الجواب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد حسان
- الكتاب
- سلسلة الدار الآخرة
- المؤلف
- محمد بن إبراهيم بن إبراهيم بن حسانمصدر
- الكتاب
- دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 20 درسا]
كلا! بل إذا انقضى الحساب أمر الله جل وعلا أن ينصب الميزان؛ فإن الحساب هو لتقرير الأعمال، والميزان لإظهار مقدارها؛ ليكون الجزاء بحسبها، وليظهر عدل الله للبشرية كلها في ساحة الحساب، فتوزن أعمال المؤمن لإظهار فضله، وتوزن أعمال الكافر لإظهار خزيه وذله على رءوس الأشهاد، قال عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:46].
فما هو الميزان؟ وما الذي يوزن فيه؟ وما هي الأعمال التي تثقل في الميزان يوم القيامة؟ الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة هو موضوع لقائنا هذا، فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يثقل موازيننا يوم نلقاه؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
أولاً: ما هو الميزان؟ أحبتي في الله! أرجو أن تتدبروا معي جيداً هذه المقدمة لهذا العنصر المهم: الميزان على صورته وكيفيته التي يوجد عليها هو من الغيب الذي أمر الصادق المصدوق أن نؤمن به من غير زيادة ولا نقصان، وهذه هي حقيقة الإيمان، ويا خسران من كذب بالغيب وأنكر وضع الميزان، وقدح في آيات الرحيم الرحمن، واستهزأ بكلام سيد ولد عدنان، ثم تطاول فقال قولة ملحد خبيث جبان: الميزان لا يحتاج إليه إلا البقال أو الفوال!! فهذا حري بأن يكون ممن لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً؛ لأنه بجهله وغبائه وانغلاق قلبه ظن أن ميزان الآخرة كميزان الدنيا، ومن البديهي أن جميع أحوال الآخرة لا تكيف أبداً، ولا تقاس البتة بأحوال الدنيا، ولقد نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله إجماع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن الميزان له لسان وكِفتان أو كَفتان -بكسر الكاف وفتحها، واللغتان صحيحتان- وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة.
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية المشهورة: والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال الذي توزن به الأعمال يوم القيامة له كفتان حسيتان مشاهدتان، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات.
أيها المسلم! لا يعلم حقيقة وطبيعة وكيفية الميزان إلا الملك الرحمن، وإلا فهل تستطيع أن تتصور ميزاناً يوضع في يوم القيامة يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو وزنت فيه السماوات والأرض لوزنهما)؟ وكيف تتصور هذا الميزان؟! ففي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وصحح إسناد الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة، من حديث سلمان الفارسي أن الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزنت فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة إذا رأت الميزان: يا رب! لمن يزن هذا؟ فيقول الملك جل وعلا: لمن أشاء من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك).
فإذا رأت الملائكة الميزان عرفت أنها ما عبدت الرحمن حق عبادته، وهذا من شدة الرعب والهول؛ فإن مشهد الميزان من أرهب مشاهد القيامة.
فالميزان حق، قال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47].
فكفى بالملك جل وعلا حسيباً، فبين الله سبحانه وتعالى أنه يضع الموازين بالقسط -أي: بالعدل-، والراجح من أقول أهل العلم: أن الميزان يوم القيامة ميزان واحد.
وأما الجواب على الجمع في قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ) فهو: أن الراجح من أقوال العلماء: أن الجمع في الآية باعتبار تعدد الأوزان أو الموزون؛ لأن الميزان يوزن فيه أشياء كثيرة، فالجمع على اعتبار تعدد الأوزان أو الموزون.