فصل في الدوران
اعلم أن الدورانَ في الأصل مصدرُ الشيءُ يدورُ دَورًا وَدَوَرَانًا لكن فَعَلاَن في المصادر يُؤذِنُ بقوةِ الفعلِ وشدة الحركة مثل الغَلَيان والنَّزَوان والشَّنَآن فإذا دارَ الحكمُ مع الوصف وجودًا وعدمًا فهل يدلُّ ذلك على كونه عِلَّةً في الجملة فالذي عليه أكثر فقهاء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأكثر أهل الأصول والجدل أنه يفيد عِلِّيةَ الوصف وذهب طوائف من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا دلالة له على ذلك وزعموا أن المواضع التي استفيدت منها العِلِّيّة إنما كان للمناسبة أو للسبر والتقسيم أو نحو ذلك قالوا لأن الطّردَ المحضَ لا يُفيدُ العلية والعكس ليس بشرطٍ في العلل الشرعية فانضمامُ ما لا يُفيد لا يُفيد بخلاف انضمام المخبر الواحد إلى المخبر فإن خبر كلِّ واحدٍ من المخبرين يُفيد قدرًا من الظنّ فإذا اجتمعت الظنونُ جاز أن يَبلُغَ العلم أما الطرد المحض فلا أثرَ له وكذلك العكس قالوا ولأنا قد وجدنا كثيرُا من الدوران لا يُفيد العلّية فإن الحكم يدور مع أجزاء العلة وأوصافها واحد المعلولين مع الآخر وكلّ واحدٍ من المتضايفَيْنِ مع الآخر ودوران الحدّ مع المحدود
والاسم مع المسمَّى وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك لكن الذي عليه أكثر الناس أن الدورانَ في الجملة يُفيد العليّةَ ويُسمِّيه الفقهاء العراقيون الطرد والعكس ويُسمّيه بعضهم السلب والوجود ثم منهم من قال يُفيد العلةَ قطعًا ومنهم من قال يُفيدها ظنًّا وأما تفسيرُه فهو وجودُ الحكم عند وجودِ وصفٍ وعدمُه عندَ عدمِه أو وجودُ أمرٍ عند أمرٍ يمكن أن يكون علةً له وعدمُه عند عدمِه فهو مركّبٌ من الوجود والعدم وهو يُفيد علّيّةَ الوصف للحكم ما لم يزاحِمه مدارٌ آخر ومنهم من قال يفيد علّية الوصف ما لم يُعلَم خلافُ ذلك فالدائر هو الحكم والمدارُ هو الوصف سُمِّي مدارًا لأن المدارَ في الأصل موضع الدوران والحكم قائم بمحلّ الوصف فكأنه قائمٌ بالوصف تقديرًا فإن العصير إذا اشتدَّ حصلّ فيه التحريمُ فكان الشدَّةُ محلاًّ للتحريم فإذا صارتْ خَلاًّ زالتِ الشدَّةُ فزالَ التحريمُ ثمّ وجودُ الوصف وعدمُه تارةً يكون في محلٍّ واحد كوجود الشدَّة في الشراب وزوالِها منه وتارةً في محلَّينِ كوجود النصاب الزكَويّ مقترنًا بالزكاة في محلٍّ وعدمِه في محلٍّ آخر والأول أقوى من الثاني قال صاحب الجدل هو ترتُّب الأثر على الشيء الذي له صلاح العِلِّيّة مرةً بعد أخرى
وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوهٍ أحدها أن قوله ترتُّب الأثر على الشيء معناه وقوع الأثر عن الشيء وصدورُه عنه ونحن لو علمنا انه مرتب عليه علمنا علّيتَه قبل الدوران الثاني أن قوله له صلاح العلّية يعني أن يكون المدار مناسبًا للأثر أو يعني به أن لا يُعلَم بطلانُ إضافة ذلك الأثر إلى ذلك الشيء أو يعني به شيئًا ثالثًا فإن عَنَى به الأول فالمناسبة وحدها لا تصلح في الدلالة على العلّية فكيف بمن يجعل الدوران قسمًا آخر وإن عَنَى به الإمكان والجواز لجاز لأصحاب الأقيسة الطردية المحضة أن يدَّعوا فيها الدوران لا سيما في التعبديات فإن الأوصاف التي يجعلونها عللاً يمكن إضافة الحكم إليها في الجملة فإن الشرع لو وردَ بذلك لم يكن محالاً لا سيما عند من يجعل العللَ علاماتٍ ودلالاتٍ لا يشترط فيها الاقتضاء والتأثير الثالث أن ترتُّبَه عليه مرةً بعد أخرى معناه اقترانُه به مرةً بعد مَرَّةٍ وذلك عبارة عن وجود الأثر مع وجود الشيء وهذا أحد وصفَي الدوران والوصف الآخر عدمُه عند عدم ذلك الشيء ولم يذكر ذلك وقد ذكر في أثناء كلامه أنه لا يُشترط في الدوران المقارنةُ في الوجود والعدم وهذا خلاف ما عليه أكثر أهل الصول والجدل وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وربما كان قال بعضهم هو ترتب الأثر على الشيء في الوجود مرةً بعد أخرى
قوله واعلم أن الدوران غير الدائر والمدار ولا يتوقف وجوده عليهما كلام ظاهر فإن الدائر هو الحكم والأثر مثلاً والمدار الوصف والدوران اقتران أحدهما بالآخر بحيث يوجد بوجوده ويُعدَم بعدمِه ووجود الدوران لا يتوقف على وجود المدار ولا على وجود الدائر لجواز كونهما عدميين كما تقدم مثل ذلك في التلازم وإن كان الكلام هناك أظهر فإن الدوران فيه علة ومعلول وهذا لا يكون الماهيات المحضة وإنما يفعل غالبًا في الموجودات أو الاعدامات ونحو ذلك وعلى ذلك فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام لأنهما إما أن يكونا وجوديَّين كالسُّكر والتحريم وطلوع الشمس والنهار أو عدميَّين كعدم هذين مع عدم علتهما أو المدار وجوديًّا والدائر عدميًّا كالأحكام المعلَّلة بوجود المانع أو بالعكس وفيه خلافٌ مبنيٌّ على جواز تعليل الأحكام بالأمور العدمية والصحيحُ جوازُه في الجملة إذا كان العدم مستلزمًا لأمرٍ وجوديّ ونحو ذلك قال المصنف ثم المدار قد يكون مدارًا وجودًا وعدمًا كالزنا الصادر من المحصن لوجوب الرجم عليه فإنه لو وُجِد يجب الرجم ولولاه لا يجب وقد يكون وجودًا لا عدمًا كالهبة لثبوت الملك فإن الملك يثبت عند وجود الهبة ولا ينعدم عند عدمِها قطعًا لاحتمال أن يكون ثابتًا بالإرث أو بغيره وقد يكون عدمًا لا وجودًا كالطهارة
لجواز الصلاة فإن الجواز يُعدَم عند عدم الطهارة ولا يوجد عند وجودها لجواز أن لا يتحقق شرطٌ من الشرائط كاستقبال القبلة وغيره واعلم أن معنى هذا الكلام ظاهر وإن كان في بعض تركيبه خروجٌ عن لسان العرب واللحنُ بما يُشوِّهُ وجهَ المعاني إذ الألفاظ قوالبُ قلوبها الأجساد أرواحها وهي مغايرها ومظاهرها وكسوتها فإن لم يستقم حدّ الاستقامة فلا بدّ أن يتضعضع المعنى وحاصلُه أن الشيء قد يكون مدارًا لغيره وجودًا وعدمًا وهو اللازم المساوي كوجوب العبادات والحدود مع شروطها المعتبرة وحصول التحريم في العصير عند الشدة وحصول حِلّ الوطءِ مع مِلكِ النكاح أو اليمين وقد يكون مدارًا له عند وجودِه فقط حيث يوجد الحكم إذا وُجِد الوصف ولا يجب أن يُعدَم بعدمه كالأسباب الموجبة للملك من البيع والهبة والوصية والإرث والاغتنام والاصطياد والاحتشاش والاحتطاب والأسباب المبيحة للدم من الردّة والقتل العمد المعتبر والقتل في المحاربة والأسباب الناقضة للوضوء من التغوط والبول واللمسين والنوم ونحو ذلك وقد يكون مدارًا له عند عدمٍ بحيث يُعدَم الحكم عند عدم الوصف ولا يجب أن يوجد بوجوده كدوران عدم الأحكام عند عدم شروطها فإنه إذا عُدِم شيءٌ
من شروط صحة الصلاة أو الحج أو الصوم عُدِمت صحةُ العبادة ولا توجد بوجود ذلك الشرط وحده وكذلك الإحصان في وجوب حد الزنا والحول في وجوب الزكاة وهذا كلام أصحاب هذا النوع من الجدل وهو طريقة أصحاب الطرد الذين يجعلون مجرَّد اقتران الحكم بالوصف وسلامته عن النقض دليلاً على العلية وهو قول جماعة من الشافعية والحنفية والحنبلية لكن لابدّ أن ينضم إليه صلاح الوصف للتعليل في الجملة لا سيما إذا تكرر الحكم معه احترازًا عن الطرد الركيك كقولهم طويل مشقوق فلا ينتقض الوضوء بمسّه كالبُوق وقولهم مائع لا يبني القناطر لا موتها يحصل والعجب أن أكثر القدماء الخراسانيين خصوصًا أهل ما وراءَ النهر كانوا لا يَرضَون بالطرد والعكس دليلاً على العلة وعابوا من يسلك ذلك مثل أبي زيد الدَّبُوْسي ودونه فأصبحوا يكتفون بمجرّد الطرد وحجة هؤلاء أنا قد رأينا الاقتران على الوجه الذي ذكرناه يُفيد ظنّ العلّية والظن الراجح إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه يجب اتباعُه احترازًا من اتباعِ المرجوح أو الجمعِ بين الضدَّين أو تعطيل الحادثة عن الحكم
والذي عليه عامة الفقهاء وأهل الأصول والجدل أن الدوران هو القسم الأول فقط وهو دوران الحكم مع الوصف وجودًا وعدمًا وما لم يكن كذلك لا يسمونه دورانًا وما في الفَعَلاَن من المبالغة يُساعِدهم على ذلك وأما اقترانه وجودًا فقط أو عدمًا فقط فلا يَدُلُّ بمجرَّده على العلّية إلاّ بدليل منفصل وهؤلاء لا يكتفون بمجرد الاطراد دليلاً على العلية حتى يكون معه دليلٌ على ذلك من مناسبةٍ أو انعكاسٍ يُقوِّي الطردَ أو تأثيرٍ أو شهادةِ الأصول أو غيرِ ذلك من الطرق التي يُعلَم بها كونُ الوصفِ مناطًا للحكم وأكثر من رأيناه يَستدلُّ بالطرد المحض لا يُسمّيه دورانًا وإنما جعلَه من قسم الدوران طائفة من المتأخرين والأمر في ذلك يؤول إلى الاصطلاح فأما كونه دليلاً على كون الوصف علةً فهو أمرٌ علميٌّ وما لم يُشَمَّ منه رائحةُ الاقتضاء والتأثير ففي تعليق الحكم الشرعي به ورَبْطِه به نظرٌ والذي عليه جماهير المحققين إنكارُ ذلك ثم مع ذلك فاستعمال الفقهاء المتأخرين في مصنفاتهم له أكثر من أن تُحصَى وتحقيق القول فيه يحتاج إلى تأصيل وتفصيل ليس هذا موضعه وأجمع المعتبرون على أن ما عُلِم استقلالُ غيرِه بالحكم لم يُلتفت إليه إنما التردد عند انحسام مسالك أقيسة المعاني فقد يكون الطرد منّا متوجهًا لا سيما عند من يقر به من الشبه والغالب عليه أنه لا حاصل فيه وما كان مدارًا وجودًا وعدمًا فإنه لا يتعدد أما ما كان
مدارًا وجودًا فقط أو عدمًا فقط فإنه يجوز تعدُّده قال المصنّف وقد يقال بأن المدار إذا لم يكن معينًا لا يتم كما إذا قال في مسألة الأكل والشرب شيء هو متحقق هنا مُوجِبٌ لوجوب الكفارة فإن الوجوب دار معه وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي فصل الوقاع أول مرة وأما عدمًا ففي الإفطار بالحصاة والنواة وغيرهما لأن الخصم يقول شيء هو متحقق هنا موجب للعدم فإن العدم دار معه وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي فصل الأكل والشرب مرةً ثانية وأما عدمًا ففي فصل الوقاع أول مرة هذا كلام قريب فإن من ادعى إضافة الحكم إلى وصف مبهم وادَّعى دورانَ الحكم معه وجودًا وعدمًا لم يُسلَّم له ذلك أولاً بل يمكن أن يقال لا يُسَلَّم أنه دائرٌ معه وجودًا وعدمًا لأن دورانه معه وجودًا أن يكون ذلك الوصف بحيث يوجد الحكم عند وجوده ودورانه معه عدمًا أن يكون بحيث يُعدَم الحكم عند عدمِه ولا يكفي وجودُه معه في صورةٍ دون أخرى ولا عدمُه في صورةٍ دونَ أخرى فما لم يتعيَّن ذلك الشيء لم يُسَلَّم له ثبوتُه في جميع صور الوجود وانتفاؤُه في جميع صور العدم إذ الحكم على الشيء فرعُ تصوُّرِه وأيضًا فإنه يمكن معارضتُه بمثله كما ذكر فإنه قال في مسألة وجوب الكفارة بالأكل والشرب شيء هو متحقق هنا موجب
لوجوب الكفارة ويعني به شيئًا من الأشياء الموجودة هنا وفي صورة الوقاع كإفساد الصوم بأحد الأفعال الثلاثة أو بمتبوع جنسه أو تعمد الإفساد بما يشتهي ونحو ذلك فإن وجوب الكفارة دار معه وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي صورة الوقاع وأما عدمًا ففي صورة الحصاة والنواة والأكل ثاني مرة عند من يُسَلِّم ذلك أو في كلّ صورة عدم الفطر بالكلية ويعني به عدم ما هو منتفٍ في الصورتين فإن الخصم يُمكِنه أن يُعارضَ هذا الكلام بمثله فيقول شيء هو متحقق هنا موجب لعدم وجوب الكفارة فإن العدم دار معه وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي الصور التي لا تجب فيها الكفارة وأما عدمًا ففي صورة الوقاع وإن منع وجود الموجب هنا قال أعني به ما هو موجود فيها وإن منع عدمه قال مثل ذلك وإذا أمكن المعترضَ مثلُ ذلك لم يتم استدلال المستدل يجعل المدار شيئًا منكَّرًا فإن كان المدار منكَّرًا مخصوصًا وهو المبهم مثل أن يدّعي مدارِيَّةَ أحدِ شيئين أو أشياءَ فإن هذا قد يتم إذا لم يُمكِن المعترضَ أن يعارضَه بمثله وذلك بأن يكون الحكم مختلفًا هما يقال في مقابلته فلا يتم دون المعترض قال المصنّف أما إذا كان المدارُ معيناً فإنه يتم كما إذا قال في هذه المسألة بأن الهتْكَ وهو إفساد صوم رمضان بأحد الأفعال الثلاثة عن تعمُّد أول مرة موجبٌ لوجوب الكفارة فإن الوجوبَ دار معه وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي فصل الوقاع أول مرة وأما عدمًا
فظاهر ودورانُ الأثر مع الشيء وجودًا وعدمًا آيةُ كونِ المدارِ علةً للدائر كما في النظائر أما المدار المعيّن المعلوم فالاستدلال به جائز في الجملة وهذا المثال الذي ذكره قد تعيَّن مدارُه وإن تنوَّع الإفساد لأن القدر المشترك بين الجميع وهو الإفساد بواحدٍ منها متعين وهذا بخلاف المدار المبهم أو المنكّر فإنه غير متعين واعلم أنا نرتضي أن الدوران يفيد كونَ المدار علةً للدائر بشرطِ أن لا يُزاحمه مدارٌ آخر فإن دارَ مع أشياءَ لم يجز الحكم بجعل أحد تلك المدارات علةً دون الآخر ولا بأن يُجعل الأعمّ هو العلة دون الأخصّ إلاّ بدليل مفصّل إذ الحكم قد يقترنُ به صفات كثيرة لا تتميز العلة عن غيرِها إلاّ بدليل فلو جاز أن يقتطع الإنسان ما شاء من تلك الصفات ويجعلها علةً ومدارًا لم يَعجِزْ عن ذلك أحدٌ وذلك يوجب وَضْعَ الشرع بالرأي من غير دليل وأيضًا فإنا نعلم اضطرارًا إذا كان هناك أمورٌ قد دارَ الحكم معها وهي صالحة لإضافته إليها فإنه ليس دعوى أن المدار هذا بأولى من دعوى أن المدار هو الآخر وإذا ادَّعَى مُدَّعٍ أن بعضها صالح للتعليل وبعضها غير صالح فلابدّ من التأثير لما يدَّعى صلاحه حتى يفصل الحاكم بين الخصمين
إذا تبيَّن هذا فهذا المثال الذي ذكره صاحبُ الجدل غيرُ مستقيم أن يحتج فيه بالدوران وذلك أن العلماء اتفقوا على أن الجماع الذي أفسد به صوم رمضان متعمدًا أول مرة يُوجب الكفارة العظمى مستندين في هذا الإجماع إلى حديث الأعرابي المشهور ثم اختلفوا في ضابط ما يوجب الكفارة فقال مالك مُطْلَقُ الإفطار عمدًا مُوجبٌ حتى بالحصاة والنَّواة وسواء كان وردَ على صوم أو منعَ انعقادَ الصوم وقال أبو حنيفة الموجب هو الإفطارُ عمدًا بمتبوع جنسه أو بأحدث الثلاث كما ذكره المصنف وقال الشافعي الموجب هو الوقاع المانع من الصوم الواجب في نهار رمضان عمدًا وقال أحمد هو الوقاع في نهار رمضان ممن وجبَ عليه الإمساك وربما قال هو المباشرة الموجبة للغسل وأوجبَه على من طلعَ عليه الفجرُ ولم يَنْزِع وأوجبه على من أكلَ أو شربَ أو لم يَنوِ أو جامعَ ثم كفر وتفصيل مآخذهم له موضع آخر
وإذا قال المستدل المدار هو هَتْكُ صوم رمضان بالأفعال الثلاثة إلى آخره قيل له وجوه أحدها لا نسلِّم أن الحكم دارَ مع هذا الوصف وجودًا لأنه دورانَه مع وجودُه في جميع مواضع وجودِه أو وجدودِه في صورٍ كثيرة من صورِ وجودِه فلا يُغنيك بيانُ وجودِه في صورة واحدة من صور وجود المدار فإن ادعيتَ في إثباتِ نفسِه فذلك غير جائز وإن أثبتَّ بالدليل وجودَه في جميع صور المدار المدَّعَى كان ذلك مُغنِيًا لك عن دعوى أن هذا المدار علةٌ للدائر فإن مقصودك بإثبات هذا الدوران إثباتُ الحكم في صورةِ النزاع فإذا لم يكن بيان الدوران إلاّ ببيان ثبوت الحكم في جميع صور النزاع كان ثبوت كلٍّ منهما متوقفًا على ثبوت الآخر وذلك دورٌ باطل وهذا قَدْحٌ بيِّنٌ فينبغي أن يتفطَّن له فإن هؤلاء المغالطين بالدورانات الفاسدة يُثبِتون دورانَ الحكم مع الوصف وجودًا بثبوتِه صورةٍ من صور وجودِه دون سائرِ صور وجودِه وليس هذا معنى الدوران الثاني لا نُسلِّم أنه دار معه عدمًا وقوله فظاهر ليس بظاهرٍ لأن انتفاء الكفارة فيما عدا هذه الصورة إمّا أن ثبتَ بنصٍّ أو إجماع أو
قياس وليس في المسألة نصٌّ ولا إجماع فإن مالكًا يوجبها في كل إفطارٍ والإفطار بغير الثلاث من جملة صور العدم وأحمد يوجبها بالوقاع المحرَّم في نهار رمضان وإن لم يكن إفسادًا فيوجبها بكلّ هَتْكٍ لحرمة الزمان الذي وجب صومه عليه سواءً صامَه أو لم يَصُمه والثلاثة يوجبونها على من جامعَ قبل طلوع الفجر واستدامَ بعد طلوعِه وليس هناك إفساد صوم فكيف يصح مع هذا الخلاف أن يقال عدم الكفارة عند عدم ظاهر ولم يذكر على ذلك دليلاً قياسيًا الثالث أن يقال كما دارَ مع ما ذكرتَ من الضابط فقد دار مع الوقاع الهاتكِ حرمةَ رمضانَ وقد دارَ مع الإفطار الهاتك وقد دارَ مع الوقاع الهاتك لحرمة الصيام فَلِمَ عَيَّنْتَ إحدى المداراتِ بالعِلِّيّة دون الآخر الرابع قوله دوران الأثر مع الشيء آية كون المدار علةً للدائر قلنا لا نُسلِّم ذلك في شيء من المواضع ولم يذكر على ذلك دليلاً والنظائر التي أحالَ عليها لم يُثبتها وكلُّ موضعٍ يُثبت إضافةَ الحكم إلى وصفٍ لم يُسَلِّم أن ذلك يُعرَف بالدوران فإن لم يَقُم الدليل على أن ذلك عُرِفَ بالدوران وإلاّ لم يتم وهذا سؤالُ من يقول إن الدوران لا يفيد العِلِّيّة وهو مذهب مشهور الخامس سلَّمنا أن الدوران يُفيد العِلّيّة لكن إذا لم يُزاحِم
المدَّعى مدارٌ آخر وعلى الإطلاق فلا بدّ من دليل يدل عليه وإن ادّعاه إلاّ عند المزاحمة فالتزاحم هنا لموجود وإن قال الشرط كون المدار صالحًا للعِلّيّة قلنا هذه المدارات كلُّها صالحة للعلّية فلمَ عينتَ أحدَها دونَ الآخر وهذه أسوِلةٌ صحيحةٌ ليس عنها جواب سديدٌ وهي تَهْتِكُ س~رَّ هذه التلبيسات فإن قيل أما السؤال الأول والثاني فبناؤهما على أن الدوران لابدّ فيه من وجدِ الدائر في كل صورة من صور انتفائه وهذا لا يصحّ لأن مقصودَ الدوران الاستدلال على علة الحكم في المحل المعلوم لتعلُّقِه بها في محلٍّ آخر فإن كان العلم بالعلّية موقوفًا على العلم بجميع صور وجود العلة وعدمها مع العلم بوجود الحكم وانتفائه لكُنّا قد علمنا جميع موارد الحكم وجودًا وعدمًا وذلك يُغنِينا عن إثبات الحكم بالعلة المعلولة بالدوران قلنا أولاً قد تكون فائدة الدوران إضافة الحكم إلى المشترك في صور الوجود لا أصل ثبوت الحكم وثانيًا أنه قد يقال لابدَّ من الدوران في جميع الصور التي
وُجِدتْ ليُستَدلَّ به على الحكم في الصور التي لم توجَد بعدُ أو يقال لابدّ من الدوران في جميع الصورِ الثابتِ حكمُها بالنصّ أو الإجماع ليُستدَلَّ به على مواضع السكوت أو النزاع وثالثًا لابدَّ إذا قلنا دارَ الحكمُ معه وجودُا أن يثبت بالدليل أنه وجد معه في الصور التي علمنا وجودَه وانتفَى معه في الصور التي علمنا انتفاءَه فأما إذا وُجِد معه في صورة واختلفا في انتفائِه معه في صورة أخرى فما لم يقم الدليل على الوجود والعدم لم يثبت الدوران وأما السؤال الرابع فجوابه من وجوه أحدها الدورانُ يُغلِّب على الظنّ عِلِّيةَ المدار كما يشهد به العُرْف فإن الناسَ إذا رأوا أنواعَ الأدوية دارتْ معها أنواعُ الأشفية غَلَبَ على ظنِّهم أن ذلك الدواء شببٌ لذلك الشفاء وإن كان جاز أن يكون أصلُ ذلك عُلِمَ بوحي وكذلك من رأوه يغضب أو يفرح أو تتغيَّر أحواله النفسانية وأعراضه الجسمانية عند سبب ويزول ذلك الأثر عند زوالِه قَضَوا بإضافة ذلك الحكم إلى السبب وإذا كان يُفيد غلبةَ الظنّ عند تجريد النظر إليه وجبَ اتباعُه ما لم يُعارِضْه مثلُه أو أقوى منه لأن هذا مقتضى جميع الأدلة الثاني أن ذلك الحكم لابدَّ له من سبب والأصلُ عدمُ ما سِوَى
المدار فتعيَّن المدار الثالث أن دورانه معه ليس اتفاقيًّا لأن الاتفاقي لا يكثُر ولا يدوم فلابدّ أن يكون لزوميًّا والشيء لا يلازمُ الشيءَ إلاّ أن يكون علةً أو معلولَ علةٍ واحدةٍ وإلاّ فلو فُرِض عدمُ الاقتضاء بينهما كان اتفاقيًّا فدوران أحدهما مع الآخر يقتضي أن يكون المدارُ شيئًا يستلزم المدار عليه للآخر وذلك يفيد في الجملة أن المدار وما هو ملازمٌ له هو العلة ثم التمييز بينهما يكون بصلاح أحدهما للعلة دون الثاني قال الجدلي ولئن قال وجوب الكفارة كما دارَ وجودًا وعدمًا مع الهتك فكذلك دارَ مع الوِقاع وجودًا وعدمًا ومتى كان الوقاع مدارًا لا يمكن أن يكون الهتكُ مدارًا وجودًا وعدمًا وإلاّ يلزم اجتماع النقيضين وهو الوجوب مع العدم فيما ذكرتم من الصورة اعلم أن هذا سؤالٌ صحيح فإن الجماع إن كان هو المدار لزم عدمُ الكفارة عند عدم الجماع وإن كان المدار إفساد الصوم على الوجه المذكور لزم إثبات الكفارة مع عدم الوقاع وذلك جمعٌ بين النقيضين ولم يُجَبْ عنه جوابٌ صحيح قال فنقول نحن لا ندّعي المداريَّة وجودًا في
فصل الوقاع على التعيين بل ندّعي في كلّ صورة من صور الوجوب أولاً والدورانُ على هذا التفسير لا يدلُّ إلاّ على مداريَّةِ الهتك وجودًا وعدمًا اعلم أن المستدلّ إنما أجاب بهذا لأنه إذا ادَّعَى مداريَّة الإفساد في كل صورة من صور وجوب الكفارة من غير تعيين فصل الوقاع فإن الهتك موجود فيها كلها والوجوب معه لأن تلك الصور إما صور الوقاع أولاً أو الأكل والهتكُ متحقق فيها والمعترض لا يمكنه أن يدّعي مداريَّةَ الوقاع في كل صورةٍ من صور الوجوب لأنه يحتاج أن يقول تلك الصور هي صور الوقاع وهذا دعوى لأن المستدلّ يقول لا أسلِّم الخطأ والوجوب في صور الوقاع بخلاف المستدل فإنه لم يدَّعِ أن صور الأكل من صور الوجوب وإنما قال لا يخلو إما أن يكون أو لا يكون وبكلّ حالٍ فالهتكُ والإفساد موجودٌ فيها ولهذا أمكنَ المستدلَّ دعوى مدارَّيتِه وصفه في صور الوجوب ولم يُمكنِ المعترضَ ذلك هذا تقرير كلامِهم وهو باطلٌ من وجوهٍ أحدها لا نُسلِّم تحقُّقَ مدارِه في صور الوجوب وقوله تلك الصور إما صور الوقاع والأكل والشرب غير مسلَّم فإن مطلق الإفطار من صور الوجوب عند مالك والجماع المانع من صور الوجوب عند
أكثرهم والجماع الثاني جماع الناسي من صور الوجوب عند أحمد فدعوى الخصم غير مقبول كما لم يقبله من المعترض لما ادّعاه في صور الوقاع الثاني أن يقال هَبْ أنك ادعيتَ المدارَّيةَ في جميع صور الوجوب لا في صورة الوقاع على التعيين لكن لم تأتِ على هذه الدعوى ببينة فلا تكون مقبولةً بل هذه الدعوى هي حكاية المذهب ونَقْل المذهب لا يكون حجةً على صحته فأنتَ بين أمرين إمّا أن تدَّعي المداريَّةَ في الوقاع بعينه فيُعارَض بمدارية الوقاع المفطر وبمدارية الوقاع الهاتك وبمدارية الإفطار المطلق وإمّا أن تدَّعي المدار في جميع الصور التي تدَّعي الوجوب فيها فيُطَالب بالدليل على صحة الدوران وهو وجود الواجب مع المدار وعدمه مع عدمه ولا يقدر على ذلك إلاّ بإقامة الدليل على صحة الدعوى وذلك مصادرةٌ على المطلوب وتطويلٌ للكلام واستدلالٌ بكل واحدٍ من الأمرين على الآخر الثالث أنه إن عَنَى بصور الوجوب ما يثبت الوجوب فيها بنصّ أو إجماعٍ فليس إلا صور الوقاع وإن عَنَى به ما يدّعي أنه من صور الوجوب فالدوران فيها موقوف على ثبوت الوجوب فلو أثبت الوجوب فيها بالدوران لزمَ الدَّور الرابع أن المعترض يمكنه دعوى مداره في صور الوجوب أي الصور التي ثبتت فيها الوجوب وأما ما يدَّعي الخصم أنه من صور
الوجوب فلا يجب على المستدلّ بيانُ تحقيق الدوران فيه بالإجماع لأن الدوران فيها مجرَّد مذهب الخصم فلا يكون حجةً له ولا حجةً على غيره ولو صحَّ ما أمكنَ أحدًا أن يثبت المدار في صورٍ حتى يُسلِّم لخصمه ما يدَّعيه من صور الوجوب أو يكون دعواه أوسعَ من دعوى خصمه ومعلومٌ أن هذا فاسدٌ بالضرورة لأنه يعود إلى إثباتِ المذهب بالمذهب أو إلزام الخصم نفسَ المذهب الخامس أنه قد يمكن الخصمَ دعوى مدار في صور الوجوب إذا أثبت الوجوب في صورةٍ لم يثبتها المستدلُّ كما في هذا الموضع وحينئذٍ ينقطع المستدلّ فافطَنْ له قال الجدلي ولئن قال دارَ معَ ما يكون مختصًّا بتلك الصورة فنقول دارَ مع ما يكون مشتركًا بينها وبين صورة النزاع يعني أنه قد دارَ مع ما يختصّ بصورة الوقاع وهو مدارٌ آخر وإذا كان المختصُّ مدارًا لم يجب في صورة النزاع أو إنه وإن دار في كل صورةٍ من صور الوجوب فيجوز أن يكون المدار في كلّ صورةٍ خصوص تلك الصورة فلا يكون المدار المدَّعَى مدارًا وأجاب بأنه دار مع القدر المشترك بين صورة النزاع وتلك الصورة وبينها وبين سائر الصور وإضافةُ الحكم إلى ما يشمل الصورَ
أولَى من إضافته إلى ما يختصُّ بكل صورةٍ صورةٍ على انفرادها لأن الأصلُ اتحادُ العلة لا تعدُّدُه ولأن خصوص كلِّ صورة لم ينتفِ الحكمُ مع عدمها إلا عنها والمشترك قد انتفى الحكم مع عدمِه عن جميع المواضع فتكون المداريّة به أولى وهذا خير لو كان السائل قصدَ المدارية مع خصوص كلّ صورة وأما إذا قصدَ المدارية مع ما يختصُّ بصور الوجوب الذي يثبت بالنص أو بالإجماع فإنه سؤالٌ جيد وحاصلُه أن المستدلّ كلّما ادّعى مدارًا يثبت به الحكم في صورة النزاع عارضَه السائل بمدارٍ ينتفي به الحكم في صورة النزاع فأيُّهما كان عددُ مَداراتِه أكثر قَضَوا له بالفَلْج لأن تلك المدارات من الجانبين اجتمعت في الأصل فجاز أن يكون في كلٌّ منهما هو المدار المعتبر فإذا ترجح أحد الجانبين بزيادة مدارٍ سلم له عن المعارضة وجاز أن يكون هذا المدار من غير معارض فوجب تعليقُ الحكم به وهذا أيضًا من قواعدهم الفاسدة التي يبنون عليها كثيرًا من كلامهم فيُرجّحون أحدَ الخصمين بكثرة دعاويه كما يرجحونه بإبهام دعواه ولا يخفى على عاقلٍ أنّ هذا باطل فإن نفس تلك الأمور التي هي مداراتٌ ليست أدلةً بانفرادها حتى يترجَّح أحد الجانبين بكثرة العدد وإنما الدليل دورانُ الحكم معه وجودًا وعدمًا كما تقدم فإذا
دار معه أكثر من واحدٍ لم يكن اعتقادُ أن العلة أحدهما أولى من العكس وإذا كان في الأصل عدة صفات يثبت الحكم في الفرع بتقدير علّية أكثرها ولا يثبت علّيته بتقدير علِّية بعضها وليس مع البعض الأكثر ما يقتضي أنه هو العلة لم يجز اعتقادُ أنه علة بمجرد ذلك لجواز أن يكون العلة هو ذلك الواحد لاسيما إن لم يكن المدار إلاّ واحدًا وحاصلُه أن المدار لا يثبت أنه علة إلاّ بشرط انتفاء المزاحم وواحد من ألف مزاحم وأيضًا فإنه إذا اجتمع في الأصل عدة صفاتٍ كلٌّ منها صالحٌ للتعليل فإضافة الحكم إلى جميعها أولى من إضافته إلى البعض وحينئذٍ يترجّح كلامُ السائل في هذه المسألة ولعلَّنا نعود إلى الكلام في هذا الأصل إن شاء الله ولما كان هذا أصلهم فلابدّ أن يكون المدار الثاني خيرًا من الأول وكان قد ادَّعَى أولاً أنّ الهتكَ مدارٌ ثم ادّعَى ثانيًا أن المشترك مدارٌ فنقول المشترك يجوز أن يكون الهَتْك ويجوز أن يكون غيره وإن كان الهتك مشتركًا وهذا ضعيف فإن دعوى المغايرة غير تجويز المغايرة ثم إن المشترك مستلزمٌ للهتك لكن هذا الجواب من جنس السؤال قال الجدلي ولئن قال دارَ مع المختصّ وإلاّ لما ثبت
فنقول دارَ مع المشترك وإلاّ لا يجب ثمة هذا سؤالٌ من نمط الذي قبله يقول دار مع المختص تلك الصورة إذ لو لم يَدُرْ معه لما ثبتَ وجوبُ الكفارة للأصل الباقي للوجوب السالم عن المعارض القطعي وهو مداريَّةُ المختصّ وجوابه أنه قد دار مع المشترك إذ لو لم يَدُرْ معه لما وجبت الزكاة للباقي السالم عن معارضة القطعي وهو مدارية المشترك بين تلك الصورة وصورة النزاع ولم يعارض السائل بما يدلّ على مداريَّة المشترك إلاّ ذكر المشترك وسلَّم له ما ادَّعاه أولاً وهو علّية المدار في صورة الوجوب وقد تقدم الكلام على ذلك وبيَّنّا أنه لا يمكنه تحقيقُ الدوران على الوجه الذي ذكره قال الجدلي ولئن قال سلَّمنا أنّ الدوران متحقق ولكن لِمَ قلتم بأنه يفيد علِّيّةَ المدار بل لا يفيد وإلاّ لكان مفيدًا في الأمور الاتفاقية فإن الآثار حادثة في الأمكنة والأزمنة فلا يكون المدار علةً للدائر فنقول الكلام فيما إذا كان المدار صالحًا للعلِّيّة فلو كان
المدارُ فيما إذا ذكرتم صالحًا فلا نسلِّم بأنه لا يكون علّة وإن لم يكن فلا يتّجه نقضًا هذا الكلام مع ما فيه من العجمة وهو جواب لو بـ لا والفاء مما قد تكرَّر ذلك منه فإنّ حقَّه أن يقول لَم نُسلِّم إلى آخره وقد ادَّعى الجدلي أن كل موضع يدور الأثر مع ما يصلح للعلِّية فلابدّ أن يكون المدار علّة للدائر وإن كان لا ينتقض وجعل ذلك جوابًا عن النقض بتخلُّفِ علّية المدار عن بعض الدائرات وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوهٍ أحدها أن يقال ما تَعنِيْ بصلاحيته للعلِّية أتَعنِي به أن يكون مناسبًا للحكم أو تَعنِي إمكانَ ترتُّبِ الحكم عليه وهو أن يكون بحالٍ لا يُعلَم انه ليس بعلةٍ أو تَعنِي به شيئًا آخر كما تقدم تقريره فإن عنيتَ به المناسبة فليست شرطًا في المدارات بل هي طريق آخر ثم إذا لم يمكن تقريرُ علِّيّةِ المدار إلاّ بعد إثبات المناسبة فلا حاجةَ إلى الدوران لأنّ المناسبة إذا تمَّت كَفَتْ وإن عنيتَ مطلق الإمكان فهذا موجودٌ في صورٍ لا تُحصَى مع أن علّيّةَ المدارِ غيرُ حاصلةٍ لا سيما على تفسيره الدوران واكتفائِه بالدوران وجودًا أو عدمًا
وإن عَنَى به شيئًا ثالثًا فلابُدَّ من بيانِه الثاني أن نقول من رأيناه أعطى إنسانًا عالمًا فقيرًا قريبًا منه مرةً بعد مرة فقد دار الإعطاء مع هذه المدارات الصالحة للعلّية فإن أضفتَ الإعطاء إلى المجموع أو إلى أحدٍ بعينه قبل الدليل كنتَ مخطئًا لأنك قد تسألُ الرجلَ المعطيَ فيقول إنما أعطيتُه لقرابتِه مني أو لفقرِه أو لعلمِه ولم ألتفتْ إلى الوصف الآخر ولم أشعُرْ به وكذلك من تجسَّسَ أو سَبَّ السلطانَ وانتهكَ حُرمتَه مراتٍ متعددةً وهو يُعاقِبُه قد يجوز أن يقول إنما عاقبتُه لكذا دونَ كذا وهو كثير فقوله لو كان المدار فيما ذكرتم صالحًا لم نُسلِّم أنه لا يكون علةً منعٌ للواقع المعلوم بالضرورةِ الثالث أن تخلُّف العلّيةِ مع وجود الدوران كثيرٌ لا يُحصَى لا سيما عند من يكتفي بالدوران وجودًا أو عدمًا في صورةٍ بعد صورة فإن العلم الضروري حاصلٌ بأن ما تتخلَّف عنه العلّيةُ من هذا الجنس أكثر مما تقترن به وقد ذكر المصنّف ما يقترن بالآثار الحادثة من الأمكنة والأزمنة من الحركات الاختيارية والطبيعية والقَسْرِيّة مع أن شيئًا منها لا يفيد العلّية وكذلك دوران العلية مع المعلول والمتضايفانِ كلٌّ منهما مع الآخر وحينئذٍ فإما أن يقول الدوران يُفيد العلّية لكن تَخلَّفَ في الصور الكثيرة لمانعٍ أو يقول لا يفيد وإنما حصلَ العلمُ بالعلّية في بعض الصور لأمرٍ آخر غيرِ الدوران
لكن الثاني أولى لأن الأول أعظم منافاةً للأصل فيكون مرجوحًا واعلم أنّ للناس عن هذه المواضع عدة أجوبة أحدها أن الدوران يفيد العلّية ما لم يُزاحِمْه مدارٌ آخر وهذا الجواب مطّردٌ وهو لا ينقض القاعدة لأنه إذا تزاحمَ مدارانِ لم يمكن ترجيح أحدهما إلاّ بأمرٍ خارجٍ عن الدوران والثاني أن يقال الدوران يفيد العلّية إلاّ أن يَدُلَّ دليلٌ على عدمِ علّيته فمجموعُ الأمرين الدوران وعدم العلم بالمانع يفيد العلّية الثالث أن يُقال الدوران يُفيد علّيةَ المدار حيثُ لا يتعين للعلّية وهذا من نمط الذي قبله الرابع أن يقال الدوران يدلُّ على علّية المدار ويفيد ذلك وهذا مطّردٌ لكن تخلَّفُ مدلولِ الدليل عنه مقرونًا بمانعٍ لا يُبطِل دلالتَه وعدمُ العلّية لا ينافي كونَه مفيدًا للعلّية فإن الشيء قد يكون مفيدًا ولا تظهر إفادتُه لوجود المانع الراجح الخامس أن يقال الدوران يفيد علّية المدار إذا كان صالحًا للتعليل فإن كان المدار صالحًا لم يُسلَّم انتقاضُه وإن انتقضَ لم يُسلَّم صلاحُه للعلة وهذا جواب المصنف لكن هذا جوابٌ غيرُ مفسَّرٍ كما تقدم فيقال معنى الصلاحية صحةُ التعليل به وإمكانه ومعلومٌ بالاضطرار تخلُّف العلّية عن مداراتٍ صالحة كما تقدم