الباب الثاني في أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه
التعنيف نشاطا والشكر انبساطا ويعيد ما يقتضي الحال إعادته ليفهمه الطالب فهما راسخا.
التاسع:
إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله طاقته وخاف الشيخ ضجره أوصاه بالرفق بنفسه وذكره بقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، ونحو ذلك مما يحمله على الأناة والاقتصاد في الاجتهاد، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر ومبادى ذلك أمره بالراحة، وتخفيف الاشتغال، ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله فهمه أو سنه ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه.
فإن استشار الشيخ من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الحال التأخير أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى ذهنه قابلا وفهمه جيدا نقله إلى كتاب يليق بذهنه وإلا تركه،
وذلك لأن نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على جودة ذهنه يزيد انبساطه، وإلى ما يدل على قصوره يقلل نشاطه.
ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطها بل يقدم الأهم فالأهم كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
وإذا علم أو غلب على ظنه أنه لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه.
العاشر:
أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرم إما مطلقا كتقديم المباشرة على السبب في الضمان، أو غالبا كاليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة، والمسائل المستثناة من القواعد كقوله العمل بالجديد من كل قولين قديم وجديد إلا في أربع عشرة مسألة، ويذكرها وكل يمين على نفي فعل للغير فهي على نفي العلم إلا من ادعى عليه أن عبده جني فيحلف على البت على الأصح، وكل عبادة يخرج منها بفعل منها فيها ومبطلها إلا الحج والعمرة، وكل وضوء يجب فيه الترتيب إلا وضوءا تحمله غسل الجنابة وأشباه ذلك.
ويبين مأخذ ذلك كله وكذلك كل أصل وما يبنى عليه من كل فن يحتاج إليه من علمي التفسير والحديث وأبواب أصول الدين والفقه والنحو والتصريف واللغة ونحو ذلك إما بقراءة كتاب في الفن أو بتدريج على الطول.
وهذا كله إذا كان الشيخ عارفا بتلك الفنون وإلا فلا يتعرض لها بل يقتصر على ما يتقنه منها، ومن ذلك نوادر ما يقع من المسائل الغريبة والفتاوى العجيبة والمعاني (القحتة) ونوادر الفروق والمعاياة.
ومن ذلك ما لا يسع الفاضل جهله كأسماء المشهورين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وكبار الزهاد والصالحين كالخلفاء الأربعة وبقية العشرة المبشرة، والنقباء الاثنى عشر والبدريين والمكثرين، والعبادلة، والفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة
فيضبط أسماءهم وكناهم وأعمارهم ووفياتهم وما يستفاد من محاسن آدابهم ونوادر أحوالهم فيحصل له مع الطول فوائد كثيرة النفع ونفائس عزيزة الجمع.
وليحذر كل الحذر من مناقشة بعضهم لكثرة تحصيله أو زيادة فضائله لأن ثواب فضائلهم عائد إليهم، وحسن ترتيبهم محسوب عليه.
وله من جهتهم في الدنيا الدعاء والثناء والذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل.
الحادي عشر:
أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو تحصيل أو ديانة فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر وينفر القلب، فإن كان بعضهم أكثر تحصيلا وأشد اجتهدا أو أبلغ اجتهادا أو أحسن أدبا فأظهر إكرامه وتفضيله وبين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب فلا بأس بذلك؛ لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات.
وكذلك لا يقدم أحدا في نوبة غيره أو يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى
في ذلك مصلحة تزيد على مصلحة مراعاة النوبة، فإن سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وسنذكر ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى.
وينبغي أن يتودد لحاضرهم ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء وينبغي أن يستعلم أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم ويكثر الدعاء لهم بالصلاح.
الثاني عشر:
أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم وأخلاقهم باطنا وظاهرا، فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره أو كثرة كلام بغير توجيه ولا فائدة أو حرص على كثرة الكلام أو معاشرة من لا تليق عشرته أو غير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في آداب المتعلم، عرض الشيخ بالنهي عن
ذلك بحضور من صدر منه غير معرض به ولا معين له، فإن لم ينته نهاه عن ذلك سرا، ويكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها، فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهرا ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس حينئذ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، ولاسيما إذا خاف على بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته.
وكذلك يتعاهد ما يعامل به بعضهم بعضا من إفشاء السلام وحسن التخاطب في الكلام والتحابب والتعاون على البر والتقوى وعلى ما هم بصدده، وبالجملة فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى يعلمهم مصالح دنياهم لمعاملة الناس لتكمل لهم فضيلة الحالتين.
الثالث عشر:
أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه من جاه ومال عند قدرته على ذلك وسلامة دينه وعدم ضرورته فإن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه حسابه يوم القيامة ولاسيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات.
وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدا عن العادة سأل عنه
وعن أحواله وعن من يتعلق به، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل.
فإن كان مريضا عاده وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان
مسافرا تفقد أهله ومن يتعلق به وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد عليه ودعا له.
واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه وأقرب أهله إليه.
ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
وأنا أقول: إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم
العلم؛ أما الصدقة فاقراؤه إياه العلم وإفادته إياه، ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في المصلي وحده: من يتصدق على هذا، أي بالصلاة معه لتحصل له فضيلة الجماعة، ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة وينال بها شرف الدنيا والآخرة، وأما العلم المنتفع به فظاهر لأنه كان سببا لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به.
وأما الدعاء الصالح له فالمعتاد المستقرأ على السنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه شيء من العلم وربما يقرأ بعضهم الحديث بسنده فيدعو لجميع رجال السند فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه.
الرابع عشر:
أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوقه، ويخفض له جناحه ويلين له جانبه، قال الله تعالى لنبيه: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وصح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا لمطلق الناس فكيف بمن
له حق الصحبة وحرمة التردد وصدق التودد وشرف الطلب، وفي الحديث: لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه، وعن الفضيل: من تواضع لله ورثه الله الحكمة.
وينبغي أن يخاطب كلا منهم لاسيما الفاضل المتميز بكنية ونحوها من أحب الأسماء إليه وما فيه تعظيم له وتوقير، فعن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يكني أصحابه إكراما لهم.
وكذلك ينبغي أن يترحب بالطلبة إذا لقيهم وعند إقبالهم عليه ويكرمهم إذا جلسوا إليه ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم بعد رد سلامهم، وليعاملهم بطلاقة الوجه وظهور البشر وحسن المودة وإعلام المحبة وإضمار الشفقة؛ لأن ذلك أشرح لصدره وأطلق لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يرجى فلاحه ويظهر صلاحه،
وبالجملة فهم وصية رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون على الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا.
وكان البويطي يدني القراء ويقربهم إذا طلبوا العلم ويعرفهم فضل الشافعي رضي الله عنه وفضل كتبه ويقول: كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبر للغرباء وغيرهم من التلاميذ.
وقيل: كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكراما لأصحابه.
الباب الثالث وفيه ثلاثة فصول في آداب المتعلم: الباب الثالث في أدب المتعلم في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه في آدابه في نفسه وفيه عشرة أنواع: الأول: أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق؛ ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه، والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم - كما قال بعضهم - صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن، وكما لا تصلح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها.
وإذا طيب القلب للعلم ظهرت بركته ونما، كالأرض إذا طيبت للزرع نما زرعها وزكا، وفي الحديث: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد كله ألا وهي القلب"، وقال سهل: "حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله عز وجل".
الثاني:
حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله.
قال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي".
ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.
قال أبو يوسف رحمه الله: يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.
والعلم عبادة من العبادات وقربة من القرب فإن خلصت فيه النية قبل وزكى ونمت بركته، وإن
قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته وبما تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيخيب قصده ويضيع سعيه.
الثالث:
أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل؛ فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن
الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.
ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته، وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به أنه لابد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر.
وقيل: أمر بعض المشايخ طالبا له بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كيلا يشغلك فكر غسله.
ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة.
الرابع:
أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيرا، ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خلقا، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال فتتفجر فيه ينابيع الحكم.
قال الشافعي رحمه الله: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة
العلماء أفلح.
وقال: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس، قيل: ولا الغني المكفي، قال: ولا الغني المكفي.
وقال مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء.
وقال أبو حنيفة: يستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد.
فهذه أقوال هذه الأئمة الذين لهم فيه القدح المعلي غير مدافع، وكانت هذه أحوالهم رضي الله عنهم.
قال الخطيب: ويستحب للطالب أن يكون عزبا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن إكمال الطلب، وقال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر فإن ولد له ولد فقد كسر به، وبالجملة فترك التزويج لغير المحتاج إليه أو غير القادر عليه أولى لاسيما للطالب الذي رأس ماله جمع الخاطر وإجمام القلب واشتغال الفكر.
الخامس:
أن يقسم أوقات ليله ونهار ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له.
وأجود الأوقات للحفظ الأسحار وللبحث الإبكار وللكتاب وسط
النهار وللمطالعة والمذاكرة الليل.
وقال الخطيب: أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة.
قال: وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع.
قال: وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات.
قال: وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطريق وضجيج الأصوات لأنها تمنع من خلو القلب غالبا.
السادس:
من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل القدر
اليسير من الحلال.
قال الشافعي رضي الله عنه: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية.
كما قيل:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
ولم ير أحد من الأولياء والأئمة العلماء يصف أو يوصف بكثرة الأكل ولا حمد به، وإنما يحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل بل هي مرصدة للعمل، والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعام يؤول أمره إلى ما قد علم، ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة دخول الخلاء لكان ينبغي للعاقل اللبيب أن يصون نفسه عنه، ومن رام الفلاح في العلم وتحصيله البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلا في العادة.
والأولى أن يكون أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه الترمذي.
فإن زاد على ذلك
فالزيادة إسراف خارج عن السنة وقد قال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]، قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات الطب كله.
السابع:
أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم ونوره والنفع به، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا مهما أمكنه التورع ولم تلجئه حاجة أو يجعل حظه الجواز بل يطلب الرتبة العالية.
ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتدى به في ذلك سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة مع بعد كونها منها، ولأن أهل العلم يقتدى بهم ويؤخذ عنهم فإذا لم يستعملوا الورع فمن يستعلمه.
وينبغي له أن يستعمل الرخص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ليقتدي بهم فيه، "فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
الثامن:
أن يقلل استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة وضعف
الحواس كالتفاح الحامض والباقلا وشرب الخل، وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبلد للذهن المثقل للبدن ككثرة الألبان والسمك وأشباه ذلك.
وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سببا لجودة الذهن كمضغ اللبان والمصطكى على حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة والجلاب ونحو ذلك مما ليس هذا موضع شرحه.
وينبغي أن يجتنب ما يورث النسيان بالخاصة كأكل سور الفار، وقراءة ألواح القبور والدخول بين جملين مقطورين، وإلقاء القمل ونحو ذلك من المجربات فيه.
التاسع:
أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في
اليوم والليلة على ثمان ساعات وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل.
ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كل شيء من ذلك أو ضعف بتنزه وتفرج في المستنزهات بحيث يعود إلى
حاله ولا يضيع عليه زمانه.
ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن.
ولا بأس بالوطى الحلال إذا احتاج إليه، فقد قال الأطباء بأنه يجفف الفضول وينشط ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة باعتدال، ويحذر كثرته حذر العدو فإنه كما قيل: (ماء الحياة يصب في الأرحام) يضعف السمع والبصر والعصب والحرارة والهضم وغير ذلك من الأمراض الرديئة.
والمحققون من الأطباء يرون أن تركه أولى إلا لضرورة أو استشفاء وبالجملة فلا بأس أن يريح نفسه إذا خاف مللا.
وكان بعض أكابر العلماء يجمع أصحابه في بعض أماكن التنزه في بعض أيام السنة ويتمازحون بما لا ضرر عليهم في دين ولا عرض.
العاشر:
أن يترك العشرة فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم ولاسيما لغير الجنس وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته؛ فإن الطباع سراقة، وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة وذهاب المال والعرض إن كان لغير أهل، وذهاب الدين إن كانت لغير أهله.
والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه بما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: "اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك".
فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا يعينه على ما هو بصدده فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: الدفع أسهل من الرفع.
فإن احتاج إلى أن يصحبه فليكن صاحبا صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا
كثير الخير قليل الشر حسن المداراة قليل المماراة إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإن احتاج واساه وإن ضجر صبره.
ومما يروى عن علي رضي الله عنه:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين واخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
ولبعضهم:
إن أخاك الصدق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت شمل نفسك ليجمعك
الفصل الثاني في آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من عظيم حرمته
وهو ثلاثة عشر نوعا:
الأول:
أنه ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل.
فعن بعض السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وليحذر من التقييد بالمشهورين وترك الأخذ عن الخاملين فقد عد الغزالي وغيره ذلك من الكبر على العلم وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه فإنه يهرب من مخافة الجهل كما يهرب من الأسد، والهارب من الأسد لا يأنف من دلالة من يدله على الخلاص كائنا من كان.
فإذا كان الخامل ممن ترجى بركته كان النفع به أعم والتحصيل من جهته أتم، وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع
يحصل غالبا والفلاح يدرك طالبا إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر.
وكذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى الأزهد أوفر والفلاح بالاشتغال به أكثر.
وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق.
قال الشافعي رضي الله عنه: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام.
وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تشيخ الصحيفة.
أي الذين تعلموا من الصحف.
الثاني:
أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر، فيشاروه فيما يقصده ويتحرى رضاه فيما يعتمده، ويبالغ في حرمته يتقرب إلى الله تعالى بخدمته، ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة.
ويقال إن الشافعي رضي الله عنه عوتب على تواضعه للعلماء، فقال:
ولن تكرم النفس التي لا تهينها
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها
وأخذ ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته ومرتبته بركاب زيد بن ثابت الأنصاري وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
وقال أحمد بن حنبل لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن
نتواضع لمن نتعلم منه.
وقال الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، قال: ومهما أشار عليه شيخه بطريق في التعليم فليقلده وليدع رأيه فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة موسى والخضر عليهما السلام بقوله: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ [الكهف: ٦٧]، هذا مع علو قدر موسى الكليم في الرسالة والعلم حتى شرط عليه السكوت فقال: ﴿فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا﴾ [الكهف: ٧٠].
الثالث:
أن ينظره بعين الإجلال ويعتقد فيه درجة الكمال فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب شيخي عني ولا تذهب بركة علمه مني.
وقال الشافعي رضي الله عنه: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها.
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له.
وحضر بعض أولاد الخليفة المهدي عند شريك فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه شريك، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، قال: تستخف بأولاد الخلفاء؟ ! قال: لا، ولكن العلم أجل
عند الله من أن أضيعه، ويروى العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه.
وينبغي أن لا يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه من بعد بل يقول: يا سيدي ويا أستاذي.
وقال الخطيب: يقول: أيها العالم، وأيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في كذا وما رأيكم في كذا وشبه ذلك، ولا يسميه في غيبته أيضا باسمه إلا مقرونا بما يشعر بتعظيمه كقوله قال الشيخ أو الأستاذ كذا، وقال شيخنا أو قال حجة الإسلام أو نحو ذلك.
الرابع:
أن يعرف له حقه ولا ينسى له فضله، قال شعبة: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما يحيا، وقال: ما سمعت من أحد شيئا إلا واختلفت إليه أكثر مما سمعت منه.
ومن ذلك أن يعظم حرمته ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس.
وينبغي أن يدعو له مدة حياته ويرعى ذريته وأقاربه وأوداءه بعد وفاته، ويتعمد زيارة قبره والاستغفار له والصدقة عنه ويسلك في السمت والهدى مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته ويقتدي بحركاته وسكناته، في عاداته وعباداته، ويتأدب بآدابه ولا يدع الاقتداء به.
الخامس:
أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجب إليه ويجعل العتب عليه فإن ذلك أبقى لمودة شيخه واحفظ لقلبه وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.
وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة.
ولبعضهم:
اصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما
وعن ابن عباس: ذللت طالبا فعززت مطلوبا.
وقال قبله:
إن المعلم والطبيب كليهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
وقال معافى بن عمران: مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين الجامع.
وقال الشافعي رضي الله عنه: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من
أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك، فقال للقائل: هم حمقى إذا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.
وقال أبو يوسف رحمه الله: خمسة يجب على الإنسان مداراتهم، وعد منهم العالم ليقتبس من علمه.
السادس:
أن يشكر الشيخ على توقيفه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة، أو على كسل يعتريه، أو قصور يعاينه أو غير ذلك مما في إيقافه
عليه وتوبيخه إرشاده وصلاحه، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإن ذلك أمثل إلى قلب الشيخ وأبعث على الاعتناء بمصالحه.
وإذا أوقفه الشيخ على دقيقة من أدب أو نقيصة صدرت منه وكان يعرفه من قبل فلا يظهر أنه كان عارفا به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك واعتنائه بأمره، فإن كان له في ذلك عذر وكان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس به وإلا تركه، إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة فيتعين إعلامه به.
السابع:
أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان سواء كان
الشيخ وحده أو كان معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف ولا يكرر الاستئذان، وإن شك في علم الشيخ به فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات أو ثلاث طرقات بالباب أو الحلقة، وليكن طرق الباب خفيا بأدب بأظفار الأصابع، ثم بالأصابع، ثم بالحلقة قليلا قليلا، فإن كان الموضع بعيدا عن الباب والحلقة فلا بأس برفع ذلك بقدر ما يسمع لا غير، وإذا أذن وكانوا جماعة يقدم أفضلهم وأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم سلم عليه الأفضل فالأفضل.