تخجيل من حرف التوراة والإنجيلصفحات 371-388
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ

صفحات 371-388

المسألة العشرة من المفحمات: إنا نسأل النصارى، هل كان الباري تعالى يوصف بالقدرة على خلاص آدم وذريته، دون قتل المسيح وصلبه والتنكيل به أم لا؟ فإن قالوا: لا يقدر على ذلك، جعلوا الله مضطراً مدفوعاً إلى قتل المسيح، عاجزاً عن خلاص عباده إلاّ بذلك، وأكذبتهم التوراة والإنجيل وسائر كتب التَّنْزِيل، إذ يقول: "إن الله خلق العالم بما فهي، وفعل من ذلك ما شاء وأراد: ﴿لاَ يُسْأَل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُون﴾.
[سورة الأنبياء، الآية: 23].
وإن وصفوا الباري بالقدرة على ذلك جَوَّروه ونسبوه إلى الحيف على المسيح، وذلك يفسد عليهم القول بالتحسين والتقبيح.
دعوى للنصارى في ما يرومونه من قتل المسيح وصلبه: زعموا بأجمعهم أن آدم لما تخطى ما أُمر به وزلّ استحقّ العقاب، فلما توجه عليه العتاب أشفق من ذنبه وتقطع / (1/142/ب) أسفاً على مخالفة ربّه، فرحمه الله ولطف له وفداه بابنه المسيح، فكان كلّ ما نزل بالمسيح من ضربٍ وإذلالٍ وصلبٍ وموتٍ إنما هو فداء وقضاء عن آدم، فضرب عوضاً من رفاهية آدم، وأهين بدلاً من عزّه الذي أمله بالخلود في الجنة، وصلب على خشبة لتناوله الشجرة، وسُمِّرت يداه لامتداد يد آدم إلى الثمرة، وسقي المرَّ والخل عند عطشه لاستطعام آدم حلاوة ما أكله، ومات بدلاً عن موت المعصية الذي كان آدم يتوقعه لولا قتل المسيح، فاقتضت حكمة الله الأزلي أن لا يعذب عبده آدم لوجود التوبة النصوح الصادرة منه، وأن لا يُهمل مجاناً فيقع الخُلف في خبره، وذلك رحمة من الله ولطف لآدم وبنيه وإظهار الشرف للمسيح، إذ جعله كبش قربان العالم

بأسره فصبر المسيح ولم ينازع، واستسلم ولم يدافع، فهذه هي الحكمة في قتل المسيح وصلبه.1
والجواب أن نقول: أليس قد وافقتم على أن آدم لما ورد عليه العتاب استرجع وتاب وأقلع وأناب؟ وإذا كان الأمر كذلك فأيّ شيء / (1/143/أ) أنفت التوبة من ذنبه حتّى يقتل المسيح فِدَاءَ عنه؟!.
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له فصار قتل المسيح عبثاً، والرّبّ يتعالى ويتقدّس عن العبث، وليس قوله تعالى لآدم نصاً، بل هو ظاهر يدخله النسخ والتخصيص والدليل عليه أنه لو وصله بالكلام وقال: إن عصيتني عذّبتك إلاّ أن تتوب، لقبله الكلام ولم ينب عنه، ولعُدَّ كلاماً حسناً، وإنما ترك الزيادة فلم يصلها بالكلام ليكون أدعى إلى الانكفاف، وهكذا كلّ ظاهر فإنه يرد مطلقاً بلفظ يوهم التأبيد ثم يجيئ الناسخ والمخصّص فيبيّن أن المطلوب وقتاً

قد انقضى ومضى وأنه ليس مسترسلاً أبداً، فهو سبحانه توعد آدم إلاّ أن يتوب وقد تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا معنى بعد ذلك لقتل المسيح.
ثم نقول لهم: أخبرونا عن هذا القضاء الذي تدّعونه، أليس هو استدراك مصلحة الأداء، وهو أن يأتي القاضي بمثل ما فَوَّت؟!.
فإذا قالوا: نعم.
قلنا: فالذي فَوَّته آدم هو الانكفاف عن الأكل، وقد قضاه المسيح بصومه ووصاله أربعين يوماً / (1/143/ب) بلياليها كما حكيتم عنه في الإنجيل، وفي ذلك قضاء لما ضيّعه آدم؛ لأنه من جنس الأداء المفَوَّت فلا حاجة إلى قتل المسيح إذ هو خارج عن جنس الأداء المضيَّع.
فإن قالوا: إن آدم وجب عليه موت المعصية، وهو: الخلود في النيران أبداً وهو أعظم الموتتين، فجاء موت المسيح قضاء عن ذلك الموت فصار من جنسه.
فنقول: هذا باطل؛ لأنه لو كان موت المسيح من جنس موت آدم لكان المسيح قد أماته الله موت الخطيئة، فكان يكون مخلداً في دركات النار بدلاً عن آدم، فأما إذ مات موت الطبيعة - ينقضي عن صاحبه وشيكاً - فكيف جعلتم موتاً لا بقاء له مكافئاً لموت لا انتهاء له؟!!.
فبطل ما عوَّلتم عليه، وإذا بطلت دعواكم بطل قتل المسيح إذ صار ساذجاً عن المعنى، فارغاً من الفائدة والرّبّ يتعالى عن العبث.
ثم نقول لهم: أليس ولد الصُّلب أولى من ولد الابن، وولد البنت في الميراث وكثير من الأحكام، فما الذي أصار المسيح على بُعْدِه/ (1/144/أ) أحق من شيث1ومن

في درجته بهذا الفداء والقضاء؟ فإن قالوا: المسيح هو ابن الله ولم يصلح لفداء الخلائق وخلاص الأمم سواه.
قلنا: ليس من العدل أن يجني ابن آدم فَيُقْتَل ابن الله في جنايته.
ثم نقول: أليس إسرائيل عندكم في التوراة هو بكر الله، والبِكْرُ أولى وأفضل عند أبيه من غير البكر، فهلا فداه به ولم يدع الناس في العذاب إلى حين مجيء المسيح؟!.
ثم نقول: إن المسيح عند طائفة منكم1هو الله الأزلي، وعند أخرى2هو ابن الله، فكيف يستقيم أن يقتل الله نفسه أو ابنه بدلاً عن عبده؟!.
و ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوتِهَا﴾.
[سورة الزمر، الآية: 42].
فكيف يتوفّى نفسه، فيتّحد القاتل والقتيل فيكون قاتلاً قتيلاً؟!.
ثم نقول: أرأيتم لو أنّ رجلاً أمر عبده بأمر فخالفه فغضب عليه وتوعده فخافه العبد وأشفق من عقوبته وراجع خدمته وشمّر في مرضاته فعطف عليه مولاه فرحمه، ثم عمد إلى ولد نفسه فقتله وصلبه على أعلى جذع، ثم التفت إلى عبده فقال: هذا فداؤك، أكنتم تعدونه حكيماً؟!.
ثم نقول: ألستم عبتم قول ربّنا جلّ اسمه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكَِن شُبِّهَ لَهُم﴾.
[سورة النساء، الآية: 157]. وزعتم أن ذلك ظلم وحيف لا يليق بالحكمة؟ فكيف نسيتم نفوسكم هاهنا؟! وجوَّزتم أن يقتل الله المسيح ويصلبه وينكل به فداء عن آدم، ولم تجعلوا ذلك ظلماً وحيفاً؟! والجور لا يجوز على الولد كما لا يجوز على العبد والأجنبي.

ثم نقول: أليس يجب أن يكون القضاء متصوراً بصورة الأداء - هو أن يأتي القاضي بمثل ما فات - والمسيح عندكم ليس مثل آدم؛ لأن آدم إنسان محض والمسيح ليس محضاً بل قلتم إنه عبارة عن لاهوت وناسوت اتّحدا، وإذا كان الأمر كذلك فليس في قتله ما يقضي عن آدم.
فإن قالوا: هذا بمثابة مَن عليه درهم، فقضى درهماً وديناراً، فإن ذلك يُعَدُّ من حسن القضاء.
قلنا: هذا خطأ في التمثيل.
بل ذلك بمثابة مَنْ عليه صوم فقضاه بصلاة أو زكاة لا يكون قضاء، وإذا كان المسيح ليس إنساناً محضاً، فكيف يكون مكائفاً لإنسان / (1/145/أ) محض وآدم صرف؟!.
ثم نقول: بم تنكرون على من يزعم أن الذي فُدِي به آدم إنما هو هابيل ابنه لصُلبه فإنه استسلم للقتل فحصلت له الشهادة ولأبيه الفداء؟!.
وهذا أولى لوجهين: أحدهما: أنه من جوهر أبيه آدم، فهو إنسان حقّ من إنسان حقّ من جوهر آدم، فأما المسيح فهو عندكم إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله كما عقدتم في أمانتكم.
والوجه الثاني: أن في الفداء بهابيل المبادرة إلى خلاص الخلائق من الجحيم، وفي الفداء بالمسيح بقاء آدم وذريته في العذاب خمسة آلاف سنة.1

وكان الفداء (بهابيل) أولى ولاسيما على أصلكم، فإنكم توجبون على الله تعالى رعاية الأصلح لعباده، وليس من الصلاح فضلاً عن الأصلح أن يعاقب الله عبيده آلافاً من السنن وله مندوحة عن ذلك.
ثم نقول: ألستم رويتم عن توراتكم أن الله كان قد فدى ولد عبده إبراهيم بذبح عظيم؟! فإذا قالوا: بلى.
قلنا لهم: أفكان ولد عبده أزكى لديه وأعزّ عليه من ولده المسيح / (1/145/ب) أم تقولون: إنه أعوزته الغنم فلم يقدر على رأس يذبحها ويريح العالم من الفتنة؟! وقد رويتم لنا ما يدل على أن الباري سبحانه صان المسيح عن شرّ أعدائه، وحماه من القتل والإهانة التي ذكرتم في التوراة: "إن الله تقدم إلى إبراهيم بذبح ولده، فلما عزما على امتثال أمر الله لطف الله لهما وفدى الولد"1.
وتعقب ذلك الأمر الحزم والحكم الحتم رحمة لعبده، وإذا كان ذلك جائزاً في حكمه فلعل الله تعالى قد أمر المسيح في حقّ نفسه بما أمر به إبراهيم في حقّ ولده فاستسلم المسيح وانتهى إلى ما أمره الله به وصار يخبر بذلك تلاميذه كما كان إبراهيم يخبر به ولده.

ثم لما صحّ عزم المسيح على تجرع الكأس الذي أُمِرَ به لَطُفَ الله له ورحمه وفداه برجل قد حضر أجله، فإن عناية الله بالمسيح لا تتقاصر عن عنايته بولد عبده إبراهيم.
وقد حكيتم لنا: "أن [حزقيا] 1 ملك يهوذا مرض، فأوحى الله إلى أشعيا عليه السلام أن قل لحزقيا يوصي فإنه ميت من علته هذه / (1/146/أ) فدخل إليه أشعيا عليه السلام وأخبره بوحي الله، فاستقبل [حزقيا] الجدار وبكى وتضرع إلى الله تعالى، فنزل الوحي على أشعيا قبل خروجه من الدار وقال: قل [لحزقيا] إنك تعافى من علتك هذه، وتنزل إلى الهيكل بعد ثلاثة أيام، وقد زيد في عمرك خمس عشرة سنة"2.
وإذا كان هذا وشبهه غير مستحيل عند النصارى، فما الذي أحاله في حقّ المسيح، وقد تضرع إلى الله غير مرّة في صرف كأس المنية عنه كما شهد به الإنجيل؟ والمسيح لا ترد له عندهم دعوة، فلعل الله تعالى قد أجاب دعاءه ورحم نداءه وحال بين اليهود وبين ما أرادوا منه.
ثم نقول لهم: وبم تنكرون على من يرى أن الله تعالى تاب على عبده آدم، وعافا نبيّه المسيح وفداه بكافر عَجَّله3إلى النار.
أو بمؤمن عجله إلى الجنة؟! 4.
فأي شيء تنكرونه من ذلك؟! وقد بينا فيما تقدم وقوع الشبه وسؤال رئيس الكهنة للشبه: أأنت المسيح؟ وتورية الشبه في الجواب، وأنه لو كان هو المسيح نفسه لما / (1/146/ب) استعمل الحيدة مع استغنائه عن ذلك.

ويقال للنصارى: ما تقولون في أحدنا اليوم إذا عصى ربّه وارتكب إثماً واحتقب1وزراً، أتجزيه التوبة أم لا بدّ أن يقتل ويصلب؟ فإن قلتم: تجزيه التوبة، فمن أصاره بهذا التخفيف أولى من صفي الله آدم؟! إذ قلتم: لا بدّ مع توبته من قتل المسيح لأجله.
وإن قلتم: لا تجزيه التوبة، أكذبتم فولس الرسول، حيث يقول في صدر كتابه: "أنراك تقدر على الهرب من عقوبة الله الذي أنه مجتر عليه، أو لا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ "2. قد صرح فولس في هذا الكلام أن التوبة مجزئة ومخلصة فلا حاجة إلى قتل وصلب.
ويقال للنصارى: ألستم تعلمون أن الله إنما فدى آدم بالمسيح رحمة لآدم وامتناناً عليه، فقتل المسيح بدلاً من الموت الذي وجب على آدم؟! فإذا قالوا: بلى.
قيل لهم: أليس ناسوت الميسح [إنساناً] 3 من بنى آدم يحس ويألم ويفرح ويغتم؟!.
فإذا قالوا: بلى.
قيل لهم: فكيف فدى آدم ببعض آدم، فقد صارت النعمة مشوبة بالكدر والنفع الحاصل / (1/147/أ) مشوشاً بالضرر؟! فإن قالوا: هذا بمثابة المال يشرف على الهلاك، [فتقتضي] 4 الحكمة إتلاف بعضه لصون بقيته.
فنقول: إنما ذلك لعسر الأمر على المالك، إذ هو مدفوع، إما لهلاك الكل أو البعض، فكأنه كالمكره المحمول على ذلك، والله سبحانه لا مستكره له وليس مضطراً محمولاً ولا يفعل ما يفعله لعلة، فلو عفا عن أجرم عبيده وأحسن إليه لم يعد ذلك منه إلاّ حسناً ولم ينقص الإحسان [خزائنه] 5، ولو عاقب

أطوع الناس لم يقبح ذلك منه1، وقد أخبرت التوراة أن الله تعالى عفا عن

السامري مع عظم جرمه1، وأهلك بلعام بن بعور مع سابق معرفته2، ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُم يُسْأَلُون﴾.
[سورة الأنبياء، الآية: 23].
ويقال لمن زعم خطيئة آدم قد عمّت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم من خطاياهم إلاّ قتل المسيح: فالتوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء؛ وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل - وهو الذي يعرف بسفر الخليقة ت لقابيل الذي قتل هابيلاً، وردّ الله عليه قربانه ولم يتقبله / (1/147/ب) : "إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطية رابضة ببابك"3.
وإذا كان الأمر كذلك فقد صار إحسان المحسن من بني آدم مطهراً له ومخلصاً، فلا حاجة إلى شيء آخر.
وقال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة: "إني سأجزي هابيل عن الواحد سبعة"4.
وفي ذلك مندوحة عن التطهير بقتل وصلب، إذ الجزاء طهرة وزيادة.
وقد قال الله تعالى في بعض النبوات: "لا آخذ الولد بخطية والده ولا الوالد بخطية ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطية الخاطئ عليه تكون"5.
وذلك موافق لقول ربنا جلّ اسمه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
[سورة الأنعام، الآية: 164].

وقد قال الله في المزمور الرابع:"يا بني البشر حتى متى أنتم [ثقيلوا] 1 القلوب؟! لماذا تهون الباطل وتتبعون الكذب؟! اغضبوا ولا تأثموا، والذي تهمون به في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم، اذبحوا الله ذبيحة البر وتوكلوا على الرّبّ"2.
فهذا المزمور من مزامير داود يقول: إنه لا حاجة إلى قتل المسيح، / (1/148/أ) إذ كان الندم والتوكل على الرّبّ تعالى فيه مندوحة عن ذلك.
وقال الله تعالى في المزمور الأوّل: "طوبى لمن لم يتبع سبيل المنافقين، ولم يقف في طريق الخاطئين، ولم يجالس المستهزئين، لكن في ناموس الرّبّ يدرس الليل والنهار"3.
فقد أخبر الله تعالى على لسان داود عليه السلام أن الاشتغال بأسباب الخير ومفارقة أهل الشّرّ مخلص فلا حاجة إلى الخلاص بقتل المسيح وصلبه.
وقال فولس - خطيب النصارى ومتكلمهم -: "أو لا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ "4. فإن كان لا بدّ من قتل المسيح لضرورة خلاصهم فلا معنى لتوبة الله على عبده.
والدليل على أن التوبة ماحية للخطيئة، قول الإنجيل: "إنه لما أُسْلِم المعمداني للقتل خرج يسوع إلى الجليل، وجعل ينادي ويقول: قد كمل الزمان واقتربت ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالبشرى"5.
فقد شهد المسيح عليه السلام في هذا الكلام بأن التوبة تستقل بمحو الآثام فلا حلاجة / (1/148/ب) إلى محوها بأمر آخر.

ويقال للنصارى: ما تقولون فيمن اخترم قبل مجيء المسيح، أكفاراً كانوا أم مؤمنين؟ فإن قالوا: مؤمنين، فقد سَلَّموا أنه لا حاجة إلى قتل المسيح في تخليصهم، إذ إيمانهم هو الذي خلصهم.
وإن قالوا: بل كانوا كفاراً، أكذبهم المسيح إذ يقول في الإنجيل: "إني لم أرسل إلاّ إلى الذين ضلّوا من بيت إسرائيل، وإن الأصحاء لا يحتاجون إلى الدواء"1.
ثم نقول لهم: ألستم تزعمون أن المسيح إنما تجشَّم ونزل من السماء لخلاص معشر الناس كما عقدتم في الأمانة التي لكم؟! فإذا قالوا: بلى.
قلنا لهم: فما قولكم فيمن مات قبل نزوله عليه السلام؟!.
وكيف الطريق إلى بلوغ دعوته إليهم؟!.
فإن قالوا: تعذّر تلافي أمره وفات استدراكه بموته.
قلنا لهم: جوَّزتم المسيح ونسبتموه إلى الظلم والحيف حيث لم ينْزل لخلاصهم قبل موتهم، فلِمَ أخَّر ذلك حتى اخترموا على الكفر والضلال؟! وكيف صار الأحياء أحقّ برحمة المسيح عندكم من الأموات؟ وفي هذه المقالة / (1/149/أ) هدم أصلكم في التحسين والتقبيح، وإن تحامقوا وقالوا: إن المسيح لما جاء دعا الأحياء وهو حيّ، ثم مات فدعا الأموات في أجداثهم، فمن أجابه نجى ومن أبى هلك...، فنقول: أدعاهم في أجداثهم وهو حيّ أم دعاهم وهو ميّت؟!.
فإن قالوا: دعاهم وهو ميّت، سقطت مكالمتهم لتبيّن جنونهم.
فإن قالوا: دعاهم وهو حيّ، نقضوا قولهم أنه مات فدعا الأموات.
ثم يقال لهم: هب أنا ساعدناكم على هذا المحال، فهل لما أتى الأموات دعا المؤمنين والكفار أو اقتصر على دعاء المؤمنين فقط؟!

متفرقون فدعاهم، فما نرى الناسوت على مقتضى ذلك إلاّ أعم إحاطة من اللاهوت، وما نرى هذا اللاهوت الذي كان متّحداً بالجسد إلاّ قد حبسه عن خير كثير، إذ عطله عن الانبعاث ونشر الدعوة، فسحقاً لإله حيّ أنهض منه جسد ميّت.
ثم يقال للنصارى: إذا قلتم: إن ربّكم المسيح قد مات ثم عاش، فَمن الذي أحياه بعد إماتته؟!.
فإن قالوا: هو أحيا نفسه، فنقول لهم: هل أحياها وهو حيّ أو أحياها وهو ميّت، والقسمان باطلان على ما لا يخفى.
وإن قالوا: بل أحياه غيره وهو الذي أماته، قلنا لهم: فذلك الغير الذي تولى موته وحياته أحيّ هو أم ميّت؟ فإن قالوا: [ميّت] 1، كان ذلك محالاً إذ الميّت لا يحيى ولا يميت.
وإن قالوا: إنه حيّ قادر أمات المسيح، ثم / (1/150/ب) أحياه.
قلنا: فقد اعترفتم بأن المسيح عبد من عبيد الله تعالى، تجري عليه أحكامه من الموت والإحياء، وفي ذلك بطلان شريعة إيمانكم، إذ تقولون فيها: إن المسيح إله حقّ خالق، غير مخلوق، وإنه أتقن العوالم وخلق كلّ شيء بيده.
ثم يقال لهم: أخبرونا هل إماتة المسيح ممن أَماتَه وأعدمه فضل وحكمة أم سفه وعبث؟!.
فإن قالوا: [فضل] 2 وحكمة، فقد أثنوا على اليهود؛ لأنهم ساعدوا على حصول الفضل والحكمة، ومدحوا يهوذا الإسخريوطي؛ لأنه فاز بالدلالة وأعان على حصول هذا الفضل والحكمة.

وإن قالوا: إن إماتة المسيح سفه وعبث.
فقد نسبوا الرّبّ الأزلي إلى السفه والعبث، ويتعالى عن ذلك.
وإن قالوا: إن إماتته فضل وحكمة، ولكن لَعْن اليهود ويهوذا متعيّن؛ لأن ذلك كَسْبُهم وإن وافقوا الفضل والحكمة وصادفوا ذلك مصادفة.
قلنا لهم: أزريتم على المسيح غاية الإزراء، إذ زعمتم أنه قال على الصليب: "إلهي إلَهي كيف تركتني وخذلتني؟ "1. وقال أيضاً: "إن كان يحسن / (1/151/أ) صرف هذا الكأس عني فاصرفها"2.
فلزم بمقتضى قولكم أنه قد تطير بهذا الفضل والحكمة، والتمس البقيا وترك هذا الفضل، وذلك فيما زعمتم سفه يناقض الحكمة.
ثم يقال لهم: أخبرونا لو لم يتب آدم ولقي الله بخطيئته، هل كان قتل المسيح يستقل بخلاصه؟!.
فإن قالوا: لا.
أحالوا الخلاص إلى التوبة دون قتل المسيح.
وإن قالوا: نعم في دم المسيح وفاء بالخلاص.
وإن لم يتب آدم [وبنوه] 3، أخلوا التوبة عن الفائدة، ولزم أن يكون كل فاجر وقاتل وظالم خلصوا، فإن التزموا ذلك قيل لهم: فيهوذا الإسخريوطي وفرعون ونمرود وأشباهم قد خلصوا أيضاً، وليس في النصارى من يتجاسر على البوح بذلك، وهو لازم لهم على مقتضى قولهم هذا.
فإن قالوا: بل الخلاص بمجموع الأمرين بالتوبة ودم المسيح.
قلنا: كأنكم لا ترون دم المسيح مكافئاً لآدم ما لم تنضم إليه التوبة، وهذا تصريح منكم

بنقصه عن مقابلة آدم وعجزه عن خلاصه لولا التوبة، ولعمري إن من عجز عن خلاص عبدٍ واحدٍ أنه عن خلاص / (1/151/ب) سائر الخلائق أعجز.
ويقال لمن زعم أنّ الخلائق لا يخرجهم من خطاياهم ويخلصهم من ذنوبهم إلاّ قتل المسيح: أليس قد رويتم عنه في الإنجيل قوله: "إذا كان في القيامة أقمت الصالحين عن يميني والظالمين عن شمالي، وأقول لأهل اليمين فعلتم بيَ كذا فاذهبوا إلى النعيم.
وأقول لأهل الشمال: فعلتم بيَ كذا فاذهبوا إلى الجحيم"1.
وإذا كان ذلك صحيحاً فإحسان المحسن هو الذي اقتضى خلاصه، لا ما ادعيتم من قتل المسيح، ومما يؤيد ما قلناه قول مرقس في خاتمة إنجيله: "إن المسيح حين ودع تلاميذه صاعداً إلى السماء، قال لهم: كرِّزوا بالإنجيل في الخليقة كلها، فمن آمن خلص، ومن لا يؤمن فإنه يدان"2.
وإذا كان إيمان3الإنسان هو يخلصه بشهادة المسيح فلا حاجة إلى الخلاص بقتل ولا صلب، وقال لوقا أيضاً: "إن امرأة صبت على رجلي المسيح دهناً كثيراً له قدر كبير، وبكت حتى بلت قدميه بدموعها، فقال لها: اذهبي إيمانك خلصك"4.
ويقال للنصارى: أخبرونا / (1/152/أ) لو لم يقتل المسيح فداء وقضاء عن آدم، ومات حتف أنفه ما كان يكون حال آدم؟!.
فإن قالوا: يعذب على خطيئته.
قيل لهم: فلا معنى لقبول توبته إذاً.
وإذا قالوا: لا يعذب.
قيل لهم: فقتل المسيح وقع عبثاً.

ويقال لهم: أخبرونا عن قول الله تعالى في التوراة لآدم: "إنك في اليوم الذي تأكل من الشجرة تموت موتاً"1.
ما أراد الله سبحانه بهذا الموت؟ أموت المعصية أم موت الطبيعة؟.
فإن قالوا: موت المعصية.
قلنا لهم: فقد أحيته التوبة.
وإن قالوا: موت الطبيعة، أكذبتهم التوراة والكتب القديمة؛ إذا صرحت بأن آدم بعد ملابسة الزلة عاش دهراً حتّى رزق الأولاد ورأى فيهم البَر والفاجر2، فقد لزمهم خلو قتل المسيح عن الفائدة.
ويقال لهم: أخبرونا هل كان المسيح في الثلاثين سنة قبل الدعوة يسمى ابناً ومسيحاً أم لا؟ فإن زعموا أنه كان يسمى بذلك، أكذبتهم أقوال التلاميذ في الإنجيل، إذ قالوا: "إنه في طول هذه المدّة لم يعرف إلاّ بابن داود3وابن يوسف"4.
وإن قالوا: لم يسم ابناً إلاّ بعد التعميد، فقد اعترفوا بأن المسيح ليس مسيحاً / (1/152/ب) وابناً حقيقة، وإنما هو مسيح بالتسمية لا غير، وفي ذلك تسوية له بيعقوب وداود، وكلّ من مُسِح من أولاد هارون وسُمِّي بهذا الاسم، وعند ذلك لا نشاححهم في مجرد التسمية إذا صحّ إطلاقها على الصلحاء من بني إسرائيل، وتحقق أن فداء آدم من خطيئته برجل صالح من ذريته قد شرفه الله بأن سماه ابناً ومسيحاً كما شرف عبده إسرائيل وغيره.

ويقال لهم: هل كان خلاص آدم من غير أن ينال المسيح سوء ممكن في قدرة الله أم كان عاجزاً عن ذلك؟!. فإن قالوا: لا يمكن ذلك، جعلوا الله سبحانه مضطراً مدفوعاً عاجزاً عن سلامة عباده وصونهم عن المحن والبلايا، والتوراة والكتب تكذبهم إذ هي شاهدة بقدرة الله على كلّ ممكن. وإن قالوا: إنه كان قادراً على ذلك، جوّروا الله وحيِّفوه ونسبوه إلى الظلم؛ إذ عذب آدم أو قتل المسيح وهو قادر على سلامته وكفايته، وذلك يشوش عليهم القول بالتحسين والقبيح. قال المؤلِّف: إنما طوّلنا النفس في هذا الباب هدماً لقاعدتهم / (1/153/أ) في القتل والصلب. وهي قطب كفرهم.1
والله أعلم.

فصول الكتاب · 17 فصل · 985 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تخجيل من حرف التوراة والإنجيل · 985 صفحة
مقدمة...الفصل الأول: عصر المؤلف...الفصل الثاني: حياة المؤلف...الفصل الأول: دراسة الكتاب...الفصل الثّاني: التّعريف بالمخطوطة وبيان منهج التّحقيقالقسم الثاني: خطبة الكتاب...
الباب الأوّل: في كون المسيح عبداً من عبيد الله بقوله وفتواه
الباب الثّاني: في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل
الباب الرّابع: في تعريف مواضع التّحريف
الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة
الباب السّابع: في إفساد دعوى الاتّحاد والتّثليثالباب الثامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة...
الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزة المحمدية...
مصادر ومراجع...
جارٍ التحميل