الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود
28- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن رؤبيل1بكر يعقوب من ولده. زنى بسرية أبيه يعقوب وافتراشها.2
وأن أباه يعقوب لما حضر أجله ودنت وفاته قرّع رؤبيل ابنه بذلك وعَيّره بين إخوته وقال له: يا رؤبيل حقاً لقد نجست فراشي وامتهنته فلذلك لست أعطيك السهم الزائد.3
قالوا: وكان من سنة إبراهيم أن يرث الولد البكر سهمين من الميراث وغيره يرث سهماً واحداً.4
فأي فائدة وأي حكمة في نقل هذه الفاحشة يُعيّر بها سبط عظيم من الأسباط؟ ومآثر الآباء مفاخر الأبناء. وهاهنا حَرْفٌ يتبيّن به كذب اليهود في توريث إبراهيم إسحاق / ماله كله وحرمان إسماعيل.5
وهو أن سُنَّة إبراهيم توريث البكر من الأولاد سهمين.
فكيف حرموه الميراث؟ هل ذلك من اليهود إلاّ غفلة وجهالة بما في أيديهم من كتب الله.
29- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن يهوذا6بن يعقوب زنى بكنتّه ثامار7ورهنها على ذلك خاتمه وعصاه. وأنها حملت منه واشتهرت قصته وقصتها في بني إسرائيل وصارا بذلك شهرة.8
هذا مع حظوته عند أبيه
ودعائه له بتخليد الملك والنبوة في عقبه حتى يأتي محمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم.1
فأي فخر في ذلك وأي فضل يودعوه التوراة ويعظموه تعظيم الوحي والتّنْزيل جيلا بعد جيل؟!.
30- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن دينا2بنة يعقوب خرجت وهي عذارء فرآها مشرك من عبدة الأوثان وهو سحيم بن خمون3رئيس القرية فوقع عليها وافترعها، وأزال بكارتها، وأنْزل العار بأبيها نبيّ الله يعقوب، وأن حمور أباه جاء إلى بني يعقوب وتنصل وآمن والتزم أحكامهم هو وجميع أهل القربة. وأن بني يعقوب قالوا: لأهل القرية. إن أحببتم / (2/56/ب) الاستنان بسنتنا والدخول في ديننا فاختتنوا لنصير شعبا واحداً، ومكروا بهم واحتالوا عليهم. فلما اختتن كل من في القرية دخلوا عليهم فوجاً وهم بالسلاح وهم لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم وقتلوهم عن بكرة أبيهم وانتهبوا أموالهم وحريمهم. وأن يعقوب لما انتهت إليه القصة قال لنيه: أنا رجل قليل العدد. الساعة يميل عليّ أهل هذه القرى والشعوب فيبيدوا [حضرائي] 4 وأنه اتخذ الليل جملاً فأصبح ولا أثر له بتلك البلاد.5
فحكموا على أولاد نبي الله يعقوب بأنهم قتلوا المؤمنين وأبادوا
الموحدين وانتهبوا الأموال الحرام.
ونحن نورك1على اليهود في نقل هذه الأحاديث عن الأنبياء وأولاد2الأنبياء.
31- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن يعقوب عند منصرفه من حران3طالبا بلاده تصارع مع الملك فغلبه يعقوب وتألم ورك يعقوب حين دنا منه الملك. وأن الملك بقي في يد يعقوب مقهوراً حتى قال له: دعني وأباركك.4
فلهذا لا يأكل اليهود عرق الفخذ.5
وربما قال بعض جهال اليهود: "إن الذي / (2/57/أ) صارعه يعقوب هو الله - تعالى الله عن جهلهم علواً كبيراً - وأستغفره من حكاية أقوالهم.
32- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى نزل إلى الجنة ومشى فيها حين كلّم6آدم.
وأنه تعالى نزل إلى الأرض حتى أنقذ بني إسرائيل من
سحرة فرعون.1
وأنه نزل إلى الأرض عندما كلم موسى من شجرة العليق.2
وأنه نزل عندما كلم إبراهيم وبشره بالولد.3
وأنه نزل حتى بلبل ألسن نمرود وقومه ومعهم من بنمء الصرح.4
وكلّ ذلك جهل منهم بأن الباري يتقدس عن الحركات والتنقل في الجهات. فظنوا أن سماع آدم ونوح وإبراهيم وموسى كلام الباري من الجنة وشجرة العليق يقتضي الحلول أو يوجب على الباري الصعود أو النُّزُول.5
33- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن هارون ومريم أخته وقعا في موسى وتناولوه وجرى بينهم شرّ وتحاسد. وأن مريم عابت على موسى نكاحه امرأة سوداء. وأنهما قالا له: أتظن أن الله تعالى إنكما كلمك وحدك كلمنا نحن أيضاً. قال اليهود فنَزل الله تعالى [إلى] 6 قبة / (2/57/ب) الزمان ودعا هارون ومريم وتوعدهما. وبرَّص مريم فصارت برصاء من ساعتها.7
وكذب اليهود هذا ما لا يبتلى به أمثال هؤلاء الأعلام.
إذ الحسد مرغمة لمقدور8الله وهو كبيرة لا تجوز على الأنبياء.
وهارون نبي ثابت العصمة.
ومريم لا خلاف بين أهل الكتاب في نبوتها.1
فصدور الكبائر منهم تخرم الثقة بهم والطمأنينة إليهم. فلعن الله اليهود ما أكثر ما يتناولون أنبياء الله قتلاً وقذفاً. 34- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن أسلافهم الذين شاهدوا الآيات مع موسى عندما خرجوا من البحر. قال لهم موسى: ادخلوا الأرض المقدسة التي وعدكم الله بها على لسان أبيكم إبراهيم. وأنهم أبوا عليه وخالفوا أمره.2
قال الله عزوجل حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخَلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُون﴾. [سورة المائدة، الآية: 24]. وقال بعضهم لبعض: هلم فلنول علينا ولاة ويؤمر كلّ سبط رجلاً عليه وندع موسى ونرجع إلى مصر فقد كان الموت بين يدي فرعون [خيراً] 3 لنا من الدخول إلى الأرض التي وعدنا بها.4
وهذا / (2/58/أ) مع ما شاهدوا من الآيات وعاينوا من العبر والمعجزات.
فإن صدقوا في نقلهم فبئس السلف سلفهم.
وإن كذبوا عليهم فبئس الخلف خلفهم.
35- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى حين أراد قتل أبكار فرعون وجنوده قال لموسى: مُرْ بني إسرائيل أن يذبحوا حملاً وينضحون من دمه على أبواب دورهم حتى إذا جزت الليلة في أرض مصر ورأيت الدم عرفت أبوابكم من أبواب المصريين كيلا أهلككم معهم.1
كأنهم يعتقدون أن الباري تعالى لا يرى إلاّ بإمارة ولا يعلم إلاّ بإشارة. ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير﴾. [سورة الملك، الآية: 14]. 36- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن موسى عليه السلام لما جاء لميقات ربّه واستخلف هارون على قومه وأمره بإصلاح أحوالهم ونهاه عن اتباع سبيل من أفسد منهم خالف موسى في ذلك واتّخذ لهم عجلاً وأمرهم بعبادته.2
وذلك مردود عليهم بما حكاه دانيال نبي الله في نبوته3؛ إذ قال: إن الذي صنع العجل لبني إسرائيل حتى عبدوه هو ميخا / (2/58/ب) السامري وكان آباؤه يعبدون البقر فاستتابه موسى ونفاه إلى الشام.4
فالسامرة بالشام أكثر منهم بغيرها.
وذلك موافق للكتاب العزيز حيث يقول: ﴿... وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
[سورة طَه، الآية: 85].
﴿فَأَخْرَجَ لَهُم عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ... ﴾. [سورة طَه، الآية: 88].
وإلاّ فكيف يحسن بهارون نبي الله وخليفة موسى صفيه، أن ينتدبه موسى لإصلاح1فيدعو إلى الكفر الصراح؟!.
37- فضيحة أخرى: عبدت اليهود الكواكب والأصنام وقربوا لها القرابين وعاقروا الزنى وموسى بين أظهرهم حيّ فبينما هم مجتمعون إذ هجم (زمري) 2 رجل من قبيلة شمعون على بغي من البغايا يقال لها كشتي3ابنة صور ففجر بها بحضرة الجمع. فضربهم الله بموت الفجأة فقتل منهم في يوم واحد أربعة وعشرين ألفا، كما شهد بذلك الإصحاح الثامن عشر من السفر الرابع من توراتهم.4
38- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن موسى عند خروجه ببني إسرائيل من مصر قال لهم: استعيروا حليّ المصريين عارية. فلما فعلوا واستعاروا حلي المصريين القوم وثيابهم / (2/59/أ) أمرهم موسى أن يهربوا بها ويغصبوها. وقال: هذه أجرة سخرتكم. فلبسوها وذهبوا ليلا.5
ومعلوم أنهم لا أجرة لهم على الأيتام والأرامل والمستضعفين من أهل مصر بل على فرعون وذويه الذين استوفوا منافعهم.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمَرُكُم أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
[سورة النساء، الآية: 58].
وقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين المشركين كما فعل موسى غير أنه ترك من أهل بيته من أدّى
الودائع إلى أربابهاولم يخلل بأمانته صلى الله عليه وسلم.1
39- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى أمرهم بالربا في التوراة وأباحه لهم. فلذلك استحلوه. وقالوا: لم يحرم علينا إلاّ فيما بيننا فقط.2
وقد أخبر الكتاب العزيز عنهم بذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا
لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأَمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذبَ وَهُم يَعْلَمُون﴾. [سورة آل عمران، الآية: 75] 1. 40- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى أمرهم أن يبنوا له قبة ينْزلها إذا سافر معهم وأنه اقترح عليهم صفتها فبنوها له على النعت الذي طلبه.2
قالوا: فكان موسى / (2/59/ب) إذا أراد الرحيل قال: انهض إلينا يا رب لنكبِّتَ شانئيك. قالوا: فكان الباري جل اسمه يظعن بظعنهم ويقيم بإقامتهم.3
وزعموا أن الله تعالى أبى مرة أن يسير معهم وقال: اظعنوا أنتم؛ فإني لا أظعن أنا بل أنا أبعث معكم ملكاً يغفر ذنوبكم.4
وهذه الأقاويل تؤذن باستخفافهم بالله عزوجل. 41- فضيحة أخرى: زعم اليهود أن الله تعالى قال لإبراهيم: إن بني إسرائيل تستعبد بأرض مصر أربعمائة سنة.5
وقد تضمنت توراتهم ذلك.
ولا خلاف عند متأخريهم ومتقدميهم أن بني إسرائيل لم تستعبد بمصر سوى مائتي سنة وخمس عشرة سنة.
ذكر ذلك محرور بن قصطنطين المنبجي أسقف منبج.
وذلك خلف عظيم.6
42- إخبار الله تعالى بما يؤول أمر اليهود إليه من الكفر والعناد وسلوك سبل الضلال والفساد: ذكرت التوراة في أواخر السفر الخامس منها: "أن الله تعالى قال لموسى: أنت ميت ومنتقل إلى أبائك وأن هذا الشعب - يعني بني إسرائيل - سيضل ويتبع آلهة أخرى من آلهة الشعوب التي تُعبد من دوني / (2/60/أ) ويخالفني ويترك عهدي الذي عهدت فيشتد غضبي عليهم.
وأخذلهم وأدير وجهي عنهم وأجعلهم مأكلا لأعدائهم وأنزل بهم شرّاً شديداً وغماً طويلاً"1.
قال المؤلِّف: قد أخبر الله تعالى عنهم بذلك؛ فجاء الأمر2كما أخبر سبحانه فكفروا وضلوا وعبدوا الأوثان والأصنام وقربوا القرابين للزهرة ونجوم السماء ونحروا لها النحور فلما بعث الله إليهم أرميا النبي عليه السلام قام فيهم فوعظهم وخوفهم وحرهم وأنذرهم.
وقال: يا بني إسرائيل لِمَ تعملون هذا الشّرّ وتلتوون"3.
عن طاعة الله وتهلكون الرجال والنساء من آل إسرائيل ولا تبقوا لكم بقية عند الله تعالى.
بخرتم للنجوم والأوثان في أرض مصر وغيرها حتى أراد أن يهلككم ربكم ويصيركم عاراً بين الشعوب.
فلما فرغ أرميا [من] 4 موعظته أجابوه وقالوا: أما ما قلت لنا عن الرّبّ فلا نقبله ولكنا نفعل ما أحببنا وحسن في أعينا.
وننحر ونبخر5لنجوم السماء ونقرب القرابين للزهرة كما كان يفعل آباؤنا / (2/60/ب) وأشرافنا في قرى يهودا وكنا بخير.
ولم نعاين الشرّ والآن فمذ6تركنا البخور للزهرة وأهملنا القرابين لها أعوزتنا الأشياء وجعنا، ثم تصايح الشعب كلّه على أرميا وقالوا
: نحن لا ندع البخور لنجوم السماء والقاربين لها بل نفعل كما فعل آباؤنا.
فقال أرميا عليه السلام: "اجتمعوا1يا معشر اليهود اسمعوا أقوال الرّبّ إله إسرائيل، قال الرّبّ: قد أقسمت باسمي العظيم أنه لا يذكر اسمي في جميع أفواه اليهود الذين بأرض مصر لأني معجل لهم الشّرّ ومهلكهم بالجوع والموت وسيعلمون أي القولين أصدق قولي أم قولهم"2.
وكذلك أخبر صفنيا بن كوش النبي عليه السلام في نبوته: "قال صفنيا: قال الرّبّ لأزيلن إسرائيل عن وجه الأرض زوالاً.
ولأبيدن طير السماء وسمك البحور.
ولأنزلن عذابي بالخطاة من بين إسرائيل.
ولأصيرن أيامهم عبرة.
ولأهلكنهم عن حديد الأرض.
ولأرفعن يدي على يهودا وسكان أورشليم.
ولأهلكن كلّ من عبد بعلا الصنم.
ولأعاقبن الذين يسجدون لنجوم السماء.
كما فعلت/ (2/61/أ) بآبائهم الذين عبدوا الأصنام والنجوم والعجل"3.
فالعجب من اليهود ينكرون أخبار الكتاب العزيز بعبادتهم عزيراً وهذه توراتهم ونبوات أنبيائهم تشهد عليهم بما هو أخبث من ذلك.
وقد أخبر إليا النبي في كتابه وهو يشكو ببني إسرائيل إلى الله تعالى: "فقال: يا ربّ إن بني إسرائيل قد كفروا وضلّوا، فقتلوا أنبياءك وهدموا مذابحك، وها هم يريدون قتلي"4.
فقد تضافرت شهادات أنبيائهم بالكفر والضلال وعبادة غير الله تعالى.
- شهادة موسى عليه السلام على خيار أسلاف اليهود بالكفر والفسق وارتكاب محارم الله واستحقاقهم الخزي واللعن في الدنيا والعذاب في الأخرى: - لما قربت وفاة موسى عليه السلام قال لمن حضره من اليهود: "قد عرفت جفاكم وقسوة قلوبكم وما تصيرون إليه.
وكيف لا تكونون كذلك وقد أغضبتم الله وأنا حيّ بين أظهركم فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك".
ثم قال عليه السلام: "أخطأ أولاد / (2/61/ب) الأنجاس الجيل المعوج المتقلب الجاهل الذي ليس بحكيم الناسي ما صنع الله إليه من الإحسان وأراه من العجائب.
شرب الخمر وملأ بطنه فتبطن وغلظ وشحم ونسي الإله العظيم الذي خلقه وبعد من الله مخلصه - " ثم قال: "قال الله: أسخطوني بأوثانهم وأغضبوني بأصنامهم وذبحوا للشياطين ولم يقربوا لإله إبراهيم ولم يعرفه الجيل الجديد ونسي عهده.
يا إسرائيل تركت الإله الذي أشبعك ونسيته وأسخطته، لأصرفن وجهي عنك ولأظهرن ما يكون من عاقبتك لأنك جيل خبيث أولاد من آسفني بآلهته وأسخطني بأوثانه.
لأبتلينه بأمة جاهلة ضالة بعيدة عن الحكمة لا تعقل ولا تفهم".
يقول الرّبّ: هذا كلّه عندي ومحفوظ في خزانتي إلى يوم النقمة1أجازيهم في اليوم الذي تزل فيه أقدامهم لأن يوم هلاكهم قريب معد لهم.
أنا الله الرّبّ وليس غيري.
أنا أميت وأحيي وأسقم وأبرئ وليس [هارب] 2 من يدي.
أنا3الذي أشحذ سيفي وتجري الأحكام بيدي وأجازي الأعداء بالنقمة وأسكر / (2/62/أ) نبلي من الدم ويأكل سيفي لحوم الجرحى.
أين هي آلهتهم التي توكلوا عليها وأكلت قرابينهم؟! فلتقم الآن وتغني عنهم شيئاً.
والرّبّ سبحانه يرحم
شعبه وعلى الصالحين من عباده يترأف"1. فقد أخبر الله تعالى عن اليهود بما أخبر. وشهد عليهم الصادق موسى بما شهد. وصدق الله ورسوله. وتعيّن علينا وعلى كافة عباد الله بغض اليهود ومقتهم وتكذيب أقوالهم وردّ روايتاهم.2
قال المؤلِّف - عفا الله عنه -: إنّا لم نعتمد فيما نقلناه على تعليقات علمائنا ومؤلّفاتهم حتى طالعنا توراة اليهود وأناجيل النصارى ومزامير داود ونبوات الأنبياء مرّة بعد أخرى.
ونقلنا كما رأيناه واستنبطنا واستخرجنا مما وجدنا.
فمنه ما نقلناه على نصّه ومنه ما أوجزناه لركاكة نصّه.
وإن ما نقلناه من فضائحهم [قليل من كثير ويسير] 3 من خطير.
والله الموفّق.
فضائح النصارى: اعلم أن جميع ما ذكرنا من فضائح اليهود لازم للنصارى أيضاً؛ لأن كلتاالطائفتين تعتقدحرمةالكتاب التي نقلنا/ (2/62/ب) منها وتعظمها جداً.
وما النصارى إلاّفخذ من اليهود خلا الروم وقوم من المشرق فإنهم ليسوامن بني إسرائيل والذي يخصّ النصارى من الفضائح دون اليهودفمن ذلك: 43- فضيحة: زعم كلّ النصارى أن الكلمة الأزلية نزلت إلى الأرض فولجت فؤاد امرأة عذراء وسكنت برحمها تسعة أشهر تغتذي بفاضل قوتها ثم خرجت من فرجها إنساناً فتردد في الأرض بين الناس وناله ما ينال الأطفال من الآلام والإعلال وتقلبت به الأحوال إلى أن بلغ مبالغ الرجال.
فلما شرع يشهر نفسه ويظهر قدسه توثبت1عليه طائفة من عبيده فكذبوا فمه وسفكوا دمه وقتلوه ظمآنا وصلبوه عريانا.2
فإذاقيل لهم: ماالذي أحوج الكلمة الأزلية إلى تجشم هذه القضية الدّنية؟ قالوا: إنما فعلت3ذلك ليخلصنا من الجحيم ويخصصنا بالنعيم المقيم.
تبالهم.
أيزعمون أن الباري أوصفته عجز عن خلاص عباده حتى اعتضد بناسوت اكتسبه من امرأة منهم وما نراه أيضاً قدر / (2/63/أ) على خلاصهم وهو معافى بل جاء بخلاصهم فعطب.
ورام سلامتهم فقتل وصلب، هذا لعمرك هو التلاعب بالدين.
أعوذ بالله من الضلال واعتقاد الربوبية في الرجال.
44- فضيحة أخرى: زعم النصارى أنّ1إلههم صلب مع اللصوص ودفن في المقابر بين الأموات وقام في اليوم الثالث إلى السماء وجلس فيها.2
وذلك مما يأنف عن اعتقاده أهل الجنون وأرباب المجون، أسأل الله العافية.
45- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن إبليس - لعنه الله - احتمل المسيح ورفعه على جبل عال وأراه الدنيا بأسرّها وقال: هذا كلّه لي وأنا أعطيكه3إن خررت لي ساجداً.4
هذا ينقض قولهم: إن المسيح ربّ إبليس وربّ كلّ شيء، وإذا كان إبليس عبداً للمسيح، فكيف يسومه السجود له؟!!. 46- فضيحة أخرى: روى النصارى أن جبريل قال مريم: إنك ستلدين ولداً تسميه يسوع المسيح يكون عظيماً يجلسه الرّبّ على كرسي أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب.5
ثم رووا عن بطرس أن المسيح / (2/63/ب) وأصحابه كانوا يبذلون الجزية لقيصر أسوة سائر المستضعفين.6
وذلك تناقض عجيب.
والصحيح ما أخبر به جبريل الأمين عن ربّ العالمين.
وأما الرواية الثانية فيلزم من القول بصحّتها تكذيب جبريل.
ومن كان عدوّاً لجبريل الأمين فهو عدوّ لله7ربّ العالمين.
47- فضحية أخرى: عند النصارى ثلاثة آلهة قديمة أزلية ورجل من بني آدم وعبّروا عن ذلك بالأب والابن والروح القدس.
وعيسى بن مريم1على ما تشهد به صلواتهم الثمانية.
وذلك باطل وكفر.
والدليل عليه قول التوراة والإنجيل: "إن الله خالق العالم واحد لا شريك له"2.
وأنه الإله الحقّ الذي لا ربّ غيره ولا معبود سواه على ما تقدم فمن أشرك مع الله غيره فقد كفر بالتوراة والإنجيل.
48- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن المسيح خلقها آدم وذريته وسائر الخلق أجمعين.
فيقال لهم: فمريم من خلقها؟ فإن قالوا: ليست من خلقه.
نقضوا مقالهم.
وإن زعموا أنه خلقها، فيقال لهم: يا نوكا كيف تلد المسيح وهو خالقها؟ أم كيف ترضعه وهو رازقها؟ / (2/64/أ) أسمعتم يا معشر العقلاء بامرأة ولدت خالقها وأرضعت ثديها رازقها؟!!.
49- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن ربّهم وإلههم أكل وشرب ومشى وركب وهُزم وغُلب وصُفع وصُلب.
وأكذبهم الإنجيل إذ يقول: "إن الله لا يأكل ولا يشرب ولا يراه أحد ولا رآه أحد قط إلاّ مات"3.
50- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن معبودهم ين ولدته أمه في السفر لفته في الخرق وتركته في مذود1من مذاود البقر إذا لم تجد موضعاً تجعله فيه2، تعالى الله ربّ الأرباب أن تحويه معالف الدواب بل لا تحويه الأقطار ولا يحده المقدار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات.3
51- فضيحة أخرى: من مشائخ النصارى رجل يقال له أفريم يعظمونه جدّاً ويرون فيه وهو الذي يقول: إن الأيدي التي جبلت طينة آدم هي التي سمرت على الصليب.
وإن الشّبر التي مسحت السماوات هي التي علقت على الخشبة.
وهذا الرجل قد جمع إلى الكفر الجنون.
والجنون فنون، ومن يعتقد فيه خير فهو أجهل وأكفر منه.
52- فضيحة أخرى: النصارى يعظمون غرغوريس وهو القائل: "إن الذي لا يألم ولا يتجع صار متجعاً.
وإن الذي لا يحس صار محسوساً، وإن الذي لا يحد صار محدوداً، وصار الخالق مخلوقاً وإن من لا يقول إن مريم ولدت الله فهو بعيد عن ولاية الله"4.
قال المؤلِّف: وهذا خلاف قول النصارى وذلك أن عندهم إنما كان خاصية الاتّحاد وثمرته أن يقع الفيض الإلهي على الشكل الإنساني فتكسبه شرفاً. فأما أن يقع الأمر بالعكس فيكتسب الإله خسة ونقيصة، فهذا ما لا يقول به إلاّ جهلة القبط من النصارى. فأما أذكياؤهم فيأنفون من القول به. 53- فضيحة أخرى: على الطائفتين جميعاً رووا عن توراتهم: "أن الله تعالى قال لإبراهيم الخليل عليه السلام: إن ذريتك يستعبدون بأرض مصر أربعمائة سنة"1. قال مؤرخهم: إن هذا القول لم يتم بل أخلف.2
لأن بني إسرائيل لم يمكثوا بمصر أكثر من مائتين وثلاثين سنة.
وقال المنبجي أسقف منبج3: مائتي سنة وخمس عشرة سنة لا غيره.
- كما تقدم في حاشية [وعد] 4 خليله / (2/65/أ) إبراهيم - على أنا لو أضفنا لهم5إلى إقامتهم بمصر سني التيه وهي الأربعون لم
يكمل لهم العدد، والله تعالى محاشى عن وقوع الخلف في خبره.
بل قوله الحقّ ووعده الصدق سبحانه وتعالى عما يشركون.
54- فضيحة أخرى: النصارى إذا تقربوا في الكنيس الذي لهم فأكلوا الخبز وشربوا الخمر، قالوا: قد أكلنا جسد الرّبّ وشربنا دمه، ورووا عن المسيح
أنه أعطاهم خبزاً. وقال: هذا دمي فاشربوه.1
وهذا لعمرك إلى أن يعد جناية موجبة للعقاب أقرب من تسميته قربة مستدعية للثواب.
فليت شعري أي شيء أبقوا لليهود ولم يبلغوا منه من النكاية إلى هذه الغاية بل قالوا: إنهم اقتصروا على قتله وصلبه.
فأما النصارى فكأنهم لم يرضواله بهذاالقدرحتى ترقوا إلى تمزيق لحمه وشرب دمه.
وهذالم يسمع به إلاّمن العدوّالمشاحن وأرباب الأحقادوالضغائن.
قال المؤلِّف: صَرَّح لي بهذا الحرف بعض النصارى وكان معنا في المجلس / (2/65/ب) رجل من عقلائهم.
فقطع عليه الكلام وانتهره حتى فهم القصة من حضر ذلك المجلس.
فأي فائدة وأي فضل وفخر في دعوى هذا المحال على عبد الله المسيح وجعله قرآناً يتلى؟... ولقباحة هذه الأقوال وسماجتها وبعدها من كلام الأنبياء صار كثير من النصارى يُسْلم من غير أن يطلع على محاسن دين الإسلام ونظافته من هذا الهذيان.
بل تبرماً وتطيراً من قباحة ما عليه النصارى لا غير.
55- فضيحة أخرى: ترك طوائف من النصارى الاختتان وحرموه ورأوا أنه معصية.
وأن إطالة القلف دين يُدان الله به وشرع لا يسع المكلف خلافه.
فيجامع أحدهم امرأته وجلدة قفلته مستطيلة والأخرى عضوها بارز نات كأنه عرف ديك [فيكونان] 1 أقبح شيء وأسمجه.
وراغموا التوراة والإنجيل وسائر النبيّين.
أما التوراة فنصّت: "إن إبراهيم الخليل أمره الله بالختان فقال له: هذه عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك أن يختتنوا غرلة كل ذكر منكم ومن عبدانكم ليكون عهدي مَيْسَماً / (2/66/أ) في أجسادكم عهداً دائماً إلى الأبد.
وكلّ ذكر لا يختتق غرلته.
فلتهلك تلك النفس من شعبها لأنها أبطلت عهدي.
فعمد إبراهيم فاختتن وهو إذ ذلك شيخ كبير وختن أولاده وعبدانه"2.
فإذا كان هذا نصّ التوراة، أنه واجب إلى الأبد وأن تاركه يقتل؛ فقد وضح كفر من خالفه من النصارى.
وغيرهم.
وقد ترك الروم والفرنج وغيرهم الختان.
هذا وقد اختتن المسيح وتلاميذه.
والعجب من النصارى منهم من يَجُبُ مذاكيره ويخصي نفسه.
وآخرون يحلقون لحاهم.
ولم يأت ذلك في شرع ولا نزل به كتاب.
ويتركون الختان.
ولم يزل النصارى يختتنون بعد رفع المسيح إلى أن أتاهم رجل يدعى عندهم
فولس بعد المسيح بمدة متطاولة فقال لهم: "إن الختان ليس بشيء وإن الغرلة ليس بشيء"1. وما أعلم على النصارى أشأم من هذا الرجل - أعنى فولس - فإنه حلهم من الدين بلطيف خدعه. فحلهم من سنة الختان إذ رأى عقولهم قابلة لكل ما يلقى إليها.2
56- فضيحة أخرى: للنصارى كنيسة ببعض البلاد يحجون3إليها ويعظمونها / (2/66/أ) ويزعمون أن يد الله تخرج إليهم من وراء ستر منها فتصافحهم وذلك في يوم من السنة، فبلغ ذلك بعض رؤساء دولتهم وقيل له: ألا4تعجب من يد الله تعالى كيف تظهر للناس ويرونها؟! فمضى ذلك الرئيس إلى الكنيسة في ذلك اليوم.
فلما ظهرت اليد قَرَّبه الأقساء إليها ليقبلها فلما رآها وضع يده فيها والتزمها فصاحوا به.
وقالوا: الساعة يخسف بنا الأرض أو تسقط
علينا السماء وترسل الصواعق فنهلك.
فقال: دعوا عنكم هذا فإني والله لا أدع هذه اليد من يدي حتى أرى وجه صاحبها.
فلما شاهدوا منه التصميم قالوا له: أرجعت عن دين النصرانية وهو دين آبائك وأسلافك؟ قال: لا ولكني أردت الوقوف على سر ذلك.
قالوا: فإنها يد أسقف من أصحابنا وراء هذا الستر.
فلما رآه وشاهده أرسل يده وخرج من تلك الكنيس1فلم يعد بعد. واشتهرت القصة. قال المؤلِّف: سمعت ذلك من كثير من أصحابنا المغاربة ثم شاهدت القصة مسطورة في تصنيف لبعض المغاربة.2
57- فضيحة أخرى: للنصارى صليب من حديد / (2/67/أ) معلق في قبة كنيسة لهم بالمغرب. قد وقف في الهواء بغير علاقة ولا دعامة والناس يحجون إليها ليشاهدوا الصليب ويتعجبون من تلك الآية. فأكثر التعجب من ذلك بعض ملوكهم. فقال لكاتب كان عنده من اليهود: ألا تعجب يا فلان من هذه الآية العظيمة التي في هذا الصليب؟ فذكر له اليهودي أن في جهات الصليب المذكورة حجارة المغناطيس العظام مخبأة في الجدار وفي ما يوازيه من سقف القبة وأرض الكنيسة فهي التي أوجبت قيامه ومنعته من السقوط. فحضر الملك إلى الكنيس المذكور في وقت خلوة وتقدم بالكشف عن الحجارة من بعض الجدران من الصليب. فاضطرب الصليب حتى خافوا أن يسقط فعرف حقيقة الحال وانصرف.3
58- فضيحة أخرى: للنصارى في بلد من بلاد المغرب4أيضاً كنيسة
فيها ثريا معلقة نحو تعليق الصليب، ينْزل إليها نور من فوق فتتقد للوقت في وقت من السنة. فهم يعظمون ذلك اليوم ويفخمونه. فأطرق بها بعض ولاتهم فصار إليها فعرف حقيقة الحال / (2/67/ب) وذلك أنهم مَدُّوا من الجدار قصبة حديد مجوفة وأبرزوا لها أنبوباً دقيقاً على وزان طرف الذبالة. فإذا كان ذلك الوقت المخصوص أرسلوا نار. النفط في تيك القصبة فتخرج بسرعة فتتقد للوقت. فلما عرف وجه هذه الحيلة أمر بصفع السدنة وانصرف.1
59- فضيحة أخرى: زعم النصارى أن مريم أم المسيح تنّزل من السماء على الأرض دار المطران2بطليطلة في يوم معروف من السنة بكسوة تلبسها له.
وهم لا يشكون في صحّة هذا ببلادهم.
قال بعض من نقلها: يا ليت شعري هل نزولها3بغير إذن الأب أم بإذنه؟ فإن كان ذلك بإذنه فكيف لم يرسل بعض ملائكته ورسله ويوقر أم ولده ويصونها عن التبذل لرجل من جنسها أجنبي عنها؟ وإن كانت تنْزل بغير إذنه مستبدة برأيها، فكيف يجوز من الأب أن يصطفي لنفسه خائنة تخونه وتخرج من بيته بغير إذنه إلى رجل بكسوة تكسوه4وتزينه بها؟ أترون الأب لا يعلم خيانتها وترددها إلى من ليس له بمحرم؟ / (2/68/أ) أو ترونها قد عشقت المطران فهي تتردد5إليه شغفاً به؟ فما بالها لا تولي ذلك غيرها من خدمها حتى تتجشم هي بنفسها؟ 6.
60- فضيحة أخرى: للنصارى عيد بيت المقدس مشهور يعرف بعيد
النور، يحجون إليه في يوم من السنة.
وإذا اجتمعوا عنده نزلت نار من تجويف القبة فتعلقت بذبالة القنديل فيتقد بسرعة فتكثر الأصوات وتعج بالدعاء والابتهال، فلا يشك الغر ولا يرتاب الغمر1أن تلك آية نزلت من السماء دالة على صحة دينهم.
ووجه الحيلة في ذلك أن رجلاً يختبئ في أفرير القبة من داخل وهي غلسة جداً.
فإذا كان ذلك الوقت الذي يُكمل فيه اجتماعهم وقُرأ الإنجيل والكتب؛ أرسل الرجل قبسا من نار النفط فجرت على خيط مدهون بدهن البلسان فتبتدر2الذبالة فيتقد. فيجأرون حينئذٍ بالأدعية. قال علماؤنا: وقد تفطّن لذلك بعض ولاة بيت المقدس فصار إليهم / (2/68/ب) في ذلك العيد وأراد أن يفضحهم بكشف القصة فبذلوا له مالاً فقنع به منهم وانصرف. ومعلوم أن ذلك لو كان نوراً لم يتقد منه المصابيح. إذ صفة النار الإحراف وصفة النور الإشراق فقط. ولو كان ذلك نازلاً من السماء كما يدعي النصارى لروئي خارج القبة. والدليل على كذبهم أن تلك البقعة أقامت في أيدي اليهود مدة طويلة ثم جاء الله بالإسلام ولم يُرَ شيء من هذا الجنس.3
61- فضيحة أخرى: النصارى يصلون إلى مشرق الشمس ويتّخذونها قبلتهم.4
وقد كان المسيح عليه السلام طول مقامه يصلي إلى قبلة بيت
المقدس قبلة موسى بن عمران والأنبياء.
"وقال: إني لم آت لأنقض1التوراة بل لأكملها.
وأن السماء والأر ليزولان وكلمة واحدة من الناسوت لا تزول حتى يتم بأسره"2.
غير أن النصارى خالفوا المسيح والأنبياء واعتذروا في توجههم إلى المشرق بأنه الجهة التي صلب إليها ربّهم وقتل فيها إلههم فيقال لهم: يا حمقى لو كنتم أولي ألباب لَمَقَتُّم جهة الشرق وأبغضتموها / (2/69/أ) وتَطَيَّرتم بها ورفضتموها في أمور العادة فضلاً عن العبادة.
وذلك لأنها الجهة التي لم يصل إليها المسيح ولا شهدت [لها الأناجيل ولا3صَلَّى] إليها نبي من الأنبياء البتة.
ثم إنها الجهة التي4تشتت بها شملكم وبددت5كلمتكم وفرقت جموعكم.
فتعظيمكم لهذه الجهة هي أشأم الجهات عليكم، أمر يقتضي السخرية بكم والإزراء عليكم.
وكان الأولى بكم أن لا تتحولوا عن جهة بيت المقدس لقول الإنجيل: "إن امرأة سامرية من اليهود قالت للمسيح: يا سيد، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل للأب فكيف تقولون أنتم إنه أورشليم؟.
فقال لها: أيتها المرأة أنتم تسجدون لما لا تعلمون، ونحن نسجد لما نعلم، فهذا المسيح6يشهد أنه ليس لله قبلة يصلي إليها إلاّ بيت المقدس الذي هو أورشليم".
فأنتم أعرف وأعلم من المسيح بما يجب لله تعال؟ - إنا لله وإنا إليه راجعون على عقولكم -. لقد رميتم فيها بداهية.
62- فضيحة أخرى: الروم من النصارى / (2/69/ب) على كثرة طوائفها لا يرون وجوب الاستنجاء، فيبول أحدهم ويغوط ويقوم من فوره إلى مصلاه وهو متضمخ ببوله.1
وذلك مما أحدثوه بعد المسيح.
وإلاّ فشرائع الأنبياء عليهم السلام قد وردت أن العبد لا يقوم إلى الصلاة إلاّ وهو على أكمل أحواله.
فيجتمع لهم في الصلاة بأمور] 2 قبيحة منها: أن يقوموا بغير طهارة.
ومنها: استدبارهم3قبلة المسيح التي كان يصلي إليها.
ومنها: دعواهم وتضرعهم إلى رجل من بني آدم أن يغفر لهم خطاياهم، ويكفر عنهم سيّئاتهم.
وربما سألوه
بحقّ المسامير التي سمر بها في يديه وبالخشبة التي صلب عليها بزعمهم على ما أذكر منه طرفاً في آخر فضائحهم.
63- فضيحة أخرى: من النصارى من لا يقبل توبة [المذنب] 1 ما لم يعترف له بذنوبه.
ويقر له بإجرامه ويشرح ما فعله في طول عمره.
وأنه زنى وسرق وقتل وفعل كيت وكيت ويعدد الخائر2ما ستره الله عليه ويبدي عورته لهم.
فيجد أكابرهم الوسيلة إلى التحكم في ماله والتبسط في ما حواه من دنياه فيطوفون حوله3/ (2/70/أ) ويوظفون عليه ما رأوه4لائقاً بماله واتسع حاله. ويبقى المثكل في أيديهم وفي قبضتهم طول عمره. وقد أُرِّخَت عليه سيّئاته وخلدت في دفاترهم قبائحه. وعرفها من لم يعرفها منهم ومن غيرهم. وعيرت بها أولاده وعقبه من بعده جيلاً بعد جيلٍ وقرناً بعد قرنٍ.5
ولقد بلغني عمن لا أشك في صدقه وثبته أن النصارى عندنا بمصر أرادوا نصب رجل من أفضلهم بطريكا عليهم.
فبينما هم على ذلك إذ جاء آخر من أكابرهم وذوي الهيبة فيهم، فاعترف أنه وهذا
المرشح للبتركة قد فعل كلّ واحد بصاحبه الفعل المحذور أيام الحداثة فتصادقا على ذلك.
فأفسدوا على النصارى ما راموا من نصب الرجل وتوليته عليهم، وهذا أمر لا أصل له في شريعة ولا نصّ عليه ناموس؛ ولكنه شيء اختلقه الجهلة من مشائخ النصارى اختلاقاً وابتدعوه بعقولهم ابتداعاً.
64- فضيحة أخرى: (2/70/ب) زاد النصارى في صومهم الكبير1جمعة يصومونها لهرقل2ملك البيت المقدس.
وسبب ذلك أن الفرس لما استولوا على البيت المقدس وقتلوا النصارى وهدموا الكنائس، أعانهم اليهود على ذلك وكانوا أشدّ فتكاً في النصارى من الفرس.
فلما توجه هرقل إلى بيت المقدس تلقاه اليهود بالهدايا وسألوه الأمان فكتب لهم كتاباً يؤمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم.
فلما
دخل البيت المقدس شكى إليه النصارى ما لقوا من اليهود وكيف مالؤوا عليهم الفرس وسألوه قتل اليهود.
فقال: كيف أقتلهم بعد أن أمنتهم؟ فقالوا: نحن نصوم عنك جمعة في أوّل الصوم الكبير كفارة لخطيئتك هذه.
وندع أكل اللحم في الصوم ما دامت النصرانية.
ونلعن من يخالف ذلك ونُعيَّره ونكتب به إلى الآفاق غفراناً لذنبنك.
فأجابهم مسألتهم وملتمسهم وقتل اليهود قتلاً ذريعاً.
فصاموا له جمعة في أوّل الصوم وكتبوا بذلك إلى سائر البلاد، وأهل بيت المقدس ومصر يصومونها.
وبقية أهل / (2/71/أ) الشام لا يأكلون اللحم1فيها ويصومون الأربعاء والجمعة.2
ولا شكّ أنّ هذا وشبهه من باب التلاعب بالدين.
وقد صار هذا النمط سجية للنصارى وخلقاً.
أليس هم الذين عمدوا إلى إنسان قد تربى بينهم طفلاً ونشأ حتى صار كهلاً فاتّخذوه إلهاً،
وأعلنوا بعبادته سفاهاً وخاطبوه بالربوبية شفاهاً؟! نعوذ بالله من الضلال وأن نشرك مع الله الرجال.
65- فضيحة أخرى: للنصارى عيد يقال له: (عيد ميكائيل) ليس له أصل في شرعهم ألبتة، بل هو مما أحدثوه وابتدعوه.
وسبب إحداثه على ما ذكر أهل العلم: أنه كان بالإسكندرية صنم1وكان أهل الإسكندرية ومصر يُعَيَّدون له عيداً عظيماً2، ويذبحون له الذبائح، فولي بطركة الإسكندرية رجل يقال له: (الأكصيدروس) 3، فرام إبطال هذا العيد وتعطيل الصنم فلم يقدر من عوام النصارى. فقال: إن تعبدكم لصنم لا يضرّ ولا ينفع لضلال وكفر. فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل المَلَك وذبحتم له الذبائح / (2/71/ب) لكان يشفع لكم عند الله. وذلك خير لكم من هذا الصنم. فأجابوه إلى ذلك فكسر ذلك الصنم واتّخذ منه صلباناً وسمي الهيكل (كنيسة ميكائيل) وتحول العيد فصار لمكيائيل إلى اليوم بمصر وتخومها ولا أصل له في زمن المسيح ولا في زمن الحواريين.4
والشيء الضعيف لا يزيده الأمر الباطل إلاّ ضعفاً.
والحقّ متسغن بنفسه عن أن يقوى بأمثال هذه الترهات.
66- فضيحة أخرى: للنصارى عيد يعرف بعيد الصليب1لا أصل له ألتبة وهو مما أحدثوه بعد رفع المسيح كعيد ميكائيل وعيد النور وغيره.
قال العلماء: "من ميلاد المسيح إلى أن وجد الصليب ثلاثمائة سنة وثمان عشرة سنة.
وسبب إحداثه أن اليهود اتّخذوا المقبرة التي دفن فيها الشبه مزبلة يطرحون فيها الكناست والأوساخ تحقيراً لشأن المصلوب، وتصغيراً لقدره.
فأقامت مزبلة نحواً من ثلاثمائة سنة إلى أن جاءت زوجة2قصطنطين الملك فأمرت بالكشف عن المقبرة فظهرت لها فإذا / (2/72/أ) فيها ثلاث صلب وهم صليب اللصين والشبه.
فقالت: كيف لنا أن نَعْلَم خشبة ربّنا التي صلب عليها؟ وكان هناك مريض قد أشرف على الموت، فأمرت فوضع عليه الصليب فلم يقم، فأمسته الثاني فلم يقم، فأمسته الثالث فقام وبرأ من علته كأن لم يكن به بأس.
قال النصارى: فعلمت أنه صليب الرّبّ فعلقته بالذهب وبعثت به إلى الملك.3
وإذا كان هذا إنما جرى بعد المسيح بهذه المدة فكيف يعد مأخوذاً عن المسيح؟ وهذه الأعياد لو كانت معتبرة لكان الأولى أن تكون مسطورة في الإنجيل ومأخوذة عن التلاميذ، ولو بعث الله التلاميذ الآن لم يعرفوا مها ولا مما عليه النصارى شيئاً.
إذ ما في أيديهم شيء مما كان عليه المسيح وأصحابه.
ونحن - يرحمك الله - نسأل النصارى فنقول: أخبرونا بماذا استحق الصليب عندكم هذا التعظيم والتفخيم حتى صرتم تقبلونه وتمرونه على أعينكم وتصلبون به على وجوهكم؟ 1.
فمنكم من يصلب على وجه بإصبع / (2/72/ب) واحد وهم القبط، ومنكم من يصلب بإصبعين وهم الروم.
ومنكم من يصلب بالخمسة وبالعشرة وهم الفرنج.2
أفهذا دين نقلتموه عن الأنبياء وأخذتموه1من شرائع الرسل؟ فأرونا ذلك في توراة موسى ونبوات أشعيا وأرميا ومزامير داود. وأَنَّى تجدون ذلك في هذه الكتب وهي مشحونة بالتوحيد كما قد بيّناه. وقد كان من حُكم الصليب لو كنتم أَلِبَّاء عقلاءً أن تمقتوه وتلعنوه وتميتوا ذكره وتخفوه فلا تعلنوه. فإن قالوا: إنما عظمناه لأنه شَرُف بصعود المسيح عليه ونحن نقبله ونعظمه لذلك. قلنا: فهلاّ تعظموا الحُمُر وتقبلوها وتسجدوا لها؛ لأن لوقا وغيره قد أخبر أن المسيح ركب حماراً عند دخوله المدينة والصبيان بين يديه ينادون: مبارك الآتي باسم الرّبّ.2
فكان ركوبه لحمار في حال تعظيمه وكرامته وركوبه الصليب في حال تصغيره وإهانته.
فهلاّ تعظمون الحمير وتضمخونها بالعير وتقبلونها فإنها أفضل من الصليب بكثير.
/ (2/73/أ) فشتان بين مركوب بالرئاسة مخصوص، ومركوب قرنه باللصوص.
فلو عقل النصارى لأسقطوا ذكر الصليب ورفضوه ومقتوا ذكره3وأبغضوه.
فإن ذاكره يُعَرِّض بربّهم ويُنوِّه بثلبهم.
تابع الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النّصارى واليهود 67- فضيحة أخرى: النصارى مختلفون في السجود للصور.
فمنهم من يؤثره ويهواه.
ومنهم من كان يكرهه ويأباه.
وأكثرهم على المذهب الأوّل بدليل أنّ كنائسهم لا تكاد [تخلو] 4 من الصور.
وهذا مما أحدثوه بعد المسيح وأصحابه5وهذه الأناجيل الأربعة في أيدينا ليس فيها شيء يدل على انتحال ذلك ألبتة.
بل قد صرحت بالتوحيد من غير موضع كما قدمناه.
وأيّ فرق بين السجود للصورة والسجود للوثن والصنم؟ ولو كان ذلك من الدين
لكان أولى الصور السميح وأولى الناس بالسجود لها الحواريون.
وقد بقوا بعد المسيح حتى اخترموا لم يؤثر عنهم شيء من هذا القبيل.
وقد ذكرنا أن التوراة قد
شددت وغلظت على من يفعل شيئاً من ذلك.
/ (2/73/ب) والمسيح عليه السلام قد1قال في إنجيله: "إنه لم يأت لنقض التوراة بل جاء لإكمالها"2. فهذه التوراة مصرحة بتكفير عابد الصور. وهذا الإنجيل ليس فيه لها ذكر. وهذه كنائس النصارى مملوءة بها. فلم يبق إلاّ المجاهرة والعناد وعبادة الأنداد. 68- فضيحة أخرى: للروم كنيسة ببعض بلادهم يحجون إليها في يوم من السنة فيشاهدون صنماً بها. إذا قُرأ الإنجيل بين يديه درَّت ثدياه وخرج منه اللبن فيشاهده من حضر ويتحدث فيه من غاب ويعدها آية بيّنة ودلالة على الدين ليست بالهينة. ويحصل للسدنة بسبب ذلك مال عظيم. فبحث ملكهم عن ذلك فوجد القَيِّم قد ثقب من وراء الجدار طاقة لطيفة وهندمها حتى أوصلها بثدي الصنم وجعل فيها أنبوبة من نحاس وأصلحها بالجير وأخفى أمرها. فإذا كان يوم العيد فتحها وصبّ فيها لبناً فيخرج من ثدي الصنم ويسقط نقطَةً نقطةً على تدريج فلا يشكّ من حضر أنها آية ظهرت عند / (2/74/أ) تلاوة الإنجيل وبركة العيد. فلما انكشف له وجه هذه الحيلة ضرب عنق القيم وتقدم أن لا يبقى في الكنائس ببلده صورة.3
فوقع بينهم اختلاف بذلك وكفَّر بعضهم بعضاً وبَدَّعه وتبرأ منه.
69- فضيحة أخرى: للنصارى صنم بالقسطنطينية له عيد في السنة تحج إليه النصارى من كلّ وجه في يوم مشهود.
فإذا تلي الإنجيل بين يديه بكى بالدموع الغزار.
فيشاهد ذلك من حضر ويكثرون الابتهال والدعاء ويعجون بالبكاء فاجتمع عنده مال واحتاج الملك إلى قرض فرام اقتراض ذلك وأخذه
فأبى عليه القَيِّم فحضر الملك إلى الكنيس بنفسه وقال للأسقف: اقرأ الإنجيل الساعة حتى نرى كيف يبكي الصنم. فقال: إنما يبكي في يوم واحد من السنة. فاستشعر الملك أن تلك مخرقة فتقدم يحفر ما تحت الصنم فوجد حفرة مصنوعة والصنم مُجَوّف من أسفله تجويفاً ضيّقاً فإذ كان ذلك اليوم وضع الأسقف في تلك الحفرة / (2/74/ب) قربة ماء وجعل فيها أنبوبة مستطيلة رقيقة متصلة برأس الصنم وستر الحفرة ستراً محكماً فإذا مسَّها ماسٌّ وأضغطها صعد الماء في الأنبوبة إلى رأس الصنم وقد حشي رأسه بالقطن فإن تشرب القطن الماء سالت منه دمعات وسقطت من عيني الصنم على تدريج بأمر قد أحكم وحيلة قد أتقنت. فلما اطلّع الملك على ذلك أمر بالصنم فأخرج وأخذ ما وجد بالكنيسة من المال وأدَّب القَوَمَة وشرّدهم.1
70- فضيحة أخرى: افترقت النصارى فرقاً كثيرة2وتقاطعوا وتدابروا وكفّر بعضهم بعضاً وضلّله.
والكل ضلال.
فمنهم اليعقوبية ومنهم الملكية ومنهم النسطورية.
وقد تقدم ذكرهم.
ومنهم الآريوسية أصحاب أريوس.
واعتقادهم أن المسيح مخلوق جسمه وروح وأنه ليس بإله ولا ربّ غير أن له سلطاناً على السماء، وأنه قد قُتل وصُلب.
واتّفق النصارى بنيقية3على لعنه والتبري منه وبسببه عقدوا الأمانة التي أوضحنا فسادها / (2/75/أ) وجهل من ألفها.
ومن النصارى فرقة تعرف بالليانية4شاركت السوفسطائية في السنلان في
المسيح خاصة فقالت: إن الذي تراه العين من المسيح ليس هو المسيح، وإنما هو خيال وإلاّ فالمسيح ليس يُتصور أن يرى.1
وفي نفس دعواهم هذه ما يقضي بِرَدَّها إذ يقال لهم: إذا كان المسيح لا يرى وإنما هو خيال فمن أين لكم أن الذي أثبتموه خيالاً للمسيح أنه هو المسيح؟ ولعل الذي رأيتموه خيالاً ليس بخيالٍ أيضاً.
ولعل أحدكم [حمار أو كلب أو حيوان] 2 آخر وإن كان آدميّاً في رأي العين وذلك قلب للحقائق.
ومن النصارى من يقول: إن مريم لم تلد إنساناً3وإنما ولدت جسداً وجاءت الكلمة فاتّحدت به فصار بها إنساناً كاملاً. ومن النصارى من يعتقد أن المسيح مولود من الأب والروح.4
وأنّ الرّوح قوة تحل على الصالحين كما حلّت على يوحنا وهي التي تحلّ على القربان فتبارك فيه.
وأنها إذاً من إرث الأنبياء أتتهم في صورة إنسان حسن الصورة.
/ (2/75/ب).
ومن النصارى فرقة تسمى القافرونية تزعم أنّ أورشليم ليست بيت المقدس، وإنما هي قافرون بأفرنجة. ويزعمون أن المسيح ترائى لهم في تلك المدينة وهو يتّخذون القسيسين من النساء.1
ومن النصارى فرقة تعرف بالمريمية يزعمون أن مريم حين ولدت المسيح لم تكن عذراء وأنهاكانت ولدت قبله عدةأولاد من يوسف.2
ومن النصارى فرقة تخالف سائرهم في أمرين: أحدهما تقول: إن مُلكَ المسيح على الأرض لا غير. والآخر يقول: إن في الجنة طعاماً وشراباً لكنه لا يبقى أكثر من ألف سنة.1
ومن النصارى فرقة لا يدخلون الكنائس إلاّ عراة ويحرمون النكاح.2
ومن النصارى فرقة يعبدون حَيَّة ويعظمونها كتعظيم المسيح.3
ومن النصارى فرقة يزعمون أن المسيح جاء معه بجسد من السماء وجرى من مريم مجرى الماء في الميزاب.4