تخجيل من حرف التوراة والإنجيلصفحات 691-730
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية...

صفحات 691-730

حكمي لحشر الأمم كلها.
هنالك أجدد لهم اللغة المختارة ليعلنوا باسم الرّبّ جميعاً ويعبدوه في ربقة واحدة.
ويأتون بالذبائح في تلك الأيام من معابر أنهار كوش"1.
واللغة المختارة هي لغة العرب.
وهي التي طبقت الأرض وملأت الدنيا وتكلم غير أهلها وهجروا لغاتهم لخفتها.
ومعابر أنها ركوش هي نواحي اليمن والحجاز، وهي التي تساق منها الأغنام والهدي إلى بيت الله الحرام.
فمن ظن أن (كوش) تحمل أغنامه وذبائحه إلى الشام وبيت المقدس فقد ظنّ عجزاً.
-[البشرى] 2 الخامسة والخمسون: (2/119/ب) قال زكريا النبيّ وتنبأ أيضاً على جمع كلمة التوحيد وصيرورة الدين ديناً واحداً: "أنه يكون الرّبّ يومئذٍ ربّاً واحداً ويكون اسمه اسماً واحداً"3.
وقد صار الأمر كذلك بمحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، شرقاً وغرباً فجنوباً وشمالاً، فمن شَذَّ عن ذلك فإلى النار.
-[البشرى] 4 السّادسة والخمسون: قال زكريا أيضاً: "وفي ذلك اليوم يكون اسم الرّبّ القدوس على كلّ شيء حتى على لجام الفرس"5.
فقد تمت هذه النبوة ببعثة محمّد صلى الله عليه وسلم.
وصار اسم الله على كلّ شيء من ثوب

ودار وسلاح وذهب وفضة وغير ذلك. وذلك شيء لم يكن يعرف قبل بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم. -[البشرى] 1 السّابعة والخمسون: قال أرميا النّبيّ عليه السلام وخاطب بها محمّداً صلى الله عليهما حاكياً عن الله: "من قبل أن أصورك في الرحم عرفتك. ومن قبل أن تخرج من الرحم قدستك وجعلتك نبيّاً للأمم. لأنك بكل ما آمرك تصدع.2
وإلى كلّ من أرسلتك تتوجه.
وأنا معك لخلاصك يقول الرّبّ: / (2/120/أ) أفرغت كلامي في فمك إفراغاً.
فانظر فقد سلطتك اليوم على الأمم والممالك لتنسف وتهدم وتبتر وتسحق وتغرس وتبني ما رأيت"3.
قال المؤلِّف: قول أرميا: "أفرغت كلامي في فمك إفراغاً"، نظير لقول الله تعالى في التوراة: "أجعل كلامي في فمه"4.
يعني النبيّ عليه السلام.
وهذه نبوات متضافرة ودلالات متظاهرة.
فسبحان من بخس اليهود والنصارى حظهم من الإيمان بها والتمسك بسببها.
-[البشرى] 5 الثّامنة والخمسون: قال أرميا أيضاً وتنبأ على نصر الأمة المحمّدية على اليهود والنصارى وغيرهم: "إني مُهيِّج عليكم يا بني إسرائيل من البعد أمة عزيزة أمة قديمة.
أمة

لا تفقهون لسانها وكلّها مجرب جبار"1.
فهذه هي الأمة الحنيفية العربية التي سلطها الله على كلّ من كفر به وعبد معه عجلاً ووثناً.
واتّخذ من دونه آلهة أخرى.
وقد صدق الله في خبره ووفى بقوله سبحانه تعالى.
-[البشرى] 2 التّاسعة والخمسون: وقال أرميا متنبئاً على أمة محمّد صلى الله عليه وسلم: "إني جاعل شريعتي في / (2/120/ب) أفواههم وأكتبها في قلوبهم، وأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً.
ولا يحتاج الرحل أن يتعلم من غيره الدين والملة ومعرفة الله.
بل يصير الكلّ عارفين بالله صغيرهم وكبيرهم, وأنا أغفر حينئذٍ ذنوبهم ولا أقرعهم بخطاياهم"3.
هذه النّبوة الجليلة القدر شاهدة بأن هذه الأمة هي أمة الله.
وأن هذا الشعب الطاهر شعبه، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً.
فلا نعلم أمة تقرأ كتاب ربّها عن ظهر قلب المَلِك إلى الأتوني سوى هذه الأمة المحمدّية.
فأما من عداها من الأمم فإنما يقرؤون من الصحف ويسمعون من غيرهم.
-[البشرى] السّتّون: قال أرميا أيضاً وتنبأ على إزالة ملك الفرس وهلاك فارس بالمسلمين من أمة محمّد صلى الله عليه وسلم: "يقول الرّبّ: إني كاسر قوس4[عيلم] 5 رأس عزّهم وجبروتهم

وإني أغري بعيلم أربعة رياح من أربع جهات السماء، وأبدد أهلها في تلك الجهات، وأفض عيلم قدام أعدائهم فضّاً.
وأفُلُّهم قدام طالبي أنفسهم فلاًّ, وأنْزل عليهم البلاء والرجز / (2/121/أ) الأليم حتّى أفنيهم ثم أنصب كرسي بعيلم، وأبيد من هناك من الملوك"1.
عيلم هي العراق.
والملوك الذين كانوا بها هم ملوك الفرس ونزوله تعالى (بعيلم) هو نزول الأمة المحمّدية التي ذكر في النبوة المتقدمة أنها شعبه وأمته، ونصب كرسيه بها هو إقامة الخلفاء من أهل بيته بها وبناؤهم بها المساجد والجوامع والمدارس لإقراء كلامه وسنن رسله، ولا خفاء أن ذلك كلّه لم يتحقق إلاّ بمحمّد وأمته.
-[البشرى] 2 [الحادية] 3 والسّتّون: قال أرميا وشافه بها محمّداً رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعد آلات الحرب فإني أُبدد بك الشعوب، وأبدد بك الخيل وفرسانها والمراكب وركبانها، وأبدد بك الطغاة لتجازي الكذابين بأوزارهم التي ارتكبوها.
هذا قول الرّبّ"4.
فقد صدق الله ورسله، وبدّد برسول الله صلى الله عليه وسلم شعوب المشركين وخيلها وفرسانها ومراكبها وركبانها وانتقم به وبأمته من الكذابين من الفرس والديلم والروم وأهل الكتاب، فكذب الفرس أنهم / (2/121/ب) أناطوا الألوهية والربوبية بالنار.
واليهود أنهم قذفوا أنبياءهم وحكموا بأن معبودهم جسم من الأجسام.
وكذب النصارى لاعتقادهم أن ربّهم الذي خلقهم ورزقهم هو رجل من بني آدم.
وكذب اليهود

إناطتهم الربوبية بالأنداد من الحجارة والخشب، وكذب الصائبة وغيرهم إناطتهم الربوبية بالكواكب ونجوم السماء، فسلط الله عليهم رسوله محمّداً صلى الله عليه وسلم، فأباد1أبدادهم وأخمد نيرانهم وكسر صلبانهم ومحق أوثانهم وأفنى فرسانهم.
-[البشرى] 2 الثّانية والسّتّون: قال حزقيال النبيّ متنبئاً على هذه الأمة العربية المحمّدية: "إن كرمة أخرجت ثمارها وأغصانها، فأشرفت على الأكابر والسادات، وارتفعت وبسقت أفنانها، فلم تلبث تلك الكرمة أن قلعت3بالسخط ورمي بها على الأرض فأكلتها.
فعند ذلك غرس4غرس في البدو وفي الأرض المهملة المعطلة / (2/122/أ) العطشى وخرجت من أغصانه فأكلت تلك حتى لم يوجد فيها [عصا] 5 قوية ولا قضيب بأمر السلطان"6.
يريد بالغرس الأوّل: ملل النصارى واليهود وسائر الطوائف.
وكيف سخط الله عليهم وأباد جموعهم واجتثت أصولهم وفروعهم.
ويريد بالغرس الجديد الذي غرسه في البدو والأرض العطشى هذه الأمة الغريبة والشريعة المحمّدية

واستيلاءها على ممالك من تقدم حتى لم يدع لها عزّاً ولا سلطاناً إلاّ احتوت عليه وأكلته وهذه نبوءة واضحة وبشارة صادقة.
-[البشرى] 1 الثّالثة والسّتّون: وقال حزقيال أيضاً وهو يتهدد اليهود ويصف أمة محمّد صلى الله عليه وسلم: "وأن الله مظهرهم عليكم وباعث فيهم نبيّاً، ومنَزِّل عليهم كتاباً.
ومملكهم رقابكم فيقهرونكم ويذلونكم بالحقّ، وتخرج رجال بني قيدار في جماعات الشعوب، معهم ملائكة على خيل بيض متسلحين فيحيطون بكم، وتكون عاقبتكم إلى النار"2.
نعوذ بالله من النار.
-[البشرى] 3 الرّابعة والسّتّون: / (2/122/ب) قال دانيال النبيّ عليه السلام وذكر محمّداً رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه فقال: "ستنْزع في قسي إغراقاً، ترتوي السهام بأمرك يا محمّد ارتواء"4.
فهذا تصريح بغير تعريض وتصحيح ليس فيه تمريض.
فإن نازع في ذلك منازع فليوجد لنا] 5 آخر اسمه محمّد له سهام تنْزع.
وأمر مطاع لا يدفع.

-[البشرى] 1 الخامسة والسّتّون: قال دانيال عليه السلام: "طوبى لمن أدرك أيام الألف والثّلاثمائة والخمسة والثّلاثين"2. وقد اعتبر العلماء العارفون بأيام الناس وتواريخهم فلم يجدوا ذلك ينْزل على واقعة بعد أيام دانيال سوى عدد من كان من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الحديبية وهي مقدمات الفتح.3
-[البشرى] 4 السّادسة والسّتّون: قال دانيال النبيّ عليه السلام حين سأله بختنصر عن تأويل رؤيا رآها ثم نسيها: "رأيت أيّها الملك صنماً عظيماً قائماً بين يديك رأسه من ذهب، وساعداه من الفضة.
وبطنه وفخذاه من الناس وساقاه من حديد، ورجلاه من خزف،

ورأيت حجراً لم يقطعه يد إنسان قد جاء وصَكَّ / (2/123/أ) ذلك الصنم فتفتت وتلاشى وعاد رفاتاً.
ثم نسفته الريح فذهب وتحوّل ذلك الحجر فصار جبلاً عظيماً حتى ملأ الأرض كلّها.
هذا ما رأيت أيّها الملك.
فقال بختنصر: "صدقت.
فما تأويلها؟ ". قال دانيال: "أنت الرأس الذي رأيته من الذهب.
ويقوم بعدك ولداك اللذان رأيت من الفضة وهم دونك.
ويقوم بعدهما مملكة أخرى وهي دونهما وهي التي تشبه النحاس.
والمملكة الرّابعة تكون قوية مثل الحديد الذي يدق كلّ شيء.
فأما الرجلان التي رأيت من خزف فمملكة ضعيفة وكلمتها مشتتة.
وأما الحجر الذي رأيت قد صَكَّ ذلك الصنم العظيم ففتته فهو نبيّ يقيمه الله إله السماء والأرض من قبيلة شريفة قوية، فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ منه الأرض ومن أمته.
ويدوم سلطان ذلك النبيّ إلى انقضاء الدنيا.
فهذا تعبير رؤياك أيّها الملك"1.
فقد أخبر دانيال عن الله تعالى أن2نبيّنا هو خاتم الأنبياء ودولته خاتمة الدول.
وصدق بنبوته هذه جميع النبوات الواردة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.3

-[البشرى] 1 السّابعة والسّتّون: / (2/123/ب) قال دانيال النبيّ أيضاً: "رأيت في نومي كأن الرياح الأربع قد هاجت وتموج بها البحر.
واعتلج اعتلاجاً شديداً.
ثم صعد منه أربع حيوانات عظام مختلفة الصور؛ الأوّل مثل الأسد وله أجنحة نسر.
والحيوان الثاني مثل الدّبّ وفي فمه ثلاثة أضلاع، وسمعت قائلاً يقول له: قم فكل من اللحم واستكثر منه.
والحيوان الثالث مثل النمر.
وفي جبينه أربعة أجنحة من حديد عظام فهو يأكل ويدق برجليه ما بقي.
ورأيته مخالفاً لتلك الحيوانات وكانت له عشرة قرون فلم يلبث أن نجم له قرن صغير من بين تلك القرون ثم صار لذلك القرن عيون، ثم عظم القرن الصغير جداً أكثر من سائر القرون، فسمعته يتكلم كلاماً عجيباً وكان ينازع القديسين ويقاوهم.
قال دانيال: فقال لي الرّبّ: تأويل الحيوان الرابع مملكة رابعة تكون في آخر الممالك وهي أفضلها وأجلها تستولي على جميع الممالك وتدوسها وتدقها وتأكلها / (2/124/أ) رغداً"2.
فقد شهد دانيال النبيّ عليه السلام وأخبر عن الله أن أمتنا هي الدائمة إلى الأبد.
وأن ملتنا هي التي لا يقاومها أحد.
وهي التي كانت أكلت الأمم ودقتها وداستها واستولت عليها بإذن الله.
ووعده الحقّ وخبره الصدق.
فهل يبقى بيان أبين من الله تعالى على ألسن أنبيائه الأطهار؟ وقد3قال من فسر كتب أهل الكتاب: "إن الحيوان الأوّل هو

دولة أهل بابل. والحيوان الثاني دولة أهل الماهين.1
والحيوان الثالث دولة الفرس، والحيوان الرابع دولة العرب.
وفي ذلك تصديق قول الله في التوراة لإبراهيم عليه السلام: "إني أبارك إسماعيل ولدك وأعظمه جدّاً جِدّاً2ومن تولى الله تعالى تعظيمه وتفخيمه وبركته كيف لا يكون كذلك؟ ‍‍!!.
-[البشرى] 3 الثّامنة والسّتّون: قال دانيال: "سألت الله وتضرعت إليه أن يبيّن لي ما يكون من بني إسرائيل، وهل يتوب عليهم ويرد إليهم ملكهم ويبعث فيهم الأنبياء أو يجعل ذلك في غيرهم؟ قال دانيال / (2/124/ب) عليه السلام: "فظهر لي الملك في صورة شاب حسن الوجه فقال: السلام عليك يا دانيال إن الله يقول: إن4بني إسرائيل أغضبوني وتمردوا عليَّ وعبدوا من دوني آلهة أخرى.
فصاروا من بعد العلم إلى الجهل ومن بعد الصدق إلى الكذب.
فسلطت عليهم بختنصر فقتل رجالهم وسبي ذراريهم وهدم بيت مقدسهم وحرق كتبهم وكذلك فعل من بعده بهم.
وأنا غير راضٍ ولا مقيلهم عثرتهم.
فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط فلا يزالون ملعونين، عليهم الذلة والمسكنة، حتى أبعث نبيّ بني إسرائيل الذي بشرت به هاجر وأرسلت إليها ملاكي فبشرتها، فأوحي إلى ذلك النبيّ وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى.
وأجعل البر شعاره.
والتقوى ضميره.
والصدق قوله.
والوفاء طبيعته.
والقصد سيرته.
والرشد سنته.
أخصه بكتابٍ مصدق لما بين يديه من الكتب وناسخ لبعض ما فيها، أسري / (2/125/أ) به إليّ، وأرقيه من سماء

إلى سماء، حتّى يعلو فأُدنيه وأُسلِّم عليه وأوحي إليه ثم أرده1إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظاً لما استودع، صادعاً بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة.
لا فظّ ولا غليظ.
ولا صخاب في الأسواق، رؤوف بمن والاه، رحيم بمن آمن به، خشن على من عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رآى من آياتي فيكذبونه ويؤذونه - قال المؤلِّف - ثم سرد دانيال قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفاً حرفاً مما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا"2.
ونبوته كبيرة وهي الآن في أيدي النصارى واليهود يقرؤونها.
وفيها ما وصفنا من إشادة الله بذكر هذه الأمة وذكر نبيّها واتصال مملكتهم بالقيامة.
ولكن الحسد وفساد المربي صار قتّار عن السعادة والله الموفّق.
-[البشرى] 3 التّاسعة والسّتّون: قال يوحنا الإنجيلي: قال يسوع المسيح في الفصل الخامس عشر / (2/125/ب) من إنجيله: "إن الفارقليط روح الحقّ الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء"4.

(فالفارقليط) هو: محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله بعد المسيح، وهو الذي علّم الناس كلّ شيء، قال يهودي لرجل من الصحابة1: علمكم نبيّكم كلّ شيء حتى الخراة؟ فقال أجل: "لقد نهى أن يستقبل أحدنا القبلة ببول أو غائط"2.
وقد سماه المسيح (روح الحقّ) وذلك غاية المدحة وأعلى درجات المنحة.
واعلم أن النصارى اختلفوا في تفسير لفظة الفارقليط على أقوال: فقيل: إنه (الحماد).
وقيل: (الحامد).
وقيل: (المعز).
وأكثر النصارى على أنه (المخلًِّص).
فإن فرّعنا عليه فلا خفاء بكون محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلِّصاً للناس من الكفر والمعاصي والجهل.
ومنقذهم من دركات الهلاك بإرشادهم إلى توحيد الله وعبادته.
قال عليه السلام: "إني آخذ بحجركم وأنتم تقحمون في النار"3.
وبذلك سمّى المسيح نفسه في الإنجيل؛ إذ قال: "إني لم آت لأدين العالم بل لأخلّص العالم"4.
والنصارى يقرؤون في صلاتهم: "يا والدة الإله لقد ولدتي لنا / (2/126/أ) مخلّصاً".
وإذا كان المسيح مخلّصاً لا بدّ من مخلص آخر لأمته.
فأما على بقية الأقوال، فليس لفظ أقرب إلى محمّد من الحامد والحماد.
فقد وضح أن

(الفارقليط) هو: محمّد عليه السلام.1
-[البشرى] 2 السّبعون:

قال يوحنا التلميذ أيضاً لتلاميذه: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم فارقليطاً آخر يثبت معكم إلى الأبد.
روح الحقّ الذي لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه.
ولست أدعكم أيتاماً لأني سآتيكم عن قريب"1.
قد نقلنا تفسيرهم (للفارقليط) وأنه على صحيح أقوالهم: (المُخلِّص) وقد ذكر المسيح أنه لا بدّ من (فارقليط) آخر يثب إلى الأبد.
وثبوت النبي إلى الأبد ممتنع.
فلم يبق إلاّ حمل الكلام على الشريعة التي جاء بها النبيّ.
وهذه شريعة نبيّنا صلى الله عليه وسلم باقية على أس قويم ومنهج من الحقّ مستقيم.
لا تنقض بوفاقه ولا تنقرض ولا يتخلل الخلل خلالها ولا يعترض.
وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّين﴾.
[سورة الأحزاب، الآية: 41].
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نبي بعدي"2.
فالنصارى في ذلك بين أمرين: وهو إما أن يقولوا: إنه محمّد رسول الله، / (2/126/ب) وإما أن يقولوا: إن المسيح أخلف قوله ولم يفِ بوعده وتركهم أيتاماً بغير نبيّ يتكفل بأمورهم ولم يأتهم عن قريب كما وعد، بل إنما أراد أن هذا النبيّ المخلص هو الذي يأتيهم عن قريب، ولم أر أحداً من النصارى يحسن تحقيق مجيء هذا (الفارقليط) الموعود به.
إذ بعضم يزعم أنه ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ3ففعلوا الآيات والعجائب.
وذلك خلاف ما أخبر به المسيح؛ إذ المسيح ذكر (فارقليطاً) آخر.
وذلك يشير إلى أوّل تقدم لهم.
وهذه الألسن لم يتقدم محيؤها ولم تعرف أوّلاً.
ثم ذلك كذب من قائله؛ إذ سِير التلاميذ تشهد بأنهم بعد المسيح امتهنوا تقتيلاً وعذبوا بأنواع

العذاب.
وذلك تكذيب لمن زعم أنه نزل عليهم من السماء ألسن من نار تؤيدهم على أعدائهم.
ثم المسيح يقول: إن هذا (الفارقليط) الآخر يأتي بعده ويدوم مع الناس إلى الأبد ويعلّم الخلائق كلّ شيء.
وأنه قد سمي روح الحقّ.
فكيف تقول النصارى إنه هو هذا الذي يزعمون أنه ألسنة من نار نزلت ثم انقضت ومضت ولم تدم إلى الأبد ولم تعلّم أحداً شيئاً؟!.
/ (2/127/أ)، هل هذا إلاّ جهل من قائله، وحمل لكلام الأنبياء والرسل على الخلف والكذب؟! فقد وضح أن هذا الموعود به على لسان المسيح إنما هو محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وصفه المسيح: "بأنه لم يطق العالم أن يقبلوه؛ لأنهم لم يعرفوه".
يريد أنه يأتي في زمن الغالب على أهله عبادة الأوثان وتعظيم الصلبان وسجر النيران.
قد نبتت على ذلك أجسادهم وثبتت عليه آباؤهم وأجدادهم فما راعهم إلاّ رسول قد جاءهم من التوحيد بما لم يعرفوه.
وهاجم جمعهم بفطم1ما ألفوه فقالوا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين.2
وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب.3
فلذلك لم يقبلوه والنبيّ على الحقيقة لا يعرفه إلاّ من فاض عليه من فيضه.
وارتاض في فسيح روضه.
-[البشرى] 4 [الحادية] 5 والسّبعون: قال يوحنا: "قال المسيح: من يحبني يحفظ كلمتي، وأبي يحبه وإليه نأتي،

وعنده نتخذ المنْزل، كلمتكم بهذا لأتي عندكم مقيم، والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي هو يعلمكم كلّ شيء / (2/127/ب) وهو يذكركم كلّ ما قلت لكم، أستودعكم سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبونني كنتم تفرحون بمضيي إلى الأب.
فإن أنتم ثبتم فيّ ثبت كلامي فيكم كان لكم كلّ ما تريدون وبهذا يمجد أبي"1.
وقد شهد المسيح عليه السلام بأن محمّدا هو (روح القدس) 2.
كما شهد أوّلاً بأنه روح الله، وأن الله أرسله، وأنه يعلم الناس كلّ ما يحتاجونه إليه من أمر معاشهم ومعادهم، وأخبر تلاميذه أنهم إن ثبتوا على وصيته في تعظيم أمر هذا المخلّص الثاني والتزام أوامره واجتناب نواهيه والحثّ على اتباعه كان لهم ما أرادوا.
نظير ذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرْنَا عَنْهُم سَيِّئَاتِهِم وَلأَدْخَلْنَاهُم جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُم أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِم لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِم وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾.
[سورة المائدة، الآية: 65-66]. قال المؤلِّف: إنه لما قربت مدة المسيح وانتهاء مقامه في الأرض ودنا رفعه منها حمَّل أصحابه هذه الأمانة ليؤدوها إلى من بعدهم.
/ (2/128/أ) وكذلك فعل سائر الأنبياء والرسل كما نقلنا عنهم.
ولهم في ذلك مقاصد:

أحدها: أن يقوموا لله تعالى بما وجب من حقّه في تعظيم من عظَّم من أهل صفوته، فقد قال الله تعالى في التوراة لإبراهيم: "إني سأعظّمه جدّاً جِدّاً"1.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.
[سورة آل عمران، الآية: 81].
والثّاني: أن يحصلوا لأممهم أجرين: أجر الإيمان بنبيّ حاضر ونبيّ كريم مرتقب ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتّين - وذكر منهم - رجلاً من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثم أدركه وآمن به"2.
والثّالث: دفع الشكوك عن ضعفاء أتباع هذا النبيّ فإنه اتصل بهم أن الأنبياء من المتقدمين قد تنبؤا عليه وذكروه باسمه ووصفوا بلده وأرضه وقومه وميزته زالت عنهم عوارض الشكوك فأثبتوا فيهم.
لذلك قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُم فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾.
[سورة الأعراف، الآية: 157]. وعزّ من قائل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ3 وَمُوسَى﴾.
[سورة الأعلى، الآية: 18-19]. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾.
[سورة الشعراء، الآية: 196].

-[البشرى] 1 الثّانية والسّبعون: قال المسيح وتنبأ بذلك على شهادة الرسول له بالنبوة والرسالة وتكذيب اليهود فيما رموه به من الكذب والزور ونسبوه إلى أمه الطاهرة من الفجور.
قال فيما حكاه يوحنا عنه: "إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله، روح الحقّ الذي من أبي هو يشهد لي، قلت لكم هذا حتّى إذا كان تؤمنوا به ولا تشكوا فيه"2.
تدبّروا - أتَمَّ الله علينا وعليكم نعمة الإسلام ووفّقنا وإيّاكم لشكر متابعته عليه السلام - ما اشتملت عليه فصول (الفارقليط) من الإفصاح بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد للمسيح في غير موضع من الكتاب العزيز بالنبوة والرسالة وصدقه فيما جاء به من عند الله كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾.
[سورة المؤمنون، الآية: 50].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
[سورة النساء، الآية: 171]. وقد أكذب اليهود في فريتهم على المسيح وعلى أمه إذ نسبوه إلى بنوة الزنا.
وقالوا: إن به شيطاناً يتخبطه ويغويه.
/ (2/129/أ) وزعموا أن (بعل زبول) رئيس الشياطين هو الذي يعينه على الآيات والعجائب كما شهد بذلك الإنجيل.
فلهذا استشهد المسيح بمحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "روح الحقّ الذي أبي أرسله هو يشهد لي".
وقول المسيح هذا يشعر بتقدم رسالة محمّد

رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المسيح عليه السلام ذكر ذلك بلفظ الماضي فقال: "الله أرسله"، ولم يقل: (إنه يرسله). ويؤيدّ ذلك قول محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقد سئل: متى وجبت لك النبوة؟ فقال عليه السلام: كنت نبيّاً وإن آدم لمنجدل في طينته"1. وقول المسيح للتلاميذ: "ذكرت لكم هذا قبل أن يكون حتى إذا كان لا تشكوا". تحريض لهم على متابعته والمسارعة إلى متابعته. والكلام وإن كان مع من كان حاضراً من التلاميذ، والمطلوب منه ما قدمناه من المقاصد الثلاث. وقد روي أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك بعض الحواريين وهو سلمان الفارسي ويوصيه ذلك الحواري: / (2/129/ب) "أسلم سلمان.2
ولا جرم أن طائفة من

النصارى عند مبعثه ابتدرت إلى الإيمان كنصارى نجران.1
وإلى هلم جرا الداخلون في دين محمّد صلى الله عليه وسلم من النصارى واليهود أكثر من الخارجين منه.
فما يحصى2من أسلم منهم من علمائهم وصنفوا الكتب في معائب ما كانوا عليه ومحاسن ما صاروا إليه.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وحقَّ القول على آخرين فلم يستنيروا بنور الهدى.
وصدف بهم عن وصايا3المسيح ما حقّ عليهم من الارتكاس في مهاوي الرّدى.
فهم المرادون بقول الكتاب العزيز: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
[سورة الزمر، الآية: 19].
ويقول أشعيا النبيّ عليه السلام: "عرف الثور والحمار ربّه وجهل ذلك بنو إسرائيل"4.
ولقد بَكَّتهم بطرس صاحب المسيح في الفصل الثالث من رسالته الثانية فقال: "لقد كان خيراً لهم ألا يعرفوا طريق الحقّ من أن يعرفوه ثم ينصرفون إلى خلافه ولنوكهم الظاهره أنالتهم الأمثال الصادقة القائلة، إنهم كالكلب العائد في قيئه والخنْزير الذي اغتسل ثم تمرغ / (2/130/أ) في الحمأة"5.

-[البشرى] 1 الثّالثة والسّبعون: قال المسيح فيما رواه يوحنا أيضاً: "إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط؛ فإذا انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله.
لكن إذا جاء روح الحقّ ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحقّ.
لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع.
ويخبركم بكلّ ما يأتي.
ويعرفكم جميع ما للأب"2.
قال المؤلِّف: في هذا الفصل عدة معاني فليتدبرها اللبيب: منها: أن المسيح عليه السلام اعترف بأن هذا (الفارقليط) الآتي أفضل منه؛ إذ قال: "إن الخيرة لهم في انطلاقه ومجيء الفارقليط الآخر".
ومنها: قوله: "فإذا انطلقت أرسلته".
وهذا صحيح المعنى من حيث إن مجيء المصطفى موقوف على ذهاب المسيح.
ومنها أنه أخبر: "أن هذا الآتي هو الذي يوبخ العالم على الخطيئة".
وقد فعل ذلك رسول الله ووبخ العالم على خطاياهم، المجوس على عبادة النار، ووبخ اليهود على عبادة عزير والعجل، ووبخ النصارى على عبادة / (2/130/ب) الثالوث، ووبخ الصابئة على عبادة الكواكب، ووبخ كفار العرب والهنود على عبادة الأصنام والأنداد، فكان أمره في ذلك مصحِّحاً لما نطق به المسيح من أنه إذا جاء عليه السلام وبّخ الأمم على الخطيئة.
ومنها: أن المسيح أخبر أن هذا (الفارقليط) الآخر الآتي: "هو الذي يخبرنا بكلّ ما يأتي، ويعرفنا كلّ شيء للأب".
وهذه حال محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن أبوا

ذلك فليخبرونا مَنْ هو الذي جاء مخلِّصاً (فارقليط) آخر بعد المسيح فوبخ العالم على الخطيئة.
وأرشد الخلق إلى عبادة الله وطاعته، وحذرهم من عصيانه ووبال مخالفته، وعرفهم ما لله تعالى عليهم من الحقوق في أنفسهم وأموالهم، ودامت شريعته واستمرت مع الناس إلى الأبد؟!.
وقد قال المسيح في الفصل الأوّل: "إن هذا الرجل الآتي بعده يعلم الناس كلّ شيء، وأنه يدوم معهم إلى الأبد.
[فليوجدوا لنا] 1 ذلك وإلاّ فليكذبوا قول المسيح هذا ويردوا2صحّته.
فقد دار أمرهم فيه بين الإسلام أو تكذيب المسيح في خبره.
فإن رجعوا القهقرى وزعموا / (2/131/أ) أنها الألسن النارية التي يزعمون أنها نزلت من السماء على التلاميذ وانقضت ومضت.
قلنا: الويل لكم.
ألم يقل المسيح: "إن هذا الفارقليط شيء واحد".
فكيف يقولون: إنها عدة وجماعة نزلت؟!.
وقال: "إنه يدوم إلى الأبد عندكم".
فكيف تزعمون أنه أقام أياماً قلائل ثم ذهب؟! 3.
لقد كاد الله هذه العقول وحاد بها عن سواء السبيل.
وفي هذا الفصل من كلام المسيح4دلالة على أن كلّ ما ينطق به محمّد صلى الله عليه وسلم من آية مبرورة وسنة مأثورة وموعظة وأدب ونهي وطلب فهو متلقى بالقبول.
إذ يقول: "إنه لا يتكلم من عنده بل بما يسمع".
نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾.
[سورة النجم، الآية:3-4]. - البشرى الرّابعة والسّبعون: قال المسيح فيما حكاه يوحنا التلميذ عنه: "قالت امرأة من أولاد يعقوب

للمسيح: يا سيد آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إنه أورشليم؟ فقال المسيح: يا هذه آمني فإنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم يسجدون / (2/131/ب) للأب"1. قال المؤلِّف: وهذا القول من المسيح عليه السلام تنويه بأمر الكعبة. فإن التوجه إليها على يد محمّد صلى الله عليه وسلم نسخ ما عداها. وصار السجود لله تعالى لا في أورشليم ولا في غيرها بل إلى جهة الكعبة لا غير.2
-[البشرى] 3 الخامسة والسّبعون: قال المسيح لمن حضره: "الحقّ أقول لكم إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب فيتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وتخرج بنو الملكوت إلى الظلمة البرّانية خارجاً.
هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"4.
قال المؤلِّف: وذلك القول من المسيح تنويه بأمة محمّد إذ ليسوا من الذين خاطبهم المسيح بهذا الكلام، فهم الذين يكونون في رفقة إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا والله وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾.
[سورة آل عمران، الآية: 68].

-[البشرى] 1 السّادسة والسّبعون: قال متى التلميذ: "سأل التلاميذ المسيح فقالوا: يا معلم لماذا تقول الكتبة إن إلياء يأتي؟ فقال عليه السلام: إن إلياء يأتي ويعلمكم كلّ شيء.
وأقول لكم: إن إلياء قدجاء فلم يعرفوه بل فعلوا/ (2/132/أ) به كالذي أرادوا"2.
وقد فسروا إليا بأنه نبيّ.
وقد ذكر: "إن إلياء قد أتى ولم يعرفوا قدره".
فلا بدَّ من الوفاء بقول المسيح إن إلياء يأتي ويعلم الناس كلّ شيء.
ولم يأتِ بعد المسيح من علَّم الناس كلّ شيء من أمر الدنيا والآخرة سوى محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-[البشرى] 3 السّابعة والسّبعون: قال يوحنا الحواري: "قال المسيح إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء"4.
قال المؤلِّف: (الأركون) بلغته العظيم القدر.
و (الأراكنة) هم العظماء.
وقد قال أشعيا في وصف محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أركون السلام"5.
يعني: عظيم الخير والبر.
وقال المسيح عليه السلام: "إن أركون العالم يدان"6.
يشير إلى السلطان الظالم، والإدانة هي شدّة المحاسبة.
فقول المسيح: "إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء".
يريد أن: (الفارقليط) الذي قدمنا ذكره يأتي ويستولي على سائر الملك وينسخ كلّ شرع فلا يبقى مع شرعه شرع معتبر ولا حكم مقرر.

-[البشرى] 1 الثّامنة والسّبعون: قال يحيى بن زكريا - عليهم السلام - لأصحابه: "إن الذي يأتي من بعدي / (2/132/ب) هو أقوى مني وأنا لا أستحق [أحل معقد] 2 خفه"3. وما ذلك إلاّ محمّد عليه السلام. ولا يليق أن يكون المسيح أصلاً؛ لأن المسيح جاء مع يحيى لا بعده.4
فيحيى أكبر منه بستة أشهر لا غير كما نطق به الإنجيل.5
-[البشرى] 6 التّاسعة والسّبعون: قال متى التلميذ: "قال المسيح: ألم تقرؤوا أن الحجر الذي أرذله البناؤن صار رأساً للزاوية من عند الله7كان هذا.
وهو عجيب في أعيننا ومن أجل ذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ستؤخذ منكم وتدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها.
ومن سقط على هذا الحجر يتشدخ.
وكلّ من سقط عليه يمحقه"8.
فليت شعري من هذه الأمة التي دفعت لها ملكوت الله فأكلت ثمرتها بعد المسيح غير أمة محمّد؟! ومَن هو هذا الذي كلّ من غزاه انشدخ، وكلّ مَن تولى هو غزوه وقتاله محقه سوى محمّد صلى الله عليه وسلم وأمته؟!.

فإن زعم النصارى أنه عني بالحجر نفسه. قلنا لهم: ما هكذا أخبرتمونا عنه، بل الذي حكيتم لنا أن شرذمة من اليهود وقعوا / (2/133/أ) عليه فمحقوه وقتلوه وصلبوه. وهذا شيء لم نسمعه إلاّ منكم ولا نُقل إلينا إلاّ عنكم. وإذا قلتم: إن أراذل اليهود ظهروا عليه وشدخوه بطل قولكم إن المسيح عني بالمثل نفسه. فإن أبيتم إلاّ أن يكون المسيح هو رأس الزاوية فقد أكذبتم نفوسكم في القتل والصلب والإهانة؛ لأن الرأس من الناس.1
والرئيس منهم هو الذي يرتفع ويجل عن امتداد يد الهوان إليه. فإن ثبتم على دعوى القتل والصلب والإهانة تعيّن صرف المثل المذكور إلى من جاء بعد المسيح، ولم يأتِ بعده مَن صيّره الله رأساً للعالم وأوتيت أمته ثمرة الملكوت سوى محمّد وأمته. وقد أخبر المسيح عليه السلام بأن اليهود والنصارى يسلبون الملك والرئاسة ويصير ذلك إلى المسلمين إذ يقول: "إن ملكوت الله ستؤخذ منكم وتدفع إلى أمة أخرى تأكل ثمرتها". والمسيح عليه السلام صادق في قوله محقّ في خبره. ولم يأتِ بعد أمة المسيح مَن صار الملك والرئاسة والشريعة القائمة والكلمة القاهرة سوى هذه الأمة / (2/133/ب) العربية التي بها الأنبياء قبل المسيح كما قدمناه.2
فهذا ما بقي في الإنجيل من البشرى برسول الله صلى الله عليه وسلم مما حماه الله عن أيدي الأعادي.

  • البشرى الثّمانون: قال يوحنا التلميذ في كتاب رسائل التلاميذ المسمّى فراكسيس: "يا أحبائي إيّاكم أن تؤمنوا بكلّ روح، ميّزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها.
    واعلموا أن كلّ روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانياً فهي من عند الله.
    وكلّ روح لا تؤمن بأن يسوع المسيح، وكان جسدانياً فليست من عند الله.
    بل من المسيح الكذاب الذي سمعتم به وهو الآن في العالم"1.
    فقد شهد الحواري بأن محمّد من عند الله؛ لأن محمّد قد آمن أن المسيح قد جاء وكان جسدانياً.
    فأما اليهود فلم يؤمنوا بالمسيح ولا كثير من أهل ذلك الزمان.
    واليهود إلى الآن في انتظار مسيح آخر.
    ولا مسيح يأتي سوى المسيح الدجّال الكذاب الذي حذرت منه الأنبياء - عليهم السلام -. فهذا الحواري يوحنا قد شهد / (2/134/أ) بصدق محمّد وأمته، وأن اعتقادهم في المسيح هو الاعتقاد الحقّ، وقد أكذب النصارى بقوله هذا في دعوى ربوبية المسيح.
    إذ فرَّق في قوله بين الله وبين الميسح.
    وشهد أن الله غيره وأنه غير الله.
    -[البشرى] 2 [الحادية] 3 والثّمانون: قال شمعون الصفا رئيس الحواريين في كتاب فراكسيس: "إنه قد حان أن يبتدأ الحكم من بيت الله ابتداء"4.
    فبيت الله الذي ذكره الحواري هو الكعبة شرّفها الله.
    ومنها كان ابتداء الحكم الجديد.
    ولا يحسن تنْزيل هذا الكلام على

بيت المقدس؛ لأن حكم ذاك كان مستمراً عند صدور هذا الكلام من شمعون.
ولا يليق إلاّ بشرع جديد ولا يقال فيما كان مستمراً إنه قد حان أن يبتدأ.
-[البشرى] 1 الثّانية والثّمانون: قال فولس الذي يسمونه فولس الرسول في رسالة من رسائله وهي الرّابعة إلى بعض إخوانه: "إنه كان لإبراهيم ابنان أحدهما من أَمَةٍ والآخر من حرة، فأما ابن الأمة فكان مولده كمولد سائر البشر، وأما ابن الحرة فإنه ولد بالعِدَةِ / (2/134/ب) من الله وهما شبيهان بالناموسين والغرضين.
أما هاجر فشبيهة بجبل سيناء الذي في بلاد أرابيا2الذي هو نظير أورشليم هذه.
وأما سارة فهي نظير أورشليم التي في السماء"3.
فقد أفاد قول فولس هذا أموراً: منها: أن إسماعيل وأمه هاجر قد كانا أوطنا أرض العرب (أرابيا)، لأن عجمة فولس العرب (الأرب).
فنقل العين همزة.
ومنها: أن جبل سيناء4متّصل بوادي العرب التي هي أرابيا.
وهو الذي قالت التوراة: "جاء الله من سيناء"5.
ومنها: أن بيت مكّة نظير بيت المقدس بشهادة فولس.
ومنها: أن كلا الولدين صاحب ناموس وشريعة وأحكام وفرائض.
وقد تعصب فولس هذا على إسماعيل وأمه في موضعين من هذا الكلام وهما قوله: "إن إسماعيل مولده كمولد سائر البشر".
و"تشبيه هاجر بالكعبة التي في الحجاز، وسارة بالكعبة التي في السماء".
وقد غلط فولس فيهما جميعاً.

أما قوله: "إسماعيل لم يولد بِعدَة من الله تعالى"، فليس الأمر كما ذكر / (2/135/أ) بل ما ولد إسماعيل إلاّ بعد أن مَنَّ الله على ما بينته من التوراة.
أما قوله:"إن هاجر شبيهة بسيناء".
فَمِنْ غَلَطِه أيضاً وسوء استنباطه واستخراجه، وذلك أن هذا التشبيه الذي صار إليه ليس منصوصاً عليه لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في شيء من النبوات ألبتة ولم يتقدم إلى القول به أحد من الحواريين.
فلم بثق1الإنجيل فولس هذا: "إن الحرة في المجلة أفضل من الأمة؟! ". فشبّه الأمة ببيت الله في الأرض، وشَبَّه الحرة ببيت له في السماء استحساناً لذلك بعقله.
وذلك شيء لا اعتبار له ولا تعويل عليه.
وتحكيم العقل في كلّ مورد ومصدر جهل وخرق من فاعله.
فالفاضل في الحقيقة من كان عند الله فاضلاً أو شهدت له نبوة نبي بالفضل.
وقد اعتبرنا - رحمك الله - شهادات التوراة والنبوات والأناجيل الأربعة فَلَم نجد لما ذكره هذا الرجل من تفضيل ساره وابنها على هاجر وابنها [أصلاً] 2 يتمسك به، بل قد وجدنا التوراة خاصة تشير إلى تفضيل هاجر وابنها وذلك في عدة مواضع: / (2/135/ب).
منها: أَنّا وجدنا التوراة تنطق صريحاً أن الله ارتضى هاجر لبكر3إبراهيم، ورأينا التوراة فضلت البكر من الأولاد في الميراث وحسن الثناء فجعلت للبكر سهمين من الميراث ولمن سواه سهماً واحداً.4
وقالت في حقّ بعضهم: "ابني بكري أرسله يعبدني"5.
فمن ولدت البكر لإبراهيم أفضل ممن لم تلده لأن الشجرة إنما يعرف فضلها من ثمرتها وقد أثمرت هاجر بكراً طيباً.

ومنها: أن الله تعالى قال لإبراهيم: "دع أَمَتَك وابنك ولا يهمنك أمرهما"1.
وتكفل الله بهما وتولاهما وإنما يتولى الله الصالحين من عباده.
فتسلمهما سبحانه من يد إبراهيم خليله وكان خير كافل لهما.
ومنها: ظهور الملك لهاجر ومكالمتها من غير حجاب ورأفته بها وقوله لها: "شدي يديك بهذا الصبي، فإن الله تعالى قد سمع تضرعك وأن ولدك هذا يعظمه الله جِدّاً جدّاً"2.
وهذا لم يتفق لسارة أصلاً.
ومنها: تفجير الله لها عين ماء من أرض صلد وبرية معطشة موحشة كلّ / (2/136/أ) ذلك قد شهدت به التوراة.
فمن رام غضّاً من هاجر وابنها من اليهود والنصارى فقد أزرى على نفسه وكشف عورته بيده وأبان عن جهله بالتوراة والنبوات.
ومنها: جعل بيتها ومسكنها وضريحها بيتاً مقدساً محجوجاً إليه3تُعفِّر الملوك والأكابر جباهها بترابه ويطوفون به كما يطوف بعرش الرحمن، لا مندوحة لمن استطاع إليه سبيلاً عن إتيانه وحجه.
ومنها: سلامة نسلها من المسخ فلم يمسخ أحد من أولاده هاجر قردة ولا خنازير، ولم يلعن صريحاً كما لعن بنو إسرائيل على لسان موسى وأشعيا وداود وعيسى بن مريم في نبواتهم وصحفهم على ما تشهد به التوراة وكتب الأنبياء.

ومنها: تنبؤ الأنبياء-عليهم السلام-عليها وعلى نسلها وموضع سكنها وشهادتهم بدوام مملكتهم وقيام شريعتهم ولزوم أحكامهم إلى قيام القيامة [فليوجد لنا] 1 فولس هذا المتعصب على أبوينا [اللذين] 2 كانا في كفالة الله واحداً من هذه الفضائل لمن تعصب له.
﴿وَأّنَّ الفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾.
[سورة الحديد، الآية: 29].
(2/136/ب).
-[البشري] 3 الثّالثة والثّمانون: قال موسى في السفر الأوّل من التوراة: "قال إبراهبم: يا ربّ ها أنا ميّت وليس لي ولد وإنما يرثني غلامي اليعازر الدمشقي.
فقال الله: كلا لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من صلبك هو الذي يرثك، فاخرج انظر إلى نجوم السماء فإن كنت محصيها فإنك ستحصي ولدك أيضاً"4.
وما نعلم الآن من طبق الأرض وملأ أكناف الدنيا من ولد إبراهيم سوى ولد إسماعيل، فأما اليهود من ولد إسحاق فهم خول وذمة لبني إسماعيل في سائر الأرض كلها، وإنما ورد ذلك مورد الامتنان والإنعام على إبراهيم، ولم يكن الله تعالى ليمتن على خليله بالأولاد الدبري المسموخين قردة وخنازير وعباد العجول.
وأما النصارى من ولد إسحاق فمشردون شَرَّدهم بنو إسماعيل خلف منقطع البحور وفي أطراف مغرب الأرض.
فهذه نبوة ظاهرة وآية قاهرة لا يقدر مخالف على جحدها وردها.

-[البشرى] 1 الرّابعة والثّمانون: وفي هذا السفر الأوّل من التوراة قال موسى عليه السلام: "فلما أصبح إبراهيم أخرج هاجر وولدها إسماعيل ودفع لها زادا ومزادا. وانتهى في أمرهما إلى ما أمره به ربّه تعالى. فحملت الصبيّ على كتفها وشخصت / (2/137/أ) فوصلت إلى برية سبع فنفذ ماؤها، فوضعت الصبي تحت شجرة شيح إذ سمع الله صوت الصبي فنادى مَلَك الله هاجر من السماء فقال: ما بالك يا هاجر ليفرج كربك وروعك فقد سمع الله صوت الصبي قومي فاحمليه وتمسكي به، فإن الله جاعله لأمة عظيمة ومعظمة جِدّاً جدّاً. وأن الله فتح عينيها فرأت بئر ماء فدنت وملأت المزادة وشربت وسقت الصبي. وكان الله معها ومع الصبي حتى تربَّى. وكان مسكنه في بريقة فاران"2. فهذه أربع وثمانون بشارة عن الأنبياء وأتباع الأنبياء. وقد تضمنتها كتب الله المنَزَّلة من لدن إبراهيم الخليل إلى أتباع المسيح منوّهة باسم محمّد صريحاً واسم أرضه التي يخرج منها وبلده التي نشأ بها. مصرحة بتعظيم شأنه وتفخيم أمره. شاهدة بأنه عليه السلام خاتم الأنبياء وأنه حبيب الله وروحه ومختاره من عباده. مُعَرِّفة العباد / (2/137/ب) بعظم خطره عند الله وزلفته لديه، وأن دينه خير الأديان وشريعته خير شريعة. وملته أفضل ملة. وأمته أصدق أمة. وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع وأنها لا تنسخ بل تبقى ما بقيت الدنيا.3
قال المؤلِّف: وإنما نقلت قليلاً من كثير.
ويسيراً من خطير، ولو استوعبت جميع ما في كتب الله من الإشارة بذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم وذكر أمته لأطلت الكتاب وخرجت إلى حد الإسهاب.
فهذا القسم الأوّل من هذا الباب.
والله الموفّق.

القسم الثّاني منه: في آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثبات معجزاته الباهرة للعقول الخارقة للعادة: واعلم أنه قد كان في الأنبياء - عليهم السلام - من له الآية والنبوة معاً مثل: موسى والمسيح وقد ذهبت آياتهما بذهابهم.
فلم يبقَ في أيدي الناس منها إلاّ ذكرها.
ومنهم من كانت له آية وليست له نبوة مذكورة مثل اليسع فإنه أحيا ميتاً في حياته وميتاً بعد وفاته ولم ينقل عنه أنه تنبأ نبوة ألبتة.
ومنهم من كانت له نبوة1/ (2/133/أ) ولم يكن له آية مثل حزقيال النبي ويوشاع.2
ومنهم من لم تكن له3آية ولا نبوة وهو معدود في الأنبياء مثل مالاخي4وناحوم.5

وقد أثبت أهل الكتاب نبوة جماعة من النسوان مثل مريم1وحنة2وخلدى واستار ورفقاً ولم يكن لواحدة منهن كتاب ولا آية وهن [معدودات] 3 في زمرة الأنبياء عندهم.
فأما سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم فقد جمع الله له النبوة والآية والتنبؤ.
فتنبأ به الأنبياء وأخبروا بمجيئه قبل كونه على ما تقدم في القسم الأوّل من هذا الباب.
وأما النبوة فأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك وأنبأ وعَرَّف بأشياء كثيرة من المغيّبات التي لا يتصور الوقوف على علمها إلاّ بتوقيف4من الله وإنباء منه سبحانه وكان ذلك يصدر منه على أنواع: فمنه: ما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما وقع واتّفق وسلم في الأزمان الماضية والعصور المتفرقة من عظائم الأمور ومهام الخطوب من مبتدأ خلق الله العالم إلى قيام القيامة؛ فذكر شأن / (2/138/ب) آدم وحواء وشأن مشاهير بني آدم مثل: شيث وإدريس ونوح وإبراهيم والأسباط5ويوسف وموسى والمسيح وسرد قصصهم ومجرياتهم، وذكر مشاهير سير الملوك والجبابرة والفراعنة وما اتّفق للأنبياء والأصفياء معهم.
هذا مع القطع بأميته عليه الصلاة والسلام، وأنه كان عربياً لا

يحسن الخط ولا قرأ ولا سمع كتاباً1قط.
بل إنما نشأ بأرض قفار بين أجبل وسياسب2منقطعة الأطراف عن العمران فوافق خبره ما في صحف الأوّلين لم يخرم منه حرفاً.
ومنه: ما أخبر به أصحابه وحوارييه وأهل بيته فوقع في زمانه واتّفق في أيامه، ومن أخبر إنساناً في نفسه ممالم يلفظ به لم يمتر في أنه صادق محقّ.
ومنه: ما أخبر به مما3سيقع بعد موته بزمان فوقع كما أخبر عليه السلام ولم يغادر منه [حرفاً واحداً] 4.
وذلك مودع في كتابه الذي جاء به من عند الله وفي سنته الصادقة التي نقلها إلينا نقلة هذا الكتاب.
فلو تطرق التشكيك إليها لتطرق إلى الكتاب العزيز.
وقد ثبت نقل الكتاب بأقوالهم وصحّ.
فكذلك ثبتت (2/139/أ) السنة بأقوالهم أيضاً والحكم فيهما واحد من حيث لزوم العمل.
قال عليه الصلاة والسلام: "أوتيت القرآن ومثله معه"5.
ولو قال قائل من اليهود والنصارى لعلّ أصحاب هذا النبيّ تمالؤوا على دعوى هذه المغيّبات والآيات لنبيّهم وقيَّدوها في كتابه وسننه ترويجاً وإفكاً

لقوبلوا1بمثل ذلك فيمن [ينتمون] 2 إليه. فما أجابوا به عن أنفسهم كان جواباً مِنَّا لهم. وكلّ سؤال انقلب على سائله سقط جوابه عن المسؤول. فهذا ما يتعلق بإنبائه عن الغيب الذي لا يدخل تحت مقدرة البشر. وأما آياته عليه الصلاة والسلام وخوارقه ومعجزاته فكثيرة جِدّاً. وقد صنف العلماء وأرباب السير فيها التصانيف الكثيرة.3
ونحن نقتصر في هذا المختصر

منها على لُمْعة [بها] 1 يحصل الغرض والمعونة من الله سبحانه.2
1- معجزة: قد اشتهر عند أهل التواتر أن محمّداً صلى الله عليه وسلم كان أمّيّاً عربيّاً ناشئاً بأرض لا علوم بها ولا معارف ولا كتب تتضمن معرفة أخبار / (2/129/ب) المتقدمين يعرفون ذلك من حاله ضرورة.
فلم يفجأهم3أن تلي عليهم كتاباً من الله فيه مائة وأربع عشر سورة.4
وقال لهم: هذه آية صدقي وإن مَن جاء منكم بمثل هذا الكتاب أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة من مثله فلست صادقاً في أن الله أرسلني إليكم.
فأجمعوا ولم يقدموا وأصمتوا ولم يتكلموا.
هذا مع تقريعهم وعيب آلهتهم وانتقاص أوثانهم وأصنامهم وتسفيه

أخلاقهم وإظهار تعجيزهم على رؤوس الملأ نيفاً وعشرين سنة بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾. [سورة الإسراء، الآية:88].وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُم صَادِقِينَ﴾. [سورة هود، الآية:13]. فأخبر أنهم [لا يقدرون] على ذلك ولا [يفعلونه] أبداً فكان كما جزم وحَتّم. وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ 1. فكلما زادهم تقريعاً ازدادوا خضوعاً. هذا وَهُمْ أهل البراعة في النظم والنثر والخطب يرتجلون ذلك ارتجالاً، ويتنافسون فيه تنافساً ويتناقشون عليه مناقشة. فما عدلوا إلى الحرب إلاّ والذي دُعوا إليه من المعارضة أشقّ عليهم وأصعب. فمن وجوه إعجازه: حسن تأليفه، ورقة ترصيفه وفصاحته وبلاغته الخارقة لعادة / (2/140/أ) أهل البيان حتى قال البلغاء منهم حين سمعوه: إن هذا إلاّ سحر مبين.2
ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون الماضية

[التي يضعف] 1 في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان -آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض.
والتئام سرده، وتناسب وجوهه مع نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المباين لأساليب كلام الفصحاء ومناهج نثرها ونظمها.
ومن وجوه إعجازه: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات مما لم يكن فوقع على الوجه الذي أخبر به كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ﴾ 2.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ 3.
وقوله: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ 4.
وكقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ... ﴾. [سورة النصر، الآية: 1].
إلى آخرها.
فدخل الناس في دين الله أفواجاً ودخلوا المسجد الحرام آمنين كما قال عليه السلام، واستخلف الله أصحابه وأمته في الأرض.
ومكَّن لهم دينهم وملَّكهم من أقصى الشرق / (2/140/ب) إلى أقصى الغرب حتى دوَّخوا البلاد وملؤوا أقطار العالم.
كما قال عليه السلام: "زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها.
وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي

منها"1.
وتلى عليهم ذلك وأخبرهم به وهم في حالة لا يستطيع أحدهم أن يذهب لقضاء الحاجة فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
[سورة الحجر، الآية:9].
فهو محفوظ من تغيير الأعداء والمخالفين وتبديلهم إلى قيام الساعة.
هذا مع اشتماله على هتك أستارهم وإبداء عوارهم.
وأنَّى يقدرون ويستطيعون إضاعة ما تكفل الله بحفظه!.
ومن وجوه إعجازه: ما اشتمل عليه من تقريع اليهود والنصارى والمنافقين بما اشتملت عليه كتبهم وصحفهم بتكذيب من كذبوا من الرسل وقتل من قتلوا من الأنبياء2وعبادتهم العجل وعزيراً والمسيح وأمه.
فلا جرم أن كثيراً منهم لما عرف ذلك وأدركته السعادة وساعده التوفيق أسلم من فوره وصدق نبوته وآمن برسالته فسعد في دنياه وأخراه.
ومنهم من غلبت عليه شقاوته وأدركته النفاسة3وخشي أن يستلب الرئاسة فاستمر على غيه وانهمك في بغيه حتى هلك / (2/141/أ) وسكن من الجحيم في أسفل درك.
ثم هو فيما اشتمل عليه من توحيد الباري وتنْزيهه وتقديسه وتحميده وتمجيده وتسبيحه وتهليله وترغيبه وترهيبه، ووصف الباري تعالى بسعة الرحمة والمغفرة والرضوان والحلم والصفح، وما أعدّ لعباده من البر والنعم وإكرام النّزل إن صاروا إليه - آية من الآيات يعرفها ويقر بها وقف على ذلك وقابل به ما اشتملت عليه الكتب المقدمة والصحف

فصول الكتاب · 17 فصل · 985 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تخجيل من حرف التوراة والإنجيل · 985 صفحة
مقدمة...الفصل الأول: عصر المؤلف...الفصل الثاني: حياة المؤلف...الفصل الأول: دراسة الكتاب...الفصل الثّاني: التّعريف بالمخطوطة وبيان منهج التّحقيقالقسم الثاني: خطبة الكتاب...
الباب الأوّل: في كون المسيح عبداً من عبيد الله بقوله وفتواه
الباب الثّاني: في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل
الباب الرّابع: في تعريف مواضع التّحريف
الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة
الباب السّابع: في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليثالباب الثامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة...
الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية...
مصادر ومراجع...
جارٍ التحميل