أفعال المقاربة
ككان كاد وعسى لكن ندر … غير مضارع لهذين خبر
وكونه بدون أن بعد عسى … نزر وكاد الأمر فيه عكسا
وكعسى حرى ولكن جعلا … خبرها حتما بأن متّصلا
وألزموا اخلولق أن مثل حرى … وبعد أوشك انتفا أن نزرا
ومثل كاد فى الأصحّ كربا … وترك أن مع ذى الشّروع وجبا
أفعال هذا الباب على ثلاثة أقسام: قسم لمقاربة الفعل وقسم لرجائه وقسم للشروع فيه.
وسميت كلها أفعال المقاربة تغليبا فالذى لمقاربة الفعل كاد وكرب وأوشك والذى للرجاء عسى واخلولق وحرى والذى للشروع جعل وأخذ وطفق وعلق وأنشأ وقد أشار إلى القسم الأول والثانى بقوله: (ككان كاد وعسى) يعنى أن كاد وعسى مثل كان فى كونها ترفع الاسم وتنصب الخبر إلا أن خبر كاد وعسى لا يكون فى الغالب إلا فعلا مضارعا وقد نبّه على ذلك بقوله: (لكن ندر غير مضارع لهذين خبر) ومما جاء فيه الخبر غير مضارع على وجه الندور قوله:
- فأبت إلى فهم وما كدت آيبا 1
وقولهم فى المثل عسى الغوير أبؤسا.
وكاد مبتدأ وخبره ككان، وعسى معطوف على كاد وغير مضارع فاعل بندر ومعنى ندر قلّ ولهذين متعلق بندر وخبر حال ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويجوز ضبط غير بالفتح على أن يكون حالا وخبر هو الفاعل بندر إلا أن فى هذا الوجه صاحب الحال نكرة محضة وهو قليل وسوغ ذلك تأخير صاحب الحال وهو خبر وهو قليل.
ثم قال: (وكونه بدون أن بعد عسى نزر) يعنى أن اقتران المضارع الواقع خبرا لعسى بأن كثير كقوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة: 102] وخلوّه منها نزر قليل كقول الشاعر: - عسى الكرب الذى أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب 2 ثم قال: (وكاد الأمر فيه عكسا) يعنى أن القليل فى عسى وهو خلوّه من أن هو الكثير فى كاد نحو قوله عز وجل: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71] والكثير فى عسى وهو اقترانه بأن هو القليل فى كاد نحو قوله:
- قد كاد من طول البلى أن يمصحا 3
وكونه مبتدأ وبدون متعلق به وكذلك بعد ونزر خبر المبتدأ وكاد مبتدأ والأمر مبتدأ ثان وخبره عكس والجملة خبر المبتدأ الأول.
ثم قال: (وكعسى حرى) يعنى أن حرى مثل عسى فى المعنى الذى هو الرجاء قيل ولم يذكر حرى فى هذا الباب غيره.
ثم قال: (ولكن جعلا خبرها حتما بأن متصلا) يعنى أن حرى وإن كانت بمعنى عسى فهى مخالفة لها فى الاستعمال بلزوم خبرها أن فحرى مبتدأ خبره كعسى وخبرها مرفوع بجعلا ومتصلا مفعول ثان بجعلا وحتما حال من الضمير المستتر فى متصلا أو نعت لمصدر محذوف والتقدير اتصالا حتما أى واجبا.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وألزموا اخلولق أن مثل حرى) يعنى أن اخلولق لا يستعمل خبرها إلا مقرونا بأن فهى إذا
مثل حرى إلا أنه لم ينبه على أنها شبيهة فى المعنى بعسى كما نبه على حرى وقد تقدم أنها من باب عسى فتقول اخلولق زيد أن يفعل ولا يجوز يفعل.
وقوله وألزموا يعنى العرب واخلولق مفعول أول بألزموا وأن مفعول ثان ويجوز العكس ومثل منصوب على الحال من اخلولق.
ثم قال: (وبعد أوشك انتفا أن نزرا) يعنى أن خلوّ خبر أوشك من أن قليل فهى فى ذلك كعسى فى الاستعمال لا فى المعنى فإن عسى للرجاء وأوشك للمقاربة كما تقدم، وانتفا أن مبتدأ خبره نزرا وبعد متعلق بنزرا أو بانتفا.
ثم قال: (ومثل كاد فى الأصح كربا) يعنى أن الأكثر فى خبر كرب تجرده من أن وقد يقترن بها قليلا كقوله:
- وقد كربت أعناقها أن تقطعا 1
وأشار بقوله فى الأصح إلى مخالفة سيبويه فإنه لم يذكر فيها غير التجرد من أن، ويقال كرب بفتح الراء وكسرها والأول أفصح ومثل كاد مبتدأ وكرب خبره ويجوز العكس وفى الأصح متعلق بمثل.
ثم قال (وترك أن مع ذى الشروع وجبا) يعنى أن الأفعال الدالة على الشروع لا يقترن خبرها بأن لأنها دالة على الحال وأن للاستقبال فتنافيا، وترك أن مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى المفعول ووجب خبره ومع ذى متعلق بترك.
ثم مثل بخمسة من أفعال الشروع وجميعها بمعنى واحد فقال: كأنشأ السّائق يحدو وطفق … كذا جعلت وأخذت وعلق
فأنشأ فعل ماض دال على الإنشاء والسائق اسمها وهو الذى يسوق الإبل أى يقدمها ويحدو فى موضع خبرها وطفق معطوف على أنشأ، ويقال طفق بفتح الفاء وطفق بالفاء المكسورة وطبق بالباء وهى مكسورة، وفهم من
إتيانه بكاف التشبيه مع أنشأ عدم الحصر فإنه زاد فى التسهيل عليها هب وقام.
ثم قال:
واستعملوا مضارعا لأوشكا … وكاد لا غير وزادوا موشكا
أفعال هذا الباب كلها لا تتصرف بل تلزم لفظ الماضى كما نطق بها الناظم إلا كاد وأوشك، أما كاد فيستعمل منها المضارع نحو قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: 43] وأما أوشك فيستعمل منها المضارع كقوله:
- يوشك من فرّ من منيّته … فى بعض غرّاته يوافقها 1 ويستعمل أيضا منه اسم الفاعل، وإليه أشار بقوله: وزادوا موشكا، ومنه قوله:
- فموشكة أرضنا أن تعود … خلاف الأنيس وحوشا يبابا 2
وقوله واستعملوا يعنى العرب وكاد معطوف على أوشك ولا عاطفة عطفت غير على أوشك وكاد ولكنها بنيت على الضم لقطعها عن الإضافة والتقدير لأوشك وكاد لا غيرهما.
ثم قال: بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد … غنى بأن يفعل عن ثان فقد يعنى أن هذه الأفعال الثلاثة وهى عسى واخلولق وأوشك تسند لأن يفعل ويستغنى به عن ثان من الجزأين وتكون حينئذ أفعالا لازمة تكتفى بالفاعل فتقول عسى أن يقوم زيد واخلولق أن يقوم زيد وأوشك أن تقوم هند، ومنه قوله عز وجل: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ [البقرة: 216] وقد فى قوله قد يرد للتحقيق لا التقليل لكثرة ورود ذلك واخلولق وأوشك معطوفان على عسى
على حذف العاطف وينبغى أن ينطق بعد الشين من أوشك بقاف مشددة لأن الكاف من أوشك مدغمة فى القاف بعد قلبه قافا لأجل استقامة الوزن وغنى فاعل بيرد وبأن متعلق بغنى لأنه مصدر وكذلك عن وبعد فى أول البيت متعلق بيرد.
ثم قال:
وجرّدن عسى أو ارفع مضمرا … بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
يعنى أن عسى إذا ذكر قبلها اسم جاز أن تجرد من الضمير وتسند إلى أن يفعل وجاز أن ترفع ضميرا يعود على الاسم السابق ويظهر أثر الاستعمالين فى التأنيث والتثنية والجمع فتقول على الاستعمال الأول هند عسى أن تفعل والزيدان عسى أن يفعلا والزيدون عسى أن يفعلوا والهندات عسى أن يفعلن وعلى الاستعمال الثانى هند عست أن تفعل والزيدان عسيا أن يفعلا والزيدون عسوا أن يفعلوا والهندات عسين أن يفعلن وظاهره أن هذين الاستعمالين خاصان بعسى لاقتصاره على ذكرها والصواب أن ذلك فى الأفعال الثلاثة المذكورة إذ لا فرق وعليه شرح المرادى، وقوله: وجردن عسى يعنى من الضمير وعسى مفعول بجردن وأو للتخيير وبها متعلق بارفع وقبلها متعلق بذكر واسم مرفوع بفعل مضمر يفسره ذكر، ثم قال:
والفتح والكسر أجز فى السّين من … نحو عسيت وانتقا الفتح زكن
يعنى أن عسى إذا أسند إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب أو غائبات نحو عسيت وعسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتن يجوز فى سينه الفتح والكسر والفتح أجود وبه قرأ غير نافع ولذلك قال: (وانتقا الفتح زكن)، أى واختيار الفتح علم، وفهم من قوله نحو عسيت تعميم المثل المتقدمة فإنها كلها مثل عسيت فيما ذكر وقوله والفتح مفعول مقدم بأجز وكسر معطوف عليه وانتقا الفتح زكن جملة من مبتدأ وخبر.