وقد يتبرد بالماء في الضرورة من شدة الحر.
والذي عليه أكثر أصحابنا الفرق بين أن يستكرهها على الوطء أو يستكرهها على الأكل والشرب.
وخرَّج ابن عقيل رواية [أخرى] أن الإِكراه على الأكل والشرب يفطر كالاستكراه على الوطء.
فأما الاحتلام وذرع القيء؛ فإنه لا يفطر قولاً واحداً.
وأما إذا أكره على الأكل بالضرب أو الحبس أو الوعيد حيث يكون إكراهاً, حتى أكل بنفسه؛ فهل يفسد صومه؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي في «خلافه».
أحدهما: لا يفطر أيضاً, وهو قول القاضي في «المجرد» وأبي الخطاب وغيرهما.
الثاني: يفطر هنا, وهو قول ابن عقيل.
وينبغي أن يكون في جواز الفطر هنا روايتان؛ كالروايتين في جواز أكل الدم والميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر.
والله تعالى أعلم.
الفصل الثامن: أنه إنما اشترط أن يفعله عامداً ذاكراً لصومه.
فالعامد خرج به المخطئ والمكره.
فإذا فعل جاهلاً:
فإما أن يجهل أن ذلك الوقت من نهار رمضان؛ مثل أن يعتقد أن ذلك اليوم ليس من رمضان, أو يعتقد أن الفجر لم يطلع؛ فإن هذا يفطر؛ كما سيأتي إن
شاء الله تعالى.
وإما أن يجهل ذلك الشيء مفطر؛ فذكر أبو الخطاب أنه لا يفطر.
476 - 477 - لأن عدي بن حاتم ورجلاً من المسلمين كانوا يأكلون حتى يتبين لهم العقال الأبيض من العقال الأسود؛ معتقدين أن ذلك معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187], ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء؛ لكونهم غير عالمين بأن الأكل في هذا الوقت مفطراً.
لأن الجهل أشد عذراً من النسيان؛ فإن الناسي قد كان علم ثم ذكر, والجاهل لم يعلم أصلاً؛ فإذا كان النسيان عذراً في منع الإِفطار؛ فالجهل أولى.
ولأن الصوم من باب الترك, ومن فعل من نهي عنه جاهلاً بالنهي عنه؛ لم يستحق العقوبة, فيكون وجود الفعل منه كعدمه؛ فلا يفطر؛ كالناسي.
والمنصوص عن أحمد فيمن احتجم جاهلاً بالحديث: أنه يفطر.
ولذلك ذكر القاضي [في مسألة تطيبه في الحج ناسياً] وغيره من أصحابنا: أن العالم بحظره والجاهل سواء؛ قال: لأن كل عبادة حظر فيها معنى من المعاني؛ فإن حكم العالم بحظره والجاهل به سواء.
478 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالذي يحتجم, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم», ولم يكن يعلم أن ذلك منهي عنه.
ولأن من أفطر جاهلاً؛ لم يقصد فعل [العبادة] التي أمر بها, فتبقى في عهدته حتى يقضيها؛ كمن ترك الصوم جاهلاً بوجوبه, أو ترك تبييت النية جاهلاً بأن اليوم من رمضان أو ناسياً؛ بخلاف من قصد الكف والإِمساك عن الطعام, ثم أكله ناسياً لصومه؛ فإن له نظراً صحيحاً, وفعله الذي صدر لا يقدح فيه.
والصوم, وإن كان [تركاً, لكن يشبه] الأفعال من حيث وجوب النية فيه؛ بخلاف ترك جميع المحرمات؛ فإنه يكفي في عدم الإِثم عدم الفعل, وهنا لا بد من قصد الامتثال, فله شبه بالمأمورات من وجه, وبالمنهيات من وجه.
ومن أمر بترك الأكل والشرب, فلم يقصد ذلك ولم يرده؛ لم يمتثل ما أمر به البتة.
مسألة:
وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار, أو مضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء, أو فكر فأنزل, أو قطر في إحليله, أو احتلم, أو ذرعه القيء؛ لم يفسد صومه.
في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن ما دخل إلى فم الصائم بغير اختياره لا يفطره.
مثل أن يطير إلى حلقه غبار الطريق أو الذباب ونحو ذلك؛ فإنه لا يفطر
به.
نص عليه؛ لأنه مغلوب على ذلك, فأشبه الاحتلام وذرع القيء.
فإن قصد جمعه [وابتلاعه, أي الغبار, ونحوه, أفطر]
وإن اجتمع في فيه بغير قصد, فابتلعه بقصده؛ أفطر أيضاً.
قاله أبو محمد.
فإن اعتمد القعود في موضع يصيبه ذلك لحاجة, مثل أن يغربل الدقيق, أو يقعد عند منْ يغربله لحاجة, فدخل إلى فمه؛ لم يفطر.
ذكر ابن عقيل.
الفصل الثاني: إذا تمضمض أو استنشق ولم يزد على الثلاث ولم يبالغ, فسبقه الماء فدخل في جوفه؛ فإنه لا يفطر, سواء توضأ لفريضة أو نافلة.
نص عليه.
لأنه دخل بغير اختياره, فلم يفطره؛ كالذباب والغبار.
ولأنه نوع لا يوجب الكفارة, فلا يفطر ما وقع بغير اختياره؛ كذرع القيء.
فإن قيل: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه هنا مختار في الفعل الذي يتولد منه الدخول, وهو قادر على تركه في الجملة؛ بخلاف الذباب.
الثاني: المضمضة والاستنشاق من فعله, فإذا سبقه شيء إلى حلقه؛ كان ذلك لسوء فعله, فيفطر.
قلنا: لا فرق فيما غلب عليه بين أن يفعل سببه أو لا يفعله إذا كان سببه مباحاً من غير كراهة؛ فإنه لو أخذ ينخل الدقيق, فطار إلى حلقه؛ لم يفطر, وذلك لأن الشرع إذا أذن له في السبب؛ لم يؤاخذه بما يتولد منه.
ولهذا قلنا: سراية القَوَدِ غير مضمونة, وسراية التأديب والتعزير غير مضمونة؛ كسراية إقامة الحدّ.
وبهذا يظهر الجواب عن الوجه الثاني؛ فإنه إذا أذن له في المضمضة والاستنشاق, وفعل ما أذن له فيه بحسب وسعه؛ لم يضمن ما تولد من ذلك؛ كالرائض إذا ضرب الدابة, ولأنه [لم يتعد] المشروع لم يضمنه؛ كبقايا ما بين الأسنان إذا دخل؛ فإن بالغ في الاستنشاق أو زاد على المرة الثالثة فدخل الماء إلى حلقه؛ فقد قال بعض أصحابنا: هو مكروه.
والأشبه أنه محرم إن غلب على الظن دخوله إلى الجوف.
قال أحمد في رواية عبد الله في الصائم تمضمض فغلبه الماء فدخل حلقه: لا شيء عليه إذا غلبه, أو تمضمض أكثر من ثلاث: فيعجبني أن يعيد ذلك اليوم.
وذكر أبو الخطاب وغيره فيها وجهين:
أحدهما: وجوب الإِعادة عليه.
وهو الذي ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما.
وقال ابن أبي موسى: إن دخل حلقَه الماءُ فيما زاد على الثلاث؛ أفطر قولاً واحداً.
479 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائماً».
480 - ولقوله: «الوضوء ثلاث؛ فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم».
فإذا فعل ما نهي عنه؛ لم يعف عن سرايته....
ولأنه لو لم يكن ما ينزل من المبالغة مفطراً؛ لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
481 - ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «أرأيت لو وضعت في فيك ماء ثم مججته؛ أكنت تفطر؟».
قال: لا.
قال: «فمه».
فشبه القبلة بالمضمضة في أن كلاًّ منهما مقدمة لغيره؛ فإذا لم يحصل ذلك الغير؛ لم يؤثر, فيجب إذا حصل ذلك الغير أن يؤثر, والمضمضة مقدمة الأكل, والقبلة مقدمة الإِنزال, ولولا أنهما مستويان في الموضعين؛ لما حسن قياس أحدهما بالآخر, وكان يقال: المضمضة لا تفضي إلى الفطر بحال؛ بخلاف القبلة, لكن القبلة ليست مشروعة بحال, والمضمضة مشروعة في بعض المواضع, فما كان منها مشروعاً؛ خرج عن هذا القياس, فيبقى غير المشروع كالقبلة سواء.
الثاني: لا يفطر؛ لأنه فعل مغلوب عليه, فلم يفطر؛ كالثالثة.
فإن اغتمس في ماء, فدخل الماء حلقه أو أنفه أو أذنه, أو اغتسل فدخل فمه أو أذنه أو أنفه, وتمضمض لغير طهارة, فدخل الماء حلقه بغير اختياره؛
فإن كان ذلك لطهارة مشروعة؛ مثل أن يغسل فمه من نجاسة به, أو يغسل غسلاً مشروعاً كالجنابة والجمعة؛ فهو كما لو سبقه الماء في المضمضة والاستنشاق.
وإن وضع الماء في فمه للتبرد أو عبثاً [أو اغتسل عبثاً] أو اغتمس في الماء, أو أسرف في الاغتسال عبثاً؛ فكلامه يقتضي روايتين:
أحدهما: يفطر.
[والثانية: لا يفطر].
فقد قال في رواية ابن القاسم: كل أمر غلب عليه؛ فليس عليه فضاء, ولا غيره, وسواء ذكر أو لم يذكر.
قيل له: يفرق بين المتوضأ للفريضة ومن توضأ للتطوع؟ قال: هو سواء إذا لم يتعمد إنما غلب, وقد يتبرد بالماء في الضرورة من شدة الحر.
فقد نص على أنه إذا تبرد من شدة الحر, فدخل أنفه أو فاه وهو مغلوب عليه؛ لم يفطر؛ لأنه دخل المفطر إلى جوفه بغير اختياره فلم يفطر؛ كما لو دخل في المضمضة والاستنشاق وما في معنى ذلك؛ لم يفطر.
اهـ.
ولأنه نوع من المفطرات, فلم يؤثر إذا وجد بغير قصد منه؛ كالقيء والاحتلام, وهذا بخلاف نزول الماء عن مباشرة؛ فإنه, وإن لم يقصد نزول الماء, لكن هو لا ينزل الماء إلا بالمباشرة؛ فإذا فعل المباشرة؛ فقد فعل السبب الذي [منه] يستنزل الماء.
وأيضاً الابتلاع والازدراد في الغالب إنما يكون بقصده, ولا [مقصد] له في ذلك.
[والسباحة]: لا تفطر.
قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يدخل مسامعه وحلقه الماء؛ فلا بأس أن ينغمس فيه.
482 - ورووا عن مبارك عن الحسن: أنه كره أن يغوص في الماء, وقال: «إن الماء يدخل في مسامعه».
وقال في رواية أبي الصقر: إذا استعط أو وضع على لسانه دواء, فدخل حلقه؛ فعليه القضاء.
وقال في رواية حنبل: وقد يسأله عن الرجل يصوم, ويشتد عليه الحرّ؛ ترى له أن يبل ثوباً أو يصب عليه يتبرد بذلك ويتمضمض ويمجه؟
483 - قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم».
وأما المضمضة؛ فلا أحب أن يفعله, لعله أن يسبقه إلى حلقه, ولكن يبل ثوباً ويصب عليه الماء.
وسئل عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه؟ قال: «يرش على صدره أحب إليَّ».
لأنه غير مأمور من الشرع بهذه الأشياء؛ فإذا فعلها؛ كان ضامناً لما يتولد منها من الفطر كما يضمن ما يتولد من ضرب الغير.
ولأن مباشرته للسبب المقتضي لدخول هذه الأشياء إلى جوفه بغير أمر
الشرع اختيار منه وقصد إذا لم يغلب على الظن دخول الداخل إلى جوفه.
فأما إن غلب على ظنه؛ حرم عليه فعله وأفطر بما يتولد منه بلا تردد.
ومن أصحابنا من فرق في هذه المواضع بين ما تدعو إليه الحاجة ويباح فعله من غير كراهة وما ليس كذلك, وما كان من هذه الأشياء لا حاجة إليه؛ فهو مكروه إن خيف حصول الفطر منه.
فأما ما يحتاج إليه لغير الطهارة....
وأما الاغتسال ودخول الحمام؛ فلا بأس به إذا لم يخف الضعف من الحمام.
قال في رواية ابن منصور: الصائم يدخل الحمام وإن لم يخف الضعف.
وقال في رواية حنبل: لا بأس بالاغتسال من الحر.
484 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام, ثم يغتسل ويصوم».
متفق عليه.
485 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر».
رواه أحمد وأبو داوود.
486 - قال البخاري: «وبل ابن عمر ثوباً, فألقاه عليه وهو صائم».
487 - قال: وقال أنس: «إن لي أبزن أتقحم فيه وأنا صائم».
488 - وعن ابن عباس: «أنه دخل الحمام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان».
رواه أبو بكر.
489 - وعن علي....
فصل:
وما يجتمع في فمه من الريق ونحوه إذا ابتلعه؛
لم يفطر ولم يكره له ذلك, سواء بلعه باختياره أو جرى إلى حلقه بغير اختياره, إذا كان الريق قد اجتمع بنفسه.
لأن اجتماع الريق بنفسه أمر معتاد, وفي إيجاب التبصق مشقة عظيمة.
فأما إن جمعه وابتلعه؛ فإنه يكره له ذلك.
وهل يفطر؟ على وجهين خرَّجهما القاضي وابن عقيل وغيرهما على الروايتين في النخامة إذا استدعاها ثم ازدردها.
أحدهما: يفطر.
لأنه يمكن الاحتراز منه, فأشبه ما لو فصله عن فيه ثم ابتلعه.
والثاني: لا يفطر.
وهو ظاهر كلامه.
فإنه نص على الفرق بين النخامة والبصاق إلا إذا ابتلعها, لا فرق بين أن يقتلعها من جوفه أو تخرج بنفسها ثم يزدردها عمداً.
والريق لو اجتمع بنفسه ثم ابتلعه عمداً: لم يفطره قولاً واحداً.
أو جمعه هو ليس مفطراً؛ لأن حصول المفطر في الفم لا يوجب الفطر, لم يبق إلا مجرد ازدرادها, وذلك أيضاً لا يفطر؛ كما لو اجتمعت بنفسها فازدردها عمداً.
وإن أخرج لسانه وعليه ريق, فأبرزه عن شفتيه, ثم أعاده وابتلعه؛ لم يفسد صومه بذلك.
قاله القاضي وابن عقيل وعامة أصحابنا.
لأنه بلل متصل به, فلم يفطره؛ كما لو بقي في الفم.
وحكي عن ابن عقيل: أنه يفطر.
وهو غلط عليه, وإنما قال: فيمن أخرج ريقه إلى شفتيه, ثم ازدرده؛ أفسد لأنه....
وإن انفصل الريق عن فيه إلى ثوبه أو يده ونحو ذلك, ثم أعاده إلى فيه
وازدرده؛ أفطر.
ذكره بعض أصحابنا؛ لأنه يمكنه الاحتراز منه, ولأنه ابتلعه من غير فمه, فأشبه ما لو ابتلع غيره, حتى قال ابن عقيل وغيره: إن خرج ريقه إلى شفتيه ثم ازدرده؛ أفطر؛ لأنه صار مخرجه عن فمه [في حكم الظاهر].
[وإن تعلق بخيط أو غيره...].
وإن كان في فمه حصاة أو درهم, فأخرجه وعليه بلَلُ ريقه ثم أعاده وابتلع بعد ذلك ريقه:
فقال ابن عقيل: يفطر بابتلاع الريق الذي كان على ذلك الجسم؛ بخلاف ما لو أخرج لسانه وعليه الدرهم ثم أعاده؛ لم ينبغ أن يفطر هنا.
وقال غيره من أصحابنا: إن كان عليه من الريق كثيراً؛ أفطر, وإن كان يسيراً؛ لم يفطر؛ لأنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه, فلا تفطره؛ كآثار المضمضة والسواك الرطب.
ومثل ذلك أيضاً لو أدخل إلى فيه حصاة مبلولة بماء أو نحوه, أو مص لسان غيره ونحو ذلك مما يكون عليه رطوبة يسيرة؛ ففيه الوجهان المذكوران.
ولو تعلق بصاقه بخيط ونحوه, ثم أعاده إلى فمه؛ فينبغي أن يخرَّج على هذين الوجهين.
وإن كان للخيط طعم:
قال عبد الله: سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط؟ يعجبني أن يتبزق.
وجعل بعض أصحابنا التبزق لما يجده من طعم الخيوط.
والأظهر أن التبزق لما يصير على خيط من الريق, ثم يعود إلى فمه, ولأنه نص على أن وضع الدينار والدرهم في الفم لا بأس به ما لم يجد طعمه.
وإن ابتلع نخامة من صدره أو رأسه؛ فإنه يكره.
وهل يفطر؟ على روايتين:
إحداهما: يفطر.
قال في رواية حنبل: إذا تنخم الصائم ثم ازدرده؛ فقد أفطر, فإن بلع ريقه؛ لم يفطر؛ لأن النخامة تنزل من الرأس والريق من الفم, فبينهما فرق.
ولو أن رجلاً تنخع من جوفه, ثم ازدرده؛ فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه, وكان بمنزلة من أكل شيئاً.
ولا ينبغي أن يتنخع ويقلع من جوفه [بلغماً] أو غيره؛ إلا أن يغلبه أمر, فيقذفه ولا يزدرده؛ فقد نص على الفطر بنخامة الرأس والصدر, وجعل نخامة الصدر بمنزلة القيء لا يتعمد إخراجها إلا أن يغلب, وهذا لأنه خارج [من البطن] أمكن التحرز من عوده, فأفطر به؛ كالقلس والدم.
والثانية: لا يفطر.
قال ابن عقيل: وهي أصحهما.
قال في رواية المروذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وأنت صائم؛ إلا أنه لا يعجبني أن يفعل.
والنخاعة إذا كانت من الصدر ليس فيها طعام؛ فلا بأس, وإن استقاء
حتى يخرج الطعام؛ فعليه القضاء.
ونقل أبو طالب....
فقد نص على أن النخاعة لا يفطر ابتلاعها مطلقاً, وبيَّن أن التي تخرج من الصدر لا يفطر [بخروجها]؛ إلا أن يخرج الطعام فيكون قيئاً, وهذا....
وذكر ابن أبي موسى: أن الروايتين في نخامة الصدر, فأما التي من الرأس؛ فيفطر رواية واحدة, والفرق بينهما أن التي من الصدر بمنزلة البصاق؛ بخلاف التي من الرأس.
فأما القلس إذا خرج ثم عاد بغير اختياره؛ لم يفطره, وإذا ابتلعه عمداً؛ فإنه يفطر, نص عليه في رواية صالح: إذا ابتلع القلس؛ أعاد صومه, وأما في الصلاة؛ فإن كان بقدر ما يكون في الأسنان؛ فأرجو أن لا يكون عليه قضاء الصلاة.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا فرق بين الصلاة والصيام, وكذلك لو جرح فمه فسال دمه, كذلك ما يبقى بين الأسنان من خبز ولحم أو سويق ونحو ذلك, إذا أمكنه أن يلفظه فابتلعه ذاكراً لصومه؛ أفطر, سواء كان قليلاً أو كثيراً.
قال ابن أبي موسى: إن بقي بين أسنانه من طعام ما يعلم به ويقدر على
لفظه فازدرده؛ أفطر, وإن كان لا يعلم به, فجرى به الريق عن غير قصد, ويقدر على لفظه, فازدرده؛ لم يفطر.
وإن أصبح وهو في فيه, فلفظه؛ لم يفطر.
فأما ما يجري به الريق وهو ما لا يتميز عن الريق؛ فإنه لا يفطر به؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة, وهو التبزق.
وإذا تنجس فمه بالقيء أو الدم ونحوهما, أو بشيء من خارج, وابتلع ريقه؛ لم يفطر بابتلاع الريق, وإن كان نجساً؛ إلا أن يكون معه جزء من النجاسة يمكن لفظه؛ لأن ما يجري به الريق لا يفطر به؛ كأثر المضمضة وأثر الطعام؛ إلا أن يكون قد وضع النجاسة في فمه عمداً.
فصل:
وما يوضع في الفم من طعام أو غيره
لا يفطر؛ لأن المضمضة جائزة بالسنة المستفيضة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتمضمضون في وضوئهم وهم صيام.
وقد قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائماً»؛ فأمره بالاستنشاق مع الصوم دون المبالغة فيه.
وقد ضرب لعمر المثل بالمضمضة في أنها لا تفطر الصائم.
490 - ولما روي...: «أن أسامة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم, وقد شج ودمه يسيل, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمص الدم من شجته».
والدم محرم أكله, ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم [بإدخاله] الدم إلى فمه بآكل ولا منهي عنه في هذا الحال.
فكذلك الأشياء إذا دخلت فم الصائم لا تضره, لكن يكره ذلك إذا لم تدع إليه الحاجة؛ [لأن فيه حوماً حول الحمى].
فأما إن كان لحاجة؛ مثل أن يذوق طعم القدر أو خلاَّ ونحوه مما يريد شراءه, أو يمضغ الخبز للصبي ونحو ذلك؛ ففيه روايتان:
إحداهما: يكره.
491 - قال في رواية حنبل: عن عكرمة, عن ابن عباس: «لا بأس أن يذوق الصائم الخل والشيء الذي يريد شراءه ما لم يدخل حلقه».
492 - ومنصور عن الحسن: «أنه كان يمضغ الجوز والشيء لابنه, وهو صائم».
قال أبو عبد الله: أحب إليَّ أن يجتنب الصائم ذوق الشيء, فإن فعل؛ لم يضره, ولا بأس به».
وهو اختيار أبي الخطّاب.
والثانية: لا يكره.
قال في رواية أبي الحارث: يمضغ للصبي الخبز في شهر رمضان ضرورة.
وهذا قول أبي بكر وابن عقيل.
وقال القاضي: إذا كان الشيء الذي يذوقه مما يتحلل إلى حلقه مثل الخل وغيره من الأشياء؛ منع من ذلك.
[وإن كان ما لا يتحلل غالباً كالخبز والقثاء ونحو ذلك؛ جاز له ذلك]؛ فإن فعل, فوجد طعمه أو نزل إلى جوفه بغير اختياره:
فقال أبو بكر: لا يضرُّه ما لم يبلعه أو يزدرده متعمداً, وعلى الغلبة لا قضاء عليه.
وقال القاضي وأصحابه وغيرهم من أصحابنا: يفطر بنفس وجود الطعم, وإن ذاقه ثم لفظه؛ لأنه يُعلم أنه قد تحلل إلى حلقه منه شيء؛ بخلاف ما إذا لم يجد طعمه في حلقه, وبخلاف العلك الذي يصلب بالعلك؛ فإن الريق يتميز عنه ويأخذ الطعم منه, وهذه المذوقات لا يتميز الريق منها.
وأكثر كلام أحمد على هذا, ورواية ابن القاسم توافق قول أبي بكر.
فأما وضع ما لا طعم له؛ فلا يكره.
قال في رواية المروذي: إذا وضع الصائم في فمه ديناراً أو درهماً وهو صائم؛ أرجو أن لا يكون به بأس؛ ما لم يجد طعمه, وما وجد طعمه لا يعجبني.
قال ابن عقيل: وهذا عندي محمول على أجزاء ما يكون على الدينار من غبار وما شاكله, فأما الذهب؛ فلا طعم له في نفسه, ولو كان له طعم؛ فإنه لا يتحلل منه شيء إلى الفم.
وإذا وجد طعم الدرهم والدينار؛ ففيه وجهان على ما ذكره القاضي.
فأما ما يبقى في الفم من أجزاء الماء في المضمضة؛ فإنه لا يفطر بوصوله إلى جوفه, وإن أمكن الاحتراز عنه بالبصق, ولا يستحب إخراجه.
فأما ما يبقى من أثر المذوق....
ويكره للصائم مضغ العلك, وهو الموميا واللبان, الذي كلما علكه؛ قوي وصلب ولم يتحلل منه شيء؛ لما تقدم من أنه لا حاجة إليه, وهو يحلب الفم
ويجمع الريق فيه ويورث العطش, وجمع الريق وبلعه مكروه, ولا يفطر باجتماع هذا الريق وابتلاعه ما لم يجد طعم العلك.
قاله القاضي وغيره من أصحابنا.
وذكر ابن عقيل فيه الروايتين التي تقدمت فيمن جمع الريق وبلعه: فإن ابتلع الريق فوجد طعم العلك في حلقه؛ فقد قال أحمد فيما إذا وجد طعم الدينار: لا يعجبني.
وهذا مثله, وفيه وجهان:
أحدهما: أنه يفطر.
قال القاضي: وهو ظاهر قوله: «لأنه وجد الطعم في حلقه», فأفطر كما لو [وجد طعم الكحل] وأولى, ولأن الريق باختلاطه بالعلك وامتزاجه به صار بمنزلة شيء من خارج, فإذا بلعه؛ فقد بلع جسماً له طعم فيفطر؛ كما لو مزج ريقه بخل ثم بلعه.
والثاني: لا يفطر.
لأن الطعم عرض, وهو لم ينزل في حلقه شيء من الأجسام, وهو لا يفطر بهذا؛ كما لو وضع رجله في الماء فوجد بردها, كما لو لطخ رجله بالحنظل فوجد طعمه في فيه؛ فإنه لا يفطر.
فأما الذي يتحلل منه أجزاء وهو يتفشى ويتهرأ بالعلك:
فقال أصحابنا: لا يجوز له مضغه, ومتى مضغه فوجد طعمه في حلقه؛ أفطر.
وقال ابن عقيل: يحرم مضغه ويفسد الصوم؛ لأنه ابتلع في صومه ما يقدر على التحرز منه.
وقال غيرهما: يحرم؛ إلا إذا لم يبتلع ريقه.
وقال غيره: هذا إذا لم يكن إليه حاجة, فأما مع الحاجة؛ فيجوز.
وذكر القاضي: أنه لا يعلكه, ولم يكره؛ كما نص عليه أحمد في مضغ الجوز وغيره.
وإذا كانت الحاجة إليه؛ ففي الكراهة الروايتان.
وإذا وجد طعمه وأثره وبصاقه في فيه؛ فعلى الوجهين:
فإن مضغ هذا العلك, فنزل في حلقه منه شيء؛ أفطر؛ لأنه أجزاء منه؛ فهو كما لو جعل في [فمه] طعام, فذاب ونزل في حلقه.
وإن وجد الطعم, ولم يتيقن نزول الأجزاء؛ أفطر أيضاً.
قاله أبو الخطاب.
وهو مقتضى قول القاضي؛ لأن طعم هذه العلك لا ينفصل عن أجزائها؛ فإنها تختلط بالريق وتمتزج به.
وهل يكره السواك الرطب؟ على روايتين:
إحداهما: يكره.
نقلها الأثرم, فقال: لا يعجبني السواك الرطب.
والثانية: الرطب واليابس سواء.
قال في رواية ابن هانئ: أرجو؛ أي: سواء كان الرطب واليابس للصائم.
وهو اختيار أبي بكر.
وأما ابتلاع ريق الغير؛ فإنه يفطر أيضاً فيما ذكره أصحابنا.
493 - واعتذروا عما روي عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها».
رواه أحمد وأبو داوود.
فإنه قد روي عن أبي داوود: أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح.
وإنه يجوز أن يكون المصُّ في غير وقت التقبيل, وأن يكون قد مصه ولم يبتلعه.
وحمله بعضهم على أن البلل الذي على لسانها لم يتحقق انفصاله إلى فيه ودخوله إلى جوفه لقلته, فلم يفطر على إحدى المقدمتين.
الفصل الثالث: إذا فكر فأنزل, أو قطر في إحليله, أو احتلم, أو ذرعه القيء؛ فإنه لا يفسد صومه.
أما القيء والاحتلام: فمن غير خلاف.
وأما إذا فكر فأنزل: فقد تقدم أن فيها وجهين:
وإذا قطر في إحليله: لم يفطر بمجرد ذلك, وكذلك لا يفسد صومه لو أنزل بغير شهوة؛ كالذي يخرج منه المني أو المذي لغير شهوة.
فصل
:
وقال الأثرم: قضية المباشرة شبيهة بقضية القبلة, فالقبلة إذا خاف الصائم أن ينتشر؛ اجتنبها, وإذا أمن ذلك؛ فلا بأس بها, وذلك أن ينتشر فيمذي فيجرح صومه.
ولا يباشر الصائم النساء لشهوة.
قاله ابن أبي موسى.
وهل هو محرم أم مكروه؟
ولفظه: ولا تقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قبلة إذا كان شديداً شابّاً شبقاً يخاف على نفسه.
فأما مباشرتها لغير شهوة؛ مثل أن يمس يدها لمرض ونحوه؛ فلا يكره؛ كما لا يكره في الإِحرام والاعتكاف.
وقال ابن عقيل: المباشرات دون الفرج مثل القبلة واللمس والمعانقة والمصافحة لشهوة: إن كان من الشيخ الهرم الذي لا تحرك القبلة منه ساكناً؛ فلا إثم عليه ولا قضاء ولا كفارة, وإن كان شابّاً؛ كره له ذلك, وأثم بفعله.
فأما القبلة: فإن كانت تحرك شهوته بأن يكون شابّاً؛ كرهت له القبلة.
قال بعض أصحابنا: كراهة تحريم.
وكذلك ذكر ابن عقيل وأبو الحسين.
وقال بعضهم: إذا كان ذا شهوة مفرطة؛ بحيث يغلب على ظنه أنه ينزل معها؛ حرمت كما يحرم [عليه] الاستمناء, وإن لم ينزل معه, وإلا؛ كرهت ولم تحرم.
وإن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ فعلى روايتين:
إحداهما: لا بأس بها.
قال في رواية أبي داوود: إذا كان لا يخاف؛ فإذا كان شابّاً؛ فلا.
وقال في رواية ابن منصور وقد سئل عن الصائم يقبل أو يباشر: أما المباشرة شديدة, والقبلة أهون.
والثانية: يكره مطلقاً.
قال في رواية حنبل: وقد سئل عن القبلة للصائم, فقال: لا يقبل, وينبغي له أن يحفظ صومه, والشاب [ينبغي له] أن يجتنب ذلك؛ لما يخاف من نقض صومه.
وهذه الكراهة كراهة تحريم فيما ذكره القاضي وابنه أبو الحسين.
لأن الله سبحانه قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ...﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].
والمباشرة أن تلاقي البشرة للبشرة على وجه الاستمتاع, وهو أعم من الجماع.
وقد مُدَّ إباحة ذلك إلى تبين الفجر, يدل على ذلك أنه قال في الاعتكاف: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾, وعم ذلك المباشرة بالوطء والغمز والقبلة, وكذلك قوله في آية الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾, [والرفث الجماع ومقدماته].
وآية الصيام قد ذكر فيها الرفث [والمباشرة], ولأن كل عبادة حرمت من الوطء؛ حرمت مقدماته؛ كالإِحرام والاعتكاف, ولأن المباشرة والقبلة من دواعي الجماع؛ فلا يؤمن أن يقترن بها إنزال مني أو مذي, أو أن تدعو إلى الازدياد والإِكثار, فيفضي إلى الجماع.
- فإن سلمة بن صخر رأى بياض ساق امرأته, فدعاه ذلك إلى جماعها.
ومن نصر هذه الرواية؛ قال: إن تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم كان من خصائصه.
494 - لما روت عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم, ويباشر وهو صائم, وكان أملككم لإِربه».
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «في شهر رمضان».
والرواية الأولى اختيار أبي موسى والقاضي وأصحابه.
495 - لما روي عن امسلمة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم».
متفق عليه.
وعن عمرو بن أبي سلمة: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال
له: «سل هذه (لأم سلمة»).
فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
فقال: يا رسول الله! قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله؛ إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
رواه مسلم.
[وتكرار] النظر مكروه لمن تحرك شهوته بخلاف من لا تحرك شهوته.
وقيل: لا يكره بحال.
496 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له, وأتاه آخر فنهاه عنها؛ فإذا الذي رخص له شيخ, وإذا الذي نهاه شاب».
رواه أبو داوود.
مسألة:
«ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً؛ أفطر».
هذه المسألة لها صورتان:
إحداهما: أن يأكل معتقداً بقاء الليل, فتبين له أنه أكل بعد طلوع الفجر.
والثانية: أن يأكل معتقداً غروب الشمس لتغيم السماء ونحو ذلك, فتبين أنه أكل قبل مغيبها, وفي كلا الموضعين يكون مفطراً, سواء في ذلك صوم رمضان وغيره, لكن إن كان في رمضان؛ لزمه أن يصوم بقية يومه [حتى لو جامع فيه لزمته الكفارة وعليه القضاء.
هذا نصه في غير موضع ومذهبه]
وإن كان في قضاء رمضان؛ جاز له الخروج منه, والأفضل إتمامه وقضاؤه.
وإن كان في غير رمضان؛ لم يلزمه المضي فيه؛ سواء كان نفلاً أو نذراً معيناً أو صوم متتابع؛ كصوم كفارة الظهار والقتل, ولا ينقطع تتابعه بالأكل فيه بعد ذلك, هكذا ذكر....
وذلك لأن الله تعالى يقول: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
وهذا أكل بعد أن تبين بياض النهار من سواد الليل أو لم يتم صيامه إلى الليل.
497 - لما روى علي بن حنظلة عن أبيه؛ قال: كنا مع عمر بن الخطاب في شهر رمضان, فلما غابت الشمس فيما يرون؛ أفطر بعض الناس, فقال رجل: يا أمير المؤمنين! هذه الشمس بادية.
فقال: «أعاذنا الله من شرك, ما بعثناك راعياً للشمس».
ثم قال: «من أفطر منكم؛ فليصم يوماً مكانه».
498 - وعن بشر بن قيس؛ قال: «كنا عند عمر بن الخطاب في عيشة رمضان, وكان يوم غيم, فجاءنا سويق, فشرب, وقال لي: أتشرب؟ فشربت, فأبصرنا بعد ذلك الشمس, فقال عمر: لا والله؛ ما نبالي أن نقضي يوماً مكانه».
499 - وعن زيد بن أسلم, عن أخيه, عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب أفطر, فقالوا له: طلعت الشمس.
فقال: خطب يسير, قد كنا جاهلين».
رواهن سعيد.
ورواه مالك, عن زيد بن أسلم, عن أبيه: «أن عمر أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم, رأى أن قد أمسى وغابت الشمس, فجاءه رجل, فقال: يا أمير المؤمنين! قد طلعت الشمس.
فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير, وقد اجتهدنا».
قال مالك: يريد بذلك القضاء, ويسير مؤنته وخفته فيما نرى.
والله أعلم.
قال أحمد في رواية الأثرم: إذا تسحر وظن الفجر لم يطلع فشرب, ثم علم أنه طلع؛ يقضي يوماً مكانه, ومن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت.
يذهب إلى القضاء؛ على حديث زيد بن أسلم عن أخيه عن أبيه عن عمر بن
الخطاب؛ قال: قضاء يوم يسير.
يقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾, فيقضي إذا أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت.
500 - وعن مكحول: أن أبا سعيد الخدري سئل عن رجل تسحر وهو يرى أن عليه ليلاً, وقد طلع الفجر؟ فقال: «إن كان في شهر رمضان؛ صام يومه ذلك وعليه قضاء يوم مكانه, وإن كان من غير شهر رمضان؛ فليأكل من آخره؛ فقد أكل من أوله».
501 - وعن يحيى الجزار؛ قال: سئل ابن مسعود عن الرجل يتسحر وهو يرى [أنه ليل], وقد طلع الفجر؟ قال: «من أكل من أول النهار؛ فليأكل من آخره».
رواهن سعيد.
فقد اتفقت الصحابة رضي الله عنهم على إيجاب القضاء مع الجهل؛ لأنه أفطر في جزء من رمضان يعتقده وقت فطر, فلزمه القضاء؛ كما لو أفطر يوم ثلاثين من شعبان, فتبين أنه من رمضان.
والفرق بين هذا وبين الناسي: أنه قد كان يمكنه الاحتراز؛ لأنه أكل باجتهاده, فتبين خطأ اجتهاده؛ بخلاف الناسي؛ فإنه لا يمكنه الاحتراز.
مسألة:
وإن أكل شاكّاً في طلوع الفجر؛ لم يفسد صومه, وإن أكل شاكّاً في غروب الشمس؛ فسد صومه.
هذا منصوص أحمد وأصحابه.
قال حرب: قيل لأحمد: رجل يتسحر وقد طلع الفجر؟ قال: إذا استيقن بطلوع الفجر؛ أعاد الصيام, وإن شك؛ فليس عليه شيء أرجو.
إلا أن القاضي ذكر في بعض المواضع: أنه لو أكل يظن أن الفجر لم يطلع؛ كان عليه القضاء, وإن كان الأصل بقاء الليل؛ احتياطاً؛ كما لو أكل وظن أن الشمس غربت.
وكذلك ذكر ابن عقيل في بعض المواضع: من خاف طلوع الفجر؛ يجب عليه أن يمسك جزءاً من الليل؛ ليتحقق له صوم جميع [النهار], وقاس عليه يوم [الإِغمام].
وذكر ابن عقيل في موضع آخر: أنه إذا أكل ثم شك هل طلع الفجر أو غربت الشمس؟ ولم يبين له يقين الخطأ؛ فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يتيقن وجود سبب القضاء.
والمذهب الذي ذكراه في سائر المواضع وذكره عامة الأصحاب كالمنصوص؛ لأن الأصل بقاء النهار؛ فإذا أكل قبل أن يعلم الغروب؛ فقد أكل في الوقت الذي يحكم بأنه نهار, وإذا أكل قبل أن يتبين الفجر؛ فقد أكل في الوقت الذي يحكم بأنه ليل, ولأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ فمن أكل وهو شاك؛ فقد أكل قبل أن يتبين له الخيط الأبيض.
ولأن الأكل مع الشك في طلوع الفجر جائز, والأكل مع الشك في الغروب غير جائز؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى, وإذا فعل الجائز؛ لم يفطر؛
إلا أن يتبين له الخطأ.
وإن غلب على ظنه طلوع الفجر:
فقال بعض أصحابنا: هو كما استيقنه؛ لأن غلبة الظن في مواقيت العبادات تجري مجرى اليقين.
وظاهر قول أحمد وابن أبي موسى: أنه ما لم يتيقن طلوعه؛ فصومه تام.
وإن غلب على ظنه غروب الشمس؛ جاز له الفطر.
وقياس قول القاضي في الصلاة....
فصل:
[الوقت] الذي يجب صيامه
من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب قرص الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. 502 - وعن سهل بن سعد؛ قال: «أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾, ولم ينزل: مِنَ الْفَجْرِ}, فكان رجال إذا أرادوا الصوم؛ ربط أحدهم في رجليه الأبيض والخيط الأسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾, فعلموا إنما يعني الليل والنهار» أخرجاه.
503 - وعن عدي بن حاتم؛ قال: لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ عمدت إلى عقالين؛ عقال أبيض وعقال أسود, فوضعتهما تحت وسادتي, فجعلت أقوم الليل فلا يتبين لي, فلما أصبحت؛ ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «إن وسادك لعريض, إنما هو بياض النهار من سواد الليل».
رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
504 - وعن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا, حتى يستطير هكذا».
قال: يعني: معترضاً.
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
ولفظ أحمد وأبي داوود والترمذي: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال, ولا الفجر المستطيل, ولكن الفجر المستطير في الأفق».
وفي لفظ لأحمد: «لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر».
505 - وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن (أو قال: ينادي) بليل؛ ليرجع قائمكم, ويوقظ نائمكم, وليس الفجر أن يقول هكذا, ولكن يقول هكذا (يعني: الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل»).
رواه الجماعة إلا الترمذي.
وفي رواية صحيحة: «ليس أن يقول هكذا (وضم يده ورفعها), ولكن يقول هكذا (وفرق بين السباتين»).
506 - وعن ابن أبي ذئب, عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هما فجران؛ فأما الفجر الذي كأنه ذنب السرحان؛ فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه, وأما المستطير الذي يأخذ الأفق؛ فبه تحل الصلاة ويحرم الصيام».
رواه أبو داوود في «مراسيله».
507 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقبل الليل, وأدبر النهار, (وفي لفظ: وغابت الشمس)؛ أفطر الصائم».
508 - وعن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان, فلما غابت الشمس؛ قال: «يا بلال! انزل فاجدح لنا».
فقال: يا رسول الله! إن عليك نهاراً.
قال: «انزل فاجدح».
فنزل, فجدح, فأتاه به, فشرب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر
الصائم (وأشار بأصبعه قبل المشرق»).
رواه الجماعة إلا ابن ماجه والترمذي.
[وفي رواية ابن عيينة عن الشيباني عن ابن أبي أوفى؛ قال: «انزل فاجدح لي».
قال: الشمس يا رسول الله! قال: «انزل فاجدح».
فجدح له فشرب.
قال: فلو نزا أحد على بعيره لرآها (يعني: الشمس), ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده قبل المشرق, فقال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا؛ فقد أفطر الصائم»].
فصل:
والسنة تعجيل الفطور
لقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
509 - وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا غربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم».
510 - «وأمر بلالاً لما غربت الشمس أن ينزل فيجدح لهم السويق».
511 - وعن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».
رواه الجماعة إلا أبا داوود والنسائي.
512 - وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطراً».
رواه أحمد واحتج به, وللترمذي حسن غريب.
513 - وعن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون».
رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه, ولفظه: «لا يزال الناس بخير».
514 - وعن سعيد بن المسيب؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا إفطارهم, ولم يؤخروا تأخير أهل المشرق».
رواه مالك وسعيد.
515 - وعن مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فقه الرجل تعجيل فطره وتأخير سحوره؛ فإن الله جاعل لكم من سحوركم بركة».
رواهما سعيد.
516 - وعن أبي عطية الهمداني؛ قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رحمها الله, فقلنا: يا أم المؤمنين! رجلان من أصحاب محمد, كلاهما لا يألوا عن الخير, أحدهما يعجل الإِفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله.
قالت: كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية: «يعجل المغرب والإِفطار, والآخر يؤخر المغرب والإِفطار».
وفي رواية: «والآخر أبو موسى».
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح.