شرح المكودي على الألفية في علمي الصرف والنحوظن وأخواتها

من نواسخ الابتداء ظن وأخواتها فتدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما بعد أخذها الفاعل مفعولين على التشبيه بأعطيت، وهى على قسمين: قلبية وتصييرية وقد أشار إلى الأول بقوله: انصب بفعل القلب جزأى ابتدا وجزأى الابتداء هما المبتدأ والخبر ولما كانت أفعال القلوب منها ما يعمل العمل المذكور ومنها ما لا يعمل نحو تيقن وتفكر ونحوهما أشار إلى الأول بقوله: أعنى رأى خال علمت وجدا … ظنّ حسبت وزعمت مع عد حجا درى وجعل اللذ كاعتقد.
… وهب تعلّم ثم إن هذه الأفعال القلبية منها ما يفيد فى الخبر يقينا وتسمى علمية ومنها ما يفيد فيه ترددا مع رجحان الوقوع وتسمى ظنية ولم يرتبها فى النظم بل ذكرها على حسب ما سمح به الوزن وأنا أنبه على كل واحد منها، أما رأى فهى بمعنى علم، تقول: رأيت زيدا عالما أى علمته وأما خال فهى بمعنى ظن وعلم هى أصل الأفعال العلمية وبها يفسر سائرها ووجد بمعنى علم وظن هى أيضا أصل الأفعال الظنية وبها يفسر سائرها وحسب بمعنى ظن وزعم بمعنى1

ظن وعدّ كذلك وحجا كذلك أيضا ودرى بمعنى علم وجعل كذلك وفيها زيادة وهى الاعتقاد ولذلك قال: وجعل اللذ كاعتقد وهب بمعنى ظن وتعلم بمعنى اعلم فهذه ثلاثة عشر فعلا كلها متساوية فى نصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان وهى كلها معطوفة على رأى على حذف العاطف، فهى كلها مفعولة بأعنى إلى زعمت، وعد مخفوضة بمع ومع متعلق بأعنى وحجا ودرى وجعل معطوفات على عد واللذ نعت لجعل وصلته كاعتقد وهب وتعلم معطوفان أيضا على ما بعد مع ولهذه الأفعال معان أخر ولم أنبه عليها لأنها ليست من هذا الباب ثم شرع فى القسم الثانى وهى التصييرية بقوله: ... والّتى كصيّرا … أيضا بها انصب مبتدا وخبرا يعنى انصب بالأفعال التى بمعنى صير المبتدأ والخبر وهى ما دل على تحويل كما تنصب بالقلبية ولم يذكر ألفاظ الأفعال التصييرية كما ذكر القلبية وهى صير وأصار وجعل ورد واتخذ وتخذ وترك ووهب فى نحو وهبنى الله فداك أى جعلنى.
والتى مبتدأ خبره انصب بها ويجوز أن يكون فى موضع نصب بفعل يفسره انصب من باب الاشتغال وهو أجود.
ثم قال: وخصّ بالتّعليق والإلغاء ما … من قبل هب يعنى أن الأفعال المذكورة قبل هب تختص دون سائر أفعال هذا الباب بالتعليق والإلغاء، فالتعليق ترك العمل لموجب، والإلغاء ترك العمل لغير موجب ويحتمل قوله خص أن يكون ماضيا مبنيا للمفعول وما فى موضع رفع به وأن يكون فعل أمر وما فى موضع نصب به، والأول أظهر ومن قبل هب صلة لما وبالتعليق متعلق بخص.
ثم قال: والأمر هب قد ألزما … كذا تعلّم يعنى أن هذين الفعلين يلزمان صيغة الأمر فلا يستعملان ماضيين ولا مضارعين وفهم منه أنه يجوز إسنادهما إلى الضمير المفرد المذكر والمؤنث وإلى المثنى والمجموع فتقول يا زيدان هبانى قائما ويا زيدون هبونى قائما فإن فعل الأمر صالح لذلك.
وهب مبتدأ وخبره قد ألزما وفى ألزما ضمير يعود على هب والأمر مفعول ثان بألزم، وتعلم مبتدأ خبره كذا، أى مثل هب فى لزومه الأمر.
ولما أتى بأفعال هذا الباب كلها بلفظ الماضى وكان غير الماضى وهو الأمر والمضارع واسم المفعول مثل الماضى فى العمل المذكور أشار إلى ذلك بقوله: ولغير الماض من … سواهما اجعل كلّ ما له زكن

قوله من سواهما أى من سوى هب وتعلم لأنهما لازمان للأمر وزكن أى علم وكل مفعول باجعل وما موصولة وزكن صلتها وله متعلق بزكن ولغير متعلق باجعل ومن فى موضع الحال من غير والتقدير اجعل كل ما علم للماضى من الحكم لغير الماضى فى حال كونه من سوى هب وتعلم.
ثم قال: وجوّز الإلغاء لا فى الابتدا تقدم أن الإلغاء ترك العمل لغير موجب وفهم من قوله وجوز أنه جائز لا واجب وفهم من قوله لا فى الابتداء ثلاث صور أن يتأخر عنهما نحو زيد قائم ظننت أو يتوسط بينهما نحو زيد ظننت فاضل أو يتقدم على المفعولين ويتقدم عليه غيره نحو متى ظننت زيد قائم؟ وفى جوازه الإلغاء فى هذه الصورة الثالثة خلاف وظاهر كلامه جوازه لأن الفعل ليس فى الابتداء ولم يتعرض الناظم إلى الأرجح، والأرجح الإلغاء مع التأخير والإعمال مع التوسط بين المفعولين وفهم من قوله لا فى الابتدا أن إعمال المتقدم واجب والإلغاء مفعول بجوز ولا عاطفة والمعطوف عليه محذوف تقديره وجوز الإلغاء فى التأخير والتوسط لا فى الابتداء، وأجاز الكوفيون الإلغاء مع التقدم واستدلوا بقوله:

  • كذاك أدّبت حتى صار من خلقى … أنّى وجدت ملاك الشّيمة الأدب 1 وهذا ونحوه مؤول عند البصريين إما على نية ضمير الأمر والشأن فيكون الفعل باقيا على عمله والجملة فى موضع المفعول الثانى وإما على تقدير لام الابتداء وإلى ذلك أشار بقوله: وانو ضمير الشّأن أو لام ابتدا … فى موهم إلغاء ما تقدّما أى إذا ورد من كلام العرب ما يوهم إلغاء الفعل المتقدم فلك فى تأويله وجهان أحدهما أن

تنوى فيه ضمير الشأن فيكون التقدير أنى رأيته ملاك الشيمة الأدب فيكون الفعل باقيا على عمله والجملة مفسرة للضمير فى موضع المفعول الثانى أو تقدر لام الابتداء فيكون التقدير أنى رأيت لملاك الشيمة فيكون الفعل معلقا وفى موهم متعلق بانو وإلغاء مفعول بموهم وما موصولة واقعة على الفعل وتقدم صلتها.
ثم قال: والتزم التّعليق قبل نفى ما … وإن ولا لام ابتداء أو قسم كذا والاستفهام ذا له انحتم قد تقدم أن التعليق ترك العمل لموجب وهو أن يفصل بين الفعل ومفعوليه بأحد الأشياء الستة التى ذكرها.
الأول ما النافية كقوله عز وجل: وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [فصلت: 48] الثانى إن النافية كقوله تعالى: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 52] الثالث لا قال فى شرح التسهيل من أمثلة ابن السراج أحسب لا يقوم زيد قال ابن هانئ يظهر أنه لم يحفظ له مثالا عن العرب نثريا ولا شعريا، وقد أنشدت عليه:

  • فعش معدما أو مت كريما فإننى … أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه 1 الرابع لام الابتداء كقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [البقرة: 102] الخامس لام القسم.
    كقوله:
  • ولقد علمت لتأتينّى منيتى … إن المنايا لا تطيش سهامها 2 السادس الاستفهام كقوله عز وجل: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ [الأنبياء: 109] وعلم من قوله والتزم أن التعليق لازم بخلاف الإلغاء والتعليق مفعول بالتزم وقبل متعلق به ولام ابتداء مبتدأ وكذا خبره وأو قسم معطوف عليه على حذف مضاف والتقدير لام ابتداء أو لام قسم كذا والاستفهام مبتدأ وذا مبتدأ ثان وخبره انحتم وله متعلق بانحتم والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير العائد على ذا الفاعل بانحتم والعائد على الاستفهام الضمير فى له.
    ثم قال: لعلم عرفان وظنّ تهمه … تعدية لواحد ملتزمه

يعنى أن علم إذا كانت بمعنى عرف وهو أن يكون معناها متعلقا بالمفرد تتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: 60] وأن ظن إذا كانت بمعنى اتهم تتعدى أيضا إلى مفعول واحد كقولك ظننت زيدا على المال أى اتهمته وليس حينئذ من أفعال هذا الباب وتعدية مبتدأ وخبره فى المجرور قبله ولواحد متعلق بتعدية وملتزمة صفة لتعدية وأضاف علم إلى العرفان وهو مصدر عرف وأضاف ظن إلى تهمة وهو مصدر اتهم.
ثم قال: ولرأى الرّؤيا انم ما لعلما … طالب مفعولين من قبل انتمى يعنى أن رأى الحلمية ينتسب لها من العمل ما انتسب لعلم الطالبة للمفعولين السابقة لأنها شبيهة بها فى كونها فيها إدراك بالحس الباطنى ومنه قوله:

  • أراهم رفقتى حتى إذا ما … تولّى الليل وانخزل انخزالا 1 وأضاف رأى للرؤيا ليعلم أنها الحلمية لأن مصدرها الرؤيا ومصدر رأى البصرية رؤية واحترز بقوله طالب مفعولين من علم العرفانية وانم بمعنى انسب وانتمى بمعنى انتسب وما موصولة واقعة على حكم علم المتعدية إلى مفعولين وهى مفعولة بانم وصلتها انتمى ولرأى متعلق بانم، ولعل متعلق بانتمى وطالب مفعولين حال من علم، وكذلك من قبل متعلق بانتمى والتقدير انسب العمل الذى انتسب من قبل لعمل فى حال كونه مفعولين لرأى الرؤيا.
    ثم قال: ولا تجز هنا بلا دليل … سقوط مفعولين أو مفعول يعنى أن المفعولين فى هذا الباب لا يجوز حذفهما معا ولا حذف أحدهما من غير أن يدل على الحذف دليل وهذا هو الحذف على جهة الاقتصار لأنهما فى الأصل مبتدأ وخبر، وفهم منه أنه يجوز حذفهما وحذف أحدهما إذا دل على الحذف دليل، وهو الحذف على جهة الاختصار فمن حذفهما معا قوله:
  • بأى كتاب أم بأيّة سنّة … ترى حبّهم عارا علىّ وتحسب 1 أى وتحسب حبهم عارا علىّ ومن حذف الأول، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [آل عمران: 180). أى بخلهم، ومن حذف الثانى قول عنترة:
  • ولقد نزلت فلا تظنى غيره … منى بمنزلة المحبّ المكرم 2 أى فلا تظنى ذلك واقعا، وسقوط مفعول بتجز وهنا وبلا دليل متعلقان بتجز.
    ثم قال: وكتظنّ اجعل تقول إن ولى … مستفهما به ولم ينفصل بغير ظرف أو كظرف أو عمل … وإن ببعض ذى فصلت يحتمل وأجرى القول كظن مطلقا … عند سليم نحو قل ذا مشفقا يعنى أن أصل القول وما اشتق منه أن يدخل على الجملة فتحكى به وقد ينصب المفرد إذا كان فى معنى الجملة كقولك قلت خطبة ثم إنه قد يضمن معنى الظن فينصب مفعولين وذلك بشروط الأول أن يكون مضارعا الثانى أن يكون مفتتحا بتاء المخاطب، وهذان الشرطان مفهومان من قوله: تقول الثالث أن تدخل عليه أداة الاستفهام وهو المنبه عليه بقوله: (إن ولى مستفهما به) الرابع أن لا يفصل بينهما بغير الظرف أو المجرور أو أحد المفعولين وهو المنبه عليه بقوله: (ولم ينفصل بغير ظرف أو كظرف أو عمل) فمثال ما لا فصل فيه أتقول زيدا منطلقا، ومنه قوله:
  • متى تقول القلص الرّواسما … يدنين أمّ قاسم وقاسما 3

ومثال الفصل بالظرف كقولك أعندك تقول عمرا مقيما وبالمجرور: أفى الدار تقول زيدا جالسا ومثال الفصل بأحد المفعولين أزيدا تقول منطلقا ومثله قوله:

  • أجهّالا تقول بنى لؤىّ … لعمر أبيك أم متجاهلينا (61) ويعنى بقوله عمل أحد المفعولين لأنه بمعنى معمول وفى تنكير عمل إشعار بأنه لا يفصل إلا بأحد المفعولين لا بهما لأن التنكير يشعر بالتقليل وقوله: وإن ببعض ذى فصلت يحتمل تصريح بما فهم من الشطر الذى قبله وذى إشارة إلى الثلاثة المتقدمة وهى الظرف والمجرور وأحد المفعولين فإن لم تستوف الشروط بطل العمل وتعينت الحكاية وإن استوفيت الشروط جاز النصب والحكاية، وقوله: (وأجرى القول كظن مطلقا)، البيت يعنى أن بنى سليم ينصبون بالقول مطلقا أى بلا شرط، يريد على جهة الجواز لأن الرفع على الحكاية عندهم جائز فتقول على الأول قلت عمرا منطلقا وقل ذا مشفقا.
    ومنه قول بعضهم:
  • قالت وكنت رجلا فطينا … هذا لعمر الله إسرائينا (62) والقول مرفوع بأجرى ومطلقا حال من القول وعند سليم متعلق بأجرى وقل فعل أمر وذا مفعول أول ومشفقا مفعول ثان.
جارٍ التحميل