.............................
411 - ورواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه, ولفظهم: «احتجم وهو محرم صائم».
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهذا الحديث قد رواه جماعة كثيرة عن أيوب عن عكرمة مرسلاً.
412 - ورواه النسائي أيضاً, عن عطاء, عن ابن عباس: «احتجم بلحي الجمل وهو صائم محرم».
قالوا: وهذا الحديث كان في حجة الوداع, والحديث الأول كان في عام الفتح؛ فاحتجامه بعد النهي.
ويدل على ذلك:
413 - ما روي عن أنس بن مالك؛ قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم, فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «أفطر هذان».
ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الحجامة للصائم.
رواه الدارقطني وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة.
414 - وعن رجل عن أنس؛ قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان بعدما قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
415 - وقد روي عن ابن مسعود: «أنه لا يرى بأساً بالحجامة للصائم».
416 - وعن أبي سعيد مثله.
417 - وعن الحسين بن علي: «أنه احتجم في رمضان».
418 - وعن أم سلمة: «أنها احتجمت وهي صائمة».
رواهن سعيد.
419 - 420 - قال البخاري: «ويُذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة: احتجموا صياماً».
421 - قال: وقال بكير: [عن أم علقمة]: «كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهانا».
422 - وعن أبي سعيد؛ قال: «رخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة».
رواه النسائي والدارقطني وقال: كلهم ثقات.
........................
...................
...........................
423 - وعن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة, والقيء, والاحتلام».
رواه الترمذي كم حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد, وقال: هو غير محفوظ, وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلاً, ولم يذكروا: عن أبي سعيد.
424 - ورواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد مثله.
425 - ورواه أبو داوود من حديث سفيان, عن [زيد بن أسلم], عن بعض أصحابه, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم».
426 - ورواه عبد الرزاق, عن أبي بكر عن عبد الله, عن زيد بن عطاء, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: وذكره معمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
427 - وعن [أيمن] بن نابل: أنه سأل القاسم بن محمد: أيحتجم الصائم؟ قال: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم».
رواه عبد الرزاق.
واحتجاجه به يدل على أنه لم يفطر.
وأيضاً؛ فإن الأصل في الفطر أن يكون مما دخل إلى الجوف دون ما خرج منه, وإنما خرج عن هذا دم الحيض, وهو يخرج بغير اختيار الإِنسان, ولأنه استخراج دم من البدن, فلم يفطر؛ كالفصاد وبط الدماميل والجرح.
قلنا: أما كونهما أفطرا بغير الحجامة؛ فلا يصح لوجوه:
أحدها: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم», فعلق الحكم باسم مشتق من معنى, فيجب أن يتعلق بذلك المعنى, ولو علَّقناه بغيره؛ كان خلاف ظاهر اللفظ, وذلك لا يجوز؛ إلا أن يعلم أن هناك سبباً آخر, فلو فتح هذا الباب؛ لم يبق حكم معلق باسم من الأسماء إلا ويجوز أن يدعي مدع أن الحكم له سبب غير معنى الاسم.
الثاني: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»: لفظ عام لم يخصصه بمحجوم بعينه؛ فإنه قد رواه عنه جماعة من أصحابه رواية مطلقة عامة, وبلغوه إلى من بعدهم تبليغ من يعلمهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ولو كان ذلك لسبب يختص
بذلك المحتجم؛ لم يكن في رواية هذا الحديث فائدة أصلاً, لا سيما إذا لم يذكر السبب الذي به أفطر.
الثالث: أنه قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة للصائم.
428 - وروى أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة للصائم وقال لعلي: «لا تحتجم وأنت صائم».
وهذا صريح بالنهي عن نفس الحجامة.
الرابع: أن الصحابة الذين رووا هذا الحديث, والذين لم يرووه, فهموا منه أنه نهى عن الحجامة.
429 - فروى أحمد في «مسائل عبد الله» بإسناده عن علي: أنه قال: «لا تدخل الحمام وأنت صائم, ولا تحتجم وأنت صائم».
430 - وفي لفظ عن علي: «أفطر الحاجم والمحجوم».
431 - وعن عطاء؛ قال: قال أبو هريرة: «أفطر الحاجم والمحجوم».
432 - وفي رواية عن أبي هريرة: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم, ولو احتجمت؛ لم أبال».
433 - وعن عائشة وصفية: أنهما قالتا: «أفطر الحاجم والمحجوم».
434 - وعن أبي العالية؛ قال: دخلت على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة ممسياً, فوجدته يأكل ثمراً وكامخاً, فقال: «احتجمتُ».
فقلت: ألا احتجمتَ نهاراً؟ فقال: «أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم».
435 - وعن ابن عمر: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
436 - وعن سالم: «أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم.
قال: فبلغه حديث [أو شيء], فكان إذا كان صائماً احتجم بالليل».
438 - وروى أحمد, عن الحسن, عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم».
439 - وعن عبد الله بن أيوب المخرمي؛ قال: سمعت روحاً يقول لأبي عبد الله: أدركت الناس بالبصرة منذ خمسين سنة, إذا دخل شهر رمضان؛ أغلق الحجَّامون دكاكينهم».
ذكره عنه المروذي.
قال البخاري: «وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم, ثم تركه, وكان يحتجم بالليل, واحتجم أبو موسى ليلاً».
الخامس: أن السبب الذي زعموا أنهما أفطرا به الغيبة؛ [قال أحمد:] يقولون: إنهما كانا يغتابان, والغيبة أشد للصائم؛ ففطره أجدر أن تفطره الغيبة, ومن يسلم من الغيبة؟
وقال أيضاً: لو كان للغيبة؛ ما كان لنا صوم.
وأما حمله على مقارنة الفطر, وأن ذلك يفيد الكراهة؛ فلا يصح أيضاً؛ لوجوه:
أحدها: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»: نص في حصول الفطر بهما, ولا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما, والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنهما بالفطر, لا سيما
وقد أطلق هذا القول إطلاقاً, من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن ظاهره ليس بمراد؛ فلو جاز أن يراد به مقارنة الفطر دون حقيقته؛ لكان ذلك تلبيساً لا بياناً للحكم.
440 - الثاني: أن ابن بطة روى بإسناده عن عمر بن الخطاب؛ قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان؛ فإذا برجل يحتجم.
قال: فلما رآه رسول الله؛ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
فقلت: يا رسول الله! أفلا آخذ بعنقه حتى أكسره؟ قال: «ذره؛ فما [لزمه من] الكفارة أعظم مما تريد به».
قال: قلت: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «يوماً مثله».
[قلت:] إذاً لا يجده.
قال: «إذاً لا أبالي».
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في مقدمات الفطر, ولم يجعلها بمنزلته.
441 - ولهذا لما سأله عمر رضي الله عنه القبلة للصائم؟ قال: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففيم».
فإذا كانت القبلة تدعو إلى الإِنزال, والمضمضمة تدعو إلى الابتلاع, ولم يسمِّ النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها مفطراً [بذلك]؛ فلأن لا يُسمى المحتجم مفطراً خشية أن يضعف فيحتاج إلى الفطر أولى.
وأما اعتقاد من اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف؛ فهذا لا يمنع كونها مفطرة.
وأما قول من قال: «ولم يحرمها»؛ فهو قد اعتقد ذلك, وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك, والنهي يقتضي التحريم, ولم يعلم الصحابي الذي اعتقد ذلك.
وقد خالفه جمهور الصحابة.
ومن روي عنه من الصحابة الرخصة في ذلك؛ فأكثرهم قد روي عنه بخلافه, وهذا يدل على أنهم لم يكونوا سمعوا النهي في ذلك, ثم سمعوه كما جاء مفسراً في حديث ابن عمر.
ويوضح ذلك أن من قال منهم: لا يفطر؛ فقد بنى قوله على ظاهر القياس.
بخلاف من قال: إنها تفطر؛ فإنه لا يقول ذلك؛ إلا لعلم اطلع عليه وخفي على غيره.
وكل ما اختلف فيه الصحابة مما يشبه هذا؛ مثل: اختلافهم في انتقاض الوضوء بمس الذكر ونحوه؛ فإن المثبت منهم يجب أن يكون معه علم خفي على الناس؛ لأن هذا ابتداء شريعة, لا يجوز أن يثبت بالقياس؛ بخلاف النفي؛ فإنه يكفي فيه البراءة الأصلية.
442 - وأما حديث ابن عباس؛ فقد قال أحمد في رواية مهنا: حديث ابن عباس «أنه احتجم صائماً»: خطأ من قبل قبيصة, رواه عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
443 - 444 - وقال في رواية صالح: عمرو عن طاووس وعطاء عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم».
445 - ومعمر عن [ابن خيثم] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم».
هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صياماً.
وقال في رواية حنبل: الذي في [الحديث أن] بلغني عن يحيى ومعاذ أنهما أنكراه عليه.
يعني: على الأنصاري.
446 - وقال في رواية الأثرم: هو ضعيف؛ لأن الأنصاري ذهبت كتبه, وكان يحدث من كتب غلامه أبي حكيم.
وأما ادعاء النسخ؛ فلا يصح؛ لوجوه:
أحدها: أن الذي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: احتجم وهو محرم صائم, ولم يبين أن هذا الإِحرام كان في حجة الوداع؛ فيجوز أن يكون كان في إحرامه بعمرة الحديبية أو إحرامه بعمرة القضية, وكلاهما قبل الفتح, فيكون احتجامه وهو صائم منسوخاً بقوله بعد ذلك: «أفطر الحاجم والمحجوم».
ويؤيد هذا القول وجوه:
447 - أحدها: ما روى أحمد, عن حجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس: أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائماً محرماً, فغشي عليه؛ فلذلك كره الحجامة للصائم».
رواه أحمد.
448 - وفي لفظ عن ابن عباس: أنه قال: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم بالقاحة وهو محرم صائم, فوجد لذلك ضعفاً شديداً, فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم».
رواه الجوزجاني.
449 - عن الحكم؛ قال: «احتجم رسول الله وهو صائم فضعف, ثم كرهت الحجامة للصائم».
450 - وعن الشعبي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم, وتزوج الهلالية وهو محرم».
رواه سعيد.
وكان تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية في عمرة القضاء, فعلم أن احتجامه كان في عمرة القضاء, وذلك قبل الفتح, وقبل قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم».
فهذا يبين أن الكراهة كانت بعد احتجامه محرماً.
ويؤيد ذلك:
451 - ما روى الجوزجاني: «أن ابن عباس كان يعد الحجام والمحاجم., فإذا غابت الشمس؛ احتجم بالليل».
ولولا علمه بأن احتجام الصائم جائز؛ لما فعل ذلك.
الثاني: لو كان هو المتقدم؛ للزم تغيير الحكم مرتين؛ [لأن الحجامة كانت غير محظورة, ثم نهى عنها؛ فإذا أذن فيها بعد ذلك؛ فقد غير الحكم مرتين]؛ بخلاف ما إذا كان الإِذن قبل النهي.
الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم علموا أن النهي آخر الأمرين؛ كما تقدم عن ابن عمر وغيره, ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه, وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم, وهما ممن رويا حجامة
النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم, بل عليهما مدار الحديث.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يخالف قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»؛ لأن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم, وفي لفظ للبخاري: «من وجع به», والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرماً في رمضان قط؛ لأن إحرامه بعُمرِهِ الثلاثة وبحجة الوداع في ذي القعدة, فيكون هذا الصوم تطوعاً, ثم كان مريضاً, والمريض يجوز له الفطر, ثم كان مسافراً؛ لأنه لم يكن محرماً مقيماً قط.
فإذا كان الفطر جائزاً له في هذه الوجوه الثلاثة؛ فيكون قد احتجم, وإن أفطر بالحجامة؛ فإنه ليس في الحديث لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنه بقي على صومه, بل قد أفطر في رمضان لما أصاب أصحابه الجهد؛ فلأن يفطر في مرض أصابه بطريق الأولى.
452 - [لما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر»].
وقد قيل: يجوز أن يكون ركَّب المحاجم نهاراً واحتجم ليلاً.
453 - لما روى أبو بكر عن جابر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي طيبة
أن يأتيه ليحجمه عند فطر الصائم, وأمره أن...».
454 - وأما حديث أبي سعيد؛ فقال: ابن خزيمة: قوله: «والحجامة للصائم»: إنما هو من قول أبي سعيد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم, أدرج في الخبر.
وقال عنه الآخر: الصحيح في هذا الخبر أنه منقطع غير متصل, والذي وصله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وعبد الرحمن ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد؛ لأنه رجل صنعته العبادة والتقشف والموعظة, وليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الإِسناد.
وقال أبو بكر: سمعت محمد بن يحيى يقول: هذا الحديث غير محفوظ عن أبي سعيد, ولا عن عطاء بن يسار, والمحفوظ عندنا حديث سفيان ومعمر.
يعني: أنهما روياه عن زيد بن أسلم عن [رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].
ثم إن صح الحديث؛ فهو منسوخ بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم».
ويدل على ذلك أن فيه القيء والاحتلام, ومعلوم أنه لو استقاء أو استمنى؛ أفطر؛ فكذلك إذا احتجم, أو أنه محمول على ما إذا احتجم ساهياً [أو حُجم] بغير اختياره؛ [فإنه قرنه بالقيء والاحتلام, وهما يخرجان من المرء
بغير اختياره]؛ فكذلك ما ذكر معهما ينبغي أن يكون كذلك.
455 - وأما حديث أنس أن الرخصة بعد النهي؛ فضعيف.
فإن في الذي جوده الدارقطني خالد بن مخلد: قال أحمد: له أحاديث مناكير, ولعل هذا من [أنكرها].
456 - لأن أنساً ذكر أنهم كانوا يكرهون ذلك لأجل الجهد كما رواه البخاري, وهذه الكراهة باقية.
457 - ولأن أحمد روى بإسناده, عن هشام بن محمد؛ قال: «كان أنس إذا شق عليه الدم في الصوم؛ أرسل إلى الحجام عند غروب الشمس, فوضع المحاجم, وإذا غربت شرط».
ولو كان عنده إذن من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يفعل مثل ذلك.
ومخالفة البصريين له مع أنهم أصحاب أنس.
وأن الكراهة بعد موت جعفر....
ثم من أصحابنا من سلك فيها مسلك التعبد الصرف, ورأى خروجها عن مسالك القياس, وجعلها موضع استحسان, فقدم فيه النص على القياس.
وهذه طريقة ابن عقيل.
ومنهم من سلك فيها ضرباً من التعليل.
فقال القاضي: استدعاء شيء من بدنه نهى عنه نهياً يختص بالصوم فأفسد الصوم؛ كاستدعاء القيء, [وهو أن الاحتجام] استخراج ما به قوام البدن, فجاز أن يفطر به كاستخراج القيء والمني والمذي ودم الحيض.
وهذا لأن الصائم لما مُنع من الأكل والشرب ليحصل حكمة الصوم التي هي التقوى؛ كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183], وللنفس على الإِنسان حق لا بد من رعايته؛ راعى الشرع جانب حق النفس وحفظ القوة؛ حسماً لمادة الغلو في الدين والمروق منه, وتحصيلاً لمصلحة الاغتذاء التي لا بد منها أيضاً.
458 - فنهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال.
459 - 460 - وأمر بتعجيل الفطر, وتأخير السحور.
461 - وجعل أفضل الصيام صيام يوم وفطر يوم.
462 - وقال: «لكنِّي أصوم وأفطر وأقوم وأنام؛ فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني».
463 - وقال: «من صام الدهر؛ فلا صام ولا أفطر».
ومنه جماعة من أصحابه من تكثير الصيام؛ منهم:
464 - عبد الله بن عمرو.
465 - والنمر بن تولب.
466 - والباهلي.
وعاب على منْ قال: أما أنا؛ فأصوم لا أفطر.
كل ذلك تعديلاً وأخذاً بخيار الأمور التي هي أوساطها.
فإذا كان هذا مصلحة جليلة قد شهد الشرع بالاعتبار, وكان الصائم إذا خرج منه [القيء] خلا من الغذاء الذي هو مادته؛ فإذا استخرج منه الدم الذي به قوام بدنه, وإليه استحال الغذاء؛ ضعف بذلك, وإذا خرج منه المني الذي هو صفاوة الدم؛ ضعف أيضاً.
وكذلك إذا خرج دم الحيض؛ منعه الشارع من استخراج هذه الأشياء لما منعه من استدخال ما يكون خلفاً منها وبدلاً عنها, وصار المقصود الأصلي من الصوم هو الكف عن الإِدخال, والكف عن الإِخراج تابع له ومطلوب في ضمنه.
فأما ما غلب عنه المرء من هذه الأشياء؛ مثل أن يذرعه القيء, أو يرعف, أو يجرح جرحاُ بغير اختياره, أو يحتلم, ونحو ذلك؛ لم يفطر به.
لأنه بمنزلة ما يدخل جوفه من الغبار والدقيق ونحو ذلك.
ولأن امتناعه من هذه الأشياء لا يدخل تحت قدرته.
وأما دم الحيض: فلما كان له أوقات معلومة يمكن الاحتراز عن الصوم فيها لا تتكرر دائماً؛ صار الامتناع [في] الصوم معه [في] جملة ما يقدر عليه الإِنسان.
ولهذا إذا صار دم استحاضة, وهو الخارج عن الأمر المعتاد؛ لم يمنع صحة الصوم, وخرج عن هذا استخراج البول والغائط ونحوهما من وجهين:
أحدهما: أن ذلك فضلة محضة, فليس هو من قياس البدن الذي يخاف أن يورث ضعفاً.
الثاني: أن خروجه أمر طبيعي لا يمكن الاحتراز منه, وما كان من هذا الباب؛ لا يفطر؛ كذرع القيء والاحتلام وأولى.
وهذا معنى حسن, وقد نبه عليه بعض الآثار المتقدمة
إلا بذكر فرع المسألة.
فصل:
ويفطر بالحجامة في جميع البدن.
نص عليه.
مثل أن يحتجم في يده أو ساقه أو عضده أو رأسه أو قفاه.
وإن شرط بالمشرط ولم يخرج الدم؛ أفطر على ما ذكره ابن عقيل؛ فإنه قال: الحجامة نفس الشرط, يتعلق الإِفطار على الاسم.
فعلى هذا الإِفطار يسبق الدم.
وإن ركب المحاجم...؛ كما لو بل المحرم رأسه قبل التحلل ثم حلقه بعده.
وعلى ذكره القاضي: لا بفطر.
وهو أصح؛ لأن الحجامة هي الامتصاص أيضا؛ يقال: ما حجم الصبي ثدي أمه؛ أي: ما مصه.
والحِجَام: ما يُجعل في خطم البعير لئلا يعض, يقال: حجمت البعير أو أحجمه: إذا جعلت على فِيْهِ حجاماً.
فالقارورة تحجم الدم عن أن يسيل.
وأيضاً؛ فإن الشرط أخص....
فإن شرط وأخرج الدم من غير محجمة يمتص بها, مثل الشرط في الأذن؛ فقياس المذهب الفكر بها؛ لأن وضع المحجمة على العضو لا أثر له في الفطر.
ولهذا يجوز أن توضع المحاجم على العضو ويلين قبل غروب الشمس, ثم يقع الشرط بعد غروبها.
قال أصحابنا: لأن التليين وتركيب المحاجم مقدمات.
وأما الفصاد وجرح العضو باختياره وبط الدمامل ونحو ذلك؛ فقال أكثر أصحابنا منهم القاضي وابن عقيل: لا يفطر.
لأنه لا نص فيه, ولا يمكن إثبات الحكم فيه قياساً؛ لجواز أن يكون في الحجامة معنى يختصه, ولأن الدم منه ما يخرج بنفسه وهو دم الحيض والاستحاضة والنفاس ومنه ما يخرج بالإِخراج.
ثم الأول يفطر بعضه دون بعض, فيجوز أن يكون الثاني كذلك, وهو لا يبطل القياس المتقدم؛ لأن التعليل للنوع والجواز, فلا ينتقض بأعيان المسائل....
وقيل: يفطر الفصاد, وهذا أقيس....
وأما الجرح والاسترعاف؛ فلا يكاد العاقل يفعله بنفسه, فيحتمل....
وأما بط الدماميل والقروح؛ فتلك دماء فضلات لا يضعف خروجها.
وأما الحاجم: فظاهر قول الخرقي هو ظاهر القياس فيه؛ فإن ما ذكرنا من المعنى مفقود فيه.
لكن المذهب أنه يفطر؛ كما هو منصوص في الحديث؛ فإن الدلالة على فطرهما دلالة واحدة, ويلوح فيه أشياء:
أحدها: أن الحجامة لما لم تمكن إلا من اثنين؛ جاز أن يجعل الشرع فعل أحدهما الذي لا يتم فطر الآخر إلا به فِطراً, وأن يجعل تفطير الصائم فطراً؛ كما قيل في الجماع, وهذا بخلاف الإِطعام والإِسقاء؛ فإن ذلك يمكن أن يكون من واحد, فليس فعل الآخر شرطاً في وجوده.
467 - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً؛ فله مثل أجره؛ من غير أن ينقص من أجره شيء».
فإذا كان المعين له على صومه بعشائه بمنزلة الصائم؛ جاز أن يكون المفسد لصومه بمنزلة المفطر.
468 - وكذلك قوله: «من جهز غازياً؛ فقد غزا, ومن خلفه في أهله بخير؛ فقد غزا».
وضد ذلك من صدَّ عن سبيل الله بالتثبيط عن الجهاد؛ فإنه بمنزلة المحارب لله ورسوله.
469 - كما قال صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله في أمره».
وخص الحاجم بهذا من بين [الطاعم] والمسقي؛ فإنه لو امتنع عن حجمه؛ لم يفطر؛ بخلاف المطعم والمسقي؛ فإنَّ أكْل ذلك وشربه غير منوط بفعل غيره.
نعم يشبه هذا ما لو مكنت المرأة زوجها من أن يطأها دون الفرج, فأنزل هو, ولم تنزل هي.
وطرد هذا أن منْ حجم من ليس بصائم لا يفطر, وهذا الوجه ليس بذاك....
ومنها: أن الحاجم إذا امتص المحجم بعد شرط العضو؛ جاز أن يسبق شيء من الدم إلى حلقه ولا يشعر به, والحكمة إذا كانت خفية؛ أقيمت المظنة الظاهرة مقامها؛ كالنوم مع الحدث, ولهذا لو امتص الحجم عند وضعه قبل الشرط؛ لم يفطر؛ كما جاء في الحديث: «أنه كان وضع المحاجم قبل الغروب, ثم شرط بعد الغروب»....
فعلى هذا؛ لو شرط بدون مص مثل ما شرط الأذن, وقلنا.
يفطر المشروط؛ فإن الشارط هنا لا يفطر, وكذلك الفاصد.
ومنها: أن الحجامة في الأصل لما كانت إخراج دم, وهي من الصناعات الرديئة, ولهذا كره كسبها.
الفصل السادس: أن منْ فعل هذه الأشياء ناسياً لصومه؛ لم يفطر.
ولا يختلف المذهب في الأكل والشرب ونحوهما مما فيه القضاء فقط, وقد تقدم ذكر المباشرة.
والله أعلم.
وأما الحجامة إذا فعلها ناسياً.
فالمنصوص أنه لا يفطر.
قال حرب: قلت لأحمد: فاستحجم ناسياً؟ قال: لا شيء.
وذكر ابن عقيل فيها وجهين:
أحدهما: كذلك؛ لأنها ليست بأكثر من الأكل.
الثاني: يفطر؛ لأن الفطر بها ثبت على خلاف القياس, والنبي صلى الله عليه وسلم لم
يفصل في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم», ولم يستفصل عن حال اللذين مرَّ بهما, وفي الاستقاء....
470 - والأصل في ذلك ما روى محمد بن سيرين, عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم, فأكل أو شرب؛ فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه».
رواه الجماعة.
وفي رواية أبي داوود: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم؟ فقال: «الله أطعمك وسقاك».
وفي هذا الحديث الدلالة من وجوه:
أحدها: أنه أمره بإتمام الصوم تخصيصاً له بهذا الحكم بقوله: «من أكل أو شرب ناسياً», فعلم أن هذا إتمامٌ لصوم صحيح, إذ لو كان المراد به وجوب الإِمساك؛ لم يكن بين العامد والناسي فرق.
الثاني: أنه قال: «فليتم صومه», وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ.
وقد أمر بإتمامه, فعلم أن الصوم الذي بعد الأكل تمام للصوم الذي قبله, ولو أراد وجوب الإِمساك [فقط]؛ لقال: فليتم صياماً, أو: فليصم بقية يومه... ونحو ذلك؛ كما قال لأهل عاشوراء.
الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء, وقد جاء مستفتياً له عما يجب عليه شاكّاً في الأكل مع النسيان؛ هل يفسد أو لا يفسد؟ ومعلوم أنه لو كان واجباً؛ لذكره,
لم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الرابع: أنه علل أمره بالإِتمام بأن الله أطعمه وسقاه, ولو لم يكن مقصوده إتمام الصوم الصحيح؛ لم يصح التعليل بهذا؛ فإنه إذا أفسد الصوم في رمضان؛ وجب الإِمساك, وإن لم يكن الله أطعمه وسقاه بغير قصد من التعبد ولا إرادة؛ فلا بد أن يكون لهذه العلة أثر في هذا الحكم, ولا يكون لها أثراً؛ إلا أن يكون الصوم صحيحاً.
الخامس: أنه قال: «الله أطعمك وسقاك»؛ تعليلاً وجواباً.
ومعلوم أن إطعام الله وإسقاءه للعبد على وجهين:
أحدهما: أنه خلق له الطعام والشراب والحركة التي بها يأكل ويشرب, وعلى هذا؛ فالعامد والناسي وجميع الخلق الله أطعمهم وسقاهم؛ كما قال إبراهيم ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 79].
وهذا المعنى لم يقصده النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قدر مشترك بين المتعمد والناسي, وهو بمنزلة قوله: أنت أكلت وشربت؛ فهي حكاية حال محضة.
والثاني: أن يطعمه ويسقيه بغير قصد من العبد ولا عمد؛ كما في هذه الصورة؛ فإنه لو ذكر أنه صائم؛ لم يأكل ولم يشرب, لكن أنساه الله تعالى صومه, وقيض له الطعام والشراب, فصار غير مكلف؛ لأجل النسيان, فأضيف الفعل إلى الله تعالى قدراً وشرعاً, فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل.
وفعل الله تعالى لا يتوجه إليه تكليف؛ فإن إطعامه وإسقاءه لا يكون منهيًاً عنه, والمكلف لم يوجد منه ما يخفي عنه؛ فالصوم باقٍ بحاله.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أطعمك وسقاك»: معناه: لا صنع لك في هذا الفعل, وإنما هو فعل الله فقط؛ فلا حرج عليك فيه ولا إثم؛ فأتمم صومك.
471 - السادس: ما روي في لفظ: «إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليه, ولا قضاء عليه».
رواه الدارقطني وقال: إسناد صحيح كلهم ثقات.
472 - وفي لفظ: «من أفطر يوماً في رمضان ناسياً؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة».
رواه الدارقطني وقال: تفرد به ابن مرزوق - وهو ثقة- عن الأنصاري.
473 - وأيضاً: عن أم حكيم بنت دينار, عن مولاتها أم إسحاق: أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأتي بقصعة من ثريد, فأكلت معه, ومعه ذو اليدين, فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرقاً, فقال: «يا أمّ إسحاق! أصيبي من هذا».
فذكرت أني كنت صائمة, فتركت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لكِ؟».
قلت: كنت صائمة فنسيت.
فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتمي صومك؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك».
رواه الإِمام أحمد وأبو بكر عبد العزيز.
ولأن الصوم من باب الترك؛ فإن الواجب فيه الإِمساك عن المفطرات, وليس فيه فعل ظاهر يفعله, وإذا كان الفطر من باب المنهيات؛ فإن الإِنسان إذا فعل ما نهي عنه ناسياً أو مخطئاً؛ كان وجود ذلك الفعل كعدمه في حق الله تعالى.
474 - لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال الله تعالى: «قد فعلت».
475 - ولقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان».
فإذا لم يؤاخذ العبد بهذا الأكل؛ كان صومه باقياً على صحته, هذا هو الأغلب.
وقد يستثنى منه مواضع تغلظ, مثل الحلق والتقليم وقتل الصيد في الإِحرام؛ لأنه من باب الإِتلاف, ومثل الكلام في الصلاة على رواية؛ لأنه بغير هيئة الصلاة, ولا يفرق في [مبطلاتها] بين العمد والسهو, ومثل الجماع في الصيام والإِحرام لتغلظ جنسه, ولأنه يشبه الإِتلاف, ولأنه لا يكاد يقع فيه النسيان؛ لكونه غير معتاد, وغير ذلك من الأحكام والأسباب, وإلا فالأصل ما قدمناه.
فعلى هذا: لا فرق بين الأكل الكثير والقليل.
الفصل السابع: أن من فعلها مكرهاً لم يفسد صومه أيضاً.
وهو نوعان:
أحدهما: أن لا يكون له فعل في الأكل والشرب ونحوهما, مثل أن يُفتح فوه [ويوضع] الطعام والشراب فيه, أو يُلقى في ماء فيدخل إلى أنفه وفمه, أو يرش عليه ماء فيدخل مسامعه, أو يُحجم كرهاً, أو يداوي مأمومة أو جائفة بغير اختياره, أو يجرح جرحاً نافذاً إلى جوفه بغير اختياره, ونحو ذلك.
فهذا لا يفطر في المنصوص عنه الذي عليه أصحابه.
قال في رواية ابن القاسم في الذباب يدخل حلق الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلق الآخر: وكل أمر غلب عليه؛ فليس عليه قضاء ولا غيره, وهذا كله سواء ذكر أو لم يذكر.
قلت له: فرق بين مَنْ توضأ للفريضة وبين من توضأ للتطوع؛ فإنهم يفرقون بينهما.
قال: هو سواء إذا لم يتعمد وإنما غلب عليه.