الباب الثاني في أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه
الباب الثاني
في أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في آدابه في نفسه
وهو اثنا عشر نوعا:
النوع الأول:
دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلن والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله فإنه أمين على ما أودع من العلوم وما منح من الحواس والفهوم، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال الشافعي: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع.
ومن ذلك دوام السكينة، والوقار والخشوع والتواضع لله والخضوع.
ومما كتب مالك إلى الرشيد: إذا علمت علما فلير
عليك علمه وسكينته وسمته ووقاره وحلمه لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: العلماء ورثة الأنبياء.
وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار.
وعن السلف: حق على العالم أن يتواضع لله في سره وعلانيته ويحترس من نفسه ويقف على ما أشهر عليه.
الثاني:
أن يصون العلم كما صانه علماء السلف ويقوم له بما جعله الله تعالى له من العزة والشرف فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة أو إلى من يتعلمه منه منهم وإن عظم شأنه وكبر قدره.
قال الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم، وأحاديث السلف في هذا النوع كثيرة، وقد أحسن القائل أبو شجاع
الجرجاني:
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
فإن دعت حاجة إلى ذلك أو ضرورة أو اقتضته مصلحة دينية راجحة على مفسدة بذله وحسنت فيه نية صالحة فلا بأس به إن شاء الله تعالى وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض أئمة السلف من المشي إلى الملوك وولاة الأمر كالزهري والشافعي وغيرهما لا على أنهم قصدوا بذلك فضول الأغراض الدنيوية وكذلك إذا كان المأتي إليه من العلم والزهد في المنزلية العلية والمحل الرفيع فلا بأس بالتردد
إليه لإفادته فقد كان سفيان الثوري يمشي إلى إبراهيم بن أدهم ويفيده وكان أبو عبيد يمشي إلى علي بن المديني يسمعه غريب الحديث.
الثالث:
أن يتخلق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله فإن ما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعة ليس يعد من الدنيا وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونصبها فهو أحق بعدم الالتفات إليها والاشتغال بهمومها.
وعن الشافعي رضي الله عنه: لو أوصى إلى أعقل الناس صرف إلى الزهاد فليت شعري من أحق بالعلماء بزيادة العقل وكماله.
وقال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تبرا يفنى والآخرة خزفا يبقى لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني فكيف والدنيا خزف فان والآخر تبر باق.
الرابع:
أن ينزه علمه عن جعله سلما يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلي حرف منه، وكذلك ينزهه عن الطمع في رفق من طلبته بمال أو خدمة أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وترددهم إليه، كان منصور لا يستعين بأحد يختلف إليه في حاجة.
وقال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته فنسأل الله تعالى المسامحة.
الخامس:
أن يتنزه عن دنى المكاسب ورذيلها طبعا، وعن مكروهها عادة وشرعا كالحجامة والدباغة والصرف والصياغة، وكذلك يتجنب
مواضع التهم وإن بعدت ولا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءة أو ما يستنكر ظاهرا وإن كان جائزا باطنا فإنه يعرض نفسه للتهمة وعرضه للوقيعة ويوقع الناس في الظنون المكروهة وتأثيم الوقيعة فإن اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها أخبر من شاهده بحلمه وبعذره ومقصوده كيلا يأثم بسببه أو ينفر عنه فلا ينتفع بعلمه وليستفيد ذلك الجاهل به.
ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية فوليا: "على رسلكما إنها صفية"، ثم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئا" أو قال: "فتهلكا".
السادس:
أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام كإقامة الصلاة في المساجد للجماعات وإفشاء السلام للخواص والعوام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك صادعا بالحق عند السلاطين باذلا نفسه لله لا يخاف فيه لومة لائم ذاكرا قوله تعالى: ﴿واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧].
وما كان سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وغيره من الأنبياء عليه من الصبر على الأذى وما كانوا يتحملونه في الله تعالى حتى كانت لهم العقبى وكذلك القيام بإظهار السنن وإخمال البدع والقيام لله
في أمور الدين وما فيه مصالح المسلمين على الطريق المشروع والمسلك المطبوع.
ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام وهم حجة الله تعالى على العوام وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون، ويقتدي بهديهم من لا يعلمون.
وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، كما قال الشافعي رضي الله عنه: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به.
السابع:
أن يحافظ على المندوبات الشرعية القولية والفعلية فيلازم تلاوة القرآن، وذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء الليل والنهار، ومن نوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام والصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فإن محبته وإجلاله وتعظيمه واجب والأدب عند سماع اسمه وذكر سنته مطلوب وسنة.
كان مالك رضي الله تعالى عنه إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يتغير
لونه وينحني، وكان جعفر بن محمد إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عنده اصفر لونه، وكان ابن القاسم إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يجف لسانه في فيه هيبة لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.
وينبغي له إذا تلا القرآن أن يتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده والوقوف عند حدوده وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ورد في الأخبار النبوية ما يزجر عن ذلك.
والأولى أن يكون له منه في كل يوم ورد راتب لا يخل به فإن غلب عليه فيوم ويوم فإن عجز ففي ليلتي الثلاثاء والجمعة لاعتياد بطالة الاشغال فيهما، وقراءة القرآن في كل سبعة أيام ورد حسن وورد في الحديث وعمل به أحمد بن حنبل، ويقال: من قرأ القرآن في كل سبعة أيام لم ينسه قط.
الثامن:
معاملة الناس بمكارم الأخلاق من طلاقة الوجه، وإفشاء السلام وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس، واحتماله منهم والإيثار، وترك الاستئثار، والإنصاف، وترك الاستنصاف، وشكر التفضل، وإيجاد الراحة، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه في الشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، والرفق بالطلبة، وإعانتهم وبرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإذا رأى من لا يقيم صلاته أو طهارته أو شيئا من الواجبات عليه إرشاده بتلطف ورفق كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مع الأعرابي الذي بال في المسجد، ومع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة.
التاسع:
أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديئة ويعمره بالأخلاق المرضية فمن الأخلاق الرديئة الغل والحسد والبغي والغضب
لغير الله تعالى والغش والكبر والرئاء والعجب والسمعة والبخل، والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزين للناس، وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الخلق، والحمية والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغير الله، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول، واحتقار الناس، ولو كانوا دونه فالحذر الحذر من هذه الصفات الخبيثة والأخلاق الرذيلة، فإنها باب كل شر، بل هي الشر كله.
وقد بلي بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات إلا من عصم الله تعالى ولاسيما الحسد والعجب والرئاء واحتقار الناس وأدوية هذه البلية مستوفى في كتب الرقائق فمن أراد تطهير نفسه منها فعليه بتلك الكتب ومن أنفعها كتاب الرعاية للمحاسبي رحمه الله.
يقال: ومن أدوية الحسد الفكر بأنه اعتراض على الله سبحانه وتعالى في حكمته المقتضية تخصيص المحسود بالنعمة كما قال الشاعر العربي:
فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
ومن أدوية العجب يذكر أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من النعم فضل من الله عليه وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها، وأن معطيه إياها قادر على سلبها منه في طرفة عين كما سلب بلعام ما علمه في طرفة عين وما ذلك على الله بعزيز ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ [الأعراف: ٩٩].
ومن أدوية الرئاء الفكر بأن الخلق كلهم لا يقدرون على نفعه بما يقضه الله له ولا على ضيره بما لم يقدره الله تعالى عليه فلم يحبط عمله ويضير دينه ويشغل نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعا
ولا ضرا مع أن الله تعالى يطلعهم على نيته وقبح سريرته كما صح في الحديث: "من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به".
ومن أدوية احتقار الناس تدبر قوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم﴾ الآية [الحجرات: ١١]، ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ [النجم: ٣٢]، وربما كان المحتقر أطهر عند الله قلبا وأزكى عملا وأخلص نية كما قيل: إن الله تعالى أخفى ثلاثة في ثلاثة؛ وليه في عباده، ورضاه في طاعاته، وغضبه في معاصيه.
ومن الأخلاق المرضية دوام التوبة، والإخلاص، واليقين، والتقوى، والصبر، والرضا، والقناعة، والزهد، والتوكل، والتفويض، وسلامة الباطن، وحسن الظن، والتجاوز، وحسن الخلق، ورؤية الإحسان، وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله تعالى، والحياء من الله تعالى ومن الناس، ومحبة الله تعالى هي الخصلة الجامعة لمحاسن الصفات كلها وإنما تتحقق بمتابعة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [آل عمران: ٣١].
العاشر:
دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد والمواظبة على وظائف الأوراد من العبادة والاشتغال والإشغال قراءة وإقراء ومطالعة وفكرا وتعليقا وحفظا وتصنيفا وبحثا.
ولا يضيع شيئا من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل أو أداء حق زوجة أو زائر، أو تحصيل قوت وغيره مما يحتاج إليه أو لألم أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له ومن استوى يوماه فهو مغبون وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف بل كان يستشفى بالعلم ويشغل بقدر الإمكان كما قيل:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ... ونترك الذكر إخلالا فننتكس
وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تنال المعالي إلا بشق الأنفس، وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم، وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره".
تريدين إدراك المعالي رخيصة ... ولابد دون الشهد من إبر النحل
وكما قيل:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وقال الشافعي رضي الله عنه: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصا واستنباطا والرغبة إلى
الله تعالى في العون عليه، وقال الربيع: لم أر الشافعي رضي الله عنه آكلا بنهار ولا نائما بليل لاشتغاله بالتصنيف.
ومع ذلك فلا يحمل نفسه من ذلك فوق طاقتها كيلا تسأم وتمل، فربما نفرت نفرة لا يمكنه تداركها، بل يكون أمره في ذلك قصدا وكل إنسان أبصر بنفسه.
الحادي عشر:
أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصبا أو نسبا أو سنا، بل يكون حريصا على الفائدة حيث كانت والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعض العرب:
وليس العمى طول السؤال وإنما ... تمام العمى طول السكوت على الجهل
وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم، قال الحميدي وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى آخذ به.
وصح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وأبلغ من ذلك كله قراءة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على أبي، وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ [البينة: ١]، قالوا: من فوائده أن لا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفضول.
الثاني عشر:
الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف، لكن مع تمام الفضيلة، وكمال الأهلية، فإنه يطلع على حقائق الفنون ودقائق العلوم للاحتياج إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتنقيب والمراجعة وهو كما قال الخطيب
البغدادي: يثبت الحفظ ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر ويخلده إلى آخر الدهر.
و
الفصل الثاني في آداب العالم في درسه
ى أن يعتني بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه وليكن اعتناؤه بما لم يسبق إلى تصنيفه متحريا إيضاح العبارة في تأليفه معرضا عن التطويل الممل والإيجاز المخلف مع إعطاء كل مصنف ما يليق به.
ولا يخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه وترتيبه، ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته وعرفت معرفته، ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار وإلا فمن إذا تصرف في مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا ينكر عليه، فلم إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن.
أما من لم يتأهل لذلك فالإنكار عليه نتيجة لما يتضمنه من الجهل وتقرير من يقف على ذلك التصنيف به ولكونه يضيع زمانه فيما لم يتقنه ويدع الإتقان الذي هو أحرى به منه.
الأول
وفيه اثنا عشر نوعا:
الأول:
إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الحدث والخبث وتنظف
وتطيب ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة.
كان مالك رضي الله عنه إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ووضع رداءه على رأسه ثم يجلس على منصة ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -.
ثم يصلي ركعتي الاستخارة إن لم يكن وقت كراهة وينوي نشر العلم وتعليمه وبث الفوائد الشرعية وتبليغ أحكام الله تعالى التي اؤتمن عليها وأمر ببيانها والازدياد من العلم وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق والاجتماع على ذكر الله تعالى والسلام على إخوانه من المسلمين والدعاء للمسلمين وللسلف الصالحين.
الثاني:
إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم
يقول: بسم الله وبالله، حسبي الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم اثبت جناني وأدر الحق على لساني.
ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس فإذا وصل إليه سلم على من حضر وصلى ركعتين إن لم يكن وقت كراهة فإن كان مسجدا تأكدت الصلاة مطلقا، ثم يدعو الله تعالى بالتوفيق والإعانة والعصمة.
ويجلس مستقبل القبلة إن أمكن بوقار وسكينة وتواضع وخشوع متربعا أو غير ذلك مما لم يكره من الجلسات، ولا يجلس مقعيا ولا مستوفزا ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، ولا متكئا على يده إلى جنبه وراء ظهره.
وليصن بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه ويديه عن العبث والتشبيك بها، وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة كما قيل: من مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به.
ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم وحره المزعج؛ فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر.
الثالث:
أن يجلس بارزا لجميع الحاضرين ويوقر أفاضلهم بالعلم والسن والصلاح والشرف ويرفعهم على حسب تقديمهم في الإمامة ويتلطف بالباقين ويكرمهم بحسن السلام وطلاقة الوجه ومزيد الاحترام، ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام، وقد ورد في إكرام العلماء وإكرام طلبة العلم نصوص كثيرة.
ويلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصدا بحسب الحاجة ويخص من يكلمه أو يسأله أو يبحث معه على الوجه عند ذلك بمزيد التفات إليه وإقبال عليه وإن كان صغيرا أو وضيعا، فإن ترك ذلك من أفعال المتجبرين المتكبرين.
الرابع:
أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس قراءة شيء من كتاب الله تعالى تبركا وتيمنا وكما هو العادة فإن كان ذلك في مدرسة شرط فيها ذلك اتبع الشرط ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين.
ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى آله وأصحابه، ويترضى عن أئمة المسلمين ومشايخه، ويدعو لنفسه وللحاضرين ولوالديهم أجمعين وعن واقف مكانه إن كان ذلك في مدرسة أو نحوها جزاء لحسن فعله وتحصيلا لقصده.
وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا وتواضعا، لكن الدعاء لنفسه قربة وبه إليه حاجة والإيثار بالقرب وبما يحتاج إليه شرعا خلاف المشروع ويؤيده قوله تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦]، وقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"، وهذا الحديث وإن ورد في الإنفاق فالمحققون يستعملونه في أمور الآخرة، وبالجملة فالكل حسن وقد عمل بالأول قوم وبالثاني آخرون.
الخامس:
إذا تعددت الدروس قدم الأشرف فالأشرف والأهم فالأهم؛ فيقدم تفسير القرآن ثم الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم
المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل.
وكان بعض العلماء الزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير الباطن ونحو ذلك من عظة ورقة وزهد وصبر.
فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله.
ويصل في درسه ما ينبغي وصله ويقف في مواضع الوقف ومنقطع الكلام.
ولا يذكر شبهة في الدين في درس ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر بل يذكرهما جميعا أو يدعهما جميعا، ولا يتقيد في ذلك لمصنف يلزم منه تأخير جواب الشبهة عنها لما فيه من المسألة، لاسيما إذا كان الدرس يجمع الخواص والعوام.
وينبغي أن لا يطيل الدرس تطويلا يمل، ولا يقصره تقصيرا يخل، ويراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة في التطويل، ولا يبحث في مقام أو يتكلم على فائدة إلا في موضع ذلك فلا يقدمه عليه
ولا يؤخره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذلك وترجحه.
السادس:
أن لا يرفع صوته زائدا على قدر الحاجة ولا يخفضه خفضا لا يحصل معه كمال الفائدة.
روى الخطيب في الجامع عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع".
قال أبو عثمان محمد بن الشافعي: ما سمعت أبي يناظر إلى قط فرفع صوته، قال البيهقي: أراد والله أعلم فوق عادته.
والأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه ولا يقصر عن سماع الحاضرين فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، فقد روي في فضيلة ذلك حديث، ولا يسرد الكلام سردا بل يرتله ويرتبه ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه.
وقد روي أن كلام رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان فصلا يفهمه من سمعه، وأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه.
وإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه، لأنا سنذكر إن شاء الله أنه لا يقطع على العالم كلامه فإذا لم يسكت هذه السكتة ربما فاتت الفائدة.
السابع:
أن يصون مجلسه عن اللغط؛ فإن الغلط تحت اللغط، وعن رفع الأصوات واختلاف جهات البحث.
قال الربيع: كان الشافعي إذا ناظره إنسان في مسألة فعدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد.
ويتلطف في دفع ذلك من مباديه قبل انتشاره وثوران النفوس ويذكر الحاضرين بما جاء في كراهية المماراة لاسيما بعد ظهور الحق، وأن مقصود الاجتماع ظهور الحق وصفاء القلوب وطلب الفائدة وأنه لا يليق بأهل العلم تعاطي المنافسة والشحناء؛ لأنها سبب العداوة والبغضاء بل يجب أن يكون الاجتماع ومقصوده خالصا لله تعالى ليميز الفائدة في الدنيا والسعادة في الآخرة، ويتذكر قوله: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾ [الأنفال: ٨]، فإن ذلك مفهم أن إرادة إبطال الحق أو تحقيق الباطل صفة إجرام، فليحذر منه.
الثامن:
أن يزجر من تعدى في بحثه أو ظهر منه لدد في بحثه أو سوء أدب أو ترك الإنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام أو تحدث مع غيره، أو ضحك أو استهزأ بأحد من الحاضرين، أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة.
وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، هذا كله بشرط أن لا يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه.
وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس، درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليهم على قدر منازلهم ويوقظ النائم ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله أو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها.
التاسع:
أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه ويسمع السؤال من مورده على وجهه وإن كان صغيرا ولا يترفع على سماعه فيحرم الفائدة.
وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور ووقع على المعنى عبر عن مراده وبين وجه إيراده ورد على من عليه ثم يجيب بما عنده أو يطلب ذلك من غيره ويتروى فيما يجيب به رده.
وإذا سئل عن ما لم يعلمه قال لا أعلمه، أو لا أدري؛ فمن العلم أن يقول لا أعلم، وعن بعضهم: لا أدري نصف العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقالته وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها.
قال محمد بن عبد الحكم: سألت الشافعي رضي الله عنه عن المتعة أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة؟ فقال: والله ما ندري.
واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه
وطهارة قلبه وكمال معرفته وحسن تثبته.
وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف وإنما يأنف من قول لا أدري من ضعفت ديانته وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فر منه ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، حين لم يرد موسى عليه الصلاة والسلام العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك.
العاشر:
أن يتودد لغريب حضر عنده وينبسط له ليشرح صدره؛ فإن للقادم دهشة، ولا يكثر الالتفات والنظر إليه استغرابا
له فإن ذلك مخجله.
وإذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإذا جاء وهو يبحث في مسألة أعادها له أو مقصودها.
وإذا أقبل فقيه وقد بقي لفراغه وقيام الجماعة بقدر ما يصل الفقيه إلى المجلس، فليؤخر تلك البقية ويشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس الفقيه ثم يعيدها أو يتم تلك البقية كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه.
وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه فيه ضرورة، ولا مزيد كلفة، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا ذكر الدرس في مدرسة قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعض الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفة العرف المعتاد في ذلك.
الحادي عشر:
جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم، وكذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب؛ لكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى،
ونحو ذلك ليكون قوله: والله أعلم خالصا لذكر الله تعالى، ولقصد معناه، ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم ليكون ذاكرا لله تعالى في بدايته وخاتمته.
والأولى للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة فإن فيه فوائد وآدابا وله ولهم، منها عدم مزاحمتهم، ومنها إن كان في نفس أحد بقايا سؤال سأله، ومنها عدم ركوبه بينهم إن كان يركب وغير ذلك.
ويستحب إذا قام أن يدعو بما ورد به الحديث سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الثاني عشر:
أن لا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلا له ولا يذكر الدرس من علم لا يعرفه، سواء أشرطه الواقف أو لم يشرطه فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس.
قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.
وعن الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه.
وعن أبي حنيفة: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي، واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصا وبتعاطيه
ظالما وبإصراره عليه فاسقا فإنه متى لم يكن أهلا لما شرطه الواقف في وقفه أو لما يقتضيه عرف مثله كان بإصراره على تناول ما لا يستحقه فاسقا، فإن كان في الوقف أن يكون المدرس عاميا أو جاهلا لم يصح شرطه، وإن شرط جعل ناقص مخصوص مدرسا سقط اسم الفسق وحظر الإثم، ويبقى التنقص به والاستهزاء به بحاله، ولا يرضى ذلك لنفسه أريب، ولا يتعاطاه مع الغنى عنه لبيب، ولا يظهر من واقف شرط قصد ذلك قصد الانتفاع ولا يؤول أمر وقفه إلا إلى ضياع، وأقل مفاسد ذلك أن الحاضرين يفقدون الإنصاف لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف لأن رب الصدر لا يعرف المصيب فينصره أو المخطئ فيزجره.
وقيل لأبي حنيفة رحمه الله: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدا، ولبعضهم في تدريس من لا يصلح:
تصدر للتدريس كل مهوس ... جهول يسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس
الفصل الثالث في أدب العالم مع طلبته مطلقا في حلقته
وهو أربعة عشر نوعا:
الأول:
أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى ونشر العلم وإحياء الشرع ودوام ظهور الحق وخمول الباطل ودوام خير الأمة بكثرة علمائها واغتنام ثوابهم وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم وبركة دعائهم له وترحمهم عليه ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وبينهم وعداده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين وأعلى درجات المؤمنين.
قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: إن الله تعالى وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها يصلون على معلم الناس الخير، لعمرك ما هذا إلا منصب جسيم وإن نيله لفوز عظيم نعوذ بالله من قواطعه ومكدراته وموجبات حرمانه وفواته.
الثاني:
أن لا يمتنع من تعليم الطالب لعدم خلوص نيته، فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، قيل: معناه فكان عاقبته أن صار لله، ولأن إخلاص النية لو شرط في تعليم المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لأدى ذلك إلى تفويت العلم كثيرا من الناس لكن الشيخ يحرض المبتدى
على حسن النية بتدريج قولا وفعلا ويعلمه بعد أنسه به أنه ببركة حسن النية ينال الرتبة العلية من العلم والعمل وفيض اللطائف وأنواع الحكم وتنوير القلب وانشراح الصدر وتوفيق العزم وإصابة الحق وحسن الحال والتسديد في المقال وعلو الدرجات يوم القيامة.
الثالث:
أن يرغبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات بذكر ما أعد الله تعالى للعلماء من منازل الكرامات وأنهم ورثة الأنبياء وعلى منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء أو نحو ذلك مما ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات والآثار والأخبار والأشعار.
ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل القلب
بالتعلق بها وغلبة الفكر وتفريق الهم بسببها فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا والإكثار منها والتأسف على فائتها أجمع لقلبه وأروح لبدنه وأشرف لنفسه وأعلى لمكانته وأقل لحساده وأجدر لحفظ العلم وازدياده، ولذلك قل من نال من العلم نصيبا وافرا إلا من كان في مبادئ تحصيله على ما ذكرت من الفقر والقناعة والإعراض عن طلب الدنيا وعرضها الفاني، وسيأتي في هذا النوع أكثر من هذا في أدب المتعلم إن شاء الله تعالى.
الرابع:
أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه كما جاء في الحديث، ويكره له ما يكره لنفسه، قال ابن عباس: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إلي لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت، وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني.
وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه والإحسان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع
منه نقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف قاصدا بذلك حسن تربيته وتحسين خلقه وإصلاح شأنه، فإن عرف ذلك لذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى بها، وراعى التدريج في التلطف ويؤدبه بالآداب السنية ويحرضه على الأخلاق المرضية ويوصيه بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية.
الخامس:
أن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه لاسيما إذا كان أهلا لذلك لحسن أدبه وجودة طلبه ويحرضه على طلب الفوائد وحفظ النوادر الفرائد ولا يدخر عنه من أنواع العلوم ما يسأله عنه وهو أهل له لأن ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة.
وكذلك لا يلقي إليه ما لم يتأهل له لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه فإن سأله الطالب شيئا من ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأن منعه إياه منه لشفقة عليه ولطف به لا بخلا عليه، ثم يرغبه
عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل ليتأهل لذلك وغيره، وقد روي في تفسير الرباني أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
السادس:
أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده وتقريب المعنى له من غير إكثار لا يحتمله ذهنه أو بسط لا يضبطه حفظه ويوضح لمتوقف الذهن العبارة ويحتسب إعادة الشرح له وتكراره.
ويبدأ بتصوير المسائل ثم يوضحها بالأمثلة وذكر الدلائل، ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها، ويذكر الأدلة والمأخذ لمحتملها، ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها وما يتعلق بتلك المسألة من فرع وأصل ومن وهم فيها في حكم أو تخريج أو نقل بعبارة حسنة الأداء بعيدة عن تنقيص أحد من العلماء، ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقول الصحيحة، ويذكر ما يشابه تلك المسألة ويناسبها وما يفارقها ويقاربها ويبين مأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين.
ولا يمتنع من ذكر لفظة يستحي من ذكرها عادة إذا احتيج إليها ولم يتم التوضيح إلا بذكرها، فإن كانت الكناية تفيد معناها وتحصل منتهاها تحصيلا بينا لم يصرح بذكرها بل يكتفي بالكناية عنها، وكذلك إذا كان في المجلس من لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه أو لجفائه فيكنى عن تلك اللفظة بغيرها، ولهذه المعاني واختلاف الحال
والله تعالى أعلم.
ورد في حديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - التصريح تارة والكناية أخرى.
السابع:
إذا فرغ الشيخ من شرح درس فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له، والمعنى بطرح المسائل أن الطالب ربما استحيا من قوله لم أفهم إما لرفع كل الإعادة على الشيخ أو لضيق الوقت أو حياء من الحاضرين أو كيلا تتأخر قراءتهم بسببه.
ولذلك قيل: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب هل فهمت إلا إذا أمن من قوله نعم قبل أن يفهم، فإن لم يأمن من كذبه لحياء أو غيره فلا يسأله
عن فهمه لأنه ربما وقع في الكذب بقوله نعم لما قدمناه من الأسباب، بل يطرح عليه مسائل كما ذكرناه، فإن سأله الشيخ عن فهمه فقال نعم فلا يطرح عليه المسائل بعد ذلك إلا أن يستدعي الطالب ذلك لاحتمال خجله بظهور خلاف ما أجاب به.
وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبإعادة الشرح بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم ويرسخ في أفهامهم ولأنه يحثهم على استعمال الفكر ومؤاخذة النفس بطلب التحقيق.
الثامن:
أن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات ويمتحن ضبطهم لما قدم لهم من القواعد المهمة والمسائل الغريبة ويختبرهم بمسائل تبنى على أصل قرره أو دليل ذكره.
فمن رآه مصيبا في الجواب ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد، ومن رآه مقصرا ولم يخف نفوره عنفه على قصوره وحرضه على علو الهمة ونيل المنزلة في طلب العلم لاسيما إن كان ممن يزيده