إن طرق اليهود إلى هذا شيئاً من الطعن انعكس عليهم في [حية] 1 النحاس وغيرها؛ إذ طريق ثبوت الكلّ واحد، فالاعتراض على نوع منها يعود على سائرها، ولا سبيل إلى ردّ شيء منها. 20- دليل على رسالته من لفظه، قالو لوقا: "اختار يسوع سبعين [رجلاً] 2 وبعثهم إلى كلّ موضع أزمع أن يأتيه، وقال: الحصاد كثير والحصادون قليل، اطلبوا إلى صاحب الزرع أن يرسل فَعَلَة لحصاده ثم قال: من سمع منكم فقد سمع مني، ومن شتمكم فقد شتمني، ومن شتمني فإنما يشتم / (1/56/أ) مَنْ أَرْسلني"3. فإن قال النصارى: ذلك دليل على الربوبية لأن إرسال الرسل إلى الخلق دليل على ما قلناه. قلنا لهم: أما بعث السبعين فليس فيه مستروح لكم، فقد اختار موسى سبعين رجلاً من قومه وندبهم لإبلاغ بني إسرائيل فنبأهم الله ببركة اختياره فصاروا أنبياء.4
فأما السبعون الذي اختارهم المسيح فمن سلم لكم أنهم كانوا أنبياء مؤيّدين بالمعجزات؟ ولعل المسيح عليه السلام إنما اقتدى بسنة موسى في الإرسال والعدد، فالمسيح عليه السلام نبي ورسول ولا يمتنع أن يكون [للرسول] 5 رسول، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه إلى ملوك الأرض.
فإن قال النصارى: قوله: "من شتمني فإنما يشتم من أرسلني".
دليل على
الاتّحاد1الذي نقول به.
قلنا: وقوله:"من شتمكم فقد شتمني"،دليل على اتّحادهم بالمسيح.
أفتقولون إن السبعين اتّحدوا بجسد المسيح؟ فإن تراعنواوادعوا ذلك.
قلنا لهم: فيلزم على ذلك أن يكونوا قد اتّحدوا / (1/56/ب) بذات الله إذ اكانوا قد اتّحدوا بمن اتّحد به المسيح.
فإن التزموا ذلك.
قلنا: فالسبعون هم الله تعالى، والله هو السبعون، والرسول هو المرسِل والمُرسِل هو الرسول، وهذا هو الجنون.
ثم نقول للنصارى: أليس قد اعترف المسيح بأن غيره أرسله؟! فكيف تقولون إنه هو نفسه؟ فإن قالوا: هذا اعتقاد طائفة2منّا ونحن لا نلتزمها فيلزمنا الذّبّ عنها ولكن الاعتقاد المرضي عندنا أن المسيح ابن الله3ولا نقول هو الله نسفه ولا يعبد أن يرسل اله ابنه إلى عباده.
فحينئذ يحسن أن نعيد عليهم بعض ما مضى لنا ونقول: "ألم تقولوا في الأمانة: "نؤمن بالمسيح الإله الحقّ الذي أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء الذي نزل من السماء وتجسد وولدته مريم وقتل وصلب؟! ". ألم تقرؤوا في صلواتكم: "يا ربنا المسيح الذي ذاق الموت من أجلنا ونزل من السماء لخلاصنا لا تضيع من خلقت بيديك؟! ". ألم ينقلوا عن إفريم من أسلافكم وكبار مشائخكم قوله: إن / (1/57/أ) اليدين التي جبلت طينة آدم هي التي سمرت على الخشبة، وإن الشَّبر التي مسحت السماوات هي التي عُلقت على الصليب، وإن من لم يقل إن مريم ولدت الله فهو محروم من ولاية الله؟! وإذا كانت صلواتكم وأمانتكم وأقوال مشاخئكم
مصرحة بذلك فقد كذبتم في هربكم مما ألزمناكم وصدق المسيح في قوله: "إن الله نبأه وأرسله".
وأما قولهم: "فلا يبعد أن يرسل الله ابنه، وتسمية الله أبّاً والمسيح ابناً، فنحن نسألهم ما تعنون بهذه النبوة؟ أمجرد تسمية وتشريف أم لما خصّه به من الآيات والخوارق أم تريدون البنوّة المعروفة المألوفة؟ فإن قالوا: إنّ ذلك مجرد تسمية وتشريف، قلنا: فلا اختصاص للمسيح بهذا التشريف والتسمية.
ولا مزية له على غيره؛ فقد سمّى الله يعقوب ابناً وسمّى داود ابناً وسمّى الصالحين وأولاد الأنبياء أبناء بزعمكم.
فرويتم أنتم لنا عن الله في التوراة قوله: "إسرائيل ابني بكري"1.
يقول ذلك لفرعون في عدّة مواضع.
وقال في السفر الأوّل: "لما رأى بنو الله بنات الناس حساناً / (1/57/ب) جدّاً نكحوا منهم على ما أحبوا وأرادوا فغرقهم الله بالطوفان"2.
وقال في المزامير: "داود حبيبي"3.
وقال المسيح: "أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم"4.
فقد استوى المسيح وغيره في هذا التشريف وترجح إسرائيل بالبكارة عليه.
وإن أردتم البنوة المعروفة المألوفة بين الناس وهي المتّخذة من الزوجية والمملوكة، على معنى أن المسيح انفصل من من الله، فكيف يصحّ هذا؟ وإنما ينفصل الجسم من جسم مثله والباري منَزَّه عن الجمسية؟! ثم ذلك باطل بنصّ الإنجيل؛ إذ قال لوقاً: "إن المسيح من روح القدس"5.
فكيف تقولون
إنّه منفصل من ذات الله؟! فقد بطل مقصودكم من البنوة على كلا القسمين.
وإن قالوا: إنما استحق المسيح البنوة لما اتّحدت به الكلمة فصار بها ابناً على1الحقيقة، وغيره ممن ذكرتم لم يتّحد به فبقي ابناً على سبيل التشريف.
قلنا: أخبرونا عن هذه الكلمة، ما هي؟ وما الذي تعنون بها؟ فإنهم يقولون: الكلمة هي العلم أو النطق ولا يعدلون عن ذلك، فيقال لهم: أليس من حكم الصفة أن لا تفارق الذات / (1/58/أ) الموصوفة بها فإذا كان العلم أو النطق هو صفة لذات الباري تعالى فلا تفارقه إلاّ ويخلفها ضدّها وهي الجهل أو الخرس.
فإن كان علم الباري قد انفصل أو نطقه وقام بغيره فقد صار القديم ماوقاً2ناقصاً وذلك مستحيل على الله سبحانه.
وإن كان علم الله لم يزايله وكلامه لم يفارقه، فلا حقيقة لهذا الاتّحاد الذي تدَّعونه.
قد أطلبت النفس قليلاًفلنرجع إلى إيثار الاختصار؛ فإن هذه الفرقة أنزر شأناً من أن يحتفل لها.
21- إيثاره الله على ما سواه وذلك دأب النبيين من إخوانه عليه السلام قال لوقا: "جلس يسوع يوماً يتكلم على تلاميذه فرفعت امرأة من المجلس صوتها وقالت: طوبى للبطن التي حملتك [وللثديين] 3 التي أرضعتك.
فقال لها المسيح: مهلاً طوبى لمن يسمع كلام الله فيحفظه"4.
قلت: هذه امرأة اشتغلت بمدح المخلوق فأرشدها لمدح الخالق جل وعلا.
انظر إلى هذا الكلام الصادر من هذه المرأة، هل خرج من قلب معتقد ربوبية المسيح وألوهيته؟ وإلاّ فما أحسن رباً في بطن وإلهاً على أيدي المراضع! أعوذ / (1/58/ب) بالله من الضلال والتعبد للأطفال.
22- شهادة يوحنا الإنجيلي على المسيح بالنبوة، قال يوحنا: "كان الناس إذا رأوا يسوع وسمعوا كلامه يقولون: هذا النّبيّ حقّاً"1.
وقال يوحنا أيضاً: "تفل يسوع على طين ووضعه على عيني أكمه وقال: اذهب فاغتسل في عين شلوخاً.
ففعل فانفتحت عيناه.
وذلك في يوم السبت فوقع بين اليهود فيه خلف، فمنهم من يقول: ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحترم السبت.
ومنهم من يقول: إن الله لا يستجيب للخاطئين، ومنهم من يقول: هو نبيّ"2.
"ومنهن من يقول: إنه لا يجيء نبيّ من الجليل"3.
قلت: هذا هو يحونا الإنجيلي الذي يُسمّى حبيب المسيح يشهد بنبوته، وهو أحسن أقوال زمانه فيه، وذلك يكذب اليهود والنصارى.
أما اليهود ففي جحد نبوته، وأما النصارى ففي ادّعاء ربوبيته.
23- موعظة مشابهة لمواعظ الأنبياء عليهم السلام قال المسيح لمن حضره: "لِمَ لَمْ تحكموا بالحقّ من نفوسكم؟! فإذا ذهب أحدكم مع خصمه إلى الرئيس فليدفع ما / (1/59/أ) يجب عليه في الطريق فيخلص كيلا يذهب به إلى الحاكم فيدفعه الحاكم إلى المستخرج فيلقيه المستخرج في السجن، الحقّ أقول لكم إنه لا يخرج منه حتى يؤدي آخر فلس عليه"4.
قلت: الموعظة بليغة ومعناها رائق وقاعدتها مبنية على رأس من الحقائق، غير أن قول خاتم النّبيّين "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"1.
أبلغ من ذلك وأخصر وأضبط لشوارد فرائد الفوائد وأحصر.
24- قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: قد شهد يوحنا الإنجيلي أن المسيح ليس إلهاً، ولكنه نبيّ بار ذو شفاعة مقبولة عند الله، فقال في الفصل الأوّل من رسالته الأولى: "أيها الأبناء لا تخطؤوا، فإن أخطأ أحدكم فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح البار"2.
فهذا - رحمكم الله - يوحنا الحواري مفارق لمقالة النصارى في المسيح موافق لاعتقاد الملة الحنيفية في بنوته عليه السلام.
25- دليل صحيح على نبوة المسيح، قال لوقا: "قال الفريسون ليسوع: أخرج من هاهنا فإن هيرودس يريد قتلك، فقال امضوا وقولوا لهذا الثعلب أني
/ (1/59/ب) أقيم هاهنا اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل لأنه لا يهلك نبي خارجا عن أورشليم"1.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "لو اجتمع علماء النصرانية ورامو صرف هذا الكلام عن صلاحيته لنبوة المسيح إلى إثبات ما يدعونه من الربوبية لأعوزهم2ذلك.
فمن أبدى من النصرانية في بنوته نزاعاً.
ورام لهم دفاعاً فهذا الفصل وأمثاله حجّة عليه.
فإن قال النصارى: هب أن هذا الفصل يدل على نبوته، أليس قد شهد عليكم معشر المسلمين بأنه في اليوم الثالث يقتل ويصلب؟ قلنا: لم يقل ذلك وحاشاه منه، إنما قال: إنه في اليوم الثالث يكمل، يريد أنه تتم مدة إقامته في هذا العالم الناقص ثم يرتفع، وكيف أراد ما ذكرتم من القتل والصفع والصلب وذلك غاية النقص؟! لأنكم زعمتم أنه ضرب وسحب ثم قتل وصلب وسلب وذلك لا يعد كمالا، بل الكمال الذي أراده هو الذي يقول به المسلمون من أن الله حماه من أعدائه حين طلبوه ورد طلبتهم منه بالحرمان، فما / (1/60/أ) قتلوه وما صلبوه، ونحن إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذكر القتل والصلب أبدينا فيه العجب العجاب وأقررنا عيون أولي الألباب.
26- وصية مناسبة لكلام الرسل: "قال المسيح عليه السلام: "إذا دعاك أخوك فلا تجلس في صدر المجلس؛ فلعله قد دعا هناك من هو أكرم عليه منك، فليأتي المدعو فيقال لك: دع المكان لهذا، فتقوم فتجلس في آخر باب الناس فتخزى أمام الحاضرين، ولكن إذا دعيت فاجلس في آخر موضع حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك: يا حبيب ارتفع عن مجلسك هذا فيكون لك مجد أمام
الحاضرين، فمن اتضع ارتفع ومن ارتفع اتضع.
وإذا صنعت وليمة فلا تدع أحباءك وأغنياء جيرانك لكي [يكافئوك] 1 ولكن ادع المساكين والضعفاء والزمنى والمقعدين؛ فطوبى لك إذ ليس لهم ما يكافئونك به ومجازاتك تكون في قيامة الصّدِّيقين - ثم عَرَّض بالعلماء - فقال: جيدٌ هو الملح فإذا فسد فبماذا يملح؟ "2. من كانت له أذنان سامعتان فليسمع هذه الوصية وما / (1/60/ب) شاكلها لم تمتد إليها يد التغيير سوى ما عبق بها من قصر التعبير.
وهي بطولها مندمجة في قوله عليه السلام: "شرّ الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء" 3.
وقال عليه السلام: "من تواضع لله رفعه الله"4.
وفي قوله: "إنكم أئمة يقتدى بكم"5.
يقول ذل لأصحابه - رضي الله عنهم -. اشتمال الجنة على الأكل والشرب والنكاح: وذلك على خلاف معتقد أهل الكتاب، قال المسيح عليه السلام: "كان رجل من الأغنياء يلبس [البز] 6 والأرجوان7ويتنعم كلّ يوم ويلتذ.
وكان ببابه رجل مسكين يسمّى اليعازر مضروب بالقروح، وكانت الكلاب تأتي فتلعق قروحه ويود لو ملأ بطنه من الفتات الذي يسقط من مائدة ذلك
الغنى، فلما مات ذلك المسكين أخذته الملائكة إلى حضن إبراهيم.
ومات ذلك الغني فقر في الجحيم ففتح عينيه وهو في العذاب فنظر إلى اليعازر في حضن إبراهيم يتنعم ويلتذ فنادى: يا أبتاه إبراهيم ارحمني وأرسل اليعارز ليبل طرف إصبعه بماء يبرد لساني من هذا / (1/61أ) اللهيب، فقال إبراهيم: يا بني اذكر أنك أفنيت خيراتك في حياتك واليعازر إذ ذاك في بلائه، والآن فهو ها هنا يستريح وأنت تعذب، ومع ذلك فبيننا وبينكم هوة بعيدة لا يقدر أحد منا على العبور إلى الآخر"1.
قلت: قال الله فيمن حاله بحال ذلك الغني: ﴿أَذْهَبْتَم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا واسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُوْنِ بِمَا كُنْتُم تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنْتُم تَفْسُقُونَ﴾.
[سورة الأحقاف، الآية: 20].
واعلم أن اليهود والنصارى2ينكرون أن يكون في الجنة طعام أو نكاح أو شراب، وهو الكلام من المسيح حجّة عليهم، وقد قال المسيح: "إن اليعازر هذا في كفالة إبراهيم يتنعم ويلتذ في الآخرة".
كما قال: "إن ذلك الغني كان كلّ يوم يتنعم في دنياه ويلتذ".
والذي يبتدر إلى الأفهام منه التنعم بالطيبات المألوفة المعروفة؛ إذ الإنسان إنما يشتاق لما عرف جنسه ونوعه وقد جاء ذلك في
الإنجيل [كثيراً] 1 ولكن النصارى2محجوبون بالتقليد عن النظر في أقوال الأنبياء، قال قولقا: "قال يسوع: إذا صنعت وليمة فادع المساكين والضعفاء لتكون / (1/61/ب) مجازاتك في قيامة الصديقين.
فقال من حضر: طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله"3.
وقال حملة الإنجيل: "قال يسوع لتلاميذه: إني ذاهب أعد لكم مائدتي في الملكوت [لتأكلوا وتشربوا وتجلسوا] 4 على كراسي المجد"5.
وقال الإنجيل: "إن المسيح شرب مع تلاميذه عصيراً ثم قال: إني لست شارباً من هذه الكرمة حتى أشربها معكم حديثاً في ملكوت السماوات"6.
وقال المسيح في الإنجيل: "إنكم ستأكلون وتشربون على مائدة أبي"7.
وقال المسيح في الإنجيل: "بحقّ أقول لكم إنه سيأتي قوم من المشرق والمغرب [فيجلسون] 8.
مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماء وتخرج بنو الملكوت إلى الظلمة البرانية، هنالك يكون البكاء وصرير الأسنان"9.
وقال المسيح في الإنجيل: "طوبى
للجياع العطاش فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء فإنهم يرحمون"1.
فهذا المسيح يشهد أن في الجنة أكلاً وشرباً وشبعاً وأن المساكين يتملكون ذلك وفي الإنجيل يقول المسيح: "بيعوا أمتعتكم وتصدقوا، اجعلوا لكم أكياساً لا تبلى وكنوزاً في السماء لا تفنى حيث لا يصل إليها سارق ولا يفسدها / (1/62/أ) سوس فحيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم معلقة"2.
وقال المسيح عليه السلام لأصحابه: "أنتم تقولون إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر، وأنا أقول لكم ارفعوا أعينكم فانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة"3.
وقال المسيح عليه السلام لتلاميذه: "اعملوا لا للطعام الفاني، بل للطعام الباقي في الحياة المؤبّدة لأن ذلك قد ختمه الله"4.
فقد ثبت عن المسيح اشتمال الجنة على الأكل من الطيبات والتنعم بالذات والتفكه في الشهوات.
فإن قيل: وأين ذكر الجماع في الجنة؟!.
قلنا: قال المسيح عليه السلام في الإنجيل: "من ترك زوجة أو بنين أو حقلاً من أجلي فإنه يعطى في الجنة مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"5.
فقد صرح المسيح بأن الرجل المؤمن يعطى في الجنة مائتي زوجة كما يعطى مائتي حقل.
والحقل الكرم والبستان.
وذلك مكذب للنصارى واليهود فيما صاروا إليه.
فإن قيل: هذا فيه الحجة الواضحة على النصارى، فما الحجة فيه على اليهود1مع إنكارهم / (1/62/ب) شرع الإنجيل؟ قلنا: قال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة وهو الذي يدعى سفر الخليفة: "إن الله غرس فردوساً في جنة عدن وأسكنه آدم وغرس له من كل شجرة طيبة المأكل شهية الطعم وتقدم إليه: إني قد جعلت كل شجر الجنة لك مأكلاً سوى شجرة معرفة الخير والشرّ، ثم قال الله سبحانه: لا يحسن أن يبقى آدم وحده.
فألقى عليه سباتاً ونزع ضلعاً من أضلاعه ثم أخلف له عوضه لحماً ثم خلق الله من ذلك الضلع حواء فزوجها آدم فلما أكلا من الشجرة التي [نُهيا] 2 عنها انفتحت أعينهما وعرفا أنهما عريان فكلمهما الله وتوعدهما على المخالفة، ثم صنع سبحانه لآدم وزوجته سرابيلات من الجلود فألبسهما ثم أرسلهما من جنة عدن وأهبطهما إلى الأرض ليحرث فيها"3.
وقال في السفر الأوّل أيضاً: "كانت سدوم قبل أن يخسف الله بها تشبه فردوس الله وأرض مصر"4.
وقال في السفر الأوّل أيضاً: "أما هابيل الشهيد فإنه يجزى بدل الواحد سبعة"5.
وهذا دليل أن الجزاء جنس المنفق في الدنيا تقرباً / (1/63/أ) إلى الله، فإن هابيل كان قد قرب من أبكار غنمه فتقبله الله منه ووعده الجزاء على الواحد سبعة.
فهذه التوراة والإنجيل مصرحة بموافقة الكتاب العزيز، وبذلك تتم اللذة وتجتمع المسرة وتحصل الدعة، فمن أعظم جرماً وأشد إثماً وأثقل وزراً وأضعف أزراً ممن يقرأ هذه النصوص من التوراة والإنجيل ثم يكفر بها ويردها؟!.
ولو أن اليهود والنصارى إذ حرموا لذة الاستنباط والاستخراج قلدوا أنبياء الله في ذلك لأخذوا بحظهم من الخير، فقد قال النبي أشعيا في نبوته: "يا معشر العطاش الجياع توجهوا إلى الماء والورود ومَن ليس له فضة فليذهب يمتار ويستقي ويأكل ويتزود من الخمر واللبن بلا فضة ولا ثمن"1.
قلت: وذلك موافق لقول الله تعالى في الكتاب العزيز في وصف الجنة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خِمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّن عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة محمّد، الآية:15].
وقال دانيال عليه السلام: "سيبعث من الأجداث قوم كثير بعضهم إلى الحياة الدائمة وبعضهم إلى البوار"2.
وقال / (1/63/ب) داود: "الله باعثهم وناشرهم من بين أنياب السباع ومن لجج البحار"3.
وقال أيضاً في المزمور الخامس والثلاثين: "يا ربّ البشر بظلال بيتك يستترون ومن نعيم بيتك يشبعون ومن وادي نعمك بترعون؛ لأن ينبوع
الحياة عندك"1.
وقال في [المزمور] 2 الثمنين: "لو سمع مني شعبي وسلك سبلي لأذللت أعلاه ومحوت سيئاته وأطعمته من طيباتي"3.
وقال في المزمور الرابع والعشرين والمائة: "المتوكلون على الله مثل جبل صهيون الذي بأورشليم لا يزول إلى الأبد.
والذين يزرعون بالدموع يحصدون بالفرح كانوا ينطلقون باكين ويقبلون بالتهليل وقد حملوا غلاتهم"4.
فهذه نبوات أنبياء بني إسرائيل والتوراة والإنجيل قد تظاهرت وتضافرت5بما نطق به الكتاب العزيز من اشتمال دار الثواب على الطعام والنكاح والشراب.
فإن قال اليهود: ما حكيته عن التوراة من الجنة محمول على بستان من بساتين الدنيا ولا ينكر تسمية الجنة بستاناً، والبستان جنة.
قلنا: يا إخوان القرود ومشاركي ثمود إنما قالت التوراة: إن الله / (1/64/أ) أسكن آدم فردوساً في جنة عدن وجعل فيه من كل شجرة طيبة المأكل وقال لآدم: جعلت لك كل شجر الجنة مأكلاً.
والله تعالى يقول: إنه فردوس في الجنة وأنتم تقولون: بل بستان وحديقة في الدنيا، ألم تسمعوا إلى قوله في بقية الكلام: إن الله كلمهما وتهددهما ثم صنع لهما سرابيلات من الجلود وأرسلهام من جنة عدن إلى الأرض التي أخذ منها آدم وأهبطهما للحرث؟!.
وإن تعلق النصارى بقول أسلافهم: إن أهل الجنة لا يتزوجون.1
قلنا لهم: يا عباد الرجال وربات الحجال، لو قدرنا صحة ما نقلتموه عن أسلافكم من ورود هذا اللفظ بعينه لم يلزم نفي ما صرنا إليه من التنعم بالنسوان في الجنان، إذ يحتمل أن يراد به أنهم لا يتزوجون الزواج المعروف المألوف من قاعدة النكاح والزواج الدنيوي وهو تقدم الخطبة وبذل الصداق والعقد والشروط وغير ذلك مما فيه حرج وكلف على الناكح، بل يمنحون ذلك ويتملكونه ويرثونه وراثة وتملكاً والدليل عليه من الإنجيل قول المسيح:"من ترك زوجة من أجلي في الدنيا فإنه/ (1/64/ب) يعطى مائة ضعف ويرث الحياة الدائمة"2.
وفي ذلك موافقة الكتاب العزيز حيث يقول: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُون﴾.
[سورة الزخف، الآية: 72].
ولفظة الميراث كثيرة مستعملة في الإنجيل والتّنْزِيل، ولهذا شمر كثير من أتباع المسيح في طلب هذا التضعيف فترهبنوا وانقطعوا عن النساء والشواغل، فإذاً قولكم: إن أهل الجنة لا يتزوجون منافاة بينه وبين قوله في الإنجيل: "من ترك زوجة فإنه يعط للواحد مائة ضعف".
والأصل المعتبر عند أرباب النظر الجمع بين الأدلة، لا تعطيل بعضها واستعمال بعض؛ فقد ثبت - بعون الله ومنه - ما
ضمناه من اشتمال الجنة على الملاذ الروحانية والجسمانية جميعاً.1
لزوم الاستقامة خوف هجوم القيامة:/ (1/65/أ) "قال المسيح يشبه ملكوت الله-عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العروس، خمس منهم جاهلات وخمس حكيمات، فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يعددن زيتاً، وأما الحكيمات فأعددت الزيت مع مصابيحهن، فلما أبطأ العروس نعسن ونمن أجمع وانتصف الليل وصرخ الصوت: قد جاء العروس فاخرجن للقائه.
فقال الحكيمات وزيّتن مصابيحهن فقال الجاهلات للحكيمات: أعطونا من زيتكن فإن مصابيحنا قد طفئت.
فقلن: ليس معنا ما يكفينا وإياكن فاذهبن وابتعن لكن زيتا.
فلما ذهبن لذلك جاء العروس ودخل مع المستعدات إلى العرس وأغلق الباب، وجاء الجاهلات فقلن: يا ربّ يا ربّ.
فقال: الحقّ أقول لكن إني لست أعرفكم، ثم قال لتلاميذه: اسهوا الآن وصلوا فإنكم لا
تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة"1.
قلت: قال ربنا جل اسمه: ﴿يَومَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُوراً فَضُرَبَ بَينَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ يُنَادُونَهُم أَلَمْ نَكُن مَّعَكُم قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُم فَتَنْتُم أَنْفَسَكُم وَتَرَبَّصْتُم وَارْتَبْتُم وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ﴾.
[سورة الحديد، الآياتان: 13-14]. انظر - رحمك الله - إلى هذا الكلام الرفيع القدر، الطيّب النّشر، الحسن البشر، وقسمه بفصل العذارى العشر لتعلم / (1/65/ب) قدر ما أوتيت الأمة المحمدّية، وتقف على سِرِّ قوله عليه السلام: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية"2.
27- شهادة يوحنا الإنجيلي للمسيح عليه السلام بالنبوة، وفي ذلك تكذيب للمتأخرين من النصارى في دعوى ربوبيته؛ قال يوحنا تلميذ المسيح وحبيبه وهو أحد مدوني الإنجيل: (لما أطعم يسوع خمسة [آلاف] 3 رجل من خمسة أرغفة وحوين من السمك قال الناس: حقا إن هذا لهو النبيّ الآتي إلى العالم.
فلما علم أنهم يريدون يخطفونه ويصيرونه ملكاً عليهم خرج من بينهم وذهب وحده إلى الجليل"4.
فهؤلاء خمسة آلاف رجل ممن شاهد المسيح يشهدون له بالنبوة وهو مقرّهم على شهادتهم، حاكم بصحة إيمانهم، راضٍ بهذا المعتقد منهم.
ولو أنكر عليهم قولهم لنقل إلينا كما نقلت منهياته وأوامره على ما سيأتي، وما أحسن إلهاً يخاف من العبيد أن [يخطفوه ويصيروه ملكاً عليهم ويغلبوه] 5 على رأيه في ذلك!!.
وقد نقلوا عن لوقا أن جبريل حين بشر مريم أم المسيح بالناصرة قال لها: "إن ولدك يجلسه الرّبّ على كرسي / (1/66/أ) أبيه داود ويملكه على بيت يعقوب"1.
فإن كان ما حكوه عن لوقا عن جبريل صحيحاً فقد كذبوا في هربه من التمليك عليهم، وإن كان ما نقلوه هاهنا في الهرب صحيحاً فقد كذبوا في نقلهم عن لوقا عن جبريل، وإلاّ فكيف يتقدم الله إليه على لسان جبريل بسياسة عباده والتملك عليهم ثم يأبى ذلك ويخالف أمره وينكص عنه فلا يمتثله؟! هذا مما يورَّك فيه على النقلة وبهذا الاضطراب وشبهه ردّ العلماء كتب هؤلاء القوم وأضربوا عن الاحتفال بها؛ فإن شغب النصارى بذكر هذه الآية أعدنا عليهم آية موسى وقلنا: قد نقلنا من التوراة أن موسى أطعم قومه وهم ستمائة ألف رجل سوى الصبيان والنسوان والغرباء مَنّاً وسلوى وأدامه عليهم2، ومن صنع خيراً كثيراً وأدامه أفضل بلا شكّ ممن صنع قليلاً منه وقطعه.
وبالجملة فآيات الأنبياء ليست نمطاً واحداً؛ إذ المقصود منها الإعجاز.
28- معجزة دالة على صدق نبوته عليه السلام، / (1/66/ب) قال يوحنا التلميذ: "دعي المسيح إلى عرس في الجليل ففرغ الخمر الذي لهم، فقالت أم يسوع: ليس للقوم خمر ثم قالت للخدام: افعلوا ما يأمركم به يسوع، وكان هناك أوعية من حجارة لتطهير اليهود فأمرهم يسوع فملؤوها ماء ثم أمرهم فسقوا الناس منها خمراً طيبة.
قال يوحنا: هذه أوّل آية أظهرها المسيح بقانا الجليل"3.
فإن قال النصارى: بذلك نستدل على ربوبيته إذ قلب الأعيان ليس من مقدور البشر، فالجواب أن المستبدل بالخلق والاختراع هو الله الذي لا إله غيره الفرد القديم الواحد العالم القادر الحكيم خالق العالم بما فيه من الأجسام والأعراض، وليس في تحويل الماء خمراً سوى تبديل عرض بعرض؛ إذ لا يخلو الجوهر عن عرض إلاّ ويخلفه ضدّه، فتارة يكون ذلك الضدّ مناسباً، وتارة يكون مخالفاً، وذلك كله ممكن والله تعالى متّصف بالقدرة على كلّ ممكن، وقد دللنا على عبودية المسيح في الباب الأوّل / (1/67/أ) وفي ذلك ما يردّ هذا السؤال، والمعجز في الحقيقة خالق العجز وهو الله عزوجل، وصدوره على يد عبد من عبيد الله يدعي أن الله أرسله يتَنَزَّل منْزِلَة قول الله تعالى: "صدق عبدي".
ونحن نناقش النصارى على ذلك فنقول: أوّلاً: لا نسلم أن هذه المعجزة لعيسى بل هي لمريم أمه بدليل أنها التي اقترحتها وطلبتها.
ألا تراها كيف تقدمت للخدام وقالت: افعلوا ما يأمركم به يسوع، وذلك من غير مؤامراته؟ وقد حكى بعض العلماء من أصحابنا في نبوة مريم قولين، فإن كانت نبية فهذه معجزة لها، وإلاّ فهي كرامة في حقّ ولايتها1، والكرامة صورتها صورة
المعجزة وإنما يفترقا في التحدي على رأي بعضهم، قال الله تعالى في حقّ مريم أم المسيح: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا زِرْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عَندِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
[سورة آل عمران، الآية: 37].
ولا يستنكر من أصحابنا القول بنبوة مريم؛ فأهل الكتاب يعتقدون نبوة جماعة من النسوان منهم: مريم1أخت موسى وخُلدى2وأستار3
ورفقى1، وقد زعموا أنّه كان لفولس2/ (1/67/ب) الرسول من أتباع المسيح بعد المسيح أربع بنات كلهن نبيات.3
ولو سلمنا أن الآية مضافة إلى المسيح وفي حقه فهي آية تدل على صدقه والله يؤيد من يشاء لإرشاد خلقه، ولو جاز أن يدعي في المسيح الربوبية بتحويل الماء خمراً لجاز أن يدَّعي ذلك في اليسع بتحويله زيتاً فقد جاء في سفر الملوك من كتب أهل الكتاب: "أن اليسع عليه السلام نزل بامرأة من بني إسرائيل فأضافته وأكرمته فلما عزم على الانصراف قال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: يا نبي الله إن على زوجي ديناً قد فدحه وإن رأيت أن [تدعو] 4 الله تعالى لنا بقضاء ديننا.
فقال لها اليسع: أحضريني ما عندك من الأواني واستعيري من جيرانك ما قدرت عليه من الآنية.
ففعلت ذلك فأمرها فملأتها كلّها ماء ثم قال: اتركيها ليلتك هذه.
وتركها ومضى فأصبحت المرأة وقد تحوَّل ذلك كلّه زيتاً فباعوه وقضوا دينهم"5.
فهذه الآية أعجب وأغرب.
ولم ينقل أن اليسع امتهن
وغلب وقتل وصلب.
بلْ لم يزل / (1/68/أ) آمناً في سِرْبه1إلى أن لحق بالله ربه.
ولقد فعل موسى ما هو أعجب من ذلك كله وهو: "أنه ضرب بعصاه بحر النيل بمصر فتحوَّل الماء بسائر أرض مصر دماً عبيطاً"2.
وكذلك "ألقى عصاه بين عصي بني إسرائيل فاهتزت شجرة ذات أغصان وأفنان وأورقت وأثمرت لوزاً، فبينا هي خشبة إذْ صارت شجرة خضراء مثمرة"3.
فبطل ما عوَّل النصارى عليه، فما أجابوا به عن آيتي موسى واليسع فهو جواب لنا عن آية المسيح.
وقد صرح فولس في الرسالة الرابعة عشرة إلى العبرانيين بأن المسيح ليس ربّاً ولا إلهاً بل إنّه عبد من عباد الله، شرّفه الله كما شرّف غيره من أنبيائه وأهل صفوته.
فقال: "إن المسيح هو رئيس أحبارنا وهو الذي صعد إلى السماء وليس لنا رئيس أحبار غيره، ثم قال: إن كل رئيس أحبار إنما يكون من الناس ليقوموا فيما بين الناس وبين الله، وليس أحد ينال الكرامة لنفسه إلاّ من أناله الله مثل هارون، وكذلك المسيح لم يمدح نفسه، بل الله الذي مدحه حيث يقول: أقسم الربّ بأنّك أنت الكاهن المؤيد شبه/ (1/68/ب) ملكي صادق"4.
فهذا فولس - الذي ليس عند النصارى من يعدله - يشهد بأن المسيح إنسان من بني آدم [وحَبْرٌ] 5 من أحبارهم كهارون.
29- دليل صحيح على نبوته: قال يوحنا الإنجيلي: "جاء يسوع إلى بئر من آبار السامرة مستسقياً ماء وقد عيي من تعب الطريق ففاوضته امرأة منهم
فقالت: يا سيد إني أرى أنك نبي.
فقال لها يسوع: أنا هو الذي أكلمك.
ثم وافاه تلاميذه فعرضوا عليه طعاماً، فقال: إن لي طعاماً لستم تعرفونه، إن طعامي أن أعمل مَسَرَّة من أرسلني، وأتم عمله.
ثم بعد يومين خرج من هناك؛ لأنه شهد أن النبي لا يكرم في مدينته"1.
وجه الدلالة على النبوة والرسالة من وجوه: أحدها: قولها له: "يا سيد إني أرى أنك نبي".
فصدّقها وحقّق ظنّها، فقال لها: "أنا هو"، وهذا واضح.
الثاني: قوله: "إن لي طعاماً لستم تعرفونه"، يعني بذلك اللذات الروحانية الحاصلة من المناجات والمكالمة.
الثالث: قوله: "أعمل مسرة من أرسلني".
كَنَّى / (1/69/أ) بالمسرة عن المحبة، وإن كان الباري لا يتصف بالمسرة، وذلك من سوء تعبيرهم، وعَرَّف بأنه رسول مأمور بإتمام العمل ولزوم الطاعة، والنبي وغيره شرع في الشرع إلاّ ما قام الدليل على تخصيصه به.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "من وقف على هذه الفصول الشاهدة بالنبوة والرسالة، وشاهد ما كفيته من مؤنة استخراجها من أيدي الضانين بها، الكاتمين لها؛ ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمُّ نوره، فليخصّصني بدعوة صالحة تكون زادي لمعادي، ويتعين عليه إظهار ذلك للمسلم والكافر، أما المسلم ليقف على مصداق قوله تعالى في حقّ المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً... ﴾ 2. [سورة مريم، الآية: 30].
وقوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾.
[سورة المائدة، الآية: 75].
وأما الكافر فحتى تظهر عليه الحجة، ويتّضح المحجة، وأنذر
من بسطت يداه في دنياه، وأهمته العناية بأخراه أن يجمع من وجوه هذه الطائفة الزائفة جمعاً كثيفاً، ويحضر إنجيلهم ويقررهم بهذه الفصول على النبوة والعبودية، ليهلك من هلك/ (1/69/ب) عن بيِّنةٍ ويحيى من حَيَّى عن بيِّنةٍ.
وأما قول يوحنا: "وقد عَيِيَ يسوع من تعب الطريق"، فدليل على الحدث، ظاهر لمن له ناظر.
وليت شعري كيف يعتقد ربوبية رجل ذي رأس وعينين، وقذال1وأذنين، وفم ولسان وكف وبنان، يأكل ويشرب، ويعيا ويتعب، ويهان ويضرب، ويقتل في زعمه ويصلب؟!.
على أَنَّا نسأل النصارى فنقول: من هو هذا الذي عطش وعيي من تعب الطريق؟! فإن قالوا: هو اللاهوت، أكذبتهم التوراة إذ تقول: "إن الله خالق العالم بأسره وما مسه إعياء ولا تعب"2.
وإن قالوا: هو الناسوت، أبطلوا الاتّحاد، إذ لم يبق لاهوت متميّز عن ناسوت حتى يضاف إليه الإعياء والتعب، وإذا كان الإله منَزَّهاً عن التعب والإعياء وقد تعب المسيح وعيي، فذلك دليل على كذب النصارى فيما هذوا به من الاتّحاد، اللهم إلاّ أن يفسروا الاتّحاد بما ظهر على يده من آيات الإله من إحياء الميّت وتطهير الأبرص وغير ذلك.
فيقودهم القول بذلك إلى مساواة المسيح / (1/70/أ) غيره، ويصير لا خصوصية له بهذا الاتّحاد.
فإن راموا تفرقة بين المسيح وبين غيره ممن أحيا الميّت وطهر الأبرص وفعل أضعاف فعل المسيح لم يقدروا على ذلك، وقد حكى لوقا في إنجيله: "أن رجلاً من الفريسين طلب إلى يسوع أن يأكل عنده خبزاً، فلما دخل بيته حضرت إليه امرأة خاطئة، وصبَّت
على رجليه قارورة طيب، وبكت عند قدميه حتى بَلَّتهما بدموعها، وجعلت تمسح قدميه بالطيب وبشعر رأسها، فقال الفريسي في نفسه: لو كان هذا نبيّاً لعرف أن هذه المرأة خاطئة.
فأجابه يسوع عما هجس في نفسه"1.
30- الدليل على رسالته من قوله واعترافه بأن الله غيره وأنه رسول الله إلى عباده، قال يوحنا التلميذ: "لما انتصف العيد حضر يسوع إلى الهيكل وشرع يعلم، فقال اليهود: كيف يحسن هذا التعليم؟ فقال تعليمي ليس هو لي بل للذي أرسلني، فمن عمل بطاعته فهو يعرف تعليمي، هل هو من عندي أم من عند الله؟ إن من يتكلم من عند نفسه إنما يريد مجد نفسه.
فأما من يريد مجد/ (1/70/ب) من أرسله فهو صادق فعلام تريدون قتلي؟ فقال الجمع: لأنك شيطان.
فقال لهم: تزعمون أن موسى عَلَّمكم الختان وليس الختان من موسى ولكنه من الآباء: "وقد يختنون الإنسان ومن الختان يهلك الإنسان كيلا تنقضوا سنة موسى"2.
فعلام تنقمون عليَّ إبرائي الإنسان يوم السبت، ثم قال: إني لم آت من عندي ولكن الذي أرسلني محقّ، ولستم تعرفونه وأنا الذي أعرفه، وهو أرسلني.
فَهَمَّ اليهود بأخذه ولم يقدروا، لأن ساعته لم تحضر بعد"3.
فقد وضحت رسالته من الله إلى الناس وضوح الصبح لذي عينين، ولولا تعاسة الجِد4 لما اشتبه الخالق بمخلوق، ولا قوبلت حقوقه بالعقوق.
فأما موضع التحريف من هذا الفصل، فهو قوله: "ليس الختان من موسى ولكنه من الآباء".
وذلك غير صحيح؛ لأن التوراة قد أوجبت الختان، وجعلته
من شرائع الإيمان، فقال الله فيها: "اختنوا لحم غرلتكم أنت وبنوك ورقيقك والساكن عندك الذي أقبل إليَّ، واجعلوا ذلك ميسماً لي في أجسادكم، فمن لم يفعل ذلك فليقتل بما أبطل من عهدي"1.
والتوراة تشهد أن إبراهيم أمره/ (1/71/أ) الله فاختتن بعد ما كبرت سنة وختن بنيه وعبيده2، واختتن موسى وهارون والمسيح3[وحواريوه] 4 وتلاميذه، والدليل على ثبج5هذا النقل واضطرابه قوله بعد ذلك: "كيلا تنقضوا سنة موسى"،سمَّى الختان سنة موسى بعد قوله:"وليس الختان من موسى"، ولم يزل أتباع المسيح يختنون ويستنون بسنة الأنبياء في الختان حتى جاء رجل من المتأخرين يدعى فولس، هو الذي يسمونه فولوس الرسول، فادّعى أن المسيح ترآءى له، وأرسله إلى أهل دينه، فأحلَّ لهم فولس أشياء، وحلهم مما كانوا مرتبطين به من أقوال موسى والمسيح6، فكان مما حلهم منه سنة الختان التي شرعها الأنبياء عليهم السلام فراجعوه في ذلك،
فقال لهم فولس هذا المدعي رسالة المسيح: "إن الختان ليس بشيء، وإن الغرلة ليس بشيء"1.
فأطبق الملكية2على ترك الختان، وتربص بقية طوائف بها فلم يتجاسروا على إهمالها.
وهذا فولس3الرسول عندهم له كلمات تدل على تهكم وتلاعب بدين النصارى ستأتي متفرقة في أضعاف هذا المختصر إن شاء الله تعالى.
وقد سمعت بعض / (1/71/ب) النصارى يذكر أن كلمة ينطق بها المسيح مركبة من اللاهوت والناسوت جميعاً، فيلزم على قول هذا القائل أن يكون الإله قد نطق بكلام المستضعفين إذ يقول في كلامه لليهود: إنكم تريدون قتلي، وذلك زلل عظيم.
31- مناظرة جرت بينه وبين اليهود تشهد له بالنبوة والرسالة؛ قال يوحنا التلميذ: "قال يسوع لليهود الذين حضروه: إن أنتم ثبتم على الحقّ فالحقّ يعتقكم، فقالوا: نحن ذرية إبراهيم وأنت تزعم أنا عبيد.
فقال: الحقّ أقول
لكم إن من يعمل بالخطيئة فهو عبد الخطيئة، قد عرفت أنكم من ذرية إبراهيم، ولكنكم تريدون قتل رجل كلمكم بالحقّ الذي سمعه من الله، فقالوا: أما نحن فلسنا مولودين من زنى، وإنما لنا أبٌّ واحدٌ هو الله.
فقال: لو كان الله أباكم كنتم تحبونني؛ لأن الله أرسلني ولستم تفهمون كلامي ولا تطيقون استماع قولي، أنتم من أبيكم إبليس وشهوة أبيكم تأتون.
فقالوا: ألم نقل إنك سامري وأن بك جنوناً؟ فقال: الحقّ أقول لكم إن من يحفظ كلامي لا / (1/72/أ) يذوق الموت إلى الأبد.
فقالوا: الآن علمنا أنك مجنون.
قد مات إبراهيم والأنبياء؛ فلعلك أعظم من أبينا إبراهيم ومن مات من الأنبياء، من تجعل نفسك؟ فقال يسوع: أبوكم إبراهيم اشتهى أن يرى يومي فرأى وفرح.
فقال له اليهود: لم يأت لك خمسون سنة فكيف رأيت إبراهيم؟ فقال يسوع: الحقّ أقول لكم إنني [كائن] 1 قبل أن يكون إبراهيم.
فتناولوا حجارة ليرجموه، فتوارى يسوع وخرج من الهيكل"2.
قلت: فقد نطق المسيح في هذا الفصل وفي غيره بأنه رسول من الله، وأنه إنسان من خلقه يروم أعداؤه قتله على تبليغ رسالة ربّه، وأنه سامع من الله، وأن الله غيره ولو أن الأمر على ما يتخيله النصارى لأرشد أهل ذلك المجلس إلى الصواب ولعرّفهم أن الإله لا يتصور قتله والظهور عليه، ولكنه أثبت عندهم أنه رجل ضعيف من بني آدم، وأكّد ذلك في نفوسهم بهربه وتواريه من المجلس على أعين الناس وهم يشهدون، وكيف يكون إلهاً ويترك خلقه يرتبكون في حبائل الشكوك، ويقول في محاورته: "إنّكم تريدون قتلي / (1/72/ب) وأنا إنسان كلمتكم بالحق وفُهْت لكم الصدق"؟!.
وفي هذا الفصل مواضع يسألون عنها، وكلّها قريبة المغزى على من أمعن من مطالعة كتبهم، وعرف نبوات أنبيائهم، منها قوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم".
وإنما يريد قبلية الاصطفاء والاجتباء، وتقدير الكلام: "أنّ الله قدّر لي النبوة واصطفاني للرسالة قبل خلق إبراهيم".
وهذا محمل يتعين حمل هذا الكلام عليه إن صحّ نسبته إليه، ولو كان الأمر على ما [ينهق] 1 به النصارى من دعوى الربوبية لم يخصص القبلية بإبراهيم ولقال: "أنا كنت قبل خلق العالم، وأنا الذي نفخت الروح في حواء وآدم"، ولو جاز أن يتمسك بقوله: "أنا قبل أن يكون إبراهيم"، لجاز ذلك في سليمان فقد قال عليه السلام في حكمته: "أنا كنت قبل الدني، وأنا كنت مع الله حين مدَّ الأرض، وكنت صبيّاً ألهو بين يديه"2.
فإن قالوا: هذا مُأَوَّل لأن سليمان3من بني إسرائيل، فكيف يكون قبل الدنيا؟!.
قلنا: ويسوع المسيح من ولد إبراهيم، فكيف يكون قبل إبراهيم؟! فاستوت الحال وترجح جانب سليمان في / (1/73/أ) هذه القَبْليِّة.4
ومنها قوله: "إن أباكم إبراهيم ليشتهي أن يرى يومي فرأى وفرح"، يحتمل أن يكون إبراهيم كان قد اشتهى أن يرى يوماً يتلذذ فيه بمناجاة الله ومكالمته، فلا جرم أن الله تعالى أناله طلبته، وأسعفه بحاجته، وشرفه نحلته "فكلمه عند انتصاف النهار، حين مرت به الملائكة لهلاك قوم لوط كما شهدت به التوراة، وفارقوه وبقي إبراهيم قائماً بين يدي الله يناجيه ويتلذذ بمراجعته ويقول له: يا ربّ أتهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد"1.
كما شهدت به التوراة، فضاهى ذلك اليوم من حسنه وطيبه يوم المسيح: "إذا كان يدعو ربّه عند إحياء العازر، ويقول: أشكرك؛ لأنك تستجيب لي، وأنا أعلم أنك تستجيب لي في كلّ حين، ولكن أشكرك من أجل هؤلاء الفئام ليعلموا أنك أرسلتني"2.
كما نطق به الإنجيل، فهذا تأويل قول:"إبراهيم اشتهى أن يرى يومي"،ولو كان على ما يذهب إليه النصارى لقال: اشتهى أن يراني، ولم يقل: اشتهى أن يرى يومي.
ويحتمل أيضاً أن يكون إبراهيم كان قد سأل الله تعالى أن يجعل / (1/73/ب) في ذريته رجلاً صالحاً تعمّ بركته، فوعده الله أن يخرج من ذريته من يحيى الميت، ويبرئ الأبرص والأكمه، ويشفي المرضى، فاشتهى إبراهيم أن يري يوماً من أيام هذا المولود الموعود به لكي يحصل له مع علم اليقين عين اليقين [فأحيا له] 3 ميتاً أو عدداً من الموتى، وشفى له مرضى، وكثر له من الزاد القليل ما أشبع الجمع الكثير، وقال: إن من ذريتك من أُجري هذه الأمور على يده، ففرح بذلك اليوم التي حصل له فيه من ربّه ما حصل.
وفي الفصل ما يقتضي مساواة المسيح غيره في لفظ النبوة إذ يقولون: "إن أبانا واحد هو الله"، فلم ينكر عليهم [ويقل] 1: كذّبتم بل هو أبي دونكم، بل أقرّهم على ذلك، وقال: "لو أن الله [أبوكم كنتم تحبّونني] 2".
ومن ذلك قوله: "الحقّ يعتقكم"، ومعلوم أنهم أحرار، ومن ذلك قوله: "أنتم من أبيكم إبليس"، ومعلوم أنهم من بني آدم، فهذا التوسع من المسيح يوجب صرف الأبوَّة والبُنُوَّة عن ظاهرها.
ويقتضي إطلاق البنوة على العبد المطيع حيث يقول: لو أن الله / (1/74/أ) [أبوكم كنتم تحبونني] 3.
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: "لقد فاوضت بعض النصارى فيما يتعلق بألفاظ البنوة، فقال: لا تعجب من تسميتنا السيد المسيح ابناً، فنحن بأسرنا ندعو الله أباً لجميعنا.
فقلت له: فأنتم إذاً مع المسيح في الرتبة، فلم تسمونه ربّاً وتتّخذونه إلهاً؟ ولم يميز عنكم في هذه التسمية؟! فذكر اختصاصه بالخوارق والآيات فتلوت عليه أمثالها صدرت عن عدة من الأنبياء، فحار ولم يحر جواباً، وأصيب ولم يصب صواباً.
فليت شعري، أي شيء في هذا الفصل يصلح للاستدلال على ربوبية المسيح وفيه قوله لليهود: "من منكم يوبخني على خطيئة؟! "، وفيه هربه من المجلس بحضرتهم.
وهلاّ كان مكان قوله: "من منكم يوبخني على خطيئة"، من منكم يجحد خلقي العالم؟! ونفخي الروح في آدم؟!، ولم تنكرون ربوبيتي وتجحدون ألوهيتي، وأنا الذي بيده البسط والقبض، وبأمره قامت السماء والأرض؟! وحاشاه حاشاه، بل إنما استدل على نبوته بثبوت عصمته، فقال: "من منكم يوبخني على خطيئة؟! ".
32- معجزة دالة على نبوّته / (1/74/ب) : قال يوحنا التلميذ: "أحيا يسوع العازر، وجاء إلى القبر مع أخته، وقال لها: أين دفنتموه؟ فأشارت إلى المغارة التي هو فيها، فقال: ارفعوا الحجر عنه.
ثم دمعت عيناه، فقال اليهود: انظروا حبه له.
فقالت أخت العازر: يا سيد إنه قد أنتن؛ لأن له أربعة أيام، فقال: إن آمنت رأيت مجد الله، فرفعوا الحجر عن القبر، ورفع يسوع بصره إلى فوق، وقال: يا أبتاه أشكرك لأنك تسمع لي، وأعلم أنك تسمع لي في كلّ حين، ولكن أشكرك من أجل هؤلاء القيام ليعلموا أنك أرسلتني، ثم نادى بصوت عظيم: عازار اخرج.
فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة باللفائف ووجهه مستور بعمامة، فقال يسوع: حُلُّوه ودعوه يمضي إلى بيته"1.
قلت: بهذا وشبهه ثبتت نبوّة المسيح، ووضحت رسالته، وقطع ألسن اليهود الذي قرفوه بالخناء، ونسبوا أمير الصدق إلى الزنا، وهذا الكلام من المسيح هو التحدّي على النبوّة.
فإن نازع اليهود في صدق هذه الآية من المسيح [ود] لالتها2على النبوّة/ (1/75/أ) ورد عليهم ذلك بعينه في شقّ البحر وإجراء المياه من حجر [الصَّوَانٍ] 3 وغيره من آيات عيسى، وكلّ سؤال انعكس على مورده مردود من أصله.
وإن زعم النصارى أن ذلك دليل على ربوبية المسيح إذ ليس في مقدور البشر إحياء من في القبور.
قلنا: قد بيّنا في الباب الأوّل عبودية المسيح، وأنه إنسان من الخلق أكرمه الله بالآيات وأمدّه بالمعجزات، والرّبّ تعالى هو الذي يعيد الروح إلى قالبها، ويفعل ذلك عند دعوة النبي ليتوجه على العباد قبول أمره
وينْزِل ذلك منه سبحانه منْزِلة قوله: "صدق عبدي فأطيعوه"، وهذا كما فلق البحر بسؤال موسى، وأخرج له من الرمل حيواناً كثيراً [قملا فأرسله] 1 إلى فرعون وجنوده، وقد شهد كتاب [سفر] 2 الملوك من كتبهم: أن قوماً حملوا ميتاً لهم إلى [القبر فرأوا عدوّاً لهم] 3، فطرحوا الميت عن أعناقهم، وابتدروا [الهرب إلى المدينة، فأحيا الله تعالى الميت] 4، وأقبل حتى دخل المدينة، فنظروا [فإذا هم قد وضعوه على قبْرِ] 5 نبي الله اليسع، فهذا تراب [قبْر اليسع قد أحيا ميّتاً وهو أعجب] 6 من فعل المسيح، والمسيح سأل / (1/75/ب) وتضرع في ذلك، واليسع ميّت لم ينسب إليه سؤال.
وقد ذكرنا أشعيا النبي "أن الله عزوجل قال لحزقيال: قم فتنبأ على هذه العظام حتى أحييها لك.
ففعل فأحيا الله بدعوته عالماً كبيراً يقال: إنهم ثلاثون ألفاً، وقيل: ستون ألفاً، كان بختنصر اليوناني قتلهم، وكان لهم من يوم قتلوا ستون سنة"7.
وقد أحيا إلياس وغيره8الأموات.
"وقد كان موسى ضرب بعصاه الرمل فَتَكَوَّنَ منه [قمل] 9 وذباب فانثال على أعدائه"10.
ولا شكّ أن من صوَّر حيواناً ابتداءاً فهو أبدع ممن أعاد الروح إلى قالبها الأوّل.
وكلّ هذه المنقولات تشهد بها التوراة والنبوات، فهلاّ اتّخذ
النصارى من ذكرنا من الأنبياء آلهة وأرباباً، وقد أربوا على ما صدر من المسيح عليه السلام.
واعلم أن في قصة العازر أشياء تمنع النصارى من اعتقاد ربوبية المسيح منها: قوله: "أين دفنتموه"، فإنه لو كان المسيح ربّه [لعرف أين] 1 مكانه.
فكيف يسأل الرّبّ عن موضع [قبر العازر؟!] 2.
ومنها: استعباره عند رؤية قبْره [وذلك من صفات] 3 الآدميّين / (1/76/أ) وحُنُوِّ الجنسية.
ومنها: قوله لأخت الميّت: "إن آمنت رأيت مجد الله"، أضاف القدرة على الإحياء إلى غيره.
ومنها: ابتهاله وطلبه من الله وإظهار فاقته وحاجته إليه سبحانه، وعجزه وقصوره عن أن يأخذ إلاّ ما أعطاه، وقد صرّح هو بذلك في موضع آخر من الإنجيل إذ يقول: "إن الابن لا يقدر أن يفعل شيئاً ولا يتفكر فيه إلاّ أن يأمره الأب"4.
وهذا غاية العجز والافتقار، فلو كان المسيح هو الله أو الله حالاً فيه كما يقول النصارى للزم اتّحاد السائل والمسؤول، والداعي والمدعو، والطالب والمطلوب منه.
ولو كان الله هو المسيح أو صفة من صفاته لجر إلى تلبيس عظيم، إذ سؤاله غيره، وطلبه من غير مطلوب منه، تلبيس وتدليس، وحمل لخلقه أن يقفوا به دون حقّه، وأن يعاملوه بما يقصر عن جلاله، ولا يعطونه من الخدمة والعبادة ما
يتقاضاه الربوبية وتوجيه الإلهية بل يعاملونه معاملة البشر ويخاطبونه مخاطبة الآدميين، فينسبونه تارة إلى بنوة داود وأخرى إلى بنوة يوسف / (1/76/ب) ومريم، وذلك غض عظيم من منصب الربوبية وحط لجلال الألوهية.
فنحن - يرحمك الله - نسأل النصارى عن هذا الداعي المبتهل الطالب أهو الإله الأزلي الواحد أو إنسان من بني آدم؟! فإن قالوا: إنه إنسان من بني آدم وافقوا شريعتنا وخالفوا شريعتهم إذ تقول: "إن المسيح إله حقّ من إله حقّ من جوهر الله، وأن المسيح بيده أتقن العوالم وخلق كلّ شيء".
وحينئذٍ يصيروا مسلمين إذا اعترفوا بالرسول صلى الله عليه وسلم.
وإن زعموا أن القائل لذلك هو الإله الخالق الأزلي الواحد، فقد صرّحوا أن الله الأزلي لا يعلم المغيبات، وأنه مفتقر إلى سؤال غيره، وأن له ربّاً فوقه يسأله حوائجه، ويضرع إليه في نوازله ومأربه، وكفى بذلك تجاهلاً.
مؤاخذة على إحياء العازر: ذكر يوحنا في قصة العازر هذه أن مريم ومرثا أختا العازر ذهبتا إلى يسوع فقالتا: "يا سيد إن حبيبك العازر قد مات، فقال يسوع: ليس هذا موتاً على الحقيقة، ولكن ليظهر مجد الله"1.
قلت: لا يخلو أن يكون / (1/77/أ) العازر مات أو لم يمت، فإن كان قد مات، فكيف يقول: إنه لم يمت حقيقة، وإن كان لم يمت لم يحصل الإعجاز بإحياء من لم يمت وإحياء الحيّ محال.
نكته: من غَلُظَ فهمه وأظلم حسه وكثف لبه افتقر في إرشاده إلى معجز كثيف، فلا جرم كانت الآيات في أهل الكتاب من جنس فُهومِهم.
ولما لطفت أفهام آخرين وتروحنت نفوسهم وقوي نفوذ إدراكهم اكتفى في هدايتهم بالروحاني من المعجز، فلا جرم آمن طوائف بمجرد رؤية نبيّهم وسماع أوّل كلامه، ولم يتوقف إيمانهم على ما توقف عليه إيمان الأوّلين.