: المسكين مررت به.
فأما الرواجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم الجنس [ويجمعه] كان عبد الله داخلا تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود
عليه ولذلك شبهه (سيبويه) بقولهم: زيد ذهب أخوه.
ومثل ذلك قول الشاعر:
(فأما الصدور لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازاً شديدا ضريرها)
وقال آخر:
(فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيراً في عراض المواكب)
والوجه الآخر أن يكون عبد الله في قولك: نعم الرجل عبد الله، خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل: نعم الرجل قيل من هذا الذي أثنى عليه فقال: عبد الله أي هو عبد الله.
واعلم أن المخصوص بالمدح أو الذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كعبد الله وزيد ونحوهما من الرجال.
وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله عز وجل: ﴿ساء مثلا القوم الذين كذبوا﴾ محذوفا وتقديره: ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا ولا يكون الكلام على ظاهره.
فأما قوله تعالى: ﴿بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله﴾
فقد يكون مثل قوله: ﴿ساء مثلا القوم الذين كذبوا﴾ في حذف المضاف منه فيكون موضع الذين رفعا وقد يكون موضع الذين جرا والمقصود بالذم محذوفا كما كان (المقصود بالمدح) محذوفا في قوله تعالى: ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ ولم يذكر أيوب (لتقدم ذكره.
وتقول: نعم الرجل رجلا زيد فإن لم تذكر رجلا) جاز، وإن ذكرته فتأكيد.
قال جرير:
(تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا)