مقدمة الشارح
قال الشيخ الأستاذ النحوى المحقق المقرئ اللغوى أبو زيد عبد الرحمن بن على بن صالح المكودى أبقى الله بركته بمنه وفضله وكرمه ونفعنا الله به آمين.
الحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين والرضا عن آله وأصحابه الهادين المهتدين.
أما بعد فهذا شرح مختصر على ألفية ابن مالك مهذب المقاصد، واضح المسالك، تفهم به ألفاظها، ويحظى بمعانيها حفاظها، معرب عن إعراب أبياتها، ومقرب لما شرد من عباراتها من غير تعرض للنقل عليها ولا إضافة غيرها إليها ولا إنشاد شواهد إلا ما لا بد منه ولا إيراد مذاهب إلا ما لا مندوحة عنه يستفيد به البادى ويستحسنه الشادى والباعث على ذلك أن بعض الطلبة المبتدئين والفئة المجتهدين المعتنين بحفظها القانعين بمعرفة لفظها طلب منى أن أضع شرحا على نحو ما ذكرته وأبين ألفاظها ومعانيها على حسب ما وصفته فأجبته إلى ما اقترح على وأسعفته بما أمّل لدى.
والله سبحانه وتعالى ينفعنا وإياه بالعلم ويرزقنا وإياه سلامة الإدراك والفهم بمنّه وكرمه آمين.
قال محمّد هو ابن مالك … أحمد ربّى الله خير مالك
مصلّيا على النّبىّ المصطفى … وآله المستكملين الشّرفا
وأستعين الله فى ألفيّه … مقاصد النّحو بها محويّه
تقرّب الأقصى بلفظ موجز … وتبسط البذل بوعد منجز
وتقتضى رضا بغير سخط … فائقة ألفيّة ابن معط
وهو بسبق حائز تفضيلا … مستوجب ثنائى الجميلا
والله يقضى بهبات وافره … لى وله فى درجات الآخره
قال فعل ماض لفظا والمراد به الاستقبال، ووضع الماضى فى موضع المستقبل وارد فى كلام العرب كقوله عز وجل: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] ومحمد اسم الناظم- رحمه الله- وهو جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائى النسب الأندلسى الإقليم الجيانى المنشأ الدمشقى الدار، وبها توفى لاثنتى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة.
وقوله هو ابن مالك جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين قال ومحكيه، وأحمد فعل مضارع من حمد وربى مفعول والله بدل منه وخير مالك بدل بعد بدل
ومصليا حال من فاعل أحمد وعلى الرسول متعلق به والمصطفى مفتعل من الصفو وهو الخالص والمستكملين صفة لآله والشرفا مفعول بالمستكملين وأستعين جملة معطوفة على أحمد وما بعده محكى يقال إلى آخر الرجز.
وقوله فى ألفية أى فى نظم قصيدة ألفية والظاهر أن فى بمعنى على فإن الاستعانة وما تصرف منها إنما جاءت متعدية بعلى كقوله تعالى: وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان: 4]؛ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: 18]؛ إلا أن يجعل أستعين مضمنا معنى فعل يتعدى بفى كأستخير وشبهه.
ومقاصد النحو أى معظم النحو وجل مهماته والقصد فى الشئ عدم الإفراط فيه ومحوية أى مجموعة وهو خبر عن مقاصد وبها متعلق به والباء بمعنى فى وتقرب الأقصى أى تقرب البعيد للأفهام والموجز الكلام الكثير المعانى القليل الألفاظ وتبسط البذل أى توسع العطاء والوعد المنجز الموفى بسرعة وتقتضى رضا أى تطلب الرضا من قارئها غير المشوب بالسخط وفائقة منصوب على الحال من فاعل تقتضى وألفية منصوب بفائقة وهو مبتدأ مخبر عنه بخبرين وهما حائز ومستوجب وثنائى مفعول بمستوجب والجميلا صفته والله يقضى أى يحكم والهبات العطايا والوافرة الكثيرة والدرجات الطبقات من المراتب.
الكلام وما يتألف منه
الكلام خبر مبتدأ مضمر وهو على حذف مضاف وما موصولة واقعة على الكلم والضمير العائد عليها من الصلة هو المجرور بمن وفاعل يتألف ضمير عائد على الكلام والتقدير هذا باب الكلام والأشياء التى يتألف منها الكلام وهى الكلم ولو قال وما يتألف منها مراعاة لما وقعت عليه ما جاز ثم قال:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم … واسم وفعل ثم حرف الكلم
قوله كلامنا يعنى الكلام عند النحويين فاكتفى عن ذلك بإضافته إلى الضمير الدال على المتكلم ومعه غيره وهو نا وقوله لفظ مخرج لما ليس بلفظ كالإشارة وقوله مفيد مخرج لما لا فائدة فيه كقولنا النار حارة وشمل قوله مفيد الفائدة التى يحسن السكوت عليها وهى التركيبية وفائدة دلالة الاسم على مسماه كزيد ولذلك احتاج إلى إخراج الثانى بقوله كاستقم فالمثال تتميم للحد وفاقا للشارح لا مثال بعد تمام الحد خلافا للمرادى وقوله واسم وفعل ثم حرف الكلم.
الكلم مبتدأ وخبره مقدم عليه وهو اسم وفعل ثم حرف والمراد أسماء وأفعال وحروف وثم بمعنى الواو وليست على بابها من المهلة لتأخر رتبة الحرف عن الاسم والفعل كما قيل وقد بسطت الكلام على ذلك فى غير هذا المختصر ثم قال:
واحده كلمة والقول عمّ … وكلمة بها كلام قد يؤمّ
أى واحد الكلم كلمة والكلم اسم جنس مما يفرق بينه وبين مفرده بسقوط التاء وهذا النوع يجوز تذكيره وتأنيثه فلذلك قال واحده وقال ابن معطى واحدها.
قوله والقول عم يعنى أن القول يطلق على ما ذكر من الكلام والكلم والكلمة وهو مبتدأ وعم فعل ماضى فى موضع الخبر وحذف مفعوله اختصارا وتقديرا عم جميع ما ذكر.
وقوله وكلمة بها كلام قد يؤم يعنى أن الكلمة يقصد بها الكلام ويعنى بذلك فى اللغة لا فى الاصطلاح كقوله فى لفظ الشهادة كلمة وهو من باب تسمية الشئ باسم بعضه وجاز الابتداء بكلمة للتنويع لأنه نوعها إلى كونها إحدى الكلم وإلى كونها يقصد بها الكلام وخبرها فى الجملة بعدها وبها متعلق بيؤم ومعنى يؤم يقصد ثم قال:
بالجرّ والتّنوين والنّدا وأل … ومسند للاسم تمييز حصل
يعنى أن الاسم يمتاز ويتبين بخمسة أشياء الأول الجر وهو عبارة البصريين وعبارة الكوفيين الخفض وشمل الجر بحرف الجر وبالإضافة وبالتبعية الثانى التنوين وهو نون ساكنة زائدة بعد كمال الاسم تفصله عما بعده والمراد به التنوين الخاص بالأسماء وهو تنوين التمكين كرجل وتنوين التنكير كصه وتنوين العوض كيومئذ وتنوين المقابلة كمسلمات.
الثالث النداء وهو الدعاء بيا أو إحدى أخواتها الرابع أل وهى الألف واللام وأل عبارة الخليل وشملت الزائدة نحو اليزيد وغير الزائدة نحو الرجل.
الخامس الإسناد وهو المعبر عنه بمسند فإن مسندا يطلق على المصدر وهو اسم مفعول والتقدير وإسناد إليه ويحتمل هذا البيت وجوها كثيرة من الإعراب أظهرها أن يكون تمييز مبتدأ وحصل فى موضع الصفة له وخبره للاسم وبالجر متعلق بحصل والتقدير للاسم تمييز حاصل بكذا ثم قال:
بتا فعلت وأتت ويا افعلى … ونون أقبلنّ فعل ينجلى
يعنى أن الفعل ينجلى أى يظهر بأربعة أشياء الأول تاء فعلت والمراد بها تاء الضمير اللاحقة للفعل الماضى ويجوز ضبطه بالضم على أنها للمتكلم وبالفتح على أنها للمخاطب وبالكسر على أنها للمخاطبة وجميعها خاص بالفعل.
الثانى تاء أتت وهى تاء لتأنيث فاعله الثالث ياء افعلى وهى ياء المخاطبة وتلحق الأمر والمضارع الرابع نون أقبلن وهى نون التوكيد وتكون مشددة ومخففة وتلحق أيضا الأمر والمضارع وفعل مبتدأ وسوغ الابتداء به ما ذكر فى كلمة وينجلى خبره وبتا فعلت متعلق بينجلى ثم قال:
سواهما الحرف كهل وفى ولم … فعل مضارع يلى لم كيشم
وماضى الأفعال بالتّا مز وسم … بالنّون فعل الأمر إن أمر فهم
(سواهما الحرف) يعنى أن ما لا يقبل العلامات المذكورة هو حرف فسواهما مبتدأ والحرف خبره ويجوز عكسه وهو الأظهر فإن سوى عند الناظم بمعنى غير فإضافتها لا تعرف ولما كانت الحروف على ثلاثة أقسام مشترك بين الأسماء والأفعال ومختص بالأسماء ومختص بالأفعال أتى لكل واحد من الأقسام بمثال فقال: (كهل وفى ولم) فهل مثال للمشترك وفى مثال للمختص بالاسم ولم مثال للخاص بالفعل ثم قال (فعل مضارع يلى لم
كيشم) لما أتى فى تعريف الفعل بالعلامات التى تخصه على الجملة وكانت الأفعال على ثلاثة أقسام بين المضارع من قسيميه بما يختص به وهو لم أو إحدى أخواتها ففعل مبتدأ ومضارع نعت له وخبره الجملة وقوله كيشم مثال للمضارع فهو متأخر من تقديم والتقدير فعل مضارع كيشم يلى لم لا مثال للمضارع المقترن بلم إذ لو كان كذلك لقال كلم يشم والماضى شمم بالكسر لأنك تقول شممت هذه اللغة الفصيحة ويقال شممت بالفتح ومضارعه على هذه اللغة أشم بالضم ثم قال: (وماضى الأفعال بالتا مز) يعنى أن الفعل الماضى يمتاز عن المضارع والأمر بصلاحيته للتاء وأل فى التاء للعهد وشملت التاءين المذكورتين وهما تاء الضمير وتاء التأنيث الساكنة.
ثم قال: (وسم بالنون فعل الأمر إن أمر فهم) يعنى أن فعل الأمر يمتاز بشيئين صلاحيته لنونى التوكيد وهو معنى قوله وسم بالنون وإفهام الأمر وهو معنى قوله إن أمر فهم وأل فى النون للعهد وهى نون التوكيد المتقدمة ثم قال:
والأمر إن لم يك للنّون محلّ … فيه هو اسم نحو صه وحيّهل
يعنى أن اللفظ إذا أفهم الأمر ولم يكن صالحا للنون فهو اسم فعل ولذلك مثله بصه ومعناه اسكت وحيهل معناه أقبل أو عجل أو أقدم وليس فى هذا البيت زيادة على ما أفهم البيت الذى قبله إلا كون غير القابل للنون مما أفهم الأمر يقال فيه اسم فعل لأنه صرح بأنه اسم فى قوله هو اسم وفهم كونه اسم فعل من تمثيله بصه وحيهل.