أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصلٌ في التمسُّكِ بالنص وهو الكتابُ والسنة

صفحات 469-508

اعلم أنه كان ينبغي تقديم النصِّ على سائر الأدلة كما هو الواجب وكما هو عادة أهل العلم والنصُّ له معنيان أحدهما القولُ الدَّالُّ على معناه على وجهٍ لا تردُّدَ فيه وهو خلاف الظاهر والمجمل والثاني هو مُطْلق دلالة القول سواء كانت قطيعة أو ظنية فيدخل فيه القاطع والظاهر وهو مُراد هولاء وهو المشهور في ألْسِنَةِ السَّلَف قوله واعلم أوَّلاً بأنه لا يُراد مِن اللفظ معنًى إِلاَّ وأن يكون جائزَ الإرادة والمعنى من جواز الإرادة أنه لو ذكَرَ وأرادَ ما أرادَ لا يُخَطَّأُ لغةً ويُقال في الخلافيات جواز الإرادة مما يوجب الإرادة لدوران ظن الإرادة معه جوازًا وعدمًا

ويقال إن كان جائزَ الإرادة يكون مرادًا لأنه لو لم يكن مرادًا فلا يخلو إما أن يكون غيره مرادًا أو لم يكن فإن لم يكن مرادًا يلزم تعطيل النص وإن كان مرادًا فلا يخلو إما أن كان جائزَ الإرادة أو لم يكن فإِن لم يكن يلزم إرادة ما لا يجوز إرادته وإنَّه قبيحٌ جدًّا وإن كان جائزَ الإرادة يلزم اختلال الفهم وخرجَ الانقسامُ بين كونه مرادًا وبين عدم كونه مرادًا اعلم أصلحك الله أن دلالات الألفاظ على المعاني ووجوهها هي ينبوع الأحكام الشرعية وجِماع الأدلة السمعية وقد قَسَّم الناسُ فيها وذكروا من وجوهها ما يكثر تدواره في الفقه وفي الأصول من دلالةِ منطوقٍ ومفهوم وعموم وخصوص وإطلاق وتقييد وحقيقة ومجاز ومشترك ومتواطئ ومفرد ومرادف وغير ذلك من أنواع الدلالات فعليكَ بفهم وجوهِ القرآن كما قال أبو الدرداء لا يفقه

الرَّجُل كلَّ الفقه حتى يرى للقرآن وجوهًا كثيرة واعلم أن المعنى المرادَ من اللفظ لابدَّ أن يكون جائزَ الإرادة لأنه لو لم يكن جائزَ الإرادة لكان ممتنع الإرادة والممتنع غيرُ واقع فلا يكون مرادًا وهذا ظاهر كما ذكره لكن لفظ إلاَّ وأن يكون ليس بلفظٍ جَيِّد وكان حقُّه أن يقول إلاَّ ويكون أو إلا أن يكون كما يعرفَه أهلُ العربيَّة وقوله والمعنى من جواز الإرادة أنه لو ذكر وأراد ما أراد لا يُخَطَّأ لغةً وهذا في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام أهل العلم الذين يَنْتَحونَ في كلامهم نحوَ اللغةِ العربية وإلاَّ فكلامُ العامة في العقود والأَيْمان ونحو ذلك يكون المعنى جائز الإرادة منه مع تَخْطِئتهم لغةً واعلم أنَّ هذا التفسير قد يتوجَّه وقد يُناقَشُ صاحِبُه بأن يقال دلالةُ اللفظِ على المعنى يكون باعتبار الحقائق الثلاث اللغوية والشرعية والعرفية فلو ذكر اللفظَ وأرادَ ما يدلُّ عليه بطريقِ الحقيقة الشرعية أو العرفية لخُطِّئ لغةً إلاَّ أنَّه قد يقول الحقيقةُ الشرعية والعرفية لغةٌ أيضًا ويَرِدُ عليه أيضًا أن المعاني التي تستحيل من الشارع أن يريدها بكلامه مع صلاح اللفظ لها معاني لو ذكر

اللفظ وإن بدت منه لم يُخطَّأ المريد لغةً وهو مخطئ الإرادة إما عقلاً أو شرعًا وجميعُ وجوه الخطأ منفيةٌ عن الشارع فلا يكون جائز الإرادة وهذا كما لو قال الرجل بيعُ الكعبةِ جائز مِن قوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة 275] لأنه لو ذكر اللفظ وأرادَ هذا المعنى لم يُخَطَّأ لغةً وكذلك نَهْيُه صلى الله عليه وسلم أن يَسْقي الرجلُ ماءَه زَرْعَ غيِرِه وأرادَ به الزرعَ في التراب لم يُخَطَّأ لغةً وإرادَتُه من الشارع محالٌ قطعًا واعلم أصلحك الله أن وجوه الأدلة السمعية معروفة قد ذكرها الناسُ قديمًا وحديثًا وقد يتفرَّد هولاء أهلُ الجدلِ المُمَوَّه من الخراسانيين بقولهم جواز الإرادة وخرجوا في ذلك عما عليه أهل الأصول والفقه وأهلُ الجدل المتقدِّمون منهم ومن غيرهم والمتأخّرون من العراقيين وغيرهم وما عليه أهلُ الخلاف في

جميع الأعصار والأمصار إلا من سلك سبيلَهم فإنَّ هؤلاء لم يُعرِّجوا على هذا الكلام ولم يلتفتوا إليه ولم يستدلّوا في شيٍء من كلامهم وكتبهم بمثل هذا الدليل ولو ذكر ذلكَ أحدٌ لتَجافَوْه وطعنوا عليه ولم يلتفتوا إليه وقول المصنف يقال في الخلافيات جوازُ الإرادة مما يوجب الإرادة يعني به خلافيات أهلِ الجدل المُمَوَّه وإلا فالخلافيات المشهورة عند كلِّ الطوائف لا يلتفتون فيها إلى هذا الكلام ونحن نذكرُ ما احتجُّوا به على هذه القاعدة ونُبيِّنُ تزييفَه ثم ندلّ على فسادها وقد احتجَّ لها هذا المصنِّف بشيئين أحدهما أنه دار ظنُّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي المواضع التي أريدت في ظنَّنا إرادتها وهى جائزةُ الإرادة مما لا تنحصر كثرةً وأما عدمًا ففي المواضع التي لم تَرِد ولم يُظَن إرادتها وهي غير جائزةِ الإرادةِ وذلك أيضًا مما لا ينحصر ودوران الأمر مع الشيءِ وجودًا وعدمًا يدلُّ على أنَّ المدارَ عليه الدائر وهذا المسلك ليس بشيء لأنَّا لا نُسَلِّم دوران ظنّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وعدمًا لأن معنى الدوران أن يوجد الدائر في كلِّ صورة من صُوَر وجود المدار أو في كلِّ صورة تحقَّقْنا

وجودَ المدار فيها وفي صورٍ متعدِّدة مع عدم تخلُّف الدائر في مواضع لم يكن قد دارَ معه وجودًا ومعلومٌ أنَّ الصور التي تخلَّف فيها ظنّ الإرادة عن جواز الإرادة أضعاف أضعاف الصور التي اقترنَ فيها ظنُّ الإرادة بجواز الإرادة وذلك لأن كلَّ لفظٍ فإنه يجوز أن يُرادَ به كلُّ واحدٍ من مَجازاته بمعنى أنه لو أُرِيْدَ منه لم يكن خطأً ومعلومٌ أن مجازات الألفاظ أضعاف الحقائق فإنَّ الاستعارة والتشبيه والتعريض والكناية والإضمار والتقديم والتأخير لا يكادُ يُحصى وإنما يُرَاد في الغالب إما الحقيقة أو واحدٌ من مجازاتها فَعُلِمَ أنَّ المعاني التي تجوز إرادتها ولم ترد أكثر من المعاني التي أُرِيْدت وكذلك الألفاظُ المشتركة والمنقولة والمغيَّرة شرعًا نقلاً وتغييرًا شرعيَّين أو عُرْفيَّين إنما يريد بها المتكلِّم في الغالب أحدَ المعنيين مع أن المعاني الأُخَر جائزة الإرادة ولم تُرَد وكذلك أسماء الأجناس التي هي الغالبة على اللغات كثيرًا ما يُراد بها تعريف المفرد فتكون سائرُ الصور جائزة الإرادة ولم تُرَدْ وكذلك كلُّ عامٍّ مخصوص ومطلق قد قُيِّد فإن المواضع التي لم

ترد منه جائزة الإرادة ولم تُرَد وكذلك أيضًا الألفاظ الكُلية يجوز أن يُراد بها في الإثبات خبرًا وطلبًا كلُّ فرد من أفرادها ومعلومٌ أن تلك الأفراد لم يُرَدْ منها إلا واحد أو لم يُرَدْ منها شيء بل أريدت الحقيقة من حيث هي هي وهذا بابٌ واسع فمن تأمَّل كلَّ لفظٍ في كلامِ متكلِّمٍ رأى أنه يجوز أن يُراد به من المعاني ما شاء اللهُ والمتكلِّم لم يُرِد إلا واحدًا من تلك المعاني فكيف يقال دارَ ظنُّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وتخلُّفُ الظنِّ عن هذا الجواز أكثرُ من وجودِهِ معه فإنْ قال إنما أُريد بالدوران وجوده معه في عدة صور قلنا لا نُسَلِّم أن الدوران بهذا التفسير فقط يفيد شيئًا وإنما يفيده التفسير الذي تقدمَّ وقد يقال أيضًا لم يُرِد عدم ظن الإرادة مع عدم جواز الإرادة عدمًا لأن كثيرًا من الناس يظنون إرادة ما لا تجوز إرادته لعدم علمهم بدلالات الألفاظ وبجواز ما يجوز أن يكون مرادًا لكن هذا مكبوت مغلوب بالنسبة إلى نقيضه الوجه الثاني لا نُسَلِّم أنه دار ظن الإرادة مع جواز

الإرادة في شيءٍ من الصور لأنَّ دوران الظن معه أمَّا إذا رأينا الشيء جائز الإرادة ظنَّنا أنه مراد أو حصل ظنُّنا بأنه مراد وإذا رأينا غير جائز الإرادة انتفى ظنُّنا بإرادته والمرجعُ في هذا إلى ما يجده الناس ونحنُ إذا اعتقدنا أنَّ هذا الشيء جائز الإرادة فقط من غير ضميمة أخرى لم يَبْنِ ذلك لنا ظنًّا ولم يَقْتَضِ لنا رأيًا ولا يوجب لنا اعتقادًا ومن ادَّعى أنَّ ظنَّه بوقوع الإرادة يحصل عنه اعتقاده لأن الشيءَ جائزُ الإرادة فقد ادَّعى على العقول خلاف ما جَبَلها اللهُ عليه على أنَّا لا نجد ذلك ولا يكلِّف اللهُ نفسًا إلا وسعها ولو ثبتَ له حصولُ الإرادة لحصول الظن عند جواز الإرادة لاستغنى عن إثباته بالدوران ولو أنَّه قال حصول الإرادة دار مع جواز الإرادة لكان أجود وإن قال إنما أُرِيْد الظن حَصَل مقارنًا لجواز الإرادة في كثيرٍ من الصور ولا أدَّعِي أنه هو الموجب للظن قلنا هذا القدر غير موجب لأن الجواز هو المقتضي للظنِّ وأنه هو دليلُه ومقتضيه لأن الاعتقادات الحاصلة في النفس عن أدلةٍ إنما تحصل بعد شعور النفس بتلك الأدلة والظن الحاصل بالإرادة

حاصل مع أن الشعور بجواز الإرادة وحده غير حاصل الثالث أن يقال الدوران إنما يفيد العِليَّة إذا لم يزاحم المدار مدارًا آخر وهنا قد زاحمه مدارات أُخر فإنَّ ظن الإرادة قد دار مع كونه معنى اللفظ أي هو الذي ينبغي للمتكلم أن يُعَيِّنه بلفظه ودار مع كونه حقيقة اللفظ ودار مع كونه دلَّ الدليلُ على إرادته ودار مع كونه يجب إرادته ودار مع كون اللفظ دالاً عليه فإنه ما من معنًى من هذه المعاني إلا وُجِدَ الظنُّ معها في صورٍ كثيرة وانتفي في صور كثيرة فلماذا يجب أن يقال المقتضي للظنِّ هو جواز الإرادة دون سائر هذه المعاني ودون غيرها بل إذا أنصف العاقلُ وجدَ الظنَّ بالإرادة في كلِّ موضع له سبب وموجب غير السبب الذي له في الموضع الآخر من غير أن يخطر بباله أن جواز الإرادة هو السبب وكلُّ سبب من تلك الأسباب يدور الظنُّ معه وجودًا وعدمًا الرابع أنَّ الظن الحاصل بإرادة معنى كلّ كلمٍة يدورُ مع أسبابٍ خاصةٍ بتلك الكلمة فالظنُّ الحاصل بإرادة الأمر دار مع صيغة افْعَل المجرَّدة أو ما يقوم مقامها وجودًا وعدمًا والظنُّ الحاصل بإرادة كلِّ المُسَمَّيات من الليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والسماء والأرض دارَ مع الصِّيَغ المخصوصة الموضوعة لهذه المعاني على وجهٍ يَطَّرِدُ في كلِّ موارده وينعكس في غير موارده فإن قيل القَدْر المشترك وهو ظنُّ الإرادة دار مع القدر

المشترك وهو جواز الإرادة فيكون مطلق الظنِّ ناشئًا عن مطلق الجواز قلتُ هذا ممنوع كما تقدَّمِ بيانُه بل ظنُّ إرادة كلِّ معنى دارت مع أسبابٍ خاصةٍ به من وضعْ اللفظِ ومعرفة دلالته وتلك الأَسباب تستلزمُ كونَ المعنى جائز الإرادة كما أنَّ كلَّ واحد من شبع زيد وشبع عمرو دار مع قدرٍ مخصوصٍ من الأكل يختصُّ به فلو قيل إنّ مسمَّى الأكل يقتضي مُسَمَّى الشبع لأنه هو القدر المشترك كان غلطًا وإنما القَدْر المشترك الأكل المُشْبِع أو أكل الكفاية وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وذلك يستلزم حركةَ فَكَّه عند الأكل أو حصول الطعام في معدته وإن لم يكن ذلك وحدَه كافيًا في حصول الشبع لكن هو لازمٌ من لوازم الشبع المسلك الثاني قولهم إذا كان جائز الإرادة يكون مرادًا لأنه لو لم يكن مرادًا فلا يخلو إما أن كان غيره مرادًا أو لم يكن مرادًا فإن لم يكن مرادًا يلزم تعطيلُ النصِّ وإن كان مرادًا ولم يكن جائز الإرادة لزم إرادة ما لا يجوز إرادته وإن كان غيره مرادًا وهو جائز الإرادة يلزم اختلال الفهم فقد خرج الانقسام بين كونه مرادًا وبين عدم

كونه مرادًا والاعتراضُ عليه أن يقال لا نُسَلِّم أنَّ غيره إذا كان مرادًا وهو جائز الإرادة يلزم اختلال الفهم ولم يذكر على ذلك دليلاً ولا شكَّ أن هذا باطل لأن الاختلال إنما يلزم إذا لم يكن لكلِّ لفظٍ صيغةٌ مخصوصةٌ تدلُّ على المراد الأصليّ من غيره فإن أكثر ما يقول إن المعنيين إذا كان كلُّ منهما جائز الإرادة وقد أُريدَ أحدُهما دون الآخر لزم اختلال الفهم بفهم المعنى الذي ليس بمراد فوجب أن لا يكون جائز الإرادة إلاَّ مرادًا قلنا إنما يلزم اختلال الفهم من اعتقد أن مجرَّد جواز الإرادة يقتضي الإرادة بالمفسدة الناشئة من اعتقاد هذا الاعتقاد مع كونه غير مطابق يلزم إثبات أيّ حقيقةٍ شاء الإنسان بالمفسدة الناشئة من اعتقادها بتقدير عدمها وحينئذٍ فتكون الحقائق تابعة للعقائد حتى يُحكم بثبوت كلِّ مُعْتَقد خشيةَ فسادِ الاعتقاد وهذا أحد أنواع السَّفْسَطة الثاني نقول إذا كان غيره مرادًا فلابدَّ أن يدلَّ دليلٌ على إرادته إما كونه حقيقة اللفظ وقد تجرَّدَ عن القرائن أو كونه مجاز اللفظ الذي اقترنَ به ما يقتضي إرادة مجازِه أو كونه فردًا من أفراد حقيقته أو كونه أحد معنَيَي اللفظ المشترك الذي دلَّ دليل على أنَّه هو

المراد أو على أنّ الآخر ليس بمراد واستقراءُ اللغات يدلُّ على أنَّ كلَّ متكلِّم قَصَدَ الإفهام إنَّما يُعْلم مراده بأمر زائد على مجرَّد جواز الإرادة وعلى التقدير فلا اختلال للفهم الثالث تدَّعِي أنَّ كل ما جاز إرادته فإنه لابدَّ أن يكون مرادًا أو تدعي أن الأصل فيه أن يكون مرادًا فإن ادَّعيت الأول ففساده معلوم بالاضطرار وإن ادَّعيت الثاني فقد سلَّمْتَ تخلُّف الإرادة عن جواز الإرادة في مواضع فنقول تلك المواضع التي كان المعنى فيها جائزَ الإرادة ولم يُرَد لابد أن يكون قد اقترن بالمعنى الآخر المراد ما دلَّ على أنه هو المراد ونحن كلَّ الألفاظ من هذا القسم فيُعْلَم المراد بما هو دليلٌ عليه في كلِّ موضع بحسبه الرابع إذا كان جائز الإرادة فإن دلَّ دليلٌ على أنه مراد فلا كلامَ فيه وإن لم يدلَّ دليلٌ سوى كونه جائز الإرادة فإنه يجوز أن يكون مرادًا ويجوز أن لا يكون مرادًا وإلاَّ لوجَبَ التلازم بين جواز الإرادة ووجودها في جميع المواضع وهو خلافُ إجماع العقلاء فنقول حينئذٍ هذا المعنى جائز عدم الإرادة فلا يخلو إما أن يكون مرادًا أو لا يكون فإن لم يكن مرادًا بطل الاستدلال وإن كان مرادًا لزم إرادة ما يجوز أن يكون مرادًا ويجوز أن لا يكون مرادًا من غير دليل يٌبَيِّن رُجْحان أحدهما وذلك تكلُّمٌ بما لا يُفهم وتكليفٌ لما لا يُطاق

ونَصْب دليل دِلالَة فيه وإن قالوا إرادة المعنى راجحة قلنا عدم إرادته راجحة لإعضادها بالأصل بل نقول إذا جاز أن يكون مرادًا وجاز أن لا يكون مرادًا كان ترجيحُ أحدِهما على الآخر لغير مرجَّحٍ باطلاً فالواجب التوقُّف عن الجزم بأحدِهما حتى يأتي ما يرجِّحُه فإن قالوا هو ثابت الإرادة إلا عند وجودِ مُعَارِض قلنا بل هو غيرُ مرادٍ إلا عند وجودِ ما يدلُّ على الإرادة ولا شك أن نسبة عدم الحكم إلى عدم مُقْتَضِيه أولى من نِسْبَته إلى وجودِ مانعٍ منه لما في الثاني من التعارض بين المقتضي والمانع ولهم مسلك ثالث وهو أنه لابدَّ أن يُرَاد باللفظ ما هو جائز الإرادة لأنه إذا عدم ذلك فإما أن لا يُراد معنى أو يراد ما لا يجوز إرادته وكلاهما ممتنع فثبتَ أنَّ إرادةَ المعنى الجائزةِ إرادتُه واجبة وهي تدفع عن اللفظ هذين الفسادين فحينئذٍ إذا فرض معنًى جائزُ الإرادة كان المقتضي لإرادته قائمًا وإن لم يدل على عينه فإن

المقتضي للحكم يعمل عملَه وأيُّ محلٍّ وُجِد وإنما التعيينُ بمنزلة الطُّرُق التي كل منها محصِّل للغرض فلا يضر أنها تُسلك فإذا أُريدَ منه هذا المعنى حصل الغرضُ المطلوبُ مما يقتضيه نفس استعمال اللفظ فيكون المقتضي للإرادة ثابتًا وهذا المسلك أيضًا ليسَ بشيءٍ لأن وجودَ معنى جائز الإرادة لابد منه وتعيّنه بهذا المعنى إذ هذا المعنى إنّما يكونُ طريقًا إذا لم تكن فيه مفسدة وهذا فيه مفسدة وهو التعرض بحمل اللفظ على ما لم يُرَد به وأيضًا فهذا إنما يقتضي أنَّ هناك معنًى ما جائز الإرادة فإذا أبدى الخصمُ معنًى من المعاني جائز الإرادة اندفع الحاجة إلى ذلك المعيّن لأن المقتضي يقتضي معنًى ما جائز الإرادة فإذا حصلت المزاحمة لم يكن أحدُهما بأولى من الآخر والمقتضي لا عمومَ له وحينئذٍ فلا يمكن الاستدلال بهذه القاعدة لأنه ما من لفظٍ إلا ويمكن الخصمَ أن يذكرَ فيه معنًى جائزَ الإرادة في نفس الأمر فإنَّا نعلمُ أنَّ اللفظ له معنى جائزُ الإرادة لكن اندفاع المفسدة ليس موقوفًا علينا ولا على تَعْييننا ولهم مسلك رابع وهو أنَّ مفسدة عدم الحمل أشد من مفسدة الحمل إذ المعنى إذا كان مرادًا فلم يعتقِدْه مرادًا لزم إبطال مقصود الشارع قطعًا أما إذا لم يكن مرادًا واعتقدناه مرادًا فلا بدَّ أن نَحْمله على

كلِّ جائز الإرادة وحينئذٍ فنكون قد علمنا ببعض المقصود والدليلُ على أنَّ مجرَّد جواز الإرادة لا يقتضي حصولَ الإرادة وجوه أحدها إما أن يقتضيه في كلِّ حال أو في بعض الأحوال فإن كان الأول لزم إرادة ما تجوز إرادته من كلِّ لفظ وهو خلاف المعلوم بالاضطرار وإن كان الثاني فلابدَّ أن يتميَّز الحال فيها الاقتضاء عن غيرها وحينئذٍ فإما أن ينضمَّ إلى جواز الإرادة قَيْد عَدَمي أو قَيْد وُجُودي فإن كان الأوَّل بأن يقال جواز الإرادة يقتضي الإرادة ما لم يعارضه بما يمنع الإرادة أو ما لم يعارضه كونه مجازًا كان النافي للمجاز أقوى من جواز الإرادةِ المقتضي لإرادة المجاز ونحو ذلك أو قَيْد وجودي بأن يُقال لابدَّ أن يستعمل اللفظ على وجهٍ يقتضي أن ذلك المعنى مرادٌ به فإن كان الأول يلزم كون التعارض بين المقتضي والمانع ولزم أن لا يفهم أحدٌ معنًى من لفظٍ حتى يَعْلَم انتفاءَ جميعِ الموانع ويستشعر ذلك ولزم أن تكون الأمور العدمية أبعاضًا للأدلة والعلل وهذا كلُّه خلاف الأصل إن لم نقل هو ممتنع ثم يقول حال اللفظ قبل وجود المانع إن كان مثله بعد وجودِه لَزِم ترجيح الشيء على مِثْله وإن كانت صفتُه الثبوتيَّة قبل وجودِ المانع أَكمل منها بعد وجودِه فهو القسم الثاني فَثَبت أنه لا يفيد الإرادة إلاَّ بوصفٍ وجودي ينضمُّ إلى جواز الإرادة فيكون مجموع ذلك

هو المقتضي فلا يكون مجرَّد جواز الإرادة هو المقتضي فإن قيل هذا يلزم في كون الأصل في الكلام هو الحقيقة وأن الأصل في الأمر الإيجاب والأصل في الصيغة العامة الشمول قيل تلك المواضع قام الدليل فيها على أن تلك الأدلة عند تجرّدها تقتضي مدلولاتها فكان ذلك راجحًا على ما ذكرناه هنا بخلاف جواز الإرادة فإِنه لم يقم دليلٌ على اقتضائها الإرادة الثاني أنه إذا كان جائز الإرادة فإما أن يتوقَّف وقوع إرادته على شيءٍ غير جوازها أو لا يتوقَّف فإن لم يتوقف لزمَ كون الشيء الجائز يترجَّح طرفُ وجودِه على طرف عدمه من غير مرجِّح زائد وهو باطل وإن توقَّف وقوع الإرادة على شيءٍ زائد على جوازها كان المقتضي لوقوع الإرادة هو ذلك الشيء الزائد فلا يكون جواز الإرادة موجبًا للإرادة وهذا واضح الثالث كون الجواز يقتضي الوجوب أو يقتضي الوقوع تعليقٌ على الشيء ما لا يقتضيه وقلبٌ للحقائق وذلك لأن أسباب الجواز تُخْرج الشيءَ من حَيِّز الامتناع فقط أو من حَيِّز الامتناع والوجوب وأسبابُ الوجوب تُخرج الشيءَ من حيِّز الإمكان والامتناع وأسبابُ الوقوع تُخرج الشيءَ من حَيِّز العدم فإذا حلَّ بأنه يصير الشيءُ جائزًا جاعلاً له موجودًا أو واجبًا فقد صار الممكن واجبًا أو موجودًا مع قَطْع النظر عن غير الإمكان ومعلوم أنَّ هذا باطل

الرابع إذا جعلنا الشيءَ مرادًا لله ولرسوله بمجرَّد عِلْمنا بأنه يجوز أن يراد من اللفظ فقد قلنا على الله ما لا نعلم وقَفَوْنا ما ليس لنا به علم وذلك حرامٌ بنصِّ القرآن وذلك لأنَّ عِلْمنا بأنه جائز الإرادة علم بأنَّ المتكلِّم لو أراده لم يكن لاحنًا أو لم يكن متكلِّمًا بغير العربية أو علم بأنَّ المتكلّم له أن يريده وإذا عَلِمْنا أن الله سبحانه له أن يريد المعنى أوله أن يشاء الفعل ثم أخبرنا عنه بأنه قد شاءه وأنه قد أراده من غير دليلٍ زائد دلَّنا على أنه أراده لا علمنا بأن له أن يريده كُنَّا قد أخْبَرْنا عنه بأكثر مما عَلِمْنا منه والعلمُ به ضروري وذلك قولٌ على الله ما لا نعلم الخامس أن كونه جائز الإرادة إما أن يعنى به جائز الإرادة لغة بمعنى أنَّ كلَّ عربيٍّ لو أراد ذلك المعنى من ذلك اللفظ لم يكن خارجًا عن لغته أو جائز الإرادة من كلِّ وجهٍ بمعنى أنَّ الله ورسوله إذا أراده لا يلزم منه محذور من مخالفة الأصول في قَلْب الحقائق فإن عَنَى المعنى الأول فنحنُ نعلم باضطرار أنَّ مجرَّد كون العربي يجوز أن يريد المعنى من اللفظ لا يقتضي ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى ورسوله أراده فإنَّ العربي من حيث هو كذلك يريد الحقَّ والباطلَ والهوى والضلال والكفر والإيمان واللهُ ورسولهُ منزَّهٌ عن ذلك وإن أريد القسم الثاني بطل قولهم فإنهم لا يثبتون جواز الإرادة إلا لغةً

فصل ثم التمسُّك بالنصِّ من وجوه أحدها دعوى إرادة الحقيقة إذا لم ينعقد الإجماع على عدم إرادة الحقيقة فيقال الحقيقة مرادة لأن الأصل في الكلام هو إرادة الحقيقة فإن الغرض من الكلام هو الإفهام فلو لم يكن الأصل ما ذكرنا يلزم اختلال الفهم فلا يوجد الإفهام ولأن الثابت بطريق الحقيقة أسبق إلى الفهم بالنسبة إلى غيره فالظاهر من حال العاقل الإقدام إلى ما هو أسرع إفضاءً إلى الغرض فَتُرَاد الحقيقة على أن عدم الإرادة مما يفضي إلى ترك العهد والإصلاح والإخلال بالظن فينتفي اعلم أنّ هذا طريقٌ صحيح فإن الأصل في الكلام هو إرادة الحقيقة وهذا مما اتفقَ عليه الناسُ من جميع أصحاب اللغات فإن مقصود اللغات لا يتم إلا بذلك وهو مستوفًى في مواضعه

والحقيقةُ قد يُعْنَى بها المعنى المدلول عليه باللفظ وقد يُعنى به اللفظ الدال على المعنى وقد يُعنى به نفس الدِّلالة والمشهور أنها اللفظ المستعمل فيما وُضِعَ له والأوضاعُ ثلاثة وضعٌ لغويٌّ وشرعيّ وعرفيّ فلذلك صارت الحقائق ثلاثة أنواع وقد يكونُ اللفظ حقيقةً بالنسبة إلى وضعٍ مجازًا بالنسبة إلى وضعٍ آخر وتختلف الأوضاعُ أيضًا باختلاف الأعصار والأمصار فكم من لفظٍ غَلَب استعمالُه في معنًى عند قوم وفي معنًى آخر عند قوم فدلالات الكتاب والسنة مبنيَّة على معرفة أوضاع من نزل القرآنُ بلسانه وبُعِثَ الرسولُ فيه ودلالات الأقوال المستعملة في العقود والأيمان مبنيَّة على معرفة أوضاع مَنْ ذلك المتكلِّم منهم ثم إن كان ممن يتكلم بوضْعَين فلابدَّ من التمييز ولهذا اختلَفَ الفقهاءُ في الحاسب إذا قال له عليَّ درهم في درهمين أو أنت طالق طلقة أو طلقتين وقد ذكر في الأصل إرادة الحقيقة ثلاثة أوجهٍ فنقْتَصِر على شرحها أحدها أن مقصود الكلام هو الإفهام والإفهامُ إنما يتم إذا علم أن ذلك اللفظ موضع لذلك المعنى فإما أن يكون هذا وحدَه كافيًا في الإفهام أوْ لا فإن كان كافيًا فهو المقصود بقوله إن الأصل في

الكلام إرادة الحقيقة وإن لم يكن كافيًا فلا يحصل بسماع شيءٍ من الألفاظ معرفة مقصود المتكلِّم حتى يقترن به ما يبينه فلا يحصل المقصود من الخطاب بنفس الخطاب ولا يحصل الإفهام بمجرَّد سماع الكلام وذلك يُعَكِّر على مقصود الخطاب بالإبطال الثاني أن المعنى الثابت بطريق الحقيقة أسبق إلى الفهم من غيره كما يشهد به الواقع وسلوك الطريق التي هي أقرب إلى المقصود اظهر من حال الحكم الثالث أن عدم إرادة الحقيقة يُفْضي إلى تَرْك المعنى المعهود المصطلح عليه ويُزيل ظنَّ إرادته فيكون بما في ذلك من المفسدة ثم اعلم أنه إن أجمع الناس على أن الحقيقة غير مرادة كقوله إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب 49] وقوله فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ [البقرة 232] عند من يقول إن حقيقةَ النكاح الوطء وقوله رُفِعَ عن أُمتي الخطأ والنِّسْيان فإن حقيقة رفع الخطأ

والنسيان بمعنى أنه غير واقع لم يُرَد إجماعًا وكذلك قوله وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف 82] فإن سؤال الجدران لم يُرَد بالإجماع لم يصح دعوى إرادتها وإن لم يجمعوا على ذلك صحّ دعوى إرادتها إلا أن يعارض المستدل بما ينفي إرادتها وفي الحقيقة لا فرق بين أن يكون النافي لها الإجماع أو غيره من الأدلة الراجحة وإنما خُص الإجماعُ بالذكر لأن غالبَ ما يستعملون هذه الطريقة في الأقوال العامة والمطلقة والعمومات على ثلاثة أقسام

أحدها ما انعقد الإجماع على بقائه على عمومه وهو قليل والثاني ما أُجمع على تخصيصه وهو كثير جدًّا وقد اختلفوا بعد التخصيص هل يبقى حقيقة أو مجازًا على قولين مشهورين مع أنَّه حجة عند عوام العلماء وأصحابُ هذه الطريقة يسمونه مجازًا فإذا أَجمعوا على تخصيصه لم يمكنه دعوى إرادة الحقيقة وإن لم يجمعوا على تخصيصه أمكنه أن يدَّعي إرادة الحقيقة التي هي إرادة كلّ فرد من أفراده أو إرادة المعنى العام الكليّ من حيث هو كذلك قوله الثاني دعوى إرادة صورة النزاع بأن يقال جاز إرادتها فَتُراد كما مرَّ هذا مبنيُّ على ما تقدَّم وهو عند من يقول به إما أن يدَّعي أن المعنى الفلاني هو المراد فتكون إرادة غيره مانعة من انحصار الإرادة فيه أو يدَّعي أنه مراد فلا تكون إرادة غيره مانعةً لكن متى أثبتَ الخصمُ أن اللفظ إنما يدلُّ عليه بطريق المجاز كان ذلك مانعًا من إرادته لأنّ النافي للمجاز هو المقتضي لإرادة الحقيقة وذلك راجح على جواز الإرادة المقتضي للإرادة بالاتفاق وإن أثبت الخصمُ أنَّ معنًى آخر مرادٌ بطريق الحقيقة وأنه ليس

داخلاً والمعنى الأول تحت معنًى كليّ كان ذلك أيضًا مانعًا من إرادة الأول لاستلزمه الاشتراك أو المجاز وإن أثبت الخصمُ أن معنًى آخر جائز الإرادة وأنه وهذا المعنى لا يجتمعان تحت كلي يكون حقيقة اللفظ فقد تعارض قولُه المستدل لأنه يلزم أن يكون اللفظ حقيقةً في أحدهما مجازًا في الآخر أو حقيقةً في كلٍّ منهما على انفراده وذلك يمنع انفراد أحدهما بالاستدلال دون مرجِّح وهذا ظاهر فتأمَّلْه وما شابهه فإنه إذا سَلَّم أن جواز الإرادة يقتضي الإرادة أمكن إفساد أكثر الاستدلالات المموَّهَة بهذا التحقيق واعلم أن دعوى إرادةِ صورة النزاع قد اختلفوا هل تجامع دعوى إرادة صورة النزاع أو دعوى إرادة مقيَّد بقيدٍ مُدْرج فيه صورة النزاع ومنشأُ هذا التردُّد أن اللفظ العامَّ إنما يندرج فيه الأفراد من جهة اشتراكها في المسمَّى الذي دلَّ عليه العموم وهو الرحمة أو الإنسانية مثلاً لا من جهة ما يمتاز به كلُّ فردٍ عن الآخر لكن يلزم من دخول الفرد ودخول مواده التي تعين فهو دال على مجموع الأفراد بطريق المطابقة وعلى فردٍ فردٍ بطريق التضمُّن وعلى ما يمتاز به كل فرد عن الآخر بطريق الالتزام فدعوى إرادة الحقيقة وإرادة صورة النزاع بدلالتين جائز أما بدِلالةٍ واحدةٍ فلا يجوز وقد اعتقد بعضُ الناس أن دعوى إرادة صورة النزاع دعوى إرادة

المجاز وجَعَل دلالة التضمن واللزوم مجازيَّتين وهذا إنما يصح أن لو جعل اللفظ دالاًّ على ذلك فقط أما إذا جعل ذلك بعض مدلولات اللفظ فلا يصح قوله الثالث دعوى إرادة المقيد بقيدٍ يندرج فيه صورة النزاع كالحلي التي هي نصابٌ كامل حوليٌّ مملوك رقبة ويدًا من قوله عليه السلام في الحلي زكاة اعلم أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يُعرف في كتابٍ معتمد من كتب الحديث فَلْيطلب مثلاً آخر كقوله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة 34] والفرق بين هذا المدَّعى والذي قبله أنه هناك ادَّعى إرادة صورة النزاع بخصوصها وهنا ادَّعى إرادة نوع عام تندرج فيه صورة النزاع وفي الأول ادَّعى إرادة الحقيقة وهي أعم من ذلك قوله الرابع دعوى إرادة شيء يلزمُ منه الحكم في صورة النزاع مثل أن يدَّعي أنّ تحريم الكَنْز مراد من الآية وتحريم الكَنْز مستلزم لوجوب الزكاة أو يدَّعي إرادة العقاب من إيجاد حُلي غير

مزَّكى من هذه الآية وذلك مستلزم للحكمِ في صورة النزاع وإنما قسَّم هذه الأقسام الأربعة لأنَّ دلالة اللفظ إن اعْتُبِرت على جميع مسمَّياتها فهي المطابقة وهي الحقيقة وإن اعْتُبِرت دلالته على بعض مسماه فهي التضمن وذلك البعض إما أن يكون أعم من محل النزاع أو هو محلّ النزاع وإن اعْتَبرتَ اللازم فهي الالتزام فلذلك جعل هذه الأقسام الأربعة وانتزعها من دلالة المطابقة والتضمن والالتزام قوله أو أحد الأمور الأربعة أو الأول مع البواقي أو الثاني كذلك إلى الرابع هذه عشرة أقسام الأول أن يدَّعى أحد الأقسام الأربعة أو أحد الأمرين الأول والثاني أو الأول والثالث أو الأول والرابع أو أحد الأمرين الثاني والثالث أو الثاني والرابع أو أحد الأمرين الثالث والرابع وبقي قسمان آخران وهو أحد الثلاثة الأُوَل أو أحد الثلاثة الأواخر الثاني والثالث والرابع قوله أو إرادة أحدها على تقدير عدم إرادة أحدها ويلزم من

هذا إرادة أحدها ضرورة تحقق اللازم أو نقيض الملزوم بأن نردّد في اللازم أو الملزوم حاصله أنه قد يدَّعي إرادةَ واحد منها على تقدير عدم إرادة واحدٍ منها بأن يقول أحدها مراد على تقدير عدم إرادة الآخر كما تقدَّم فإنْ تحقَّق الملزوم وهو عدم إرادة أحدها تحقَّق اللازمُ وهو إرادة أحدها فثبتَ نقيضُه وهو إرادة أحدها قوله ولئن قال شيءٌ منه عدم الحكم في صورة النزاع مراد من هذا النص فنقول نعني به ما يستحيل انفكاك الحكم في صورة النزاع عن إرادته ولئن منع فنعيّن صورةَ النزاع أو نقول نعني به ما لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف ولا يمكن الخصم أن يقول بمثل ما قلنا اعلم أنَّ هذه معارضة الدعوى الرابعة فإن المستدل إذا قال شيءٌ يلزم منه الحكم في صورة النزاع جائز الإرادة فيكون مرادًا قال له المعترض شيءٌ يلزم منه عدم الحكم في صورة النزاع جائز الإرادة فيكون مرادًا وهذا بعيدٌ في الدلالات المعروفة لأن الكلام الواحد لا يكون دالاًّ على النقيضين إلا أنه يَنْفُق

طريقة لا قائل بالفرق في مسألتين مختلفتين وقد عرفتَ ما فيها مثالُ ذلك أن يقال في مسألة علة الربا التقديرُ بالكيل أو الوزن شيءٌ يلزم منه تحريم بيع المكيل والموزون بجنسِه مرادٌ من هذا النص لأنه إذا باع الجِصّ والنورة أو القطن والحرير بجنسِه متفاضلاً فَحُرْمَةُ أَخْذ ذلك الشيء الفاضل جائزة الإرادة من هذا النص لأنه لو أُرِيْد من هذا النص لم يكن خطأً في اللغة فيكون تحريم أكل ذلك الفاضل مرادًا من هذا النص وإذا كان مرادًا لزم منه تحريم بيع المكيل والموزون بجنسِه متفاضلاً لأنه تحريم الشيء المأخوذ بالعقد يستلزم تحريم العقد لعدم الأسباب المحرمة غيره فيكون مرادًا فيقول له المعترض شيءٌ يلزمُ منه عدم الحكم في صورة النزاع مرادٌ من هذا النص لأنَّ تحريم بيعِ الخيارِ والقِثَّاء والبطيخ بجنسه متفاضلاً جائز الإرادة من هذا النص فيكون مرادًا وهو شيء يلزمُ منه عدم التحريم في الجِصّ والنُّورة والقطن والكتان لأنه لا قائل بالفَرْق بينَ الحكمين بحيث يقول بالتحريم في الجميع أو التحليل في الجميع فمن قال بالتحريم في هذا قال بالتحليل في هذا واعلم أن طريقة لا قائلَ بالفرقِ هنا أجود ممَّا مضى لأن أصل المسألتين شيءٌ واحد وهو أن علة التحريم هي الطُّعْم والتماثل في الجنس وقد أجمعَ الخصمان على أن أحدَ القولين ينفي

الآخر فليس للمستدلِّ أن يأتي في هذا الأصل بقولٍ ثالث يخرج عنهما وهو دعوى إرادة الجميع لكن هذا إلزامٌ جدليٌّ وإلا ففي المسألة قولٌ آخر وهو أن العلة الطُّعْم والتماثل فيكون قد سوَّى بين تلك الصور في التحليل وفيها قول آخر لبعض الأتباع وهو أن العلة التَّمَوُّل فيجري في جميع الأجناس فقد قيل بالتحريم في الجميع فبطل قوله لا قائل بالفرق على أنه لو لم يقل أحدٌ بالفرق في هذه المسألة فهل يجوز الفرقُ فيها قولان مشهوران لأهل الفقه والأصول كما تقدم لكنَّ القولَ بعدم جواز الفرق هنا متوَجِّه وإن كان الصحيحُ خلافَه وهذا البحث إنما هو في المثال المذكور فإذا أوْرَد المعترضُ مثلَ هذا السؤال قال المستدلُّ يعني به ما يستحيلُ انفكاك الحكم في صورة النزاع عن إرادته يقول يعني بالشيء المستلزم للحكم في صورة النزاع متى يستلزم الحكم بالضرورة بحيث لا يجوز انفكاك الحكم عن إرادته كما ذكرناه فإنَّ إرادةَ تحريم الفاضل من الجِصّ والقطن إرادةُ شيءٍ مستلزم لتحريم العقد بحيثُ لا يجوز انفكاكُ تحريم العقد وهو محلُّ النزاع عن إرادته بخلاف تحريم الخيار والقثاء الزائد فإنه شيء ليس مستلزمًا بالضرورة لعدم تحريم العقد المشتمل على التفاضل في الجِصّ والقطن لأنه يجوز أن ينفكّ عدمُ الحكمِ في صورة النزاع وهو عدم تحريم التفاضل في المكيل والموزون عن تحريم

التفاضل في المطعوم بأن يكون في المسألة قولٌ ثالث بالتحريم فيهما فإنَّ تجويزَ قولٍ ثالث أمرٌ ممكن جائز فليست الملازمة ضرورية بخلاف تحريم المبيع من حيث هو مبيع مع تحليل العقد فإنه مستلزمٌ بالضرورة وأما قوله ولئن منع فُنعَيِّن صورةَ النزاع يعني إنْ مَنَع أنَّ شيئًا يستحيل انفكاك الحكم في صورة النزاع عنه جائز الإرادة عيَّنَّا صورة النزاع فيثبت استحالة الأنفكاك وقوله أو نقول نعني به ما لا يُغاير صورةَ النزاعِ في الوصف ولا يمكن الخصم أن يقول بمثل ما قلنا اعلم أن المستدل قد يدَّعي إرادةَ شيء يلزم من إرادته الحكم في صورة النزاع وقد يدَّعي إرادة شيء يلزم منه الحكم فإن ادَّعَى الأول جائز أن يضمن أنه محلُّ النزاع لأن محلَّ النزاع شيء يلزم من إرادته الحكم في صورة النزاع وإن ادَّعى الثاني لم يجز أن يضمن نفسَ محلِّ النزاع لأن نفسَ محل النزاع ليس شيئًا يلزم منه الحكم وإنما يلزم الحكم من إرادته وبَيْنَ المعنيين فرق إذا عرفتَ هذا فالمصنِّف إنما ذكر إرادةَ شيءٍ يلزمُ منه الحكم في صورة النزاع وهذا لا يجوز أن يفسَّرَ بمحلِّ النزاع لأن محل النزاع لا يلزم منه الحكم وقد قال فنُعَين صورةَ النزاع أو نقول نعني ما

لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف وهذا تعيينٌ للشيء الذي يلزم منه الحكم في صورة النزاع بأنَّه محلُّ النزاع وهو كما ترى إلا أنه يمكن أن يقال لا فرقَ من جهة المعنى بين ما يستلزم إرادته الحكمَ وبين ما يستلزمُ هو الحكم بتقدير كونه مرادًا ونحن ندَّعي أنَّ محلَّ النزاع يستلزم الحكم إذا كان مرادًا لا سِيَّما ومن اللغة الفصيحة التسامح في مثل هذا الكلام عند ظهور القصد وحَذْف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقَامه قولنا إرادة شيء يلزم منه الحكم أي يلزم من إرادته الحكم ودلَّ على المحذوف قولُه إرادة شيء قولُنا بعد ذلك يلزم منه أي يلزم من هذا الشيء المراد من حيث هو مراد أو يلزم من إرادته وعلى هذا فينبغي في المثال الذي ذكرناه أن يدَّعي إرادةَ تحريم بيع الكيل بالكَيْلَين أو الرطل بالرطْلَيْن من كلِّ مال متماثل ثم نعين ذلك إذا منع أو نقول نعني به ما لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف لأن ما ذكرناه لا يغاير صورةَ النزاع في الوصف وهذا معنى قوله ولا يمكن الخصم أن يقول بمثل ما قلنا

لكنَّ الاعتراض في الحقيقة لا يندفع بهذا إلا أنَّ الخصمَ يقول هب أن الذي تعنيه ما يستحيل انفكاك الحكم في صورةَ النزاع عن إرادته أو ما لا يُغاير صورةَ النزاع في الوصف لكن وجه الدلالة فيه أنه شيء يلزم منه الحكم في صورة النزاع وأنَّه مراد وأنا معي شيءٌ يلزمُ منه عدم الحكم في صورة النزاع وهو مراد فاقتراقهما بعد ذلك بأنَّ أحدهما لا ينفكُّ عن الحكم أو لا يغاير صورة النزاع افتراقٌ في شيءٍ لا تأثير له وجودًا ولا عدمًا فلا يصلح جوابًا للمعارضة ولا ترجيحًا وهذه المعارضة تدفعُ أصلَ الاحتجاج بجواز الإرادة لأنه يلزم منها مثل هذه النقائص وقد اختلف الناس في آية الربا والبيع هل هما من قبيل العمومات والظواهر أو من قبيل المجملات فمن سلك المسلك الأول يجوِّز الاحتجاجَ بعمومها ومن سَلَك الثاني لا يُجَوِّزه ولولا أن كان نفس هذه الآية على سبيل المثال لبينَّا وجوهَ الاستدلال الصحيح منها والاعتراض عليه والجواب عنه

فصل إذا ادَّعى أحدَ الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء لا يتم كما إذا ادَّعى إرادة الحقيقة أو إرادة صورة النزاع من النص انعقد الإجماعُ على عدمِ إرادة الحقيقة كقوله عليه السلام في الحليِّ زكاة فإنَّ الخصمَ يقول أحدُ الأمرين لازم وهو إما إرادة الحقيقة أو عدم إرادة صورة النزاع والأول منتفٍ فيتحقق الثاني ويلزمُ من هذا عدم إرادةِ كلِّ واحدٍ مما ذكرتم اعلم أصلحكَ الله أن مُدَّعي الإرادة لابدَّ أن يبين جواز الإرادة فإذا منع جواز الإرادة فلا بد من الدلالة عليه دلالةً سالمةً عن المعارضة بأن يبيِّن صلاحَ اللفظِ له واحتماله له وأن إرادة ذلك المعنى به ليست خطأً هذا أقلُّ ما يلزمه عند كلِّ أحد وإلا فيدَّعي الإنسانُ إرادةَ ما شاء من أيِّ لفظٍ شاء وإذا أقام الدليلَ على أنه جائز أو سُلِّم له أن جواز الإرادة يدلُّ على الإرادة ثبتَ المدَّعَى إلا أن يُعارض بما يمنع الإرادة من

إجماعٍ أو كونه مجازًا أو نحو ذلك لكنَّ هولاء فتحوا باب مقابلة دعوى الإرادة بدعوى الإرادة وتنزَّلوا عن مقام الممانعة والغرضُ أن يبينوا الدعاوى التي يمكن أن تُقَابل بدعاوى تناقضها من التي لا يمكن ذلك فيها فإذا ادَّعى المستدلُّ أحد أمرين أحدهما لازم الانتفاء وهو أن يكون منتفيًا في نفسِ الأمر ليس انتفاؤه متعلِّقًا بعدمِ الآخر ولا بوجوده وهذا في الترديد مثل اللزوم الاتفاقي لا يجوزُ الاستدلالُ به ألْبتة حتى يكون الشيئان بينهما نوعُ مناسبة ينشأ منها التعاند والترديد والتلازم والاستتباع وهذا إذا كانت مفردة فإنه إذا كان لازم الانتفاء على التقدير فما من تقديرٍ يضمه إليه المستدل إلا أمكن المعترض أن يضم إليه نقيضه كما ذكره فإنه إذا قال أحد الأمرين لازم إما إرادة الحقيقة أو إرادة صورة النزاع والأول منتفٍ فيتعيَّن الثاني قيل له أحد الأمرين لازم إما إرادة الحقيقة أو عدم إرادة صورة النزاع والأول منتفٍ فيتعيَّنً الثاني وهو عدم إرادة صورة النزاع لأن التقدير المنتفي في نفس الأمر لك أن تدَّعي على تقديره أيَّ دعوى أردْتَها إذ ليس بعضُ الدعاوى أولى من بعض قوله هذا إذا ادَّعى في نفس الأمر أمَّا إذا ادَّعى على تقدير هو غير واقع عنده فإنه يتم كما إذا ادَّعى أحدَهما على تقدير انتفاء ملزوم من ملزومات الحكم في صورة النزاع أو على تقدير عدم إرادة

هذا الحكم من قوله صلى الله عليه وسلم أدُّوا زَكاةَ أَمْوالِكُمْ ويلزم منه الحكم في صورة النزاع لأن الحالَ لا يخلو عن تحقُّق ذلك التقدير أو عدمه مثالُ هذا أن يقول الحقيقةُ أو صورةُ النزاع مرادةٌ من هذا النصِّ وهو قوله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ [التوبة 34] أو قوله في الحُلِيِّ زكاةٌ وقد تجنَّبْتُ ذِكْرَ هذا الحديث لأنه ليس له أصل على تقدير انتفاء ذمِّ من ليس لها حُلي لا تزكيه أو على تقدير انتفاءِ وجوبِ ضمِّ الحليِّ إِلى نوعه من المضروب في تكميل النِّصاب وإذا كان أحدُهما مرادًا على هذا التقدير فإما أن يكون هذا التقدير ثابتًا أو لا يكون فإن كان ثابتًا فإنه يستلزم عدمَ الحكم في صورةِ النزاع لأنه إذا لم يلزم المرأة بترك إخراج الحلي عن الزكاة ولم يجب عليها أن تضمَّه إلى المضروب في تكميل النصاب فإن ذلك ملزوم لعدم الوجوب

عليها وعدم الوجوب ملزوم لعدم إرادة صورة النزاع وعدم إرادة صورة النزاع ملزوم لإرادة الحقيقة والحقيقةُ ليست مرادة بالإجماع فيتعين أن يكون المراد صورة النزاع أو يقول فيتعيَّن التقدير الثاني وهو عدم ذلك التقدير وإذا عُدِم انتفاء الذَّم أو انتفاء وجوب الضم فقد ثبتَ ذمُّ من لم يزكِّ الحليَّ وثبتَ وجوبُ ضمِّ الحليِّ إلى المضروب وذلك ملزوم الوجوب في الحلي وهو محلُّ النزاع أو يقول إن كان هذا التقدير ثابتًا لزم إرادة الحقيقة وهو خلاف الإجماع فيتعيَّن انتفاؤه أو يقول إما أن يكون ثابتًا أو منتفيًا فإن كان منتفيًا لزم الحكم في صورة النزاع وإن كان ثابتًا فإما أن يُرَاد الحقيقة أو صورة النزاع والحقيقةُ غيرُ مرادة فيُراد صورة النزاع فقد صارت صورة النزاع ثابتة على تقدير ثبوته وتقدير انتفائه أو يقول أحد الأمرين مرادٌ على هذا التقدير فإن كان ثابتًا فقد لزم إرادة أحد الأمرين وأيُّهما أُريد فقد ثبتَ المدَّعى وإن لم يكن ثابتًا فقد ثبت المدَّعى فإن قيل الحقيقة ليست مرادة بالإجماع قال لا يضرني دعوى إرادتها على تقدير ليس بثابت فإني أُسَلِّم

عدمَ الإرادة على كلِّ تقديرٍ ثابت أما على التقديرات التي ليست بثابتة فقد يلزم المحال وكذلك إذا ادَّعى أَحدَ الأمرين على تقدير عدم إرادة هذا الحكم من قوله صلى الله عليه وسلم ما من صَاحِب ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يؤدِّي زَكَاتَه أو من قوله أدُّوا زَكَاةِ أمْوالِكُم إن كان لهذه الصيغة أصل أو من قوله وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة 43] أو من قوله خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة 103] أو من قوله وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ [المنافقون 10] فإنَّ هذا التقدير إن كان ثابتًا فقد لزم أحد الأمرين إرادة الحقيقة أو إرادة صورة النزاع والحقيقةُ ليست مرادةً بالإجماع فتعيَّن إرادةُ صورة النزاع وإن لم يكن ثابتًا فقد ثبتَ نقيضُه وهو إرادة الحكم من هذه النصوص فيثبت الحكم في صورة النزاع فصار محلُّ النزاع ثابتًا على التقديرين ولا يمكن المعترض أن يقابل هذا بمثله بأن يقول الحقيقةُ أو عدم صورة النزاع مرادٌ على هذا التقدير لأن هذا

التقدير إن كان منتفيًا لزم المدَّعى فلا يحصل غرضُه على التقديرين واعلم أنَّ هذا الكلام كما تراه في غاية السماجة وذلك أنَّ مبناه على قبول الدَّعاوَى المحضة واختلاقها فالصانع مَن يُحْسِن اختلاق دعوى يعجز الآخر عن اختلاق دعوى تناقضها وما أشبه هولاء بما يُحكى أن ماجِنَيْن اجتمعا وتفاخرا في أيهما أَقدر على اختلاق الكذب والأسمار الباطلة والأحدوثات المفتعلة ولم يزالا يتناوبان في الحكايات حتى أتى أحدهما بِبِدْع من الأكاذيب فأعجزَ الآخر عن معارضته وحَسْبُك بمن يكون فَلْجُه وظهورُه بالاقتدار على الاختلاق والحذق في الافتراء وسبيل هذه الدعاوى أن تُقَابل بالمنع الصحيح من غير معارضة فإنَّ المبْطِل يجوز أن يُقَابَل بالمنع الصحيح من غير معارضة فإنَّ المبْطِل يجوز أن يُقَابَل بباطِل مثل باطله بل بِدَفْع باطِلِه إما لعدم ما يصححه أو لبيان ما يُفْسِده نعم قد يُعارَض بمثل باطِلِه ليستبين له أن الذي جاء به باطل لمجيئه بالنقيضين فيُقال لمن ادَّعى إرادة الحقيقة أو إرادة صورة النزاع لا نسلِّم جواز إرادة أحدهما أو لا تقدر على دفع هذا المنع إلا ببيان جواز إرادتهما وحينئذٍ فذلك يدلُّ على إرادة صورة النزاع من غير ترديد وكذلك إذا ادَّعى إرادة أحدهما على تقدير غير واقع عنده

قيل له لا نُسَلِّم إرادة أحدهما ولا تَقْدر على دفع هذا المنع إلاَّ ببيان أنه لابد من إرادة أحدهما على هذا التقدير ولا يمكنه ذلك إلا ببيان جواز إرادة أحدهما وهو محلّ النزاع مثلاً وذلك الدليلُ مُغْنٍ له عن هذا الترديد فإن قيل في هذا التقدير له فائدة وهو أن يقول إنما أُسَلِّم أن الحقيقة أو صورة النزاع غير مرادة إذا كان هذا التقدير منتفيًا ويلزم من انتفائه ثبوت المدَّعى إما بتقدير أن هذه النصوص لم يرد منها صورة النزاع فلا أُسَلِّم أن أحدَهما غير مراد قيل له الإجماع النافي للحقيقة قول غيرك وهو ثابت على كلِّ تقدير لا ينافيه فإنَّ المُجْمِعِيْن الذين أجمعوا أن الحقيقة ليست مرادة لم يخصُّوا ذلك بما ذكَرْته من التقدير وليس الإجماع قولك حتى تتصرَّف فيه وأما كونك تمنع عدم إرادة كلٍّ منها فإنّ هذا المنع لم يضرّنا لأنَّا لم نستدلَّ بشيءٍ ولكن أنت المستدلّ فعليك بيان لزوم أحدهما إما في نفس الأمر أو على هذا التقدير وأنت لا تقدر على ذلك إن قَدَرْت عليه إلا بما يُغنيك عن هذا الترديد ثم إنه يمكن أن يُعارض هذا بما هو من نوعِه بأن يدَّعي إرادةَ الحقيقة أو عدم إرادة صورة النزاع على تقدير انتفاء ملزومٍ من ملزوماتِ عدمِ الحكم بأن يقول أحدُهما مراد على تقدير عدم انتفاء عدم الذم عمن لم يُزَكِّ الحلي وانتفاء عدم وجوب ضمِّه إلى المضروب أو تقدير عدم إرادة عدم الحكم من قوله وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ

[البقرة 219] وقوله صلى الله عليه وسلم لا ضَرَرَ ولا ضِرار فإن هذا التقدير لم يكن ثابتًا فقد لزم إرادة عدم الحكم من هذا النص ولزم انتفاء عدم ذم المزكي فيثبت عدم ذمّه فلا يكون الوجوب حاصلاً وإن كان ثابتًا فقد لزم أحدهما قوله وإن كان كلُّ واحدٍ من الأمرين محتمل الثبوت والانتفاء

فلا حاجة إلى هذا التكلُّف وكذلك إذا كان أحدهما منكرًا حاصله أنه إذا كان أحد الأمرين اللذين كل منهما محتملُ الثبوت والانتفاء أو كان أحدهما منكرًا بأن يدَّعي إرادة صورة النزاع أو إرادة نوعٍ مُقَيَّد تدخل فيه صورةُ النزاع أو يدَّعي إرادة صورة النزاع أو إرادة ما يلزم منه الحكم في صورة النزاع كان أحدهما منكرًا وتكون الحقيقة ممكنة الإرادة فيدَّعي إرادتَها أو إرادة صورة النزاع فإنَّ كلاً منهما من الحقيقة ومن صورة النزاع ممكن الثبوت والانتفاء فلا يحتاج أن يتكلَّف دعوى ذلك على تقدير غير واقع يلزمُ من وقوعه الحكمُ في صورة النزاع بحيث يثبت المدَّعى على ذلك التقدير وعلى عدمه

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل