اعلم أن النقض في باب القياس هو وجود الوصف المدَّعَى علةً بدون الحكم فيقال قد انتقضت العلةُ وهو خلاف انبرامها وانتظامها واطرادها لأن اطرادها جريانها في معلولاتها بحيث تكون إذا وُجِدت وُجِد الحكم كما يقال البيعُ الصحيحُ موجِبٌ لانتقال الملك إلى المشتري والقتلُ العَمْدُ العدوان المحض للمكافئ موجِبٌ لثبوت القَوَد فإذا تخلَّف الحكمُ عن وصفٍ فقد انتقض كما ينتقض السلك بذهاب بعض حبَّاته وكما ينتقض البناء بذهابِ بعضِ أركانه وكما تنتقض الدُّوَل بذهاب بعض أركانها فالنقضُ ضدُّ الإبرام ومنه قوله وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا [النحل 92] وقوله وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل 91] وقوله وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [الرعد 25]
وقوله الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد 20] ومثله النَّكْث لأن العهود والعقود إنما تتم بإبرامها والوفاء بها فإذا قُسِّمت فقد انتقضت وانتكثت والنقضُ يَرِدُ على الحدود وعلى الأدلة وعلى الشروط وعلى العلل وعلى كلِّ قضيَّة كلية وقد اختلفَ الناسُ قديمًا وحديثًا في العلة إذا انتقضت هل يكون ذلك دليلاً على فسادها مثل أن يقال القتل العمد موجِبٌ للقَوَد فيُقال ينتقض بقتل غير المكافئ أو يقال مِلْك النصاب النامي موجبٌ لوجوب الزكاة فيقال ينتقض بملك المدين أو ملك الحلي أو ملك الصبي والمجنون ونحو ذلك مما يُسَلِّمه أو يقال الموتُ علة لنجاسة الميت فيقال ينتقض بما لا نفسَ له سائلة وبموت الآدمي إن سَلَّم ذلك أو يقال سفح الدماء موجب لطهارةِ الجلد فيقال ينتقِضُ
بذبح المجوسيِّ والمرتدِّ والمُحْرم الصيدَ وبالذكاة في غير المحلِّ المشروع وتسمَّى هذه المسألة مسألة تخصيصِ العلة فأطلقَ أكثرُ المالكية والشافعية والحنبلية وبعضُ الحنفية القولَ بأن العلة لا يجوز تخصيصُها وأنَّ تخصيصَها ونقضَها دليلٌ على أنها ليست بعلَّةٍ تامَّة وهو أشهر الروايتين عن أحمد ثم اختلفَ هؤلاء في العلة المنصوصة على وجهين أحدهما انه يجوز تخصيصُها فلا يكون انتقاضها دليلاً على فسادها كتخصيص الصِّيَغ العامة والثاني أنه لا يجوز تخصيصُها وهي إن تخصَّصت عُلِم أن المذكور في لفظ الشارع إنما هو بعضُ العلة وتمامها وصفٌ يُخْرج صورة النقض وهذا قولُ محقِّقِيْهم وأطلقَ أكثرُ الحنفية وبعضُ الطوائف الثلاث أنه يجوز تخصيصُها وأنَّ انتقاضَها لا يُفْسِدُها إذا قام الدليل على صحتها وذكروه رواية عن أحمد ثم من هؤلاء من يقول والنقضُ لا يفسدها أصلاً ومنهم من
يقول إنما لا يفسدها إذا دلَّ دليلٌ على صحتها أما إذا ادَّعى أنها علة بمجرَّد المقارنة فإن الانتقاض يُفْسِدها وهذا قول المعتبرين منهم والأولُ لا يقوله لبيبٌ وفي المسألة أقوال ثلاثة أُخَر منهم من يجعلها تفسيرًا لكلامِ الأُوَل ومنهم من يجعلها تفسيرًا لكلام الآخرين ويحملون إطلاقاتهم عليها ومنهم من يجعلها أقوالاً أُخر أحدها أن التخصيص لا يجوز إلا لفوات شرط أو وجود مانع فإذا انتقضت العلةُ فعلى المستدلِّ أن يُبَيِّن أنَّ صورةَ النقض اختصت بفوات شرط أو وجود مانع من ثبوت الحكم فيها بخلاف الفرع فإنه ليس فيه المانع الموجود ومن الجدليين من لا يُلزم المستدل بأن يعكس علة صورة النقض في الفرع ولا يكلِّفه بيان عدم المانع في الفرع لكن تكلّف المعترض بيان وجود المانع فيه حسب وجودِه في صورةِ النقض والأمرُ في ذلك قريب والأول أقربُ إلى الإنصاف وقلةِ الأسولة والأجوبة وانضباط الكلام وهذا القولُ في الجملة قولُ طوائف من الناس حتى إن من الناس من يقول هو قول الأئمة الأربعة وهو قول عامَّة الجدليين المتأخرين العراقيين والخراسانيين حنفيهم وشافعيهم وحنبليهم وهو أصوب الأقوال وعليه يُحمل ما اختلف من كلام الأئمة الثاني أنه إذا انعطف من صورة النقض على الوصف المشترك قَيْد
لا يمنع القياس لم تفسد العلة وإلا فسدت وهذا القول قريبٌ من الذي قبله بل هو هو عند التحقيق الثالث إن كان التخصيص لازمًا على كل قول كاستثناء العقل من وجوب الجناية على الجاني واستثناء العرايا من بيع الربويّ خرصًا وبيع الرطب باليابس لم تفسُد العلة وإلا أفسدها وهذا كما تقدَّم من الناس من يجعله متفَقًا عليه ومنهم من صَوَّر الخلاف وهو التحقيق والكلامُ في ذلك طويلٌ معروف في مظانِّه لكن نحن نذكر أصلَيْن تَقِفُ اللبيبَ على الحق أحدهما أنَّ العلة إذا انتقضت في صورة ليس بينها وبين الفرع فرقٌ أو ليس بينها وبين نفيه الصور فرق فلا يشك لبيبٌ أنها ليست بعلَّة حتى لو كانت منصوصةً للعلم أن النصَّ إنَّما بَيَّن بعضَ أوصافِ العلةِ الني يُحتاج إلى بيانها وتَرَك ذكر النافي لظهوره والعلم به فإنَّ كونَها عِلة أنها موجِبةٌ للحكم ومقتضيةٌ له فإذا رأيتها قد وُجِدَت مقارِنةً للحكم تارة ووجدناها قد وُجِدت مفارقةً للحكم في مثل ما قارَنَتْه عُلِمَ قطعًا أنها ليست موجبة للحكم ولا مقتضية له إذ الإيجاب والاقتضاء حقيقة واحدة ومعنًى واحد لا يقبل التجزُّؤ والانقسام
الثاني إذا تخلَّف الحكمُ عنها في صورة من الصور لاختصاص تلك الصورة بما ينفي الحكمَ فإنَّ ذلك لا يمنع من اقتضائها للحُكْم في صورةٍ ليس فيها ما ينافي الحكم فإنَّ مَن قال أكرمتُ زيدًا لِعِلْمه أو فقرِهِ أو رَحِمِه ثم إنه لم يُكْرِم مَن ساواه في العلم أو الفقر أو الرَّحِم لفسقِه أو لعداوتِه أو لكفْرِه لم يمنع تخلُّفُ الإكرام في هذه الصورة أن يوجَدَ في محلٍّ وُجِد فيه العلم أو الفقر أو الرحم منفكًّا عن هذه الموانع والصوارف والعلمُ بذلك ضروري لكن يبقى أن يُقال فهل العِلَّةُ في الحقيقة مجموعُ وجودِ الصفات الباعِثَةِ وعدمِ الصفاتِ المانعة أو العلةُ ما ينشأ منه الباعث مع قَطْع النظر عن غيره هذا محلُّ الاختلاف بيم من يُجَوِّز تخصيصَ العلة والأمر في ذلك قريبٌ يرجعُ إلى اختلافٍ في عبارةٍ واختلافٍ في اصطلاحٍ لا يرجعُ إلى اختلافٍ في استدلالٍ ولا حكم فمن الناس من يقول العلةُ هي مجموع الأمور التي إذا تحقَّقَت تحقَّقَ الحكمُ ومنهم من يقول العلةُ هو الأمر الذي يكون وجوده مقتضيًا للحكم بحيث يُعْقَل أن يقال وُجِدَ هذا فوُجِدَ هذا ولاشكَّ أن الأول يسمَّى علة والثاني يُسَمَّى علة والأولُ أخصُّ من الثاني
فكذلك قيل هو اختلافٌ في التَّعْبير وأمَّا الاصطلاح فمن قال بالأول كلَّفَ المستدلَّ أن يحترِزَ في كلامه عن جميع الصور التي يتخلَّف الحكم فيها بحيثُ لو لأوْرَد صورةً واحدةً قد تخلَّفَ الحكمُ فيها لوجودِ مانعٍ ونحوه عُدَّ منقطعًا وهؤلاء لا يقبلون الجواب عن النقض بالفرق ولا شكَّ أن هذا وإن كان يضمُّ الكلامَ لكان فيه تطويل عظيم في العبارة وتضييع لمطلع النظر الذي هو مأْخَذ المسألة وتفريق للذِّهن بالاحتراز عن أمورٍ ليس تحتها فقه وكثير من أهل هذه الطريقة من يقنع من المستدلّ بوصفٍ مطَّرِدٍ لا يَرِدُ عليه نقضٌ وإن لم يُقِم دليلاً على صحته ولا شكَّ أن من قَنِع بالطَّرْد المحض فإنه لابد أن يمَكِّن المعترض من الاعتراض بالنقض ولابدَّ أن يجعل النقض دليلاً على البطلان وإلا لوضع كلُّ أحدٍ له مذهبًا من غير دليل وهذه الطريقة كانت هي الغالب على العراقيين وكثير من الخراسانيين في حدود المائة الرابعة وقبلها وبعدها ومن قال بالثاني لم يكلِّف المستدلَّ الاحتراز عن صورة النقض لكن يكَلِّفه بيان الفرق في صورة النقض بين الفرع وغيره من صور وجود الحكم ومتى لم يُفَرِّق انقطع وهؤلاء لا يطالبون المستدلَّ بالطَّرْد لكن يطالبونه بما يدل على تأثير العِلَّة وصحتها ويبقى النظرُ في الجوامع والفوراق وأنها أحقّ بالاعتبار
وهذه الطريقة التي اصطلح عليها عامَّةُ المتأخرين من الجدليين في عامة الأمصار ولا شكَّ أنها أقرب إلى طريقة الأوَّلين من السلف فإنهم لم يكونوا يُحَرِّرُون العبارات الطويلة الجامعة بين الأصل والفرع وإنما يذكرون الجوامع والفوارق مُنَبِّهين على مآخِذ الأحكام ومشيرين إلى مدارك الشريعة وهي أيضًا أقربُ إلى طريق النظر والاجتهاد فإن المستدلَّ بينَه وبين نفسِه لا يحتاج إلى النظر في الأشياء الخارجة عن المقصودِ الخاصِّ بتلك المسألة لكن آفةُ هذه الطريقة الاستدلالُ على عِلِّية المشترك بمجرَّد ما يدَّعِيْه من المناسبة العامة والدوران العام كما يفعلُه هؤلاءِ أربابُ الجدلِ المُحْدَث وأن هذا لا يُقْبَل حتى يُبَيِّن أن الشارع يعتبر مثل ذلك المناسب بِعَينه في غير الأصل المقيس عليه فإن أقرَّ أنَّ الحُكْمَ به في الأصل يعارضه تخلُّفُ الحكم عنه في صورةِ النَّقْض فليس أن يكون علة للمقارنة في صورةٍ أخرى فإنَّ عدم الاقتران يدلُّ على عدم التأثير أبلغ من دلالة الاقتران على التأثير فلابُدَّ حينئذٍ من تحقيق المناسب ولا يُكْتَفَى ممن يدَّعي المناسبةَ مجرَّدُ ذِكْر صفة عامة تختلف في الحكم لمراتٍ متعددة وأما الدوران فأبعد وأبعد فإنَّ الحكم لم يَدُر مع الوصف في جميع الصور غير صورة النزاع ليستدل بكونه مَدَارًا في تلك المواضع
على العِلِّية فإذا رأينا الوصفَ موجودًا ثمَّةَ لم يكن مدارًا قال الجدليُّ ثم النقض قد يكون معيَّنًا مفردًا كان أو مركبًا وقد لا يكون كذلك واعلم أنَّ المعترض إذا ذكر أن الحكم متخلِّف عن الوصف المدَّعَى علةً فإمَّا أن يعيِّن الصورة التي تخلَّف فيها وإما أن يبهمها والثاني هو النقض المجهول كما سيأتي والأول على قسمين لأنه إما أن يُنقضَ بصورةٍ تخلَّفَ الحكمُ عنها والمأْخَذُ واحد عند الاثنين وإما أن ينقضَ بصورةٍ اتفقَ الحكمُ فيها مع الاختلاف في المأْخَذ كحُلِيِّ الصَّبِيَّة فإنَّ عدمَ الوجوبِ فيه عند أهل العراق لكونه مالَ غيرِ مكلَّفٍ وعند كثير من أهل الحجاز لكونه حُلِيًّا وكذلك بنت خمس عشرة إذا كانت بكرًا فإنَّ العراقيَّ يُجْبرها لاعتقاده أنها لم تبلغ والحجازيُّ يُجْبرها لاعتقاده أنها بكر ثم قد يكون الاتفاق في الحكم ثابتًا بنفسه مع قطع النظر عن
المأْخذ وذلك بكون الحكم منصوصًا عليه أو مجمعًا على عينِ تلك الصورة إجماعًا متلَقًّى عن السَّلَفِ الذين لم يُفْصِحوا بالمأْخّذِ كالإجماع على أنَّ المُعْتَقة تحتَ عبدٍ لها الخيار مع الاختلافِ في المأْخَذِ هل هو لكونها ملكتْ نفسَها أو لكون الكفاءة قد سُلِبت وقد يكون الاتفاق في الحكم تابعًا للمأْخَذ وإنما وقع الاتفاقُ بحكم الاتفاق وهذا هو التركيبُ الحقيقيُّ كالصورة الممثَّل بها وأما الأول فليس في الحقيقة بتركيبٍ ومن المركبات ما هو أشنع من هذا وهو أن يجمع بين صورتين مثل أن يقول مسَّ ذكرَه أو أكَلَ لحمَ الإبل فانتقضَ وضوؤه كما لو مسَّ وقَهْقَه أو أكَلَ لحمَ الإبل أو مسَّ النساءَ لغير شهوة والتركيبُ على قسمين تركيب في الأصل كما ذكرناه وتركيبٌ في الوصف والقياسُ المركَّب قد اخْتُلِف في جواز استعماله في الجدل والمحقِّقُون لا يرضونه وأما بناءُ الأحكام فعليه فتوى وحكمًا للناظر المجتهد فقد حكوا الاتفاقَ على المنع من ذلك وأما أصحاب هذا الجدل فإنهم يعنون بالنقض المفرد ما كان على احد المذهبين وبالنقض المركب ما كان على المذهبين جميعًا
قال المصنف أما المعيَّن فمثاله أن يقال لا يضاف الحكمُ إلى المشترك فيما إذا قاس الحُلِيّ على المضروب بدليل التخلُّفِ في فصل اللآلئ والجواهر إذ المشترك متحقِّق ولا حكمَ فيه اعلم أن النقض المعروف عند أهل الفقه والأصول والجدل إنما يكون على الوصف الذي ادعاه المستدلُّ جامعًا وذلك إنما يكون غالبًا بعد تصريحه بالجامع فأما إن وُجِد معنى الوصف المذكور ولم يوجد لفظُه فإنهم يسمونه كسرًا ومبناه على أن يحذف المعترضُ لفظًا من الجامع ببيان عدم تأثيره ثم يبين انتقاض العِلَّة بدونه مثال ذلك إذا قال مالٌ من جنس الأثمان بلغ نصابًا فوجبت الزكاة فيه كالمضروب فهذا لا ينتقض بالحلية الجوهرية لأنها ليست من جنس الأثمان ولم يتخلَّف الحكمُ عند المستدلِّ في صورة من الصور فإن أراد إيراد الكسر على وقوع تعسف قال قولك من جنس الأثمان لا أثرَ له لوجوب الزكاة في المناسبة يبقى قولك مال بلغَ نصابًا وهذا منتقضٌ بالحِلْية الجوهرية أو يقال ابتداء هذا ينكسر باللآلئ والجواهر على أنه لا فرق بين كسره بالحلية الجوهرية وبسائر الأموال غير الزكوية فلا وجه لتخصيصه باللآلئ والجواهر
على أن جوابَ هذا أن يقال ما ذكرتَه من العلة فقد دلَّ عليها إيماءُ الشارع بل نصُّه ودلت عليها المناسبة وثبوت الحكم بدونها لعلةٍ أخرى وهو أنَّ كلَّ من ملك النصاب من جنس الأثمان ومن المشية ومن عروض التجارة موجبٌ للزكاة فتكون العلةُ غيرَ منعكسة والعكسُ غيرَ واجب لجواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعللٍ متعددة إذا علمتَ هذا تبيَّن ل كان النقض في هذا المثال المذكور لا يَرِدُ على قياس صحيح وإنَّما صورةُ ورودِ النقضِ أن يقيس القائس بجامع جُملي كما تقدَّم ذِكْر المصنف له في فصل القياس بأن يقول الوجوبُ ثابت في المضروب فكذا في الحُلِي بالقياس عليه بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من الإيجاب من تطهير المزكِّي وتحصين المال وشُكْر النِّعمة وإِغناء المحاويج ونحو ذلك من الجوامع التي لا تختصُّ بمالٍ دون مال ولا بحالٍ دون حال وقد عرفت فيما تقدم أن هذا قياسٌ فاسد والنقضُ الذي ذكره المصنف يَرِدُ على هذا الضرب من القياس بأن يقال لا يضاف الحكمُ إلى المشترك وهو تحصيل المصالح المذكورة بدليل تخلُّف الحكم عن تحصيل هذه المصالح في فصل اللآلئ والجواهر إذ المشترك
وهو تحصيل المصالح بتقدير الوجوب أو كونه سببًا لحصول المصالح بتقدير الإيجاب متحقِّق في الجوهر والوجوبُ منتفٍ وهذا نقضٌ صحيحٌ لمثل ذلك القياس فإنَّ الأمرَ الجامع الذي به جَمَع المقابلة بين الأصل والفرع موجودٌ في عدة مواضع قد اقترنَ الحكمُ به في بعضها وتخلَّف عنه في بعضها فلو كان علة لما تخلَّف الحكم عنه لأن معنى العلة هو الأمر الذي يكون موجِبًا للحُكم ولأنه ليس الاستدلال على اعتبار الشرع المشترك العام لاقتران الحكم عنه في صورة أخرى بل دلالة التخلُّف على عدم كونه علةً أولى من دلالة الاقتران على كونه علة لأن علة الحكم قد تقترن بها صفات كثيرة إما أعمّ منها أو أخص منها أو مساوية لها غير مؤثرة في الحكم أمَّا أنَّ الموجب المقتضي للحكم يتخلَّف الحكم عنه لا لمانع فهذا لا يكون أبدًا قوله ولئن قال لا نسلِّم بأنَّ التخلُّف مما يُخْرِج المعنى من العِلِّية بل التخلف لا لمانع مختص إذ التخلُّف لمانع مختص يصادف مطلق التخلُّف والمانعُ المختصُّ متحقِّق في فصل اللآلئ والجواهر إلا لثبتَ الحكمُ فيه فنقول لا يتحقَّق وإلا لوقع التعارض بين المقتضي والمانع
حينئذٍ على ما عُرِف في التلازم سؤالاً وجوابًا اعلم أن كلامَ هؤلاء مبنيٌّ على أن تخصيصَ العلةِ لمانعٍ مختصٍّ بصورة التخصيص جائزٌ وهذا مذهب حَسَن فقال السائل لا نسلِّم أن مطلق التخلُّف يخرج المعنى من العِلِّية بل إنما يخرجه التخلفُ لا لمانعٍ مختصٍّ بصورةِ النقض لأنه إذا كان التخلُّف لمانعٍ مختصٍّ بصورةِ التخلف أُحِيْل التخلُّفُ حينئذٍ على وجودِ ذلك المانع وكان في ذلك جَمْع بين الدليل المقتضي لصحةِ العلَّة والدليلِ المقتضي لعدم الحكم في صورة النقض بخلافِ ما إذا أبطلنا العلة بالكلية فإنَّه يكون إبطالاً لدليلِ صحةِ العلة ولأن الأدلة جميعها من الأصل الموجب للحقيقة والنافي للاشتراك والتخصيص والنقل والإضمار والتقديم والتأخير والموجب لحَمْل الأمر على الإيجاب والإجزاء وحَمْل النهي على التحريم والفساد كلُّها قد تتخلَّف عنها مدلولاتُها لمانعٍ ومعارضٍ فكذلك العلة لأنها دليل من أدلة الشرع وبين العلة والدليل فرق لكن ليس هذا موضعَ إشباعِ الكلام في ذلك وقوله إذ التخلُّفُ مختصٍّ يصادف مطلق التخلف كأنه ردٌّ لقوله التخلُّف يمنع الإضافة إلى المشترك يقول التخلُّف لا لمانع مختصٍّ يصادفُ مطلقَ التخلُّف لأن وجودَ المعيَّن مستلزم لوجود المطلق ومع هذا لا يكون مانعًا فلا
يكون مطلق التخلُّف مانعًا هذا كلامٌ جيد ثم قال والمانع المختصُّ متحقق في فصل الجوهر لأنه لو لم يكن متحقِّقًا لوجبت الزكاة فيه عملاً بالمقتضي لوجوبها التي تقدمت الدلالة عليه وهذا الكلام يتوجَّه في موضع ثبتت فيه المناسبةُ بتأثير الوصف المناسب وحدَه في موضع آخر أما في مثل هذه المناسبات التي توجد في صُوَرِ وجودِ الحكم وصُوَر عدمه فلا يصح لوجوه أحدها ما ذكرَه المصنِّف وهو أن يُقال لو تحقق المانع في صورة التخلُّف مع قيام المقتضي فيها لوقعَ التعارض بينهما وتعارضُ الأدلة على خلاف الأصل وهذا الكلامُ هنا جيد بخلاف ما تقدم في التلازم فإنَّا قد بيَّنَّا هناك أنه يلزم المستدل مثل ما يلزم المعترض وهنا لا يلزم موجِّه النقض مثل هذا الكلام لأنه يقول عدم الوجوب في صورة التخلُّف إما أن يكون لعدم المقتضي أو لوجود المانع فإن كان لوجود المانع لزم محذور الترك وإن كان لعدم المقتضي لم يلزم المحذور فيكون أولى الثاني أن يقال المناسبة التي ادَّعيتها مقتضية للوجوب وهي موجودة في الأصل وفي صورة التخلف ومعلومٌ قطعًا أنَّ مثل هذا لا يفيدُ ظنَّ كون ذلك المناسب هو العلة فإن مَنْ دَخل عليه رجلان عالمان أو فقيران فأعطى احدَهما ولم يعطِ الآخر لا يمكن
بمجرَّد ذلك أن يقال إنما أَعْطى هذا لكونه عالمًا أو فقيرًا وحَرَم الآخر لمانعٍ فيه فِسْق أو عداوة بل ذلك معارَضٌ بأن يقال يجوز أن يكون أعطى المُعْطَى لقرابته أو صداقته أو إحسانه إليه لا سيما إذا عَلِم وجود هذه الأسباب المناسبة وفي هذا الموضع كما أن عمومَ تحصيل المصلحة مناسب فتحصيل المصلحة من المال النامي مناسبٌ أيضًا والحكم مقارن لخصوص هذا الوصف دون عموم الآخر الثالث أن يقال الأصل ينفي وجود المقتضي ووجود المانع وأنت تدَّعي ثبوتَهما جميعًا فيكون قولُكَ مدفوعًا بالأصل النافي الرابع قولُك لو لم يكن المانعُ موجودًا لثبتَ الحكمُ في البعض إنما يتم كونه علة إذا علم أن التخلُّف إنما هو لمانع فلو استدللنا على كون التخلف لمانع بكون المشترك علةً لزم الدور لأنَّا لا نعلم العلة فلئن قال المناسبةُ دليلُ العلة قلنا إنما تكون المناسبة دليلاً مع الاقتران وإنما يتم الاقتران إذا لم يتخلَّف الحكم إلا لمانع فعاد الدورُ جَذَعًا الخامس أن يقال المناسبة والتخلُّف دليلان على عدم العِلِّية لأن الإيجاب ضرر والمناسبة مع الاقتران دليل واحد على الإيجاب
والعمل بدليلين أولى من العمل بدليل واحد فإن قال لا أُسَلِّم ثبوتَ المناسب لعدم الوجوب لئلا يلزم التعارض قيل المعارض لازم على ما ادَّعَيتَه وعلى ما ادعيناه ونفي رجحان الدليلين من جهتنا قوله وكذلك إذا ادَّعى الحُكم في النقض على تقدير الإضافة والخصمُ يمنعه معناه أن المستدلَّ يدَّعي الحُكم في صورة النقض بتقدير إضافة الحكم إلى المشترك بين الصُّوَر أعني الأصلَ والفرعَ وصورة النقض والخصمُ يمنعُ الحكمَ مطلقًا بان نقول الحكم في صورة النقض إما أن يكون مضافًا إلى المشترك أو لا يكون مضافًا فإن لم يكن مضافًا إليه لم يلزم النقض وإن كان مضافًا امتنع الحكم على هذا التقدير ولا يلزمني المنع في نفس الأمر لأن هذا التقدير غير واقع عندي لأن الحكمَ في صورة النقض غير مضاف إلى المشترك لوجود ما يمنع إضافته إليه فإن الإضافة إلى المشترك مشروطة بعدم المانع ولاشك أن هذه الدعوى تُرَدّ بعين ما رُدَّ به الكلام الأول مع ضعف الأول
قوله أو يقال لا يُضاف إلى المشترك إذ لو أُضيف لكان المشترك علة ولو تحقَّق أحدُهما وهو إما الإضافة أو العلية لثبتَ الحكمُ ثمةَ عملاً بالعلة ولم يثبت فلا يضاف هذا توجيهٌ ثانٍ للنقض وهو أن يقول لا يضاف الحكمُ إلى المشترك بين الصور لأنه لو أُضيف لكان المشترك علة لأن الحكمَ إنما يضافُ إلى عِلَّته ولو تحقَّقَت إضافتُه إلى المشترك أو كون المشترك علة لثبتَ الحكمُ في صورة النقض فلا يضاف إلى المشترك يعني أنَّ كلَّ واحد من هذين وجبَ الحكمُ في صورة النقض قوله أو يقول لو أُضيف لكان الحكم ثابتًا هنا ولو ثبتَ أحدُهما وهو إما اللازم أو الملزوم لثبت ثَمَّة هذا توجيهٌ ثالثٌ يقول لو أُضيفَ إلى المشترك لكان الحكم ثابتًا هنا يعني صورة النزاع ولو ثبتَ اللازم وهو صورة النزاع أو الملزوم وهو الإضافة إلى المشترك فظاهر وأما على تقدير ثبوت الحكم هنا فلأنَّ ثبوتَه هنا مستلزم لِعلِّية المشترك إذ لو فُرِضَ عدمُ ذلك لَعُدِم الحكم هنا وعلِّية المشترك مستلزمة للحكم في صورة النقض
ولازم اللازم لازم هذا الذي يُفْهم من هذا الكلام وفيه تطويل لا حاجة إليه كما ترى وإن كان عَنَى بقوله لكان الحكم ثابتًا هنا صورةَ النقض فهو أيضًا تطويل بارد ويكون اللازم في المقدمة الثانية هو الملزوم على أحد التقديرين لأن معنى الكلام حينئذٍ لو أُضيفَ لكان الحُكم ثابتًا في صورة النقض ولو ثبت أحدُهما إما الإضافة أو الحكم في صورة النقض لثبت في صورة النقض قوله هذا إذا يمسَّك بدليلٍ خاصٍّ أما إذا تمسَّك بالدليل العام فذاك معارَضٌ بمثله فلا تفاوتَ في التوجيه بين ما ذكرناه اعلم أنَّ الكلامَ الذي ذكره هذا الجدليُّ لا فرق فيه بين التمسُّك على علَّة الأصل بدليل عامٍّ أو خاص والخاصُّ ما يدلُّ بخصوصه على أن المشترك بين الأصل والفرع علة والعام هي المناسبات العامة ونحو ذلك كما ذكره المصنف في فصل القياس لكن الدليل العام يُعَارَض بمثله بأن يقال لا تجب الزكاة في الحلي بالقياس على الحلية بجامع ما يشتركان فيه من دفع المفسدة الناشئة من الإيجاب وهو الضرر الحاصلُ منه للمكلَّف وهو تنقيصُ ماله وتعريضه للعقاب بتقدير الترك وتعريضُه للحاجة إلى الناس وغير ذلك
من المفاسدِ المشهودِ لها بالاعتبار في صُور عدم الوجوب فإذا انقضت عِلِّية صور الوجوب قال التخلُّف هناك لمانع وهو المقتضي للوجوب فيقال له هذا يلزم منه التعارُض بين المقتضي والمانع ويُسَاقُ الكلامُ إلى آخره وهو قوله ولا تفاوت في التوجيه واعلم أنه إن كان الدليل على صحة القياس عامًّا فهو فاسد لأنه معارَضٌ بمثله أيضًا وهو أن يقاس الفرع على صورة النقض بجامع خاصٍّ مدلولٍ على علِّيَّته بدليل خاص لكن هذه المعارضة لا تُخْرج القياسَ عن أن يكون دليلاً صحيحًا لأنه الدليلُ الدالُّ على صحة الجامع بين الفرع وصورة النقض لكن هذه معارضة بدليل آخر كما لو عارضه بالقياس على أصلٍ آخر غير صورة النقض أو بالقياس على أصل المستدل إما بعلِّيَّة أو بغير عِلِّيَّة ومنه القلب أو عارَضَه بعموم أو مفهوم ونحو ذلك وحينئذٍ فيحتاج المستدل إما إلى إفسادِ ما عارضَ به المعترض أو إلى ترجيح دليله على دليله ومتى لم يطعن فيما عارضَ به المستدل ولم يرجِّحْه كان منقطعًا وأما الدليلُ العامُّ فإنه بعينه يدلُّ على الشيءِ ونقيضِه فيعلم أنه في نفسه باطل لأن الحق لا يستلزم النقيضين فمتى رأينا الشارع قد أثبتَ
الوجوب في بعض الأموال ونفاه في بعض الأموال ثم تنازعنا في مالٍ ثالث فمَنْ أَلْحقه بصورة الإيجاب بمعاني يشترك فيها عموم الأموال كان بمنزلة من نفى عنه الوجوب بمعاني يشترك فيها عموم الأموال لأن المعاني التي يشترك فيها جميع الأموال موجودة في صُوَرٍ في الوجوب وعدمه فليس إلحاق مال ثالث بأحدهما للمعاني التي اشتركت فيها بأولى من إلحاقه بالآخر للمعاني التي اشتركت فيه وأيضًا فإن المعاني المشتركة هي المقتضية للحكم الموجبة له فلو جاز إضافة الحكم إليها للزم أن يُضاف إليها الوجوب وعدمه فتكون موجبة للنقيضين فعُلِمَ من هذا أن الموجِبِ أمورٌ خاصَّة توجد في بعض الأموال وأنَّ المانع أمور خاصَّة تختصُّ ببعض الأموال ويبقى النزاع هل صورة الخلاف من قبيل ما فيه الأمور الموجبة أو من قبيل ما فيه الأمور المانعة واعلم أنَّا قد بيَّنَّا من قبل أنه إذا بيّن صحة القياس بدليل خاص وجمع بين الحُلِيّ والمضروب بوصفٍ يختصُّ بهما امتنعَ النقضُ على المعترض لعدم وجود المشترك الخاص بينهما في صورة النقض فقول المصنِّف هذا إذا تمسَّك بدليل خاص ليس بجيِّدٍ في هذا المثال وهو قد مثَّل به وإنما أُتيَ من حيث إن هذا الكلام يتمُّ في صورة أخرى
ثم أن يقول في مسألة البكر البالغ بالغة فلا تُجْبَر على النكاح قياسًا على الثيِّب فيقال له ينتقض بالمجنونة فيقول التخلُّفُ هناك لمانع مختصٍّ وهو الجنون أو يقال في مسألة المستدل قَتْل عَمْدٌ عدوان محض فأوجب القَوَد كالقتل بالمحدَّد فيقال له ينتقضُ بقتل الكافر والعبد والابن فيقول التخلُّف هناك لفوات الشرط وهو المكافأة وفواتُ الشرط مانعٌ مختصٌّ أو يقول في زكاة الحليّ أو زكاة مال الصبيّ مالكٌ لنصاب نامي فوجبت فيه الزكاة قياسًا على المضروب وعلى مال المكلَّف فإذا نَقَضْتَ عليه بمال المدين أو بالمغصوب والمجحود وكل ما لم يَقْتَضِ ولم يمنع الحكم قال التخلُّفُ هناك لمانعٍ مختصٍّ وهو الدَّين أو لفوات شرط وهو اليد واعلم أنه إذا دل المستدلُّ على صحة علته وبيَّن أن التخلُّف مانع مختص بين وجوده على وجه الاختصاص في صورة النقض وبين
أنه مانع كان الجوابُ الذي ذكره المصنف باطلاً وهو لزوم المعارضة بين المقتضي والمانع كما تقدم تقرير مثل ذلك في الملازمة وغيرها من وجوه مثل أن يقال التعارُضُ بين المقتضي والمانع ثابت في نفس الأمر فلا يضرني التزامه لأن الشيءَ إذا وقع لم يجز أن يستدل على عدم وقوعه ألبتة ومثل أن يقال ما ذكره من الدليل على علة المشترك راجحٌ على النافي لأن النافي للتعارض إذا تُرِك لم يلزم منه إلا ترك ضَعْف الدليلين لوجود أقوى منه وهذا كثير أما الدليلُ على عِلِّية المشترك فلو تركته لتركته لتعارضٍ وذلك لا يجوز ومثل أن يقال التعارض واقع لا محالة إما بين ما ذكرته دليلاً على العلة وبين النافي للتعارض وإما بين العلة وبين المانع وإذا كان لازمًا لك كلزومه لي لم يجز إبطال دليلي به ومثل أن يقال الدالُّ على صحة العلة إنما يدل على إثباتها للحكم إذا استجمعَ شروطَه وسَلِمَ من موانعه فإذا وُجِدَ مانعٌ مختصّ كان وجوده مخلًّ بشرط اتباع موجب العلة فلا يكون ذلك معارضة ولهذا ترجع المانع على المقتضي وإنما المعارضة أن يكون كلٌّ من الدليلين يقتضي العمل مطلقًا وهذا تحقيقٌ جيَّد لكنه يحتاج إلى بيان أن دليلَ العلةِ لا يثْبُت مع وجود المعارِض
ومثل أن يقال التعارض وإن كان على خلاف الأصل لكن القول بوجوده واجب إذا قام دليل وجوده وقد قامَ دليلُ وجود التعارض لأني قد أقمتُ الدليلَ على وجود المقتضي لوجوب الزكاة ووجود المانع منها في صورة النقض ومثل أن يقال لازم التعارض ترك الدليل في صورة النقض ولازم ترك ما ذكرته من الدليل ترك العمل في صورتي الأصل والفرع وترك العمل بالدليل مرَّتين أشد محذورًا من ترك العمل به مرة واحدة وهنا أجوبة كثيرة وقد تقدَّم بعضُها واللبيبُ يتفطَّنُ لباقيها قوله والمركَّب كحليِّ الصبيَّةِ مثلاً غير أنَّ الجواب عنه أن يقال الوجوب في المضروب من أموال الصبية لا يخلو إما أن يكون ثابتًا أو لم يكن فإن كان ثابتًا فلا نُسَلِّم تحقُّق العدم في تلك الصورة وإن لم يكن ثابتًا فيها كان الفرع راجحًا على النقض وإلا لثبتَ الوجوبُ ثمةَ بالقياس على الأصول ولم يثبت هذه هو الكلامُ في النقض المركَّب والقولُ في صحته كالقول في صحة القياس عليه وقد تقدَّم أنَّ المحققين لا يستحسنون الكلام
عليه لا قياسًا ولا نقضًا لأن حاصله استدلال بِغَلَطِ خصمِك في مسألةٍ على صواب نفسك في مسألة أخرى ومعلومٌ أن هذا ليس بدليل ولهذا أجمعَ الناسُ على أنه لا يجوزُ الاستدلالُ به على الأحكام الفقهيَّة للناظر المجتهد بحيث يُسْنِدُ إليه اعتقادَه قولاً وفعلاً فتوى وحكمًا وذلك لأنك إذا قِسْتَ عدم الوجوب على العِلِّية أو نقضت به فإن المجادل لك يقول أنا إنما نفيتُ الوجوب عن حُليِّها لاعتقادي أن الزكاة إنما تجبُ في مال المكلِّفين فإن كنت موافقي على صحة هذا الاعتقاد لزمك عدم الإيجاب في ماشيتها وأنتَ لا تقولُ به وإن كنتَ معتقدًا لخطئي في هذا الاعتقاد فليس لك أن تبني على أصلٍ تعتقد خطأ مؤصِّله أو تنقض به قياسًا قامَ دليلُ صحته وذهبتْ طوائفُ من الجدليين المتقدِّمين من نحو المائة الرابعة والمتأخرين إلى استعماله في المجادلات والمناظرات لأن المستدلَّ يقول قد توافقتُ أنا وخصمي على أنَّ حُلِيّ الصبيَّة لا زكاة فيه وإن كان مَدْرَكي غير مَدْركه فمتى انتقضَ قياسُه بهذه الصورة كان قياسًا فاسدًا ومتى قِسْتُ عليه كان قياسي صحيحًا ومَنْعُ الحكم فيه على تقدير صحة عِلَّتي غير مقبول لأن إمامه أو لأنه يُثبتُ الحكمَ فيه مطلقًا فإذا بان فسادُ مأْخَذِه تعيَّن صحةُ مأخذي ولأني وإياه اتفقنا
على الحكم فيه وهو يدَّعي القولَ به منضمًّا إلى جملةِ أقواله فإذا أثبتَ أنه يلزمه ترك القول به أو ترك القول ببعض أقواله التي هي من لوازمه مأْخَذِه فقد حصل الغرض وهذه المنفعة حاصلها بيانُ فسادِ أحدِ مذهبي الخصم من غير تعيين ولا يدلُّ ذلك على صحة قولٍ مُعيَّن للمستدل واعلم أنه إذا كان التركيبُ بين المتناظرين فقط كانت مناظرةً جدليَّةً محضة ولعلَّ الحقَ يكونُ في غير القولين وإن كان التركيبُ بين الأمة فهو أقوى لامتناع أن يكون الحكم في صورة التركيب خلافَ ما أجمعوا عليه ورُبَّما يُجْعَل دليلاً حقيقيًّا على المسألة بأن يقال هذه الحادثة قد اتفقت فيها أقوالُ العلماء على هذا الحكم بأن يُقال الصبيَّةُ لا زكاة في حُليها بالاتفاق وخضروات الأرض الخراجيَّة لا عُشْرَ فيها بالاتفاق والإجماعُ حجةٌ قاطعة فالعلةُ إما كونه حُليًّا وإما كونه مالَ صغير لكن كونه مالَ صغيرٍ لا يجوز أن يكون علة فتعيَّن القولُ الآخر ويلزم من صحَّته سقوطُ الزكاة في جميع الحُلِي وهل لأحدٍ أن يوجبَ الزكاةَ فيها بناءً على موافقة أحدهما في مسألة والآخر في مسألة أخرى هذه من فروع ما إذا اختلفوا في مسألتين على قولين كن هنا القول بالتفريق أبعد لكونه مستلزمًا لمخالفة الإجماع في صورةٍ من الصور لكن جواب هذا أن الإجماع هنا يمنع من توابع ذلك الخلاف
وفيه نظر ولا يكاد هذا ينضبط إلا أن يُعْلَم أن كلَّ من كان في إحدى المسألتين من طرف كان في المسألة الأخرى من الطرف الذي بانضمامه إلى ذلك الطرف يتأَتَّى ذلك الحكم وإن لم يُعْلَم هذا يصير اتفاقًا بين المتناظرين فقط وتلك مناظرة إلزامية لا علمية واعلم أن مسألة الحلي قد يمنع فيها لأن للشافعي وأحمد قولاً بوجوبِ الزكاةِ في الحلي فحينئذٍ يصيرُ في حُلِيِّ الصبيَّةِ خلافٌ مثال ذلك إذا قال الزكاة واجبة في الحليِّ قياسًا على المضروب بجامع ما يشتركان فيه من كونهما من جنسِ الأثمان ونحو ذلك من الجوامع قال المعترض ينتقضُ بحليِّ الصبيَّة فإن الزكاة لا تجب فيها إجماعًا وكذلك أيضًا لو ادَّعى وجوبَ الزكاة على المَدِيْن فنقض عليه بالصغير والمجنون المَدِيْنَيْن وكذلك لو ادَّعى وجوبَ الزكاة فيما لم تَثْبُت عليه اليدُ من عِوَض الخُلْع والصَّدَاق وثمن المبيع والموروث أو وجوبَ الزكاة فيما لا يقدر على قبضِه كالضالّ والمغصوب ونحو ذلك فنقض عليه بمال غير المكلَّف أو نقضْتَ عليه في صورةٍ ادَّعى فيها الوجوب بعدمِ الوجوبِ قبل الحلول أو بعدم الوجوب فيما دون النصاب أو بعدم الوجوبِ قبل بعثة الرسول
وهذا نقضٌ باردٌ جدًّا يتبيَّنُ من له أدنى فَهْم أنه كلامٌ ركيك وفيه تضييع الزمان وخروجٌ عن مقصود المسألة وهو في الحقيقة ليس بنقضٍ أصلاً وبيانُ ذلك من وجوه أحدها أن المستدلَّ يقول لم ادَّعِ وجوبَ الزكاة في كلِّ حُليٍّ ولا نصبتُ الدليلَ على ذلك فإنه من المعلوم أن حليَّ الكفار الذي في المغانم وبيت المال ونحو ذلك لا زكاة فيه وعبارتي لم تدل على ذلك لأني إنما قلتُ الحلي يجب فيه الزكاة واللام في الزكاة للتعريف والزكاةُ المعروفة هي التي أَوجبها الله وهي إنما تجبُ على مالٍ مخصوصٍ بشروط مخصوصةٍ أو الزكاة المعروفة إنما تجب على من تجب عليه زكاة المضروب إذ عندي أن الزكاة التي أوجبها اله لا تجب في مال الصبي والمجنون ومن قال الزكاةُ تجب في هذا أو لا تجبُ لم يكن عليه أن يتعرَّض بشروط الوجوب التي لا تختصُّ بتلك المسألة للعلمِ بأن ما لم يوجد فيه تلك الشروط لم يكن فيه زكاة الثاني أن يقول إنما قلتُ الزكاةُ واجبة في حليِّ النساءِ ومعلومٌ أن هذا يحصل بإيجابه في حليِّ امرأة واحدةٍ لأن اللام لتعريف الحقيقة والماهية والحقيقة تحصل بحصول فردٍ من أفرادها فإذا وجبت زكاةٌ في حليِّ امرأة صحَّ أن يقال وجبتِ الزكاةُ في حُليِّ
النساء وذلك لأن اللام ليست للاستغراق لأن الزكاةَ الواجبةَ في النوع الواحد ليست أنواعًا وإنما هي نوع واحد الثالث أن يقال من فصيح الكلامِ وجيِّدِه الإطلاقُ التعميمُ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد وعلى هذه الطريقة الخطابُ الواردُ في الكتاب والسنة وكلام العلماء بل وكلِّ كلامٍ فصحيح بل وجميع كلام الأمم فإن التعرُّضَ عند كلِّ مسألةٍ لقيودها وشروطها تَعَجْرُف وتكلُّف وخروج عن سَنَن البيان وإضاعةٌ للمقصود وهو يُعَكِّر على مقصود البيان بالعكس فإنه إذا قيل تجب الزكاة في الحُليِّ فقال إن كان لامرأة مسلمة ليس عليها دين حالٌّ لآدمي يُنْقِضُ زكاةَ المال عن أن يكون نصابًا وحالَ عليه حولٌ لم يخرج عن ملكها ويدُها ثابتةٌ عليه وجَبَتْ فيه الزكاة كان ذلك لُكْنَةً وعِيًّا وقد لا يستحضر المتكلِّمُ جميعَ الشروط والموانع فإنَّ هذا في كثير من المواضع لا يكادُ ينضبط بل من فصيح الكلام أن من تكلَّم في شيءٍ كجهة من الجهات لم يلتفت إلى غير تلك الجهة وإذا كان كذلك فقد عُلِم أنَّ قصدي إنما هو الكلامُ في إيجاب الزكاة في الحُليِّ المعدِّ لاستعمالِ المباح في الجملة من غير تعرُّضٍ لشروط الوجوب
وموانعه فلا يجوز أن يُنْقَض كلامي عليَّ بِصُورة عُدِمَ فيها شرطُ الوجوب أو وُجِدَ فيها مانِعُه فإنَّ كلامَ صاحب الشريعة خارجٌ على هذا الوجه كقوله صلى الله عليه وسلم في كلِّ أربعين شاةً شاةٌ وفي خمس وعشرين من الإبل بنتُ مَخاض وفي ثلاثين من البقر تَبيْع وفي الرِّقَة رُبْعُ العشر ولم يقل إذا كانت ملكًا لمسلم لا دَيْن عليه وحالَ عليها الحول وكانت ملكًا لمكلَّف ونحو ذلك لعلمه صلى الله عليه وسلم بأن الناس يعلمون أنه إنما قَصَد بيان مناصب الصدقة وفرائضها دون التعرض لسائر أحكامها وكذلك قولُه لَيْس فيما دون خمسةِ أَوْسُقٍ صَدَقة وليس فيما
دون خمس ذَودٍ صَدَقة وليس فيما دُوْن خمسِ أوَاقٍ صدقة ولم يقل إلا أن تكون للتجارة لعلمه بأنهم يعلمون أنه إنما يكون في الزكاة المتعلِّقة بالعين وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما سَقَتِ السَّماءُ والعيونُ أو كان عثريًّا العشر وفيما سُقِي بالدوالي والنواضح نصف العشر ولم يقل إذا كان مكيلاً مدَّخرًا أو مكيلاً مقتاتًا مدَّخرًا وإلا الحطب والحشيش والقصب لعلمه بأنهم يعلمون أنه إنما قَصد بيان ما يختلف به مقدار الواجب لا بيان أنواع ما يجب فيه ومن تعرَّضَ للكلام في مقدار الواجب لا يستوفي الكلامَ في الأنواع الواجبة الرابع أن اللام في الحلي يجوز أن تكون للجنس ويجوز أن تكون للعهد وإذا كان معهودًا فهو أولى من الجنس وهنا معهودٌ يعودُ الكلام إليه وهو الحُلي الذي فيه النزاع أو الحُلي الذي لو صِيْغ لوجبت فيه الزكاة أو الحُلي الذي تجب الزكاة في سائر ملك مالكه أو الحلي الذي اجتمعت فيه شروط الوجوب وهذا ظاهر الخامس الجواب الذي ذكره المصنف وهو أن يقال إما أن يكون الوجوب في مضروب الصغيرة ثابتًا أو غير ثابت فإن كان
ثابتًا فلا يُعلم تحقق العدم في حُلِيها لأني إنما استدللتُ على وجوب الزكاة في حُلِيّ من تجب الزكاة في مضروبه فإذا كانت ممن تجب الزكاة في مضروبها وجبت الزكاةُ في حُلِيها وإن لم يكن الوجوب في مضروبها ثابتًا فأولى أن لا تجب الزكاة في حليها وإذا لم تجب الزكاةُ في مضروبها ولا حُلِيِّها كان الفرع وهو حُلي المكلَّفة راجحًا على النقض وهو حلي الصبية في الوجوب إذ المكلَّفة وجب في مضروبها والصبيَّة لم يجب في واحدٍ منها لأنه لو لم يكن حُلِيّ المكلَّفة راجحًا على حليِّ الصبيَّة رُجْحانًا يقتضي الوجوب كان مساويًا له ولو ساواه لثبت الوجوب في حُلي الصبيَّة بالقياس على مضروب المكلَّفة كما قِسْتَ حليَّ المكلَّفة على مضروبها وإذا كان الفرعُ راجحًا في صورةِ النقضِ بما يقتضي انفراده بالحكم عُلِم اختصاص صورة النقض بما يوجب اختصاصها بعدمِ الحكم فلا يتعدَّى ذلك الحكم إلى الفرع فلا يصح النقضُ به وحاصلُه أن يُقال للناقِض أنتَ بين أمرين التسوية بين المكلَّفة وغيرها أو التفريق بينهما فإن سوَّيت بينهما لم يسلَّم عدم الوجوب في حُلِيِّ الصبية وإن فَرَّقْتَ بينهما لم يصح النقضُ بها لاعترافك أن الوجوب على المكلَّفة يثبت مع عدم الوجوب على الصبيَّة حيث فرَّقِتْ بينهما في المضروب ويلزم من ذلك أن يكون الفَرْع
راجحًا على صورة النقض إذ لولا رُجْحانه عليه لألْحِقت صورة النقض بالأصل لمساواتها الفرع وبيانُه بعبارةٍ أُخرى أن يقال ما ذكرتَه من الدليل يقتضي التسوية بين المضروب والحلي فإن وجبتِ الزكاةُ في مضروب الصبيَّة منَعْت عدم الوجوب في حُليها وإن لم تجب الزكاة في مضروبها لم يصحَّ النقضُ بحليها لأن حليها دون حُلي البالغة لأنه لو كان مثله لوجبت الزكاةُ فيه وبما ذكرته من الدليل وكان كثير من العلماء يُجيبُ عن هذا النقض بالتسوية ويقول أنا مقصودي التسوية بين الحلي والمضروب فإذا استويا في الوجوب في الصورة التي قِسْت عليها فاستويا في عدم الوجوب في الصورة التي نقضتَ بها كان ذلك دليلاً على صحة الجمع بينهما وهذا كلامٌ صحيح من جهة الفقه وإنَّما اختلفوا في قبوله في الجدل على خلافٍ مشهورٍ في الأصول والجدل فإن قيل قولُ المستدل إن كان الوجوب ثابتًا في مضروب الصبيَّة لم أُسَلِّم أنَّ الحكم في الحلي مُنِع على خلاف الأصل فلا يُسْمع فإنَّ الحليّ لا زكاة فيه اتفاقًا والحكمُ إذا اتُّفِق عليه لم يَجُز منعُه على تقديرٍ من التقادير لا سيِّما وهو منع الجمع عليه على تقديرِ ممكن فإن الوجوبَ في مضروبها ممكن لأنه مختلَفٌ فيه
فالجواب من وجوه أحدها لا نُسَلِّم أن عدمَ الوجوب في حُلِيِّها متفقٌ عليه بل هو قولٌ معروفٌ وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد ومذهب كثير من العلماء كإسحاق بن راهوية وغيره ممن يوجبُ الزكاةَ في الحلي وفي مال الصبيِّ والمجنون لكن هذا المنع يختصُّ بمثل هذه الصورة الثاني أنِّي إنَّما منعتُ الوجوبَ على تقدير الوجوبِ في مضروبها وهذا التقديرُ غيرُ واقعٍ عندي لأن عندي لا تجبُ الزكاة في مضروبها فإذا قلت تجبُ الزكاة في حُليها وهو قول باطل على تقدير الوجوب في مضروبها وهو قول باطل لم أكن قد التزمتُ مُحالاً وهو كقوله قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) [الزخرف 81] وقوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس 94] وليس يلزمني إذا ثبتَ بطلانُ الباطل على أصلي أن أُثْبته على أصلِ غيري الثالث أن الذي ذكرتُه مطابقٌ لمعتقدي فإني إنما نفيتُ الوجوبَ في الحلي لاعتقادي انتفاءه في المضروب فإن صحَّ اعتقادي الثاني لم يصح النقض به لوجود الفرق بين الصغير والكبير وإن لم يصح اعتقادي الثاني أكونُ مخطئًا في نفي الوجوب عن حُلِي الصبيّ إذ لا
مستند عندي لانتفائه سوى عدم التكليف وهو يشمل القسمين فإذا لم يكن مستندًا صحيحًا بَطَل قولي في صورة النقض فلا يجوز أن يُحتج بخطئي في تلك الصورة على حكم هذه المسألة وهذا كلام من لا يصحِّح النقضَ المركَّب والقياسَ المركَّب ومن صحَّحه قال له أنتَ قد سوَّيتَ بين الحلي والمضروب وجوبًا على المكلَّفة وسقوطًا عن الصبيَّة وعدمُ الوجوبِ في حُلي الصبيَّة ينقضُ استدلالَك على التسوية في الوجوب فإن صحَّ قولُكَ في نفي الوجوب على حُلي الصبيِّ بَطَل استدلالُك وإن صحَّ استدلالُك بطلَ قولُك في صورة النقض فليس تصحيح استدلالِك بتقدير خطئك في صورة النقض بأولى من تصحيح قولك في صورة النقض بإبطالِ استدلالك بل هو أولى لأن صورة النقض لا يمكن انتفاءُ الحكم فيها ألبتة لأن الحكم فيها ثابتٌ إجماعًا يقال ذلك في مجمعٍ عليه بين الأمة والأمةُ معصومةٌ عن الخطأ ففي تخطئتِكَ في الحكم تخطئةٌ لجميعِ الأُمَّة وذلك باطل بخلاف تخطئتك في المأْخَذِ فإنه شيءٌ انفردْتَ به والخطأُ جائز على أبعاضِ الأُمة ويجوزُ أن تجتمعَ الأمة على حكم ويكون مستند بعضهم فيه ما ليس بدليل وإن لم يَجُز ذلك على جماعتهم لأن العصمةَ إنما شَمِلَتْهم فيما أجمعوا عليه وهم لم يُجمعوا على ذلك المأْخَذِ
وصاحبُ ذلك المأْخَذِ وإن كان مخطئًا في نسبة الحكم إليه لكن لما وافقَ الجماعةَ شملته بركةُ الجماعة فأصابَ الحقَّ في تلك الواقعة لموافقةِ الجماعة لا لمأْخّذه وهو غير آثم لأنَّ غايةَ وُسْعه كانت إدراك ذلك المأْخَذ وبناء الحكم عليه إنما كُلِّف بما في وُسْعه وجوابُ هذا أن يُقال إنما يبطل استدلالي بالإيجاب في حُلي الصبيَّة إذا أوجَبْتُه في مضروبها وأما إذا نفيتُ الوجوب في حُليّ الصبيَّة على وجهٍ يستلزمْ النفيَ في مضروبها فإنَّ استدلالي صحيح لأن النقض حينئذ لا يصح لكون صورة النقض تكون أولى بعدم الوجوب في حُلي البالغة ومختصَّة بما يمنعُ الوجوب فيها وأنا لم أنفِ الحكمَ الثابت إجماعًا في نفس الأمر وإنما نفيتُه على تقديرٍ هو عندي غير واقع وعندي أني مصيبٌ في الأمْرَين ولو فرضنا أني أخطأتُ في أحدهما فدليلي في هذه المسألة إنما يبطل إذا عُلم أني أخطأتُ في نفي ذلك التقدير وهو الوجوب في مضروب الصبيَّة لأنه بتقدير أن أكون أصبتُ في نفي ذلك التقدير فالدليل الصحيح لاستلزام عدم الوجوب في المضروب عدم الوجوب في الحلي فتترجح صورةُ النقض على الفرع وأنتَ لم تُقِمِ الدليل على خطئي في تلك المسألة فلا يكون نقضُك صحيحًا وهذا كلامٌ محقَّقٌ في نفسه واعلم أنه يمكنُ الاعتراضُ على الجواب الذي ذكره المصنف بأن يقال قولك لو لم يكن ثابتًا فيها كان الفَرْع راجحًا على النقض
قلنا لا نُسَلِّم قولك وإلا لثبتَ الوجوبُ ثمَّة بالقياس على الأصل قلنا إنما يلزم من عدم رُجحان حُلي البالغة على حُلي الصغيرة الوجوبُ في حلي الصغيرة بالقياس على مضروب البالغة إذا ثبتَ أن الحُلي بمنزلة المضروب وإنما يثبتُ هذا إذا سَلِمَ قياسُك عن النقض وهو لا يَسْلم عن النقض إلا بهذا الجواب وهذا الجواب لا يتم إلا بالقياس فيلزم تصحيح الشيء بنفسه وذلك مُصَادَرة وهي غير جائزة ولو سلَّمنا الرُّجحان فإن ذلك لا يمنع من النقض وتقريرُ هذا الجواب أن يقال إن لم يكن الوجوبُ ثابتًا في مضروب الصغيرة فقد ثبتَ رُجحان الكبيرة على الصغيرة بالوجوب في مضروبِ هذه دون هذه وإذا ثبتَ رُجحان مضروب هذه على مضروب هذه لَزِم رُجحان حُليها على حُليها لأن نسبةَ المضروبِ إلى المضروب كنسبة الحُلي إلى الحُلي والعلمُ به ضروريٌّ وإذا ترجَّح الفرعُ على صورة النقض عُلِمَ اختصاص النقض بوجود مانع أو بفوات شرط فيكون انتفاءُ الوجوب كذلك والفرقُ بين هذا التقرير وتقرير المصنف أنه قاسَ حُلي الصغيرة على مضروب الكبيرة بتقدير عدم الوجوب في مضروب الصغيرة وعدم رُجحان حُليها على حُليها وهو عَوْد إلى أصلِ الدليل وهذا قياسٌ لنسبة حُليِّ هذه إلى حُلِّي هذه على نسبة مضروب هذه إلى مضروب هذه ولا ريبَ أن قياس النسبة على النسبة لا يمكن منعُه
قوله أو يقال إذا لم يكن ثابتًا ثمَّة يكون ثابتًا هنا إجماعًا ولو ثبتَ هنا لكان الحكمُ في الأصل مضافًا إلى المشترك على ما عُرِف وهذا جوابٌ بأنَّ النقضَ على تقدير عدم الوجوب في مضروب الصبية يقول إذا لم يكن الوجوبُ ثابتًا في مضروب الصبيَّة يكون ثابتًا في الفرع وهو حُلي البالغة إجماعًا لعدم القائل بالفَرْق لأن القائل قائلان قائل يقول إنه يجبُ في مضروب المكلَّف وغير المكلَّف دون الحلي وقائل يقول يجب في مضروب المكلَّف وحُليِّه دون مال الصبي فإذا قيل إنه لا يجب في مضروب الصبيَّة فإنه يجب في حُلي البالغة ومضروبها ولو ثبتَ الوجوبُ في حُلي البالغة لكان الحكم في الأصل وهو مضروبها مضافًا إلى المشترك بين الحليِّ والمضروب وهذا الجواب مُسْتَدْرَك من وجوه أحدها أنه مبنيٌّ على عدم القائل بالفرق بين مسألتين مختلِفَتَي المأْخَذ والطريقة وهو مَسْلك رديءٌ جدًّا لم يسلكه أحدٌ من أهل
الفقه والأصول ولا سلكه أحدٌ من أهل الجدل المحقِّقين وإنما يسلكه من لا خَلاقَ له من المغالطين وبيانُ ذلك أن العلماء إذا اختلفوا في مسألتين على فولَيْن فهل يجوز لمن بعدهم أن يأخذ بقول هؤلاءِ في مسألةٍ وبقولِ هؤلاء في مسألة فإما أن يكونَ مأخذُها وطريقةُ الحكم فيها مُتشابهًا كزوج وأبوين وزوجة وأبوين ونحو ذلك فهنا قد اختلف الناسُ فمنهم من قال له أن يأخذ بقول هؤلاء في مسألة وقول هؤلاء في مسألة كما فعل مَسْرُوق وهذا قول أكثر الفقهاء وهو قول أكثر الشافعية والحنبلية وهو المختار ومنهم من قال ليس له أن يُفَرِّق بينهما وهو قول طوائف من الفقهاء وأما إن صرَّحوا بالتسوية بينهما أو كانت إحداهما من فروع
الأُخرى أو كانت جميعًا أصلاً لفرعٍ واحد بحيثُ يكون أهل الإجماع قد صرَّحوا بذلك فهنا لا يجوز التفريق بلا ريب كوجوب الزكاة في مال الصبيِّ والمجنون وكالردِّ وتوريث ذوي الأرحام وذهبَ طائفةٌ من الناس إلى جواز التفريق مطلقًا وإن صرحوا بالتسوية وأما إن كانت التسويةُ بين المسألتين أو كون إحداهما فرعًا للأخرى أو كونهما فرعين لأصلٍ واحدٍ مما يُعْلَم بالاستدلال وقد ينقدح خلاف ذلك فهذا كالقسم الأول كإيجابِ الزكاةِ في جميع أموال الصبيِّ أو نفيها عن جميع أمواله وفرَّق أبو حنيفةَ بين الغِرِّ وغيره وأما إن كان مأْخّذ المسألتين مختلفًا متباعدًا بحيثُ لا تعلُّق لأحدهما بالأخرى كإيجابِ الزكاة في الحُلِي وإيجابها في مال الصبيِّ والمجنون وإيجاب الزكاة على المَدِيْن وإيجابها في الخُضْروات ووجوب القَوَد بالمُثَقَّل وقَتْل المسلم بالكافر وإيجاب الحدِّ على الكافر المُحْصَن وعلى من زنى بذوات محارمه ونفيه عنهما ونحو ذلك من المسائل فقد اتفق الفقهاءُ بل العقلاءُ على أنه لا يلزم الموافقةُ في إحدى المسألتين الموافقةَ في الأخرى وليس