الإيضاح العضديباب حروف العطف

وصفة حروف العطف أن تشرك الاسم أو الفعل في إعراب ما قبله وهي تسعة: منها الواو في قولك: رأيت زيداً عمراً.
ومعناها الجمع بين الشيئين.
وقد يكون المبدوء به في اللفظ مؤخراً في المعنى.
وتقول: اختصم زيدٌ وعمرو، واشترك بشر وبكر.
ولا يجوز بغيرها من حروف العطف.
وكذلك: المال بين زيد ٍوعمرو، لأنها تدل على الجمع والمعنى فيه لا يصح إلا بها.
ولو قلته بالفاء، أو بثم لجعلت الاختصام والاشتراك من واحد.
وكذلك: سيان زيد وعمرو، وسواء عبد الله وبشر.
وأما قول الشاعر: (وكان سيان ألا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح) فإنما يشبه بذلك أنك تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين فيستقيم له أن يجالسهما جميعاً.

ومنها الفاء في قولك: دخلت البصرة فالكوفة.
وهي تؤذن أن الثاني منها بعد الأول ومن ثم وقعت في جواب الشرط نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق.
وثم مثل في هذا إلا أنها تؤذن بتراخ أزيد ممافي في الفاء.

ومنها أو وهي لأحد الشيئين أو الأشياء في الخبر وغيره تقول: كل السمك أو اشرب اللبن أي افعل أحدهما ولا تجمع بينهما.
ومن ثم قلت: زيدٌ أو عمرٌ قام.
كما تقول: أحدهما قام ولا تقول: قاما.

فإذا قلت: كل خبزاً أو لحماً أو تمراً، فأردت الإباحة فكأنك قلت.
كل هذا الضرب فما ذكرته من كونه لأحد هذه الأشياء قائم فيه لأنه لو أكل واحداً من هذه الأشياء كان مؤتمراً.
ولو كانت كالواو لم يكن قد إيتمر حتى تجمع بينها كلها.

وإما بمنزلتها في أنها تكون لأحد الأمرين أو الأمور إلا أنها تؤذن بان مبنى الكلام كان على الشك.
وأوقد يجوز فيها أن يكون المبنى وقع على اليقين ثم أدرك الشك بعد.
وليست إما بحرف عطف لأن حروف العطف لا تخلو من أن تعطف مفرداً على مفرد، أو جملة على جملة وأنت تقول: ضربت إما زيداً وإما عمراً، فتجدها عارية من هذين القسمين.
وتقول: وإما عمراً، فتدخل عليه الواو ولا يجتمع حرفان لمعنى.

ومنها لا وذلك قولك: ضربت زيداً لا عمراً.
ولو قلت: ما ضربت زيداً لا عمراً، أو لم أشتم بكراً لا خالداً، لم يجز لأنك لم توجب للأول شيئاً فتنفيه بلا وأنت إنما تنفي بلا ما أوجبته للأول.
ومنها بل وهي تستعمل بعد النفي والإيجاب كقولك: رأيت زيداً بل عمراً، وما جاءني عمرو بل بكر، فهي أعم في الاستدراك بها من لكن.
ومنها لكن وهي للاستدراك بعد النفي نحو: ما رأيت زيداً لكن عمراً، فهي بعد النفي بمنزلة بل، وأما بعد الإيجاب فإنها تدخل لترك قصة إلى قصة تامة مخالفة للأولى نحو: جاء زيد لكن عمرو لم يأت.
فأما أم فإنها لا تكون إلا في الاستفهام وهي تكون فيه على ضربين: أحدهما أن تكون متصلة.
والآخر أن تكون منقطعة.
فأما المتصلة فإنها لا يستفهم بها حتى يحصل عند السائل العلم بما يسأل عنه بأو بقول المستفهم: أزيد عندك أو عمرو فيقول له المخبر نعم.
فإذا قال نعم علم به كون أحدهما بغير عينه عنده لأن معنى:

أزيد عندك أو عمرو أحدهما عندك.
فإذا قيل له في جواب هذا نعم علم به ذلك فإن أراد المستفهم أن يعين له المسئول ما علمه بسؤاله [إياه] بأو ويخصصه له سأله بأم فقال: أزيد عندك أم عمرو.
فأجابه المخبر فقال: زيد أو عمر فتعين بخبر المخبر إياه ما كان قد علمه مبهما.
ولو قال له في جواب: أزيد عندك أم عمرو لا أو نعم لكان قد أخطأ ولم يجبه على ما يقتضيه سؤاله كما أنه لو قال له: أيهما عندك، فقال له لا أو نعم لم يكن جواباً لما سأله عنه.
وتقول: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنيفة.
فيكون الجواب أحدهما بهذا اللفظ.
ولا يجوز أن تقول: الحسن ولا الحسين لأن المعنى: أأحدهما أفضل أم ابن الحنفية، فالجواب يكون على ما يتضمنه السؤال.
وأما [أم] المنقطعة فإنها تستعمل بعد الخبر والاستفهام جميعاً.
فمثال استعمالها بعد الخبر قولهم إنها لأبلٌ أم شاء.
كأنه رأى أشخاصاً فسبق إلى نفسه برؤيتها أنها إبل وأخبر على ذلك ثم شك فقال: أم شاء فصار سؤاله بأم مضرباً عما كان أخبر به، ومستأنفاً

السؤال عنه فكأنه في التمثيل: بل أهي شاء، لأن فيها دلالة على الإضراب كما في بل، وفيها دلالة على الاستفهام كما في الهمزة.
فترجموا أم هذه ببل، والهمزة إلى للاستفهام لاشتمال أم على معنييهما.
ومثال استعمالها بعد الاستفهام قولك: أعندك زيد أم عندك عمرو، أضرب عن استفهامه عن زيد، واستأنف الاستفهام عن عمرو، كما أضرب عن الخبر في الوجه الأول.
ومما لا تكون أم فيه إلا المنقطعة قولهم: هل عند زيد أم (عندك) عمرو.
فهذه لا تكون التي بمنزلة أي لأنك في أي نثبت أحد الشيئين أو الأشياء، وتدعى أحدهما وهذا المعنى إنما يكون في الهمزة بدلالة أنك قد تستفهم بها وأنت مثبت كقوله: أطرباً وأنت قنسري

ولا يجوز أن تثبت بهل لو قلت: هل طرباً.
فمن ثم لم يكن مع هل إلا المنقطعة.
ومنها حتى وذلك قولك: ضربت القوم حتى زيداً وقد رواه سيبويه، وأبو زيد وغيرهما عن العرب.

جارٍ التحميل