أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الخامس في آداب سكنى المدارس للمنتهي والطالب

لأنها مساكنهم في الغالب

وهو أحد عشر نوعا:

الأول:

أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفه أقرب إلى الورع وأبعد عن البدع، بحيث يغلب على ظنه أن المدرسة

ووقفها من جهة حلال وأن معلومها إن تناوله من طيب المال لأن الحاجة إلى الاحتياط في المسكن كالحاجة إليه في المأكل والملبس وغيره.

ومهما أمكن التنزه عما أنشأه الملوك الذين لم يعلم حالهم في بنائها ووقفها فهو أولى وأما من علم حاله فالإنسان على بينة من أمره مع أنه قل أن يخلو جميع أعوانهم عن ظلم وعسف.

الثاني:

أن يكون المدرس بها ذا رياسة وفضل وديانة وعقل ومهابة وجلالة

وناموس وعدالة ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء يقرب

المحصلين ويرغب المشتغلين ويبعد اللغائين وينصف البحاثين حريصا على النفع مواظبا على الإفادة، وقد تقدم سائر آدابه.

فإن كان له معيد فليكن من صلحاء الفضلاء وفضلاء الصلحاء صبورا على أخلاق الطلبة حريصا على فائدتهم وانتفاعهم به قائما على وظيفة أشغالهم.

وينبغي للمدرس الساكن بالمدرسة أن لا يكثر البروز والخروج من غير حاجة؛ فإن كثرة ذلك يسقط حرمته من العيون، ويواظب على الصلاة في الجماعة فيها ليقتدي به أهلها ويتعودوا ذلك.

وينبغي أن يجلس كل يوم في وقت معين ليقابل معه الجماعة

الذين يطالعون دروسه من كتبهم ويصححونها ويضبطون مشكلها ولغاتها واختلاف النسخ في بعض المواضع (وأولاها بالصحة ليكونوا في مطالعتها على يقين فلا يضيع فكرهم ويتعب) بالشك فيها سرهم.

وينبغي للمعيد بالمدرسة أن يقدم أشغال أهلها على غيرهم في الوقت المعتاد أو المشروط إن كان يتناول معلوم الإعادة لأنه معين عليه ما دام معيدا، أو أشغال غيرهم نفل أو فرض كفاية وأن يعلم المدرس (أو الناظر بمن يرجى فلاحه ليزاد ما يستعين به ويشرح صدره وأن يطالبهم بعرض محفوظاتهم إن لم يعين لذلك غيره) ويعيد لهم ما توقف فهمه عليهم من دروس المدرس ولهذا يسمى معيدا.

وإذا شرط الواقف استعراض المحفوظ كل شهر أو كل فصل على الجميع خفف قدر العرض على من له أهلية البحث والفكر والمطالعة والمناظرة لأن الحمود على النفس المسطور يشغل عن الفكر الذي

هو أم التحصيل والتفقه.

وأما المبتدئون والمنتهون فيطالب كل منهم على ما يليق بحاله وذهنه وقد تقدم سائر آداب العالم مع الطلبة.

الثالث:

أن يتعرف بشروطها ليقوم بحقوقها ومهما أمكنه التنزه عن معلوم المدارس فهو أولى لاسيما في المدارس التي ضيق في شروطها وشدد في وظائفها كما قد بلي أكثر فقهاء الزمان به، نسأل الله تعالى القناعة بمنه وكرمه في خير وعافية، فإن كان تحصيله البلغة يضيع زمانه ويعطله عن تمام الأشغال أو لم يكن له حرفة أخرى.
تحصل بلغته وبلغة عياله فلا بأس بالاستعانة بذلك بنية التفرغ لأخذ العلم ونفع

الناس به ولكن يتحرى القيام بجميع شروطها.

ويحاسب نفسه على ذلك ولا يحل في نفسه إذا طلب منه أو وبخ عليه بل يعد ذلك نعمة من الله تعالى ويشكره عليه إذ وفق له من يكلفه القيام بما يخلصه من ربقة الحرام والإثم واللبيب من كان ذا همة عالية ونفس سامية.

الرابع:

إذا حصر الواقف سكنى المدرسة على المرتبين بها دون غيرهم لم يسكن فيها غيرهم.

فإن فعل كان عاصيا ظالما بذلك، وإن لم يحصر الواقف ذلك فلا بأس إذا كان الساكن أهلا لها.

وإذا سكن في المدرسة غير مرتب بها فليكرم أهلها ويقدمهم على

نفسه فيما يحتاجون إليه منها، ويحضر درسها لأنه أعظم الشعائر المقصودة ببنائها ووقفها لما فيه من القراءة والدعاء للواقف والاجتماع على مجلس الذكر وتذاكر العلم، فإذا ترك الساكن فيها ذلك فقد ترك المقصود ببناء مسكنه الذي هو فيه وذلك يخالف مقصود الواقف ظاهرا.

فإن لم يحضر غاب عنها وقت الدرس لأن عدم مجالستهم مع حضوره من غير عذر إساءة أدب وترفع عليهم واستغناء عن فوائدهم واستهتار بجماعتهم.

وإن حضر فيها فلا يخرج في حال اجتماعهم من بيته إلا لضرورة ولا يتردد إليه مع حضورهم ولا يدعو إليه أحدا أو يخرج منه أحدا ولا يتمشى في المدرسة أو يرفع صوته بقراءة أو تكرار أو بحث رفعا منكرا أو يغلق بابه أو يفتحه بصوت ونحو ذلك لما في ذلك كله من إساءة الأدب على الحاضرين والحمق عليهم.

ورأيت بعض العلماء القضاة لأعيان الصلحاء يشدد النكير على إنسان فقيه مر في المدرسة وقت الدرس مع أنه كان قيما بمريض في المدرسة قريب للمدرس وكان في حاجة له.

الخامس:

أن لا يشتغل فيها بالمعاشرة والصحبة ويرضى من سكنها بالسكة والخطبة بل يقبل على شأنه وتحصيله وما بنيت المدرسة له يقطع

العشرة فيها جملة لأنها تفسد الحال وتضيع المآل كما تقدم.

واللبيب المحصل يجعل المدرسة منزلا يقضي وطره منه ثم يرتحل عنه فإن صاحب من يعينه على تحصيل مقاصده ويساعده على تكميل فوائده وينشطه على زيادة الطلب ويخفض عنه ما يجد من الضجر والنصب ممن يوثق بدينه وأمانته ومكارم أخلاقه في مصاحبته فلا بأس بذلك بل هو حسن إذا كان ناصحا له في الله غير لاعب ولا لاه.

وليكن له أنفة من عدم ظهور الفضيلة مع طول المقام في المدارس ومصاحبة الفضلاء من أهلها وتكرر سماع الدروس فيها وتقدم غيره عليه بكثرة التحصيل وليطالب نفسه كل يوم باستفادة علم جديد ويحاسبها على ما حصله فيها ليأكل مقرره فيها حلالا.

فإن المدارس وأوقافها لم تجعل لمجرد المقام والعشرة ولا لمجرد التعبد بالصلاة والصيام كالخوانك، بل لتكون معينة على تحصيل العلم والتفرغ له والتجرد عن الشواغل في أوطان الأهل والأقارب، والعاقل يعلم أن

أبرك الأيام عليه يوم يزداد فيه فضيلة وعلما ويكسب عدوه من الجن والإنس كربا وغما.

السادس:

أن يلزم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحترام، ويرعى لهم حق الجيرة والصحبة والأخوة في الدين والحرفة لأنهم أهل العلم وحملته وطلابه.

ويتغافل عن تقصيرهم ويغفر زللهم ويستر عوراتهم ويشكر محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم.

فإن لم يستقر خاطره لسوء جيرتهم وخبث صفاتهم أو لغير ذلك فليرتحل عنها ساعيا في جمع قلبه واستقرار خاطره، وإذا اجتمع قلبه فلا ينتقل من غير حاجة فإن ذلك مكروه للمبتدئين جدا، وأشد منه كراهية

تنقلهم من كتاب إلى كتاب كما تقدم، فإنه علامة على الضجر واللعب وعدم الفلاح.

السابع:

أن يختار لجواره إن أمكن أصلحهم حالا وأكثرهم اشتغالا وأجودهم طبعا وأصونهم عرضا؛ ليكون معينا له على ما هو بصدده، ومن الأمثال الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، والطباع سراقة، ومن دأب الجنس التشبه بجنسه.

والمساكن العالية لمن لا يضعف عن الصعود إليها أولى بالمشتغل وأجمع لخاطره إذا كان الجيران صالحين، وقد تقدم قول الخطيب: إن الغرف أولى بالحفظ.

وأما الضعيف والمتهم ومن يقصد الفتيا والاشتغال عليه فالمساكن السفلية أولى بهم.

والمراقي التي تقرب من الباب أو من الدهليز أولى بالموثوق بهم، والمراقي الداخلية التي يحتاج فيها إلى المرور بأرض المدرسة أولى بالمجهولين والمتهمين.

والأولى أن لا يسكن المدرسة وسيم الوجه أو صبي ليس له فيها ولي فطن، وأن لا يسكنها نساء في أمكنة تمر الرجال على أبوابها، أو لها كوى تشرف على ساحة المدرسة.

وينبغي للفقيه أن لا يدخل إلى بيت من فيه ريبة أو شر أو قلة دين، ولا يدخل إليه من يكرهه أهلها أو من ينقل سيئات سكانها أو ينم

عليهم أو يوقع بينهم أو يشغلهم عن تحصيلهم ولا يعاشر فيها غير أهلها.

الثامن:

إذا كان مسكنه في مسجد المدرسة أو في مكان الاجتماع ومروره على حصيره وفرشه فليتحفظ عند صعوده إليه من سقوط شيء من نعليه ولا يقابل بأسفلهما القبلة ولا وجوه الناس ولا ثيابه بل يجعل أسفل أحدهما إلى أسفل الأخرى بعد نفضهما، ولا يلقيهما إلى الأرض بعنف، ولا يتركهما في مظنة مجالس الناس والواردين إليها غالبا كطرفي الصفة بل يتركهما إذا تركهما في أسفل الوسط ونحوه ولا يضعهما تحت الحصير في المسجد بحيث تنكسر.

وإذا سكن في البيوت العليا خفف المشي والاستلقاء عليها ووضع ما يثقل كيلا يؤذي من تحته.

وإذا اجتمع اثنان من سكان العلو أو غيرهم في أعلى الدرجة بدأ أصغرهما بالنزول قبل الكبير، والأدب للمتأخر أن يلبث ولا يسرع في النزول إلى أن ينتهي المتقدم إلى آخر الدرجة من أسفل ثم ينزل، فإن كان كبيرا تأكد ذلك، وإن اجتمعا في أسفل الدرجة للطلوع تأخر أصغرهما ليصعد أكبرهما قبله.

التاسع:

أن لا يتخذ باب المدرسة مجلسا بل لا يجلس إذا أمكن إلا لحاجة أو في ندرة لقبض أو ضيق صدر، ولا في دهليزها المهتوك إلى الطريق، فقد نهي عن الجلوس في الطرقات وهذا منها، أو في معناها، لاسيما إن كان ممن يستحيا منه أو ممن هو في محل تهمة أو لعب، ولأنها في مظنة دخول فقيه بطعامه وحاجته فربما استحيا من الجالس أو يكلف سلامه عليهم، وفي مظنة دخول نساء من يتعلق بالمدرسة ويشق عليه ذلك ويؤذيه ولأن في ذلك بطالة وتبذلا.

ولا يكثر التمشي في ساحة المدرسة بطالا من غير حاجة إلى راحة أو رياضة أو انتظار أحد، ويقلل الدخول والخروج ما أمكنه،

ويسلم على من بالباب إذا مر به.

ولا يدخل ميضأتها العامة عند الزحام من العامة إلا لضرورة لما فيه من التبذل، ويتأنى عنده، ويطرق الباب إن كان مردودا طرقا خفيفا ثلاثا ثم يفتحه بتأن ولا يستجمر بالحائط فينجسه ولا يمسح يده المتنجسة بالحائط أيضا.

العاشر:

أن لا ينظر في بيت أحد في مروره من شقوق الباب ونحوه، ولا يلتفت إليه إذا كان مفتوحا، وإن سلم سلم وهو مار من غير التفات، ولا يكثر الإشارة إلى الطاقات لاسيما إن كان فيهن نساء.

ولا يرفع صوته جدا في تكرار أو نداء أحد أو بحث كيلا يشوش على غيره بل يخفضه ما أمكنه مطلقا لاسيما بحضور المصلين أو حضور أهل الدرس، ويتحفظ من شدة وقع القبقاب والعنف في إغلاق الباب، وإزعاج المشي في الدخول والخروج والصعود والنزول وطرق باب المدرسة بشدة لا يحتاج إليها ونداء من بأعلى المدرسة من أسفلها إلا أن يكون بصوت معتدل عند الحاجة.

وإذا كانت المدرسة مكشوفة إلى الطريق السالك من باب أو شباك تحفظ فيها عن التجرد عن الثياب وكشف الرأس الطويل من غير حاجة.

ويتجنب ما يعاب كالأكل ماشيا وكلام الهزل غالبا، والبسط بالنعل، وفرط التمطي، والتمايل على الجنب والقفا، والضحك الفاحش بالقهقهة، ولا يصعد إلى سطحها المشرف من غير حاجة أو ضرورة.

الحادي عشر:

أن يتقدم على المدرس في حضور موضع الدرس، ولا يتأخر إلى بعد جلوسه وجلوس الجماعة فيكلفهم المعتاد من القيام ورد السلام وربما فيهم معذور فيجد في نفسه منه ولا يعرف عذره.

وقد قال السلف: من الأدب مع المدرس أن ينتظره الفقهاء ولا ينتظرهم، وينبغي أن يتأدب في حضور الدرس بأن يحضره على أحسن الهيئات وأكمل الطهارات، وكان الشيخ أبو عمرو يقطع من يحضر من الفقهاء الدرس محففا بغير عمامة، أو مفكك إزاره الفرجية ويحسن جلوسه واستماعه وإيراده وجوابه وكلامه وخطابه.

(ولا يستفتح القراءة والتعوذ قبل المدرس)، وإذا دعا المدرس في أول الدرس للحاضرين على العادة أجابه الحاضرون بالدعاء له أيضا، وكان بعض أكابر مشايخي الزهاد الأعلام يزجر تارك ذلك ويغلظ عليه.

ويتحفظ من النوم والنعاس والحديث (والضحك وغير ذلك مما تقدم في أدب المتعلم)، ولا يتكلم بين الدرسين إذا ختم المدرس الأول بقوله: والله أعلم، إلا بإذن منه.

ولا يتكلم في مسألة أخذ المدرس الكلام في غيرها،

ولا يتكلم بشيء حتى ينظر فيه فائدة وموضعا، ويحذر المماراة في البحث والمغالبة فيه فإن ثارت نفسه ألجمها بلجام الصمت والصبر والانقياد؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة، فإن ذلك أقطع لانتشار الغضب وأبعد عن منافرة القلوب، ويجتهد كل من الحاضرين على طهارة القلب لصاحبه وخلوه عن الحقد وأن لا يقوم وفي نفسه منه شيء، وإذا قام من الدرس فليقل ما جاء في الحديث: "سبحانك الله وبحمدك، ولا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

تم كتاب الآداب بحمد الله تعالى ومنه.

والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

فصول الكتاب · 6 فصل · 236 صفحة
جارٍ التحميل