الباب الرابع في الآداب مع الكتب التي هي آلة العلم
، وما يتعلق بتصحيحها وضبطها
وحملها ووضعها وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ذلك
وفيه أحد عشر نوعا:
الأول:
ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه شراء وإلا فإجارة أو عارية لأنها آلة التحصيل ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظه من العلم وجمعها نصيبه من الفهم كما يفعله كثير من المنتحلين للفقه والحديث وقد أحسن القائل:
إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع
وإذا أمكن تحصيلها شراء لم يشتغل بنسخها، ولا ينبغي أن يشتغل بدوام النسخ إلا فيما يتعذر عليه تحصيله لعدم ثمنه أو أجرة استنساخه،
ولا يهتم المشتغل بالمبالغة في تحسين الخط وإنما يهتم بصحيحه، وتصحيحه، ولا يستعير كتابا مع إمكان شرائه أو إجارته.
الثاني:
يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه بها، وكره قوم عاريتها، والأول أولى لما فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر، قال رجل لأبي العتاهية:
أعرني كتابك.
فقال: إني أكره ذلك.
فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره، فأعاره.
وكتب الشافعي إلى محمد بن الحسن:
يا ذا الذي لم تر عين من رآه مثله ... العلم يأبى أهله أن يمنعوه أهله
وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرا.
ولا يطيل مقامه عنده من غير حاجة بل يرده إذا قضى حاجته ولا يحبسه إذا طلبه المالك أو استغنى عنه، ولا يجوز أن يصلحه بغير إذن صاحبه.
ولا يحشيه ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه أو خواتمه إلا إذا علم رضا صاحبه، وهو كما يكتبه المحدث على جزء سمعه أو كتبه ولا يسوده ولا يعيره غيره ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه.
فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه مع الاحتياط ولا بإصلاحه ممن هو أهل لذلك وحسن أن يستأذن الناظر فيه وإذا نسخ منه بإذن صاحبه أو ناظره فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه أو على كتابته ولا يضع المحبرة عليه ولا يمر بالقلم الممدود فوق كتابته، وأنشد بعضهم:
أيها المستعير مني كتابا ... ارض لي فيه ما لنفسك ترضى
وأنشدوا في إعارة الكتب ومنعها قطعا كثيرة لا يحتملها
هذا المختصر.
الثالث:
إذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه على الأرض مفروشا منشورا بل يجعله بين كتابين أو شيئين أو كرسي الكتب المعروفة كيلا يسرع تقطيع حبله، وإذا وضعها في مكان مصفوفة فلتكن على كرسي أو تحت خشب أو نحوه، والأولى أن يكون بينه وبين الأرض خلو، ولا يضعها على الأرض كيلا تتندى أو تبلى.
وإذا وضعها على خشب ونحوه جعل فوقها أو تحتها ما يمنع تأكل جلودها به وكذلك يجعل بينها وبين ما يصادفها أو يسندها من حائط أو غيره.
ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها ومصنفها
وجلالتهم فيضع الأشرف أعلى الكل ثم يراعي التدريج فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى الكل، والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث الصرف كصحيح مسلم ثم تفسير القرآن ثم تفسير الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم النحو والتصريف ثم أشعار العرب ثم العروض.
فإن استوى كتابان في فن أعلي أكثرها قرآنا أو حديثا، فإن استويا فبجلالة المصنف، فإن استويا فأقدمهما كتابة وأكثرهما وقوعا في أيدي العلماء والصالحين، فإن استويا فأصحهما.
وينبغي أن يكتب اسم الكتاب عليه في جانب آخر الصفحات من أسفل
ويجعل رؤوس حروف هذه الترجمة إلى الغاشية التي من جانب البسملة وفائدة هذه الترجمة معرفة الكتاب وتيسر إخراجه من بين الكتب، وإذا وضع الكتاب على أرض أو تحت فلتكن الغاشية التي من جهة البسملة وأول الكتاب إلى فوق، ولا يكثر وضع الردة في أثنائه كيلا يسرع تكسيرها، ولا يضع ذوات القطع الكبير فوق ذوات الصغير كيلا يكثر تساقطها.
ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها ولا مخدة ولا مروحة ولا مكبسا ولا مسندا ولا متكأ ولا مقتلة للبق وغيره، ولاسيما في الورق فهو على الورق أشد.
ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها ولا يعلم بعود أو شيء جاف بل بورقة أو نحوها وإذا ظفر فلا يكبس ظفره قويا.
الرابع:
إذا استعار كتابا فينبغي له أن يتفقده عند إرادة أخذه ورده، وإذا اشترى كتابا تعهد أوله وآخره ووسطه وترتيب أبوابه وكراريسه ويصفح أوراقه واعتبر صحته ومما يغلب على الظن صحته إذا ضاق الزمان عن
تفتيشه ما قاله الشافعي رضي الله عنه قال: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة وقال بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم يريد إصلاحه.
الخامس:
إذا نسخ شيئا من كتب العلوم الشرعية فينبغي أن يكون على طهارة مستقبل القبلة طاهر البدن والثياب بحبر طاهر ويبتدئ كل كتاب بكتابة: بسم الله الرحمن الرحيم فإن كان الكتاب مبدوءا فيه بخطبة تتضمن حمد الله تعالى والصلاة على رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - كتبها بعد البسملة وإلا كتب هو ذلك بعدها.
ثم كتب ما في الكتاب وكذلك يفعل في ختم الكتاب أو آخر كل جزء منه بعد ما يكتب آخر الجزء الأول أو الثاني مثلا، ويتلوه كذا وكذا إن لم يكن تم الكتاب ويكتب إذا كمل: تم الكتاب
الفلاني، ففي ذلك فوائد كثيرة.
وكلما كتب اسم الله تعالى اتبعه بالتعظيم مثل تعالى أو سبحانه أو عز وجل أو تقدس ونحو ذلك.
وكلما كتب اسم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كتب بعده الصلاة عليه
والسلام عليه، ويصلي هو عليه بلسانه أيضا.
وجرت عادة السلف والخلف بكتابة - صلى الله عليه وآله وسلم - ولعل ذلك لقصد موافقة الأمر في الكتاب العزيز في قوله: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وفيه بحث يطول هاهنا.
ولا تختصر الصلاة في الكتاب ولو وقعت في السطر مرارا كما يفعل بعض المحررين المتخلفين فيكتب: صلع، أو صلم، أو صلعم، وكل ذلك غير ليق بحقه - صلى الله عليه وآله وسلم -، وقد ورد في كتابة الصلاة بكمالها وترك اختصارها آثار كثيرة.
وإذا مر بذكر الصحابي لاسيما الأكابر منهم كتب رضي الله عنه، ولا يكتب الصلاة والسلام لأحد غير الأنبياء والملائكة إلا تبعا لهم.
وكلما مر بذكر أحد من السلف فعل ذلك أو كتب رحمه الله ولاسيما الأئمة الأعلام وهداة الإسلام.
السادس:
ينبغي أن يجتنب الكتابة الدقيقة في النسخ فإن الخط علامة فأبينه أحسنه، وكان بعض السلف إذا رأى خطأ دقيقا قال: هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله تعالى، وقال بعضهم: اكتب ما ينفعك وقت حاجتك إليه، ولا تكتب ما لا تنتفع به وقت الحاجة.
والمراد وقت الكبر وضعف
البصر، وقد يقصد بعض السفارة بالكتابة الدقيقة خفة المحمل فهذا وإن كان قصدا صحيحا إلا أن المصلحة الفائتة به في آخر الأمر أعظم من المصلحة الحاصلة بخفة الحمل.
والكتابة بالحبر أولى من المداد لأنه أثبت.
قالوا: ولا يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجري ولا رخوا فيسرع إليه الجفا.
وقال بعضهم: إذا أردت أن يجود خطك فأطل جلفتك واسمنها
وحرف قطتك وايمنها.
ولتكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق خاصة، ولا تستعمل في غير ذلك وليكن ما يقط عليه القلم صلبا جدا وهم يحمدون القصب الفارسي اليابس جدا والآبنوس الصلب الصقل.
السابع:
إذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصله الصحيح أو على شيخ
فينبغي له أن يشكل المشكل ويعجم المستعجم ويضبط الملتبس ويتفقد مواضع التصحيح إذا احتاج ضبطه ما في متن الكتاب إلى ضبطه في الحاشية وبيانه فعل وكتب عليه بيانا وكذا إن احتاج إلى ضبطه مبسوطا في الحاشية وبيان تفصيله مثل أن يكون في المتن اسم حريز فيقول في الحاشية هو بالحاء المهملة وراء بعدها وبالياء الخاتمة بعدها زاي أو هو بالجيم والياء الخاتمة بين رائين مهملتين وشبه ذلك.
وقد جرت العادة في الكتابة بضبط الحروف المعجمة بالنقط وأما المهملة فمنهم من يجعل الإهمال علامة، ومنهم من ضبطه بعلامات
تذكر عليها من قلب النقط أو حكاية المثل أو بشكلة صغيرة كالهلال وغير ذلك.
وينبغي أن يكتب على ما صححه وضبطه في الكتاب وهو في محل شك عند مطالعته أو تطرق احتمال ح صغيرة ويكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ وهو خطأ، كذا، صغيرة، ويكتب في الحاشية صوابه كذا إن كان يتحققه وإلا فيعلم عليه ضبة وهي صورة رأس صاد تكتب فوق الكتابة غير متصلة بها فإذا تحققه بعد ذلك وكان المكتوبة صوابا زاد تلك الصاد حاء فتصير صح وإلا كتب الصواب في الحاشية كما تقدم.
وإذا وقع في النسخة زيادة فإن كانت كلمة واحدة فله أن يكتب عليها لا وأن يضرب عليها، وإن كانت أكثر من ذلك ككلمات أو سطر أو أسطر فإن شاء كتب فوق أولها من أو كتب لا وعلى آخرها إلى ومعناه من هنا ساقط إلى هنا، وإن شاء ضرب على الجميع بأن يخط
عليه خطا دقيقا يحصل به المقصود ولا يسود الورق ومنهم من يجعل مكان الخط نقطا متتالية.
وإذا تكررت الكلمة سهوا من الكاتب ضرب على الثانية لوقوع الأولى صوابا في موضعها إلا إذا كانت الأولى آخر سطر فإن الضرب عليها أولى صيانة لأول السطر إلا إذا كانت مضافا إليها فالضرب على الثانية أولى لاتصال الأولى بالمضاف.
الثامن:
إذا أراد تخريج شيء في الحاشية ويسمى اللحق بفتح الحاء، علم له في موضعه بخط منعطف قليلا إلى جهة التخريج وجهة اليمين أولى إن أمكن ثم يكتب التخريج من محاذاة العلامة صاعدا إلى أعلى الورقة لا نازلا إلى
أسفلها لاحتمال تخريج آخر بعده ويجعل رؤوس الحروف إلى جهة اليمين سواء كان في جهة يمين الكتابة أم يسارها.
وينبغي أن يحسن الساقط وما يجيء منه من الأسطر قبل أن يكتبها فإن كان سطرين أو أكثر جعل آخر سطر منها يلي الكتابة إن كان التخريج عن يمينها وإن كان التخريج عن يسارها جعل أول الأسطر مما يليها.
ولا يوصل الكتابة والأسطر بحاشية الورقة بل يدع مقدارا يحتمل الحك عند حاجته مرات ثم يكتب في آخر التخريج صح، وبعضهم يكتب بعد صح الكلمة التي تلي آخر الكلام في متن الكتاب علامة على اتصال الكلام.
التاسع:
لا بأس بكتابة الحواشي والفوائد والتنبيهات المهمة على حواشي كتاب يملكه ولا يكتب في آخره صح فرقا بينه وبين التخريج، وبعضهم يكتب عليه حاشية أو فائدة، وبعضهم يكتبه في آخرها، ولا يكتب إلا الفوائد المهمة
المتعلقة بذلك الكتاب مثل تنبيه على إشكال أو احتراز أو رمز أو خطأ ونحو ذلك.
ولا يسوده بنقل المسائل والفروع الغريبة ولا يكثر الحواشي كثرة تظلم الكتاب أو يضيع مواضعها على طالبها.
ولا ينبغي الكتابة بين الأسطر وقد فعله بعضهم بين الأسطر المفرقة بالحمرة وغيرها وترك ذلك أولى مطلقا.
العاشر:
لا بأس بكتابة الأبواب والتراجم والفصول بالحمرة فإنه أظهر في البيان وفي فواصل الكلام، وكذلك لا بأس به على أسماء ومذاهب أو أقوال أو طرق أو أنواع أو لغات أو أعداد ونحو ذلك، ومتى فعل ذلك بين اصطلاحه في فاتحة الكتاب ليفهم الخائض فيه معانيها وقد رمز بالأحمر جماعة من المحدثين والفقهاء والأصوليين وغيرهم لقصد الاختصار.
فإن لم يكن ما ذكرناه من الأبواب والفصول والتراجم بالحمرة
أتى بما يميزه عن غيره من تغليظ القلم وطول المشق واتحاده في السطر ونحو ذلك ليسهل الوقوف عليه عند قصده.
وينبغي أن يفصل بين كل كلامين بدائرة أو ترجمة أو قلم غليظ ولا يوصل الكتابة كلها على طريق واحدة لما فيه من عسر استخراج المقصود يضيع الزمان فيه ولا يفعل ذلك إلا غبي جدا.
الحادي عشر:
قالوا الضرب أولى من الحك، لاسيما في كتب الحديث لأن فيه تهمة وجهالة فيما كان أو كتب، ولأن زمانه أكثر فيضيع وفعله أخطر فربما ثقب الورقة وأفسد ما ينفذ إليه فأضعفها، فإن كان إزالة نقطة أو شكلة ونحو ذلك فالحك أولى.
وإذا صحح الكتاب على الشيخ أو في المقابلة علم على وضع وقوفه بلغ أو بلغت أو بلغ العرض أو غير ذلك مما يفيد معناه، فإن كان ذلك في سماع الحديث كتب بلغ في الميعاد الأول أو الثاني إلى آخرها فيعين
عدده، قال الخطيب: فيما إذا أصلح شيئا ينشر المصلح بنحاتة الساج أو غيره من الخشب وينفي الشريب.