على من قال بقول قومٍ في مسألةٍ أن يقول بقولهم في المسألة الأُخرى وإنَّما عليه أن يَتْبَعَ في كلِّ مسألةٍ دليلَها اللائقَ بها والعلمُ بهذا ضروريٌّ عقلاً وشرعًا ومع هذا فقد حُكِيَ عن بعض ما يتكلَّم في أصول الفقه أنه لا يجوز التفريق وكذلك بعضُ هؤلاء الجدليين المُغالِطيْن يسلُكُ مثل هذه الطريقة وأقلُّ لوازم هذا أنه يُستدلَّ بدليلٍ واحدٍ في جميع مسائل الخلاف لعدم القائل بالفَرْق ولا يخفى على ذي عقلٍ أنَّ هذا هذيانٌ يجب ألاَّ يُلْتَفَتَ إلى فاعله ويُقال لقائلِ هذا ولا قائل بالجمع فإنهم لم يجمعوا بين حُكْم المسألتين حتى جعلوا الحكمَ المعيَّن في هذه مستلزمًا للحكم المعيَّن في هذه فهمن جمعَ بينهما فقد خالفَ الإجماعَ ومن استدلًّ بقوله لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ في مسألةِ الإدالَةِ فقد خرج عن مسالك العقل والدين والحياء ويقال له الجمعُ والفَرْقُ إنما يكون بين شيئين اشتركا فيما يقتضي الحكم فيهما ولو بَعُدَ وليس بين هاتين المسألتين جَمْعٌ ولا فَرْقٌ ويُقالُ له الفرقُ إنما يكونُ عند الاشتراك في الحكم وكذلك الجمع فأما إذا كان حُكم إحداهما الوجوب وحُكْم الأُخرى عدم الوجوب فكيف تنفي الفَرْق
ويقال له بل قد أجمعوا على الفَرْق لأن هؤلاء يوجبون الزكاة على الصبيان ولا يوجبونها في الحُلِي وهؤلاء يوجبونها في الحُلي ولا يوجبونها على الصبيان فقد أجمعوا على أنَّ حكم إحدى المسألتين نَفْيٌ والأخرى إثبات فكيف يصحُّ نَفْي الفرق فيما فيه الفرق ويقال له هَبْ أَنَّا سلَّمنا ألاَّ قائلَ بالفرق فَلِم قلتَ إن القولَ بالفرق باطل وليس في هذا إلا دعوى محضة وكلمة تُقال لا حاصل تحتها وإنما القولُ الباطل ما قال أهلُ الإجماعِ خلافَه أما ما لم يقولوا بما يوافقه ولا ما يخالفه فيجوز أن يكون صحيحًا ويجوز أن يكون باطلاً نعم لو قال أهلُ الإجماع بالإجماع بين المسألتين والتسوية لكان الفرقُ باطلاً فإن قال الفرقُ إحداثُ قولٍ ثالث قلنا لا نُسَلِّم بل هو موافقة هؤلاء في مسألة وموافقة هؤلاء في أخرى ومن فعل ذلك لم يخرج عن قول الأُمة ويُقال له لفظُ الفرق نشتركٌ فإنه يُقال فَرَّق فلانٌ بين الشيئين إذا كانا مشتَبِهَيْن نوع اشتباه فيقال قد قال بالفرق إذا فرَّق بين الحادثتين ويقال قال بالفرق إذا فرَّق بين القائلَيْن بأنْ كان مع هذا
تارةً ومع هذا أخرى فالفرقُ تارةً يكون بين الحوادث لما بينها من التشابه وتارةً يكون بين الأقوال لاشتراكها في قائل واحد فإن عنيْتَ أنْ لا قائل بالفرق بين قولَي عالمٍ واحدٍ في مسألتين متبايِنَتَيْن فهذا خلافُ إجماع الأمة بل خلاف إجماع العقلاء بل خلاف المعلوم بالاضطرار فإنه ما من أحدٍ من علماء الصحابة والتابعين وسائر الأئمة إلا وقد قال بالفرق بين مقالاته في المسائل خلقٌ من العلماء بَعْدَه بحيثُ يفرِّقون بين أقواله في الحوادث المتباينة وهذا إجماعٌ من الأُمة على ثبوت القول بالفَرْق بين الأقوال وإن قلتَ إنما أعني به أن لا قائل بالفرق بين قولَي هذَيْن العالِمَيْن في هاتين المسألتين فإني أُخْبر بأن هذا لم يقع قيل لك وليس من شرط التفريق بين قولَي العالم في المسائل المتباينة تقدُّم قائلٍ بالفَرْق فإن ذلك لو شركًا لزم التسلسل أو بطل جواز التفريق بين قولَي القائل في حادِثَتَيْن مُخْتَلِفَتين بعده وكلاهما معلوم الفساد وإذا تبيَّن فسادُ هذا الأصل فقوله إذا لم يكن ثابتًا ثمَةَ يكون ثابتًا هنا إجماعًا قلنا لا نُسَلِّم التلازم والعلمُ بعَدمِ التلازم بديهيُّ ضروريُّ وهو مُجْمعٌ فإنَّ الأُمةَ مُجمعة على أنه لا يلزم من القول بعدم إيجاب
الزكاة في الحلي إيجاب الزكاة في مال الصبيِّ والمجنون إذ الدليل لابُدَّ أن يناسبَ المدلول عليه نوع مناسبةٍ ولا مناسبةَ بين هذين الحكمَيْن ودعوى الإجماع على التلازم كَذِبٌ وزُوْر بل الأُمة مجمعةٌ على بطلان هذا التلازم وكتب الفقه وأصوله مشحونة بذكر هذا والعلمُ به من دين الإسلام وتصرُّفاتِ العلماءِ في علمهم ضروريٌّ وإن قيل أُريد به أنهم أجمعوا على قولين في هذه المسألة وعلى قولَيْن في هذه المسألة ولم يضمُّوا حكمَ أحد المسألتين إلى الأخرى والإجماعُ حكايةٌ عن الأمة فلا يحلُّ أن يُحكى عنهم الجمع بين شيئين لم يتكلَّموا بالجمع بينهما ولعلَّه لم يخطر على قلوبهم في هذه المسألة المفروضة وقد قيل بالوجوب في المسألتين في جماعة العلماء وأظنه قد قيل بعدم الوجوب فيهما الثاني أن يقال إن ثبتَ لك الإجماعُ على هذا التقدير على ثبوت الوجوب في الكبيرة فأنت على أحد التقدِيْرَيْن تُثْبِت الوجوب في مضروب الصغيرة وحُليها وعلى التقدير الآخر تدَّعي الإجماع على الوجوب في حُلي الكبيرة فهذا يغنيك عن دعوى الإضافة إلى المشترك قوله أو يقال الوجوبُ في إحدى الصورتين راجح على
الوجوب في حُلِيِّ الصبيَّة بدليل الافتراق في الحكم والوجوبُ في المضروب من أموال الصبيَّة لا يخلو إما أن يكون ثابتًا أو لم يكن فإن كان ثابتًا فظاهر وإن لم يكن فلا يترجَّح على النقض فيترجَّح الفرعُ عليه حينئذٍ هذا الجوابُ يعودُ إلى الجواب الأول الذي ذكره وحاصِلُه أن الوجوب في إحدى الصورتين الأصل والفرع حُلي البالغة أو مضروبها راجحٌ على الوجوب في حُلي الصبيَّة لأنَّ الوجوبَ في الأصل راجحٌ على الوجوب في حُليها بالإجماع بدليل الافتراق في الحكم ويَصْدُق عليه أنه إحدى الصورتين وإنما أبهمه لغرضٍ له وهو أن يقيس على القدر المشترك بين الأصل والفرع لأن عنده الفرق بين صورة النقض وبين دلِّ واحد من الصورتين صورة الأصل والفرع ثابت ثم قال والوجوب في مضروب الصبية إن كان ثابتًا فظاهر يعني أنه يَمْنع على هذا التقدير الوجوب في حُليها فلا يصح النقض كما تقدَّم وإن لم يكن الوجوب ثابتًا فلا يترجَّح على النقض لأن الوجوبَ مُنْتفٍ فيهما في مضروبها وحُليها وإذا استويا في عدم
الوجوب لم يترجَّح أحدُهما على صاحبه فيترجَّح الفرعُ عليه حينئذٍ يقول فيترجَّح الفرعُ على النقضِ حينئذٍ قياسًا لإحدى الصورتين وهي الفرع على الأخرى وهي الأصل كأنه على هذا التقدير تستوي صورةُ الفَرْق وصورةُ النقض في عدم الوجوب وقد ثبتَ أن إِحدى الصورتين راجحٌ على صورة النقض فتترجَّح الأخرى عليها بالقياس وهذا الكلامُ هو الأوَّل مع التطويل في أوَّله الذي لا حاجة إليه فإنَّ قوله الوجوب في إحدى الصورتين راجح على الوجوب في حُلي الصبيَّة لا يُفِيْده شيئًا فإن رُجْحان إحدى الصورتين لا يقتضي رُجْحان الأخرى إلا بِضَمِيْمة القياس وحينئذٍ فيكون جوابُ النقض موقوفًا على صحَّةِ القياس وصحةُ القياس موقوفةٌ على جواب النقض وهذا دَوْرٌ يوجبُ بطلان الدليل كما تقدم بيانُه والله سبحانه هو الهادي إلى سواءِ الصراط