الباب الأول في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه
الباب الأول
في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه
قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١] قال ابن عباس: العلماء فوق المؤمنين مائة درجة ما بين الدرجتين مائة عام.
قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨] الآية.
بدأ سبحانه بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأهل العلم وكفاهم ذلك شرفا وفضلا وجلالة ونبلا.
وقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: ٧] إلى قوله: ﴿ذلك لمن خشي ربه﴾ [البينة: ٨].
فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذين يخشون الله تعالى وأن الذين يخشون الله تعالى هم خير البرية فينتج أن العلماء هم خير البرية.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: العلماء ورثة الأنبياء وحسبك هذه الدرجة مجدا وفخرا وبهذه الرتبة شرفا وذكرا فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة.
وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم - لما ذكر عنده رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.
وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله
عنه وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء.
وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا
دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ واف.
واعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له وتضع له أجنحتها، وأنه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة، وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها فقيل: التواضع له، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم له، وقيل: معناه تحمله عليها فتعينه على بلوغ مقصده.
وأما إلهام الحيوانات بالاستغفار لهم فقيل: لأنها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم والعلماء هم الذين يبينون ما يحل منه وما يحرم ويوصون بالإحسان إليها ونفي الضرر عنها.
وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم - يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، قال بعضهم: هذا مع أن أعلى ما للشهيد دمه وأدنى ما للعالم مداده.
وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم - ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم - يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
وفي حديث: يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء، وروى: العلماء يوم القيامة على منابر من يوم.
ونقل القاضي حسين بن محمد رحمه الله في أول تعليقه أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته.
قال: وروي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: من أكرم عالما فكأنما أكرم سبعين نبيا ومن أكرم متعلما فكأنما أكرم سبعين شهيدا، وأنه قال: من
صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي ومن صلى خلف نبي فقد غفر له.
ونقل الشرمساحي المالكي في أول كتابه نظم الدر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: من عظم العالم فكأنما يعظم الله تعالى ومن تهاون بالعالم فإنما ذلك استخفاف بالله تعالى وبرسوله.
وقال علي رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه.
وقال بعض السلف: خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل.
وقال أبو مسلم الخولاني: العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عليهم تحيروا.
وقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقال وهب: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيا، والعز وإن كان مهينا، والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا،
والمهابة وإن كان وضيعا.
وعن معاذ رضي الله عنه: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وبذله قربة وتعليمه من لا يعلمه صدقة.
وقال الفضيل بن عياض: عالم معلم يدعى كثيرا في ملكوت السماء.
وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء - وقال أيضا: لم يعط في الدنيا شيئا أفضل من النبوة، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه، فقيل: عمن هذا؟ قال: عن الفقهاء كلهم.
وقال سهل: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء فاعرفوا لهم ذلك.
وقال الشافعي رضي الله عنه: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة.
وعن سفيان الثوري والشافعي رضي الله عنهما: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
وعن الزهري رحمه الله: ما عبد الله بمثل الفقه.
وعن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب من العلم نعلمه عمل به
أو لم يعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا.
وقد ظهر بما ذكرناه أن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك؛ لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها؛ ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم وليس ذلك للمتعبدين، ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة.
فصل
واعلم أن جميع ما ذكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم، لا من طلبه بسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب.
فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار.
أخرجه الترمذي.
وعنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير وجه الله
فليتبوأ مقعده من النار.
رواه الترمذي.
وروي من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة، وذكر الثلاثة، وفيه رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها قال: تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت؛ ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
أخرجه مسلم والنسائي.
وعن حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به.
وعن بشر: أوحى الله إلى داود لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا
فيصدك بشك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي.