نسطر أسئلة عبثوا بالسؤال عنها، ونشفعها بالجواب، لينتفع بذلك من أحبّ مكالمتهم: 1- سؤال: قال النصارى: قد علمتم معاشر المسلمين أن اليهود والنصارى يزيد عددهم على عدد التواتر أضعافاً مضاعفة، وها هم ينقلون ويخبرون أن المسيح قد قُتل وصُلب على رابية من روابي البيت المقدس، وخبر التواتر يفيد العلم ويُوجب القطع، فكيف ينفي كتابكم ما أثبته التواتر؟! وما ذلك إلاّ بمثابة من ينفي وجود بغداد وغيرها مما عُلم بالضرورة. والجواب: هو أنّا نقول: مَن سَلَّم لكم أن الذين شاهدوا والقتل وشهدوا به بلغوا حدّ التواتر، كلاَّ. لم يكونوا بهذه الصفة، وبيانه أن الذين حضروا القتل والصلب إنما كانوا شرذمة من اليهود، فأما أصحاب المسيح فلم يحضر منهم أحد البتة كما قدمنا.1
وإذا كان المخبرون آحاداً / (1/153/ب) وأفراداً فلا تواتر، إذ التواتر شرطه أن يستوي فيه الطرفان والواسطة.
وإذا كان الحاضرون للقتل لم يوصفوا بهذه الصفة فكثرة من جاء بعدهم إنما أخبر عنهم، فلا جرم قُدِّم تواتر الكتاب العزيز على خبرهم.
فهذا وجه.
والوجه الثاني: أَنَّا لو قَدَّرنا أنهم بلغوا حدّ التواتر - غير أن التواتر إنما أثبت قتلاً وصلباً لا غير - فلا جرم أن القرآن الكريم لم يَنْفِه، ولكن القرآن إنما نفى أن يكون المفعول به ذلك المسيح نفسه، وأعلمنا أنه كان قد شُبِّه لهم.
وهذا القدر لو عُرِض على الذين شاهدوا الصلب وقيل لهم: أتجوِّزون أن يكون هذا الذي قد أُحْضر للقتل ليس هو المسيح، ولكنه رجل قد ألقى الله شبهه عليه أو خلقه الله ابتداء يُشبه المسيح؟! فإنا نعلم أنهم كانوا يجوّزون ذلك ولا يحيلونه؛ لأن تغيير الأشباه والأشكال جائز في مقدور الله تعالى، وإنما يمتنع ذلك في زمان لا تخرق فيه العوائد، وقد كان في زمان المسيح خوارق [لا يخفى] 1 / (1/154/أ) أمرها، فلا يمتنع أن يكون الله سبحانه قد خرق العادة بإلقاء شبه المسيح على غيره، أو أتاح لهم شخصاً يشبهه، كما خرق العادة فقلب النار برداً وسلاماً على إبراهيم الخليل وعلى الفتية في زمن دانيال عليه السلام، وكما حوَّل لون يد موسى عن لونها الأوّل، وغَيَّر جوهر الماء إلى الخمر والزيت للأنبياء - عليهم السلام -. وإذا كان ذلك جائزاً، فالذين أخبروا أن المصلوبَ المسيحُ ليسوا على ثبت، فلم يوجب خبرهم عِلْماً، فلا جرم قُدِّم تواتر الكتاب العزيز عليهم، وإذا ثبت ذلك لم يقع التعارض بين الأدلة القطعية.
فإن قيل: مَن هو الذي وقع عليه الشَّبه حتى التبس أمره على اليهود والنصارى واشتبه؟
قلنا: روى وهب1بن منبه: أن المسيح حين أحاطت به اليهود في بيت كان فيه، صوَّر الله الجميع بصورة المسيح، فخرج واحد منهم وكانوا تسعة عشر رجلاً فأخوه وذهبوا ليلاً2، وكذلك روى مجاهد.3
وقال ابن4إسحاق - عمَّن أسلم منهم -: "إن المسيح/ (1/154/ب)، حين حصره اليهود قال: من يقبل صورتي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحد من معه: أنا.
فوقع عليه شبه المسيح.
وصعد بالمسيح من ساعته إلى السماء، وأخذ الرجل فقتل صبيحة تلك الليلة"5.
قاله من المفسرين: السُّدِّي6، وقتادة7، وابن8جريج.
وقيل: "إن اليهود لما جاؤوا لأخذ المسيح هرب من كان معه من أصحابه وثبت معه رجل واحد يسمّى: جرجس، فألقى الله شبهه عليه، فأخذوه وذهبوا به ليلاً، وستر الله المسيح عن أعينهم، فعذبوا الرجل ليلاً، ثم قتلوه من صبيحة تلك الليلة"1.
فلم يشكّ من كان ترك المسيح وهرب عنه أن المأخوذ هو المسيح، فلذلك أخبروا أن المسيح قد صلب.
قال المؤلّف: قد روينا فيما تقدم من كتابنا هذا عن بطرس - صاحب المسيح - أن المسيح عليه السلام صعد إلى جبل الجليل في جماعة من أصحابه، فنظروا إلى وجهه وإذا هو قد تغيرت صورته، وابيضت ثيابه، وإذا موسى وإلياء قد نزلا إليه ومعهم سحابة تظلهم، وعند ذلك وقع على بطرس / (1/155/أ) وأصحاب المسيح النوم فناموا2، وذلك يحقّق قولنا في الشبه 3.
# 2- سؤال: قال النصارى: كيف يصحّ أن يكون المصلوب غير المسيح ثم يقترن بصلبه ظهور ما ظهر من الآيات من اسوداد الشمس وانشقاق حجاب الهيكل وقيام الأموات وغير ذلك، وكم قد قُتِلَ من الأنبياء والشهداء ولم يظهر عند مقتلهم شيء من هذا؟ قلنا: قد دللنا على كذب هذا النقل بعدم انتشاره في العالم واشتهاره بين طبقات بني آدم، وأنه لو كان صحيحاً لَدُوِّن في الكتب ونقله علماء العجم والعرب، فيحث لم ينقل ذلك دلّ على كذبه وافتعاله.1
ثم لو قدرناه صدقاً وأمراً ثابتاً حقّاً لم يلزم منه أن يكون المصلوب هو المسيح بل لكونه من الحواريين الذين هم عندكم أفضل من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين، ثم ذلك الحواري أفضل الحواريين كلّهم لوجهين: أحدهما: لإيثاره المسيح بنفسه حتى فداه من القتل.
والثاني: لإيثار المسيح إيّاه بشبهه، فقد صار له بذلك مزيّة أجبت أن تبكى عليه السماء والأرض ويتشوش العالم فيأخذ في النقص والنقض.
/ (1/155/ب).
# 3- سؤال على النصارى: يقال: للنصارى: قد زعمتم أن المسيح هو إله العباد وخالقهم وبارؤهم ورازقهم وآمرهم وناهيهم ومدبِّرهم في جيمع أحوالهم وحافظهم إلى منتهى آجالهم، ثم زعمتم مع ذلك أن اليهود عدوا عليه فأخذوه قهراً وسحبوه قسراً بعد أن هرب واختفى، وإنما دَلَّ عليه بعض أصحابه، فلما ظفروا به أهانوا وبذلوه وما صانوه، ثم جعلوا على رأسه إكليلاً من الشكوك، وعبثوا به كما يعبث بأهل النوك، ثم رفعوه على جذع ضماناًواستسقى ماء فسقي خلاً هواناً، ثم ترك حتى ألصقت الشمس جسده بالصليب، ولم يكفن لولا تصدّق عليه بالكفن إنسان غريب، وبقي برهة تحت التراب تبكيه الأحباب والأتراب، فأخبرونا يا سخفاء العقول ومنتحلي هذا المحال المنقول-مَنِ الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام في تلك الأيام؟!.
وكيف كان حال الوجود والإله في اللحود؟! ومَن الذي دَبَّر السماء والأرض وخلقه فيها بالبسط والقبض والرفع والخفض؟! وهل دُفنت الكلمة بدفنه وقُتلت بقتله أم خذلته/ (1/156/أ) وهربت مع تلاميذه؟ فإن كان قد دفنت بدفنه، فإن قبراً وسع الإله القديم لقبر عظيم، وإن كانت قد فَرَّت وأسلمته، فكيف تصحّ مفارقتها له بعد اتّحادها به؟! أين ذهب الاتّحاد وكيف بطل الامتزاج؟!.
وما شأن هذا الإله المسكين - أسمله قومه لأعدائه وخذله سائر أودائه1؟. أين قولكم في الأمامنة: "إن المسيح أتقن العوالم بيدهوخلق كلّ شيء"؟ أين ما وصفتم عن الإنجيل أن العالم بالمسيح كُوِّن؟
وقولكم: إن الآب لا يدين أحداً، بل الابن هو الذي يدين الناس1، أترونه كان راضياً بما فعل به قادراً على الدفع عن نفسه؟ فإن كان راضياً، فالذي فُعِل به كفر، ومذهبكم يأبى ذلك، وكان ينبغي على سياق هذا أن تثبتوا على اليهود وتترحموا على يهوذا الأسخريوطي وتصلوا عليهم؛ فإنهم أعانوا على حصول رضاه وسارعوا إلى ما قدَّره وقضاه.
وإن كان ذلك بغير رضاه فاطلبوا إلهاً سواه، فإن من عجز عن حماية خشاشة حتى تم عليه ما نسبتم له، كيف ترجون عنده نفعاً أو تؤملون / (1/156/ب) لديه دفعاً؟! وهذه نقيصة تقتضي تَنَقُّضُ من لصقت به.
فإن قيل: إنما يكون ذلك نقيصة إذا كان المفعول به عاجزاً عن الامتناع والدفاع، فأما المسيح فلو شاء لامتنع من اليهود وأهلك من قصده بأذى من سائر الجنود، بل إنما أراد أن يستسلم ويبذل نفسه فداءً عن الناس لينقذهم من الخطيئة ويزيل عنهم درن الذنوب ويطهرهم من التبعات والحوب.
فنقول: لا نسلم ما ذكرتم، إذ كتابكم شاهد عليه بأنه هرب واختفى واستتر من أعدائه مراراً واعتنى وتنقل من مكان إلى مكان، وبذل في طلب السلامة غاية الإمكان، إلى أن دلَّ عليه رجل من أصحابه فأخذ بغير اختياره وإيثاره.
وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منكم ومن كتابكم، وقد حكيتم أن آخر كلام سُمع منه: "إلَهي إلَهِي لِمَ تَركتني؟ ". مع تقدم قوله في دعائه: "إلهي إن كان يحسن صرف هذا اكأس فاصرفها عني".
فبطل قولهم في هذا السؤال لو شاء لامتنع وفعل بأعدائه وصنع.
وأما قولهم: إنه أراد أن يستسلم ويبذل نفسه فداء عن الناس لينقذهم من الخطيئة والبأس، فهذا كلام من الكلام/ (1/157/أ) السخيف، وذلك أنه لا يخلو أن يفديهم بنفسه من عقاب نفسه أو عقاب غيره.
فإن كان إنما فداهم من عقاب نفسه، فما حاجته أن يرذل نفسه في أمر هو يملكه وزمامه بيده؟ فهلا عفا عنهم وأعفا نفسه من القتل والإهانة! وإن كان إنما افتداهم من عقاب غيره فقد صار ضعيفاً عاجزاً لم يمكنه صلاح عباده إلاّ بأن يشفع لهم، ثم لا تقبل شفاعته حتى يبذل نفسه للصفع والإهانة والموت.
والعجب أنه مع بذل نفسه لهذه المحن لم تقبل شفاته، ولم يحصل لهم الفداء الذي يدعون، هذا مع أن المشفوع إليه أبوه، أفلم يكن له عند أبيه من الجاه ما يُشَفِّعه في مطلوبه وهو معافى من هذه المحن بلا قتله وصلبه من غير إسعافه بمراده؟ ومثل هذا الفعل لا يصدر إلاّ من العدوّ المشاحن وأرباب الحقود والضغائن، ومما يتعجب منه أن هذا الرّبّ الذي تدعون بعد أن تعنَّى ونزل إلى الأرض وحَلَّ به ما وصفتم يبتغي بذلك خلاصكم، لم يحصل لكم خلاصاً ولا تَمَّ له مراد.
لأنه إن كان أراد خلاصكم من محن الدنيا فها أنتم باقون على ما كنتم / (1/157/ب) عليه من طبائع البشر وتحمل الضرر ومعالجة الهرم والكبر ومضاجعة الأجداث والحُفر.
وإن كان أراد خلاصكم من عهد التكاليف ليحط عنكم الآثام ويسقط الصلاة والصيام، فها أنتم دائبون على التكليف مخاطبون بالتصحيح والتوسيف، وإلاّ فكان ينبغي أن مَن زنا منكم وسرق وافترى وفسق لا يؤاخذ
بجريرة ولا يعاقب على صغيرة ولا كبيرة.
وإن كان أراد خلاصكم من أهوال القيامة وأنكال يوم الطامة وما يتوجه على العباد عند قيام الأشهاد، أكذبكم الإنجيل إذ يقول فيه: "إني جامع الناس في القيامة عن يميني وشمالي، فأقول لأهل اليمين: فعلتم خيراً فاذهبوا إلى النعيم، وأقول لأهل الشمال: فعلتم شرّاً فاذهبوا إلى الجحيم"1.
وإذا لم يحصل لكم بنزول المسيح خلاص من عقاب الدنيا ولا من عذاب الآخرة، فأين ترجون الخلاص الذي جاءكم لأجله وفعل بنفسه ما ذكرتم ثم لم يتم له مراد؟!.
وإذ كان ذلك فاطلبوا الخلاص ممن هو بيديه ومُعَوِّل سائر الخلائق عليه وهو الذي لا إله سواه سبحانه وتعالى عما يشركون.
4 سؤال: (1/158/أ) قال النصارى: إنما استسلم المسيح ليعلمنا الصبر على الشدائد فتعظم أجورنا وتجزل مثوباتنا، والمتابعة بالحال أبلغ منها بالمقال.
فنقول: فما بال أحدكم لا يجلس في بيته حتى يناله ما وصفتم غير منازع خصمه ولا مدافع عدّوه؟ وما بالكم تقيمون سوق الحروب وتبيحون الغصوب وتنصبون القتال وتسفكون الدماء من النساء والرجال؟ فما نرى التعليم أفادكم خيراً ولا منعكم شرّاً ولا أكسبكم عِلماً ولا أنالكم حِلماً، وصار ما وصفتم به ربكم من الإهانة خالياً عن الفائدة صفراً من الحكمة.
وكيف يحسن منكم إيراد هذا السؤال مع قولكم عنه: إنه حين نزل به المكروه الذي وصفتم، قال: "إلَهي إن كان يمكن صرف هذا الكأس عني فاصرفه عني".
وهذا القول منه إن صحّ عنه يكذبكم في قولكم: إنه استسلم وألقى بيديه لقصد تعليمكم وتقويمكم.
# 5- سbؤال: قال النصارى: إنما يكون القتل نقيصة لو أنه مضاف إلى لاهوت المسيح، ونحن لا نعتقد ذلك؛ وإنما القتل والضرب والصلب مضاف إلى ناسوت / (1/158/ب) المسيح دون لاهوته.
فنقول: يمتنع ذلك على اليعقوبية1منكم القائلين بأن المسيح قد صار بالاتّحاد طبيعة واحدة، إذا الطبيعة الواحدة لم يبق فيها ناسوت متميّز عن لاهوت حتى يخص بالقتل والإهانة بل قالوا: إنه صار شيئاً واحداً، والشيء الواحد لا يقال إنه مات ولم يمت، وقتل ولم يقتل، وأهين ولم يهن.
وأما الروم2وغيرهم القائلون بأن المسيح بعد الاتّحاد باق على طبيعتين، فيقال لهم: هل فارق اللاهوت ناسوته عند القتل والصلب؟ فإن زعموا أنه فارقه أبطلوا دين النصرانية جملة، إذ بطل الاتّحاد ولم يستحق المسيح الربوبية عندهم إلاّ بالاتّحاد، فإذا حكموا بأن الإله قد تجرد عن الإنسان وفارقه فقد بطلت ربوبية المسيح في ذلك الزمان.
وإن قالوا: لم يفارقه، فقد التزموا ما ورد على اليعقوبية، وهو كون اللاهوت قتل بقتل الناسوت وأهين بإهانته.
وإن فسروا الاتّحاد بالتَّدَرُع، وهو أن الإله جعله درعاً ومسكناً له وبيتاً3، ثم فارقه عند ورود ما ورد على الناسوت أبطلوا ألوهية المسيح في تيك الحال.
وقلنا لهم: أليس / (1/159/أ) قد امتهن الناسوت وأهين وأرذل؟! وهذا القدر يكفي في إثبات النقيصة إذ لم يأنف لمحله وسكنه ودرعه أن تناله هذه النقائص، وإن الإنسان ليركب دابة ويلبس ثوباً فيصونه عن الأذى والقذى أن يناله.
ثم إن كان اللاهوت قادراً على دفع النقائص عن محله ومسكنه ثم لم يفعل فقد أساء مجاورته ورضي بدخول النقص على موضعه، وذلك بالنقص عليه في نفسه.
وإن لم يكن قادراً، فذلك أبعد له عن عِزَّ الربوبية وأقرب إلى ذلّ العبودية.
6- سؤال: فإن قال النصارى: كيف يجوز إلقاء الشبه - وهو ضلال؟ - وإذا كان الله تعالى هو الذي أضل عباده فلا معنى لإرسال الرسل إليهم، بل يكون ظالماً للرسل إذا بعثهم إلى من يكذبهم أقوالهم ويَرُدُّ، وكيف يستقيم أن يرسل رسلاً يهون العباد من كُفْرٍ وهو الذي زينه لهم؟!.
قلنا: الانفصال عن هذا السؤال في التوراة والإنجيل.
أما التوراة فإنها مصرحة بأن الله قد قَسَّى قلب فرعون فلم يؤمن بموسى: "فقال الله فيها: يا موسى اذهب إلى فرعون/ (1/159/ب) وقل له: يقول لك إله بني إسرائيل: أرسل شعبي تتعبد لي، وأنا أُقَسِّي قلب فرعون فلا يرسلهم"1.
وفي التوراة: "إن كلّ آية صنعها موسى بمصر قد صنع السحرة مثلها"2.
وأما الإنجيل فقال: "قال يسوع: إني ذاهب إلى أورشليم لأقتل وأصلب، فقال له بطرس: حاشاك من هذا، فانتهره، وقال: إني جئت لهذا"3.
فقد علم الكفر وأراده وتعنَّى بسببه، وقدر على كفّ اليهود وتركهم على كفرهم فلم يكففهم.
وقد قال يسوع في الإنجيل: "الويل لذلك الإنسان الذي يسلَّم ابن الإنسان خير له لو لم يولد"1.
وإذا كان هذا جائزاً عند النصارى واليهود جميعاً2، فكيف يمنعونأن يصون الله نبيّه المسيح عن قوم يريدون قتله ويلقي شبهه على رجل آخر قد حضر أجله يجعله له جُنَّةً ويثيب ذلك الرجل عن صبره الجنّة؟!.
على أَنَّا نقول: ليس في إلقاء الشبه ضلال كما زعم مورد السؤال، إذ ليس الإلقاء هو الذي بعثهم على القتل، بل ما جاؤوا إلى المسيح إلاّ وهم قد أجمعوا على الفتك به، وبهذا القصد كفروا، وإنماكان/ (1/160/أ) الإلقاء لتخليص المسيح من أيديهم، وهذا خلاص من الضلال لا إضلال.
وإنما كان يكون تضليلاً لو كان الله أمرهم بقتل المسيح، ثم ألقى شبهه على آخر فقلتوه، وأما إذ نهوا عن القتل فخالفوا وجاروا ليقتلوا، فحال بينهم وبين المسيح.
وإلقاء شبهه على غيره، أو أباح لهم من يشبهه في الصورة، فلا يقال لهذا القبيل تضليل.
ثم ولو قدَّرنا ذلك تضليلاً، فمذهب أهل الحقّ أن الله يفعل ما يريد ويضلّ من يشاء من العبيد، ولا ينسب إلى ظلم ولا جور إذ له بحقّ ملكه - وملك حقّه - أن يفعل ما أراد، فلا يجب عليه شيء ولا يتوجه لمخلوق عليه حقّ، وكلّ ما يفعل فهو حسن.
وكل ما يوصله من خير فهو ابتداء فضل.
وكلّ ما يبتلي به من ضرّ فهو قضاء عدل.
وقد زَلَّ وهفا مَن أوجب على الله ثواب المحسنين أو عقاب المسيئين [إذ لا] 1 يجب على ربّ الأرباب ثواب أو عقاب.2
وقد شهد أهل الكتاب واعترفوا بأن الله تعالى هو الذي نفخ الروح في العجل حتى عبده بنو إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِييحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾.
[سورة المائدة، الآية: 17].
وعيسى / (1/160/ب) وأمه لا جُرْم لهما، فأخبر تعالى أنه لو أهلكهما لم يكن ممنوعاً من ذلك ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُون﴾.
[سورة الأنبياء، الآية: 23].
7 سؤال: قال النصارى: شهد كتابكم ونبيّكم بأن المسيح عيسى ابن مريم هو كلمة الله، والكلمة عندنا وعندكم قديمة كالكلام.
قلنا: لا نزاع في تسميته عليه السلام (كلمة) 1 كما سمّي إبراهيم خليلاً.2
وموسوى كليماً3، والتسميات لا حجر فيها، وإذ وافقناكمعلى تسمية المسيح كلمة، فمن أين لكم قِدَمُهَا؟ وبم تنكرون على من يزعم أن الكلمة عبارة عن الآية؟.
والآيات تسمى كلمات، وهو المعني بقوله: ﴿مَا نَفَدَتْ كَلْمَاتُ الله﴾ 4.
يعني: آياته ومصنوعاته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ آيَةً... ﴾. [سورة المؤمنون، الآية: 50].
وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابْنَهَا آيَةً لِلعَالِمينَ﴾.
[سورة الأنبياء، الآية: 91].
فهذا وجه.
ووجه آخر: وهو أن نقول: المعنى بإلقاء الكلمة إلى مريم تكوين المسيح من غير نطفة فحل، والمقصود أن الله اخترعه وكَوَّنه من غير تناسل معروف وقال له: كن، فكان.
إذ كلّ أمر اتّصل بأمرور فهو ملقى إليه.
وسمى المسيح كلمة لقول لوقا في إنجيله: "إن جبريل قال لمريم: السلام عليك أيتها المباركة / (1/161/أ) في النساء إنك تحبلين بولد يسمى المسيح يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود"1.
فعندها حملت مريم بالمسيح؛ أي: عند هذه الكلمة فسمي المسيح بها كما يُسَمَّى الشيء بما يلازمه عادةً، فكان المسيح (كلمة) بهذا الاعتبار لا كما اعتقد جهلة النصارى من انقلاب الكلمة الأزلية جسداً ذا شعرٍ وظفر.
8 سؤال: قال النصارى: أليس في كتابكم معشر المسلمين: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾.
[سورة التحريم، الآية: 12].
فما تأويل ذلك غير ما ذهبنا إليه؟!.
والجواب أنا نقول: هذا لا يفيدكم شيئاً في مطلوبكم؛ إذ ليس اعتقاد أحد منكم أن روح الأب اتّحد بالمسيح، وإنما الذي اتّحد به هو العلم.
وقد قلنا: إن الروح ترد على معانٍ شتّى منها: أن ترد والمراد بها الوحي، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّن أَمْرنَا﴾.
[سورة الشورى، الآية:52].
وترد والمراد بها جبريل، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾.
[سورة الشعراء، الآية: 193]. وترد والمراد بها ملك كبير يقوم يوم القيامة صفّاً وحده والملائكة كلّها صفّاً آخر.
وترد والمراد بها أرواح الأشخاص وهو المعني بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمْرِ رَبِّي﴾.
[سورة الإسراء، الآية: 85].
وإذا كان اللفظ متردداً / (1/161/ب) بين معانٍ كثيرة فلا يسوغ التمسك به إلاّ مع اقترانه بما يفسره، وكلّ مفتقر للتفسير فلا وجه للاستدلال بظاهره.
فالمسيح سمّاه الله (روحاً) كتسمية جبريل روحاً، وقد قلنا: إن الشيء قد يسمى بما يلازمه، فالله تعالى نفخ في مريم بواسطة جبريل وهو المعني بقول لوقا في إنجيله: "روح القدس تحلّ عليك"1.
وقد قالت التوراة: "إن روح الله حال في يوسف"2.
وذلك كناية عن العلم والحكمة.
وفي التوراة: "إن بصلئيل رجل من سبط يهوذا ورجل آخر من سبط دان قد ملأتهما روح القدس"3.
وفي التوراة: "إن يوشع امتلأ من روح القدس؛ لأن موسى كان قد وضع يده على رأسه"4.
وفي كتاب الأسباط5: "إن روح الله لبست جدعون"6.
وفيكتاب شمويال7: "إن روح الله تكلمت على لساني"8.
وفي كتاب حزقيال يقول: "رأيت قدوس الله فوقعت فدخلت فِيَّ الروح فأقامتني"9.
وفي إنجيل لوقا: "إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه"1.
وقال لوقا في إنجيله: "كان في بيت المقدس رجل يقال له: سمعان، ينتظر عزاء إسرائيل / (1/162/أ) وروح القدس كانت تحلّ عليه"2.
وقال يوحنا التلميذ في إنجليه: "كلّ إنسانٍ لا يولد من الماء والروح لا يدخل ملكوت الله"3.
وقال فولس في رسالته الأولى لإخوانه: "أو لا تعلمون أنكم هياكل الله وأن روح الله حال فيكم، ومن يفسد هيكل الله يفسده الله"4.
وذلك كلّه دليل على مساواة المسيح غيره من الأنبياء والأولياء في حلول هذه الروح التي هي إما الملك، أو العلم والحكمة.
فما أجاب به النصارى عن حلول الروح على من ذكرنا وامتلائهم منها فهو جواب عن قول جبريل لمريم: "روح القدس تحلّ عليكِ"5.
9 سؤال: قال النصارى: قال يسوع لمقعد قد غفرت لك1، وذلك دليل ربوبية إذا لا يغفر الذنوب إلاّ الله. والجواب: هو أنا نقول: ليس كذلك لفظ الإنجيل؛ وإنما قال له: مغفورة لك خطاياك. أخبره عن الله بغفر خطاياه لصبره على بلواه وسكونه تحت مجاري قد مولاه، ثم ولو سلمنا ورد هذه اللفظة بعينها على ما على حرفها السائل فليس فيها مستروح لما يحاول، إذ يحتمل أن يكون / (1/162/ب) ذلك المقعد من جملة من كان يؤذي المسيح مع اليهود ويقول فيه كقولهم، فلما رآه المسيح وشاهد بلاه رَقَّ له وحنى عليه فقال له: قد غفرت لك، يريد حللتك، والدليل عليه قول بطرس في الإنجيل للمسيح: "يا أبت، إلى كم أغفر لأخي إذا أخطأ إِليَّ إلى سبع مرات؟ قال: لست أقول إلى سبع مرات فقط بل إلى سبعين مرة سبع مرات"2. وهذه أكابرهم اليوم يفعلون ذلك ويغفرون لمن أرادوا حط ذنوبه، وليس فيهم من يعتقد خروجه عن ربقة العبودية.3
وقد ذكر الإنجيل: "إن اليهود ومن حضر يسوع أنكروا عليه هذه الكلمة، فقال: ألم تعلموا أن ابن الإنسان قد جعل له أن يغفر الخطايا"4.
فصرّح في هذا القول بأنه عبد مخلوق، جعل الله له أن يخبر عباده بغفر خطاياهم لإيمانهم به وتصديقهم له.
وقد قال مرقس في إنجيله: "قال يسوع لتلاميذه: إذا قمتم إلى الصلاة فاغفروا لمن لكم عليه خطيئة، لكيما يغفر لكم ربّكم خطاياكم"1.
وقالت التوراة في السفر الخامس منها: "يا موسى ارحل أنت وبنو / (1/163/أ) إسرائيل، وأنا أرسل معكم ملكاً يغفر لكم خطاياكم"2.
أضاف الغفران إلى الملك وهو عبد من عبيد الله تعالى.
وقالت التوراة: "إن إخوة يوسف دنوا لتقبيل رجليه، فلم يدعهم، فاعترفوا له بذنوبهم فغفر لهم"3.
فقول المسيح للرجل: قد غفرت لك، معناه: قد حاللتك أو قد شفعت لك.
وقال فولس في آخر الرسالة الخامسة - وهو يوصي بالبر واللطف -: "وأنتم أيّها الأرباب اغفروا ذنوب مماليككم؛ لأن ربّكم في السماء وليس عنده هوادة"4.
10 سؤال: قال النصارى: قال يوحنا المعمداني ين رأى المسيح: "هذا خروف الله الذي يحمل خطايا العالم"5.
فشهد وهو نبيّ صادق بأن المسيح سيقتل ويصلب قرباناً عن خطيئة آدم.
والجواب: أن هذا السؤال دالّ على عدم فهم مورده وسوء بصيرته بالإنجيل، وذلك أنّ يوحنا أورد هذا الكلام شهادة للمسيح بالنبوة والرسالة أسوة غيره من الأنبياء في حملهم خطايا قومهم بما يرشدونهم إليه من الإيمان
والمغفرة بالله سبحانه،/ (1/163/ب) وقد كان المعمداني يتصل به ما يهتف به اليهود من فذف المسيح وقذف والدته الطاهرة، ويبلغه قول اليهود: "إنه لن يجيء من الجليل والناصرة نبيّ"1، فلما وقع بصره على المسيح وعرفه بتعريف الله له قال: "هذا الذي به يحط الله خطايا عالم زمانه".
والدليل عليه: بقية الكلام إذ قال يوحنا: "هذا الذي قلت لكم إنه يأتي بعدي، وهو أقوى مني، وأنا فلا أستحقّ أن أحلّ سيور حذائه ولا أصلح أجلس مقعد خفه، وهو الذي بيده الرفش ينقي بيدره الغلة إلى إهرائه، ويحرق الأتبان بالنار التي لا تطفئ"2.
فقد أفادنا قول المعمداني هذا معانٍ شتّى في شأن المسيح منها: تسويته المسيح مع مسائر بني إسرائيل في جعله خروفاً، قال المسيح في إنجيله: "إني إنما أرسلت للخراف الضالّة من بني إسرائيل"3.
سمّى الناس خرافاً، وسماه المعمداني خروفاً من غير تفرقه بينه وبين غيره، وكذلك قال المسيح: "أنا الراعي الصالح وأنا عارف برعيتي"4.
ومنها: أن المعمداني شهد / (1/164/أ) بأن المسيح عبد الله، وأضافه إليه إضافة ملك، فقال: "هذا خروف الله".
وقال مرة أخرى: "هذا حمل الله".
فشهد بأن الله مالكه، ولم يقل المعمداني حين رأى المسيح: هذا هو الله - كما يهذي به طوائف من النصارى.
ولا قال: هذا الإنسان الذي اتّحد الله به أو سكن الله في إهابه واتّخذه له نزلاً ومسكناً - كما افتراه متأخرو النصارى.
وفي ذلك تكذيب للأمانة وإظهار لفسادها ومراغمة لمن عقدها حيث يقولون فيها: "إن المسيح إله حقّ، بيد أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، وإنه خالق غير مخلوق".
الويل لهم، أَهُم أعلم بالمسيح وأعرف به من نبيّ الله يحيى بن زكريا الذي شهد المسيح "بأن النساء لم تلد مثله"1، فيوحنا هذا النبي عليه السلام إنما بعثه الله على زعم النصارى ليشهد للمسيح، وها هو يشهد بأن المسيح خروف وأن الله مالكه، وأنه يأتي بعده يعمد الناس ويستتيبهم كما كان يحيى بن زكريا يفعل غير أنه أقوى منه، وهذا قد يقول ذوو الورع والتقوى تورعاً وخوفاً من السلب بالإعجاب، / (1/164/ب) ولا يلزم أ، يكون القائل لذلك دون المقول له فلم يزل الصالحون يعتمدون ذلك.
وقد شهد يوحا بنبوة المسيح صريحاً إذ يقول: "إنه يجمع الصلحاء إلى ملته والأبرار ويبعد الكفار إلى النار".
فقد وضح أنه ليس في كلام المعمداني ما يدلّ على انتحال الضلال.
وإلاّ فما أحسن ربّاًُ له حذاء ينتعله وخف يقي رجليه؟!!.
أعوذ بالله من العمي وتنكب الهدى.
11 سؤال: وهو معضلات النصارى، قال النصارى: قال يسوع: "أنا بأبي، وأبي بِيَ"2.
قالوا: هذا تصريح من المسيح بأنه متّحد بالله، والله متّحد به.
والجواب: في قول يوحنا التلميذ في الفصل السادس عشر من إنجيله، قال يوحنا: "تضرع المسيح إلى الله في تلاميذه فقال: أيها القدوس احفظهم
باسمك ليكونوا هم أيضاً شيئاً واحداً كما أنا شيء واحد، قد منحتهم من المجد الذي أعطيتني ليكونوا شيئاً واحداً، فأنا بهم وأنت بِيَ"1. وتأويل ذلك: أنت يا إلهي معي وأنت لي، وأنا أيضاً مع أصحابي وأنا لهم، وكما أنك / (1/165/أ) أرسلتني لأدعو عبادك إلى توحيدك فكذلك أرسلتهم ليدعوا إليك، فكن لهم كما كنت لي، فإن عُدِل عن هذا التأويل لزم منه المحال؛ وهو أن يكون قوام الله وثبوت ربوبيته برجل من خلقه، ويلزم منه محال آخر؛ وهو: أن يكون الباري وعبد من عبيده متداخلين، ويلزم منه محال آخر؛ وهو: أن يكون التلاميذ متداخلين مع المسيح ويكون المسيح متداخلاً معهم.2
فإن التزمه النصارى قيل لهم: فالله إذاً حالّ في التلاميذ والتلاميذ حالّون في الله - تعالى الله عن هذيان النصارى علوّاً كبيراً.
وقد قال فولس - وهو يعظ بعض إخوانه ويحذره من الزنى -: "أما علمتم أن أجسادكم أعضاء للمسيح، فيعمد أحدكم إلى عضو من المسيح فيجعله عضواً للزانية؛ لأن من يصحب الزانية يصير معها جسداً واحداً، والذي يصحب سيدنا المسيح يصير معه روحاً واحداً"3.
وذلك يفسد على النصارى سؤالهم.
12 سؤال ثانٍ: من المعضلات، قال النصارى: قال يوحنا التلميذ في الفصل / (1/165/ب) الثالث عشر من إنجيله: "من رآني فقد رآى أبي فأنا وأبي واحد"4.
والجواب: أن له وجوهاً من التأويل: أحدها: إنه قد اعترف في الإنجيل في غير موضع أنه رسول من الله إلى عباد الله، ولا شكّ أن رسول الملك إذا توجه إلى قطر فأبدى بعض الرعية شماساً1عن الامتثال فيحسن منه أن يقول: أنا ومن أرسلني واحد، ومن رآني فقد رآى من أرسلني، ومن بايعني أو عاهدني فقد بايع وعاهد من أرسلني وحصل له العصمة والذمام، وذلك غير مستنكر من الرسل والنواب والوكلاء ومن ندب لسفارة ووساطة بين اثنين أو جماعة، ومنه قول الله عزوجل لنبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوقَ أَيْدِيهِم﴾.
[سورة الفتح، الآية: 10].
الوجه الثاني: أن رؤية الصنعة تدل على صانعها؛ إذ لا يتصور بناء محكم متقن إلاّ ببانٍ حكيم متقن، وكلما جَلَّت الصنعة دلّت على جلال صانعها، والمسيح لما بهر الناس بما صدر على يديه من العجائب ورأى التفاتهم إليه / (1/166/أ) واشتغالهم به فأحب رفع هممهم إلى الله الذي هو أعلى وأجل وأحكم من كلّ حكيم، وقد قال في إنجيله: "أبي أعظم مني"2.
وقال له إنسان: يا معلم صالح.
فقال: "لا تقل لي صالحاً، لا صالح إلاّ الله واحده".
والوجه الثالث: المسيح كان عبراني اللسان، والعبرانيون يعتقدون قول التوراة في السفر الأوّل منها: "أن الله خلق آدم يشبهه"1.
قولاً صحيحاً، فخاطبهم المسيح بما يفهمون، وإنما أرادت التوراة: أن الله حيّ عالم قادر، وقد أعطي آدم هذه الصفات من الحياة والعلم والقدرة، فكأنه يقول من رآني فقد رأى آدم، ومن رأى آدم فقد رأى الله، فحذف الواسطة.
فإن عدلوا عن هذا التأويل لزمهم أن يكون اليهود وسائر الكفار والحمير والكلاب قد رأوا الله، وأكذبوا التوراة والإنجيل؛ إذ يقول: "إن الله لم يره أحد قط"1.
13 سؤال ثالث وهو من المعضلات: حكى النصارى عن المسيح عليه السلام أنه قال: "لا يصعد إلى السماء إلاّ من / (1/166/ب) نزل من السماء"2.
والجواب: من وجوه: أحدها: أنه أشار إلى زاكي الأعمال وهي التي نزلت بالوجه مع الملائكة، وكأنه يقول: لا يصعد من الأعمال إلاّ ما كان خالصاً قد أُريد به وجه الله.
قال الله تعالى: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُم أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ 3.
وقال سبحانه: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الكَلْمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
[سورة فاطر، الآية: 10].
الوجه الثاني: أنه لا يبادر إلى سموّ الأخلاق والأعمال والأحوال إلاّ من له سموّ وهِمَّة مثل الحواريين الذين أجابوا داعي المسيح من غير تقدم رؤية آية بل قال لهم: "دعوا الدنيا واتّبعوني ففعلوا"4.
والوجه الثالث: أنه أشار إلى الأرواح الطاهرة السماوية التي تنام على طهارة يؤذن لها فتعرج وتسرح ثم تعود فإذا فارقت الجسد صعدت، وأما أرواح الكفار والفجار فلا تصعد وإذا فارقت الجسد أودعت في الأرض السفلى؛ لأنها لم تنْزل من السماء. فإن عدلوا عن هذه الوجوه وأجروه على ظاهره، قلنا لهم: فقد صعد إلى السماء / (1/167/أ) من لم ينْزل منها وهو إدريس الذي يسمونه خنوخ.1
وناسوت المسيح أيضاً لم ينَزل من السماء وقد صعد إلى السماء، فإما أن يتأولوا الخبر وإلاّ أخرجوه إلى الكذب.
فإن قال النصارى: لم يزل يسوع متجسداً، أكذبتهم نصوص الإنجيل والأمانة إذ تقول: "إنه أخذ جسده من مريم عليهما السلام، وقال في الإنجيل: "هذا مولد يسوع المسيح"، فحكم بأنه مخلوق".
14 سؤال رابع من المعضلات: روى النصارى عن المسيح أنه قال: "إن إبراهيم الخليل اشتهى أن يرى يومي فرأى وفرح، فقال له اليهود: لم يأت لك
خمسون سنة فكيف رأيت إبراهيم؟ فقال: الحقّ أقول لكم إنني [كنت] 1 قبل أن يكون إبراهيم".
قال المؤلِّف: هذا من أقوى ما يتمسك به النصارى في ربوبية المسيح.
والجواب: يحتمل أن يكون الله تعالى قد أرى إبراهيم أيام المسيح كما أرى آدم جميع أيام ولده، وأعلم إبراهيم بأحواله كما أعلم آدم بأحوال ولده من بعده، وكما أرى موسى ما يؤول أمر بني إسرائيل إليه على ما / (1/167/ب) يشهد بذلك التوراة وذلك بالروح المدركة لا بالعين الباصرة.
فإن أبى النصارى هذا التأويل أكذبوا متّى إذ يقول في صدر إنجيله: "هذا مولد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم"2.
وأكذبوا لوقا في روايته عن جبريل إذ يقول لمريم: "إنك تلدين ولداً يسمّى يسوع يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود".
وإذ كان المسيح إنما هو ابن مريم ولدته في زمن متأخر عن إبراهيم بمئتين من السنين، فكيف يكون قبل إبراهيم إلاّ على وجه التأويل وهو أن الله تعالى كان قد قَدَّر له الاصطفاء والاجتباء في سباق علمه قبل إبراهيم، وأعلَم الله إبراهيم: أن من ولدك مَن أجعله آية للعالمين، فاشتاق إلى رؤية هذا الولد، فكشف الله له عن روحه الزكية النبوية فرآها وفرح بها.
وقد روي في الخبر: "أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأشباح بألفي عام"1.
وقد قال سليمان في حكمته: "أنا قبل خلق الدنيا"2.
كما حكينا فيما مضى، وقال داود في مزموره: "ذكرتني يا ربّ من البدء وقدّستني بأعمالك"3.
وقيل لمحمّد صلى الله عليه وسلم / (1/168/أ) متى وجبت لك النبوة؟ فقال عليه السلام: " كنت نبيّاً وآدم منجدل في طينته"4.
15 سؤال خامس وهو من المعضلات: روى النصارى عن يوحنا الإنجيلي أنه قال في صدر إنجيله: "إن الكلمة صارت جسداً وحلّت فينا"5.
والجواب: أن ذلك يحتمل التقديم والتأخير لفساد التعبير وتبدل اللسان فتكون إن الجسد الإنساني الذي هو جسد المسيح سمي الكلمة، ولا معنى لـ: (صار) إلاّ تجدد ما لم يكن، وقوله: (وحلّ فينا) إشارة إلى جسد يسوع المسيح الذي صار كلمة بالتسمية من الله تعالى، وكأن يوحنا يقول: إن الذي كفر به اليهود ونسبوه إلى الجنون شرَّفه الله سماه كلمة له، وأقام بين أظهرنا ما أقام لم يعرفوا قدره.
ويحتمل أن يكون يوحنا أشار بهذا القول إلى بطرس كبير التلاميذ وَوَصَّي المسيح من بعده، فإنه قام بتدبيرهم بعد رفع المسيح بعهد عهده إليه ووصية أوصاه، وكان التلاميذ يفزعون إليه في نوازلهم بعد المسيح على ما يشهد به سيرهم، / (1/168/ب) وكأن يوحنا يقول: "إن ذهبت الكلمة من بيننا فإنها لم تذهب حتى صارت جسداً وحلّ فينا".
يريد أن بركة الكلمة وتدبيرها حاضر في جسد بيننا وهو بطرس.
ويحتمل أن يكون يوحنا قال: "إن الكلمة أصارت جسداً وحَلَّ فينا".
فأسقطوا الهمزة عند إخراج الكلام إلى اللسان العربي من العبراني، والميز1بين صارت وأصارت لا يكاد يدرك في اللسان الواحد، فكيف مع النقل والتحويل وفساد الترجمة؟! وقد أخبر الله تعالى أن المسيح كان يصنع من الطين حيواناً2، والنصارى وإن أنكروا هذا ففي الإنجيل ما يصدِّقه وهو: "أن المسيح عليه السلام تفل على الطين من ريقه وصوَّره على موضع عيني رجل أكمه قد
ولد أعمى، وقال: اذهب فاغتسل في عين شلوخا ففعل وأبصر، فتعجب اليهود من ذلك"1.
فإن أبى النصارى تأويلناالكلام يوحنا هذا لزمهم أن تكون الكلمة الأزلية استحالت لحماً ودماً وعروقاً وشعراً وظفراً واغتذت بالطعام / (1/169/أ) وكان منها ما يكون من الأنام، وبقيت ذات الباري خرساء غير ناطقة وجاهلة غير عالمة، وذلك لا يقوله لبيب.
فإن قيل: فما المرضي عندك في كلمة يوحنا هذه على تقدير صحّتها وسلامتها عن التحريف والتصحيف؟ فأقول: يحتمل أن تكون كلمة جبريل التي أوردها على مريم قد صارت جسداً وتخلَّق منها المسيح الذي حلَّ فيهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ - إلى قوله: - ﴿فَحَملَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾.
[سورة مريم، الآية: 17-22]. وذلك بعينه هو الذي حكاه لوقا في إنجيله عن جبريل، وإذا كانت الكلمة التي صارت جسداً هي كلمة جبريل اندفعت عنا مؤنة التأويل.
16 سؤال سادس من المعضلات: حكى النصارى عن المسيح أنه قال: "كما أقام يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام وليال، فذلك ابن الإنسان يقيم في بطن الأرض وقلبها ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ"2.
والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: لا أُسلِّم صحّة هذا النقل بل هو كذب ومَيْن، إذ الإنجيل يشهد أن المصلوب المقبور لم يبق / (1/169/ب) في قلب الأرض وبطنها سوى يوم واحد وليلتين على كلا الروايتين، فقد أخلف قولهم وظهر كذبه وإفكه فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه.
والوجه الثاني: أن المسيح لم يقل: إني أقتل وأصلب وأدفن وأقيم في بطن الأرض هذه المدة كما تخرصه النصارى، إنما قال: إن ابن الإنسان يجري له ذلك، وابن الإنسان هو الذي يُشَبَّه لليهود بالمسيح؛ لأن المسيح على ما قررته وأوضحته فيما تقدم.1
وقد قلَّبت الإنجيل دفعات كثيرة وأنعمت النظر فيه فما وجدته قط أضاف ذلك إلى نفسه الكريمة ولا أورده إلاّ مضافاً إلى ابن الإنسان يعرف ذلك من وقف على الإنجيل.
والعجب من النصارى كيف يُنْزِلون ذلك على المسيح وهو [لا] 2 يرضون له بنوةإبراهيم وداود؟! فكيف يجعلونه ابن إنسان من عرض الناس؟! والعجب أيضاً أنهم يصفونه بما وصفه به اليهود من حيث لا يشعرون؛ لأن غاية ما قال فيه اليهود أنه ولد يوسف النجار، فأي فرق بينهم وبين اليهود في ذلك / (1/170/أ) إذا اعترفوا أنه ابن الإنسان؟ وإذا كان المسيح عندهم إنما هو ابن الله - تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً - فلا يمكن أن يكون ابن الله يُقتل ويُدفن في الأرض بين الأموات، هذا مع وصفهم له في الأمانة: "فإنه إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله".
فإن صدقوا - وحوشوا من الصدق - فالذي قال المسيح: إنه يكون في قلب الأرض أيام وثلاث ليالٍ، إنما هو ابن الإنسان الذي هو إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر أبيه آدم، وفي ذلك تكذيب لهم في دعوى قتل المسيح وصلبه.
# 17- سؤال سابع من المعضلات: حكى النصارى عن المسيح عليه السلام أنه قال: "قال داود في مزمور له: قال الرّبّ لربي"1.
قال المسيح: "فهذا داود يدعوه ربّه فكيف تقولون إنه ابنه؟ "2. والجواب: أنا لا نصحّح هذا النقل عن داود نبيّ الله، فإنه إنما بعث ذاباً عن توحيد التوراة ومقرراً لها أسوة غيره من الأنبياء الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام والتوراة، فليس فيها ما يدل على ضلال النصارى، ومتى شهر عن / (1/170/ب) موسى أو داود وغيره من أنبياء الله أن الرّبّ يكون له ربّاً وللإله إلهاً؟!.
وإذا كان ذلك من الهذيان فلنوَرِّك3على النقلة عن داود، إذ داود ثابت العصمة وهو أعرف بالله تعالى من أن يجعل له ربّاً فوقه أو ربّاً تحته يشاركه في الربوبية، على أن ذلك مردود بشهادة الإنجيل عن جبريل إذ قال لمريم: "إنك تلدين ولداً يجلسه الله على كرسي أبيه داود".
وفي ذلك تكذيب لمن نقل عن المسيح أيضاً، إذ المسيح قد شحن إنجيله بتوحيد الله وإفراده بالربوبية كما حكيناه عنه، فكيف يَدَّعى أنه ربّاً لداود والناس ينادونه: يا ابن داود ارحمنا، فيفعل ويرضى منهم بهذا القول؟!.
وهو القائل في إنجيله: "لا صالح إلاّ الله"4.
"إن إلهكم واحد"5.
"إن أفضل الوصايا كلّها الله واحد"6.
"أنا ذاهب إلى إلهي و [إلهكم] 7".
"إلَهي إلَهِي
لِمَ تركتني؟ "1. "إنكم تريدون قتلي وأنا إنسان كلمتكم بالحقّ الذي سمعته من الله"2. وذلك في الإنجيل كثير جداً. وإذا كان هذا نصّ المسيح في الإنجيل فقد كذبوا عليه في ادِّعائه أن داود / (1/171/أ) عبده. قال مؤلِّفه: سألت حَبراً من أحبار اليهود عن هذا المزمور، قال: "قال الرّبّ لربي". تفسيره عندنا بالعبرانية: "قال الرّبّ لوليي". قال والرّبّ عندنا يطلق على المعظم في الدين ثم تلا قول إبراهيم ولوط الذي حكيناه.3
18- سؤال ثامن من العضلات: قال النصارى: نحن واليهود من مخالفينا في الملة ننقل أن الذي قتل وصلب لم يكن سوى يسوع المسيح فلو تطرق التشكيك إلى رواتنا ونقلة أخبارنا وحملة ديننا لتطرق مثله إلى ما تنقلونه عن أسلافكم ولم يثبت لأحد من أتباع الأنبياء قاعدة ألبتة.4
والجواب: أن الرواة الأربعة الذين رووا لكم القتل والصلب لم يحضر منهم أحد البتة ذلك المشهد من خوف اليهود بشهادة الإنجيل.
وقد شهدت أقاصيص الإنجيل بأن المسيح كان قد تغيَّر منظر وجهه حتى على بطرس وخواص تلاميذه.
واستولى عليه ذلك حتى تعدَّى إلى لون ثيابه فغيرهما عما كانت عليه، وأنه لما التبس أمره وتنكرت حلاه على أصحابه فضلاً عن اليهود إحتاجوا / (1/171/ب) إلى أن أرشوا رجلاً من تلاميذه الاثني عشر برشوة حتى دلّهم عليه، ثم لم يعرفوه حتى قال لهم: إذا رأيتموني أُقَبِّل شخصاً فأمسكوه، فإنه
يسوع، هذا مع كون المسيح في كلّ يوم في الهيكل يناظرهم ويفحمهم بالحجج النبوية ويظهر عليهم ويكسر حججهم في كلّ مجلس ومجمع يجتمعون فيه. فما حاجتهم إلى مَنْ يعرِّفهم عينه بعلامة وأمارة يجعلها لهم لولا وقوع الشبه الحائل بينهم وبين رجلٍ من أسباطهم وعشائرهم فَأَخْذُهم من أخذوه إنما هو الشّبه، ثم الشبه إنما أخذ ليلاً فلم يصيروا به إلى رئيس الكهنة وله حيلة تُعرف فقتلوه صبيحة تلك الليلة كما أخبر الإنجيل. وإذا كان هذا نص الإنجيل أن أصحاب المسيح لم يحضروا، واليهود قد اشتبه عليهم الحال وأنكروا صورة المسيح بعد طول المعرفة به، فإخبار من جاء بعدهم لا يفيد ولا الظن إذ كان مستنده ما ذكرنا. فالقول بقتل المسيح وصلبه لا سبيل إلى صحته بعد إخبار جبريل عن ربّ العالمين أن المسيح يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملِّكه / (1/172/أ) على بيت يعقوب على ما تضمنه إنجيل لوقا. وقد حققنا ذلك غير مرة فلا نعيده.1
19- سؤال تاسع من المعضلات: قال النصارى: قال المسيح: "إذا كان يوم القيامة أرسل ابن الإنسان ملائكته، فجمعوا أصحاب الشكوك وفاعلي الآثام فيلقونهم في أتون النار، هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"2.
قال النصارى: فقد أثبت لنفسه ملائكة، ولا يثبت ملك الملائكة إلاّ لله تعالى، وأثبت أنه المقتول المصلوب.
والجواب: أن هذه نسبة صحبة لا نبسة ملك، والدليل على ذلك من الإنجيل قول يسوع: "لا تحقروا أحداً من هؤلاء الصغار المؤمنين بِيَ.
فإن ملائكتهم ينظرون وجه أبِي الذي في السماوات في كلّ حين"1.
فقد أثبت للصغار ملائكة لم يرد الملك، وقد قال يسوع أيضاً لليهود في الإنجيل: "لا تظنوا أني لا أستطيع أن أدعو أبي فيرسل لي اثني عشر جوقاً من الملائكة"2.
أثبت ها هنا ملك الملائكة لله وحده فكان ذلك المطلق [محمولاً] 3 على هذا المقيد.
وقد قالت التوراة: "إن بني / (1/172/ب) إسرائيل كان لهم ملك يحمل عمود الغمام ويسير أمامهم ويلهب لهم بالليل ناراً يؤمونها في مسيرهم"4.
وقوله: "إن ابن الإنسان" يوهم أنه أراد نفسه، ونحن نحمله على الشَّبه الشهيد الذي صلبه اليهود، أنعم فإنه من الحواريين الذين هم تلوا النّبيّين في الشفاعة.
قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِّنَ النَّبِيِّين وَالصِّدِّقين..﴾ الآية.
[سورة النساء، الآية: 69].
وإذا كان الشَّبَه صِدِّيقاً فهو من خيرهم لإيثاره المسيح، فلا بُعد أن يشهد له المسيح بأنه يشفع يوم القيامة، ويرسل الملائكة بين يديه ويؤمر بامتثال أوامره ويلقي من آذاه وقتله وصلبه في أتون النار.
والدليل على تشريف الأولياء والأصفياء بهذه الرتبة الكتاب العزيز والإنجيل، قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
[سورة المدّثر، الآية: 48].
دلّ على أن من الشافعين مَنْ تنفع شفاعته.
وقال المسيح لتلاميذه: "أنتم الذين صبرتم معني
في تجاربي وإنكم يوم القيامة تجلسون على اثني عشر كرسياً من كراسي المجد تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل"1.فقد أثبت محاسبة/ (1/173/أ) الأسباط من بني يعقوب إلى تلاميذه، والمصلوب من خيرهم كما تقدم.
وكيف لا يعظم جرم اليهود ويسلط عليهم في الدار الآخرة أصحاب المسيح وإنما قتلوا في زعمهم واعتقادهم وظنهم المسيح؟! فبشؤم قصدهم عظم إثمهم وإن لم يصادفوه ولا قتلوه فسلط الله عليهم في القيامة بعض خدمه وهو الشَّبه لينتقم منهم.
20- سؤال عاشر وهو من المعضلات، قال النصارى: قال دواد في مزمور له وتنبأ به على آلام المسيح وما يجري عليه من اليهود: "ثقبوا يدي، وجعلوا في طعامي المرار، وعند عطشي سقوني خلاً، يا رب لا تبعد نصرك مني"2.
قالوا: فأي حجة أبين أو دليلاً أوضح من هذا؟! والجواب: عن ذلك من وجوه: أحدها: لا نسلم أن دواد عنى بذلك المسيح بل لم يعن إلاّ نفسه، والكلام يحمل على المعنى حيث أعوز حمله على اللفظ، وكأنه عليه السلام كَنَّى بذلك عما هو بصدده من قتال المشركين ومنازعة أعداء الدين وجبابرة فلسطين، وكأنهم / (1/173/ب) لطول حروبهم وموالاة شرورهم فعلوا هذه الأشياء، وداود أخبر بهذا المزمور عن نفسه فمَن أراد صرفه عنه إلى غيره فعليه إقامة الدليل.
قال مؤلِّفه: "بعد تبييض هذه النسخة والفراغ سألت حبراً من أحبار اليهود عن قول داود: "ثقبوا يدي" بالمزمور، فأجابني بنحو ما ذكرته في الوجه الأوّل على الفور من غير توقف، فتعجبت من اتّفاقه لنصّ ما عندهم.
الوجه الثاني: نسلم أن داود لم يعن بذلك نفسه ولكن عنى غيره فبم تنكر النصارى أن ذلك المعنِيَّ رجلٌ كان قبل داود؟!.
واللفظ يساعد عليه فإنه ذكره بلفظ الماضي فقال: ثقبوا يدي جعلوا في طعامي المرار، وذلك يشير إلى أمر قد وقع وفرغ منه، وإذا كان ذلك لم يصلح للاستقبال فلعلّ داود إنما أراد بالمزمور رجلاً من أسلافه الماضين كإبراهيم وموسى وغيره من الأصفياء فتألم بذلك تألم الولد البار لوالده وذوي رَحِمِه وعزَّى نفسه وسلاّها فيما ابتلى به من/ (1/174/أ) قتال كفار زمانه وملوك دهره.
الوجه الثالث: نسلِّم أن داود أرد الاستقبال، لكن ليس في المزمور ما يدلّ على قتل وضرب وصفح وصلب كما نسبه الصنارى لربّهم في زعمهم، وليس فيه إلاّ أن رجلاً من الناس يُثقب يده ويُسقى خلاً عند عطشه ويُمَرَّر طعامه ويسأل ربه وخالقه إلهه أن ينصره، ولا يلزم من وجود هذه الأموروجودقتل وصلب، فقديثقب يد الإنسان ويسقى الخل ولا يموت.
والوجه الرّابع: سلَّمنا أن ذلك يستلزم القتل والصلب والإهانة، وأن داود عبَّر ببعض الآلام عن سائرها، لكن من أين للنصارى أن المفعول به ذلك هو المسيح؟!، وليس في كلام داود له ذكر البتة.
فبم ينكرون على من يقول: إن المفعول به ذلك هو الشبه لا المسيح؟ وليس دعواهم أن داود أراد المسيح بأولى من دعوى مَن يقول: لم يرد بذلك إلاّ الشبه.
والدليل على أن داود أراد الشبه قوله: "يا ربّ لا تبعد نصرك مني".
فصرَّح داود بأن المفعول به ذلك عبد من عبيد الله/ (1/174/ب) يستصرخ بربه ويلتمس نصر خالقه عند نزول كربه، ويؤيّده قول نقلة الإنجيل إن المصلوب قال في آخر كلام تكلم به على الخشبة: "إلَهِي إِلَهِي كيف تركتني؟ ". والمسيح ليس كذلك عند النصارى.
ولاسيما وقد رووا عن داود أنه عنى المسيح بقوله في المزمور: "قال الرّبّ لربِّي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئ قدميك".
وإذا قالوا: إن داود يخاطب المسيح بلفظ الربوبية وأن أعداءه تكون موطئ قدميه بطل أن يكون عنى بقوله: "ثقبوا يدي".
المسيح وصحّ إضافة ذلك إلى الشبه.
ثم داود عبراني اللسان، فلو كان في مزمور ما ينوه بذكر المسيح وربوبيته وقتله وصلبه لكان العبرانيون - وهم اليهود - أحقّ بمعرفته من غيرهم.
لاشتغالهم بتلاوة مزامير داود وانكماشهم على قراءتها والتعبد بها، فإقدامهم على ما أقدموا عليه من طلب المسيح وتكذيبه، وعزمهم على قتله حتى شغلهم الله
عنه بالشبه الذي قتلوه وصلبوه-دليل واضح (1/175/أ) على غلط النصارى فيما استنبطوه من المزامير بعقولهم واستخرجوه بأذهانهم.
فهذه عشرة أسئلة معدودة من معضلات أسئلتهم مضافة إلى ما قدمناه، غير أن هذه الأسئلة هي أساس كفرهم، وعليها عقدوا أمانتهم التي سنبيّن بعون الله فسادها وتناقض ألفاظها ومعارضتها للثالوث ومعارضة الثالوث لها.
وقد بيّن داود في المزمور التاسع عشر على ما ذهبنا إليه من خلاص المسيح من أعدائه اليهود، وأخبر أن الله تعالى حماه منهم وستره عنهم، فقال: "يستجيب لك الرّبّ في يوم شديد، ويرسل لك عوناً من قدسه يعضدك من الآن، عرف خلاص الله لمسيجه ومن سماء قدسه استجاب له"1.
فقد شهد داود بأن الله خلّص المسيح.
وهذا المزمور مصدِّق لقول لوقا: "إن جبريل خبَّر عن الله أن المسيح يكون ملك بني إسرائيل".
فأما مزمور "ثقبوا يدي"، فكذَّب بشارة جبريل، وما رَدَّ بشارة جبريل عن الله تعالى فهو مردود.
فإن قيل: فالمسيح صعد إلى السماء2وهذا يدل على ربوبيته.
قلنا: هذا من أضعف ما يتمسك / (1/175/ب) به؛ إذ الملائكة تصعد السماء وليسوا آلهةً ولا أرباباً، وأخنوخ الذي هو إدريس قد صعد إلى السماء3وهو عبد من عبيد الله.
وكذلك إلياء وَدَّع تلميذه اليسع وصعد إلى السماء على فرس من نور.4