شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصيامصفحات 23-62

كتاب الصيام

جماع معنى الصيام في أصل اللغة: الكف والإمساك والامتناع, وذلك هو السكون, وضده الحركة, ولهذا قرن الله تعالى بين الصوم والصلاة؛ لأن الصلاة حركة إلى الحق, والصوم سكون عن الشهوات, فيعم الإمساك عن القول والعمل من الناس والدواب وغيرها.
قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.
وقال الخليل: الصيام قيام بلا عمل, والصيام الإِمساك عن الطعام, وقد قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26]؛ أي: صمتاً, ويقال: صام الفرس: إذا قام على غير اعتلاف, ويقال: هو الذي أمسك عن

الصهيل, قال النابغة الذبياني: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ... تحتَ العجاجِ وخيلٌ تعلك اللُّجَما ومصام الفرس ومصامته موقوفه, وصامت الريح إذا ركدت فلم تتحرك, وصامت البكرة إذا لم تَدُرّ, وصام النهار صوماً إذا قام قائم الظهيرة واعتدل كأن الشمس سكنت عن الحركة في رأي العين.
ثم خُصَّ في لسان الشرع والعرف الغالب ببعض أنواعه, وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع, ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والجهل وغيرهما من الكلام المحرم والمكروه؛ فإن الإمساك عن هذه الأشياء في زمن الصوم أوكد منه في غير زمن الصوم, [و] إذا كان هذا الوقت قد حظر فيه المباح في غيره؛ فالمحظور في غيره أولى؛ كالحرم والإحرام والشهر الحرام, وقد يتبعه الاعتكاف؛ لأنه حبس النفس في مكان مخصوص؛ فهو من جنس الصوم, يقال منه: صام يصوم صوماُ وصياماً.
وسُمي الصيام الصبر.

1 - ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر تعدل صوم الدهر».
وقد قيل: إنه عني بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45]؛ لأن الصائم يصبر نفسه عن شهواتها.
وسُمي أيضاً السياحة.

والصوم خمسة أنواع: الصوم المفروض بالشرع وهو صوم رمضان أداءً, وقضاءً, والصوم الواجب في الكفارات, والواجب بالنذر, وصوم التطوع.

مسألة:

ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم, ويؤمر به الصبي إذا أطاقه.

في هذا الكلام فصول: أحدها: أن صيام رمضان فرض في الجملة, وهذا من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف, وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...﴾ إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...﴾ الآيات [البقرة: 183 - 185]. 2 - وأما السنة؛ فقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت».
3 - وقوله في حديث جبريل: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً».

4 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس, فأتاه رجل, فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر».
قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: «الإسلام: أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان».
قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنك إن لا تراه؛ فإنه يراك»... وذكر الحديث.
متفق عليه.
5 - وعن أبي هريرة: أن أعرابيّاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته؛ دخلت الجنة.
قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان».
قال: والذي نفسي بيده؛ لا أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه.
فلما ولَّى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة؛ فلينظر إلى هذا».
متفق عليه.
6 - وعن طلحة بن عبيد الله؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دَوِيَّ صوته ولا نفقه ما يقول, حتى دنا؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة».
فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا تطَّوع».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" «وصيام

رمضان».
قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا؛ إلا تطَّوع».
قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة, فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا تطَّوع».
قال: فأدبر الرجل, فقال: والله؛ لا أزيد على هذا ولا أنقص.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».
7 - وعن أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من القوم (أو: من الوفد؟»).
قالوا: ربيعة.
قال: «مرحباً بالقوم (أو: بالوفد) غير خزايا ولا ندامى».
فقالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام, وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر؛ فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة.
قال: فأمرهم بأربع وأنهاهم عن أربع, أمرهم بالإيمان بالله وحده, وقال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟».
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وأن تعطوا من المغنم الخمس».
ونهاهم عن أربع, عن الجنتم والدباء والنقير والمزفت, وربما قال: المقير.
قال: «احفظوهن, وأخبروا بهن من ورائكم».
رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وقد أجمعت الأمة إجماعاً ظاهراً على وجوب صيام شهر رمضان, وأنه الشهر التاسع من شهور العام بين شعبان وشوال, والأفضل أن يقال: جاء شهر

رمضان, وصمنا شهر رمضان؛ موافقة للفظ القرآن وأكثر الأحاديث.
فأما إطلاق رمضان عليه: فقال القاضي وغيره: يكره إطلاق هذا الاسم عليه من غير قرينة تدل على أن المراد به الشهر؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]. 8 - ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ [قال]: «لا تقولوا جاء رمضان؛ فإن رمضان اسم الله, ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».

رواه أحمد بن عدي.
وفي رواية: «لا تقولوا جاء رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله, ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».
9 - وقد روي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شهر رمضان؟ فقال: «أرمض الله فيه ذنوب المؤمنين فغفرها لهم».
10 - وقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسموا رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله عز وجل؛ فانسبوه إليه كما نسبه لكم في القرآن».
رواه ابن شاهين.
وظاهر الأثر المذكور يقتضي كراهة إطلاق رمضان عليه بكل حال؛ لأنه نهى أن يقال: جاء رمضان, ومعلوم أن هذه قرينة, ونهى عن تسمية رمضان.

11 - وقد روى أبو سعيد الأشج وغيره عن مجاهد: أنه كره أن يقول: رمضان, ويقول: شهر رمضان؛ كما سمى الله شهر رمضان.
ولعل وجه هذا 'ن كان له أصل أن يكون الله سبحانه وتعالى لما كان يرمض الذنوب في هذا الشهر على الشهر فيحرقها ويفنيها؛ كان هذا من أسمائه, لكن على هذا التقدير لا يُسمى الشهر رمضان, لا مطلقاً ولا مقيداً؛ لأن الاسم لله سبحانه, اللهم إلا أن يُقال: الاسم مشترك يُسمَّى به الله سبحانه ويسمى به الشهر, فيجوز مع القرينة أن يُعنى به الشهر؛ كما قد قيل مثل هذا في الرب والملك والسيد ونحو هذا.
وقال غيره من أصحابنا [كـ] ابن الجوزي: لا يكره تسميته رمضان بحال.
12 - وهذا هو المعروف من كلام أحمد؛ فإنه دائماً يطلق رمضان ولا يحترز عن ذلك؛ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان؛ فتحت أبواب الجنة».
متفق عليه.
13 - وعنه أيضاً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلا أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً؛ فليصمه».
رواه الجماعة.

14 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
متفق عليه.
15 - وعمن سمع في فلق فِيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من صام رمضان.
متفق عليهما.
16 - 18 - وعن أبي أيوب وجابر وثوبان, عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من

صام رمضان, ثم أتبعه بست من شوال...» وذكر الحديث.
رواه مسلم وغيره.
19 - وعن سلمة بن المحبق؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع؛ فليصم رمضان حيث أدركه».
وفي لفظ: «من أدركه رمضان في السفر».
رواهما أبو داوود.
20 - 21 - وعن أبي هريرة وعن عائشة: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أصبت أهلي في رمضان.
متفق عليهما.
وهذا كثير في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما عن أصحابه؛ فأكثر من أن يُحصى.

قالوا: ولأنه لم يذكر أحد في أسماء الله رمضان, ولا يجوز أن يُسمى به إجماعاً.
والحديثان المتقدمان لا أصل لهما: أما الأول؛ فإن مداره على أبي معشر, والثاني مداره على إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن هشام بن عروة.
وأما قوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾؛ فكقولهم: شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر, وهو من باب إضافة الاسم العام إلى الخاص؛ كما يقال: يوم الأحد ويوم الخميس.
قال بعض أهله...: ما كان في أوله رأس الشهور؛ فإن الغالب أن يذكر بإضافة الشهر إليه دون ما لم يكن كذلك, فيقولون: المحرم, وصفر, وشهر ربيع الأول, شهر ربيع الآخر, رجب, شعبان, شهر رمضان.

وأما اشتقاقه: فقال القاضي: قيل: سُمي رمضان لأنه يرمض الذنوب؛ أي: يحرقها ويهلكها.
وقد تقدم الرواية بذلك.
22 - وعن أنس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون لأي شيء سُمي شعبان؟».
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: «لأنه يتشعب فيه خير كثير, وإنما سُمي رمضان لأنه يرمض الذنوب (يعني: يحرق الذنوب)».
رواه ابن شاهين وغيره.
وهذا المعنى لا يخالف ما يذكره أهل اللغة؛ فإنهم يزعمون أن أسماء الشهور لما نقلوها عن اللغة القديمة؛ سموها بالأزمنة التي وقعت فيها, فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر, فسُمي بذلك؛ كما سموا شوالاً؛ لأن الإِبل تشول

بأذنابها, وسموا شعبان؛ لانشعاب القبائل فيه, وغير ذلك.
وهذا لأن الرمض شدةُ وقعِ الشمس على الرمل وغيره, والأرض رمضا, ورمِضَ يومنا يرمض رمضاً: اشتد حرُّه, ورمضت قدمي, ورمض الفصيل: أصابه حرُّ الرمضا.
فاجتمع في رمضان أن وقت التسمية كان زمن حر, ثم إن الله فرض صومه, والصوم فيه العطش والحرارة, ثم إنه يوجب التقوى فتحرق الذنوب وتهلكها, وقد يُلهم الله خلقه أن يسموا الشيء باسم لمعنى يعلمه هو [ويبينه فيما بعد] وإن لم يعلموا ذلك حين الوضع والتسمية؛ كما سموا النبي صلى الله عليه وسلم محمداً.
وغير مستنكر أن يكون ما اشتق منه الاسم قد تضمن معاني كثيرة, يفطن بعض لبعضها.
وأيضاً؛ فإن هذه التسمية لغوية شرعية, فجاز أن يكون له باعتبار كل واحد من التسميتين معنى غير الآخر, وقد قيل: هو اسم موضوع لغير معنى؛ كسائر الشهور.
وقيل: شرع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه, وقد سمي بذلك لأن الله حين فرضه كان وقت الحر.
وهذا ضعيف؛ لأن تسميته رمضان متقدمة على فرضه, ولأنه لما فُرض؛ كان في أوائل الربيع الذي تسميه العرب الصيف؛ فإن أول رمضان فُرض كانت فيه وقعة بدر, وقد أنزل الله عليهم فيها ماءً من البسماء, والقيظ العظيم لا ينزل فيه مطر.

فصل: 23 - ويستحب لمن رأى الهلال - هلال رمضان أو غيره - أن يدعو بما روي عن طلحة بن عبيد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال؛ قال: «اللهم! أهله علينا باليمن والإيمان, والسلامة والإسلام, ربي وربك الله».
رواه احمد والترمذي, وقال: حسن غريب.
24 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى

الهلال؛ قال: «الله أكبر, اللهم! أهله علينا بالأمن والإيمان, والسلامة والإسلام, والتوفيق لما تحب وترضى, ربي وربك الله».
رواه الأثرم.
25 - وعن أبي حرملة؛ قال: «خرجت مع سعيد بن المسيب, وهو آخذ بيدي, فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بالهلال, فقلت: الهلال يا أبا محمد! فرفع رأسه, فقال: آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك.
ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا».
رواه أبو داوود في «المراسيل».
26 - وعن قتادة: أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال؛ قال: «هلال خير ورشد, آمنت بالذي خلقك»؛ ثلاث مرات.
ثم يقول: «الحمد لله

الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا».
رواه أبو داوود في «السنن» و «المراسيل», وقال: روي: روي متصلاً, ولا يصح.
27 - ورواه عبد الرزاق في «الجامع»: أنبأنا معمر عن قتادة؛ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال؛ كبر ثلاثاً, ثم هلل ثلاثاً, ثم قال: «هلال خير ورشد»؛ ثلاثاً.
ثم قال: «آمنت بالذي خلقك ثلاثاً».
ثم قال: «الحمد لله الذي ذهب بسهر كذا وجاء بشهر كذا».
28 - وعن قتادة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال؛ صرف وجهه عنه», رواه أبو داوود.

فإذا جمع بين هذا كله؛ كبر ثلاثاً, ثم هلل ثلاثاً, ثم قال: هلال خير ورشد؛ ثلاثاً, ثم قال: هلال خير ورشد؛ ثلاثاً, ثم قال آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك؛ ثلاثاً, ثم قال: الحمد لله الذي جاء بشهر كذا وذهب بشهر كذا, اللهم! أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام.
29 - وأما رمضان؛ فقد روي عن أبي جناب الكلبي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا رمضان قد جاء؛ فقولوا: اللهم! سلمه لنا وسلمنا له في يسر وعافية وتقبله منا».
رواه عباد بن يعقوب الأسدي.
30 - وعن يحيى بن أبي كثير؛ قال: «كان من دعائهم: اللهم! سلمني لرمضان, وسلم لي رمضان, وتسلمه مني متقبلاً».
رواه محمد بن كثير عن الأوزاعي عنه.
31 - وعن أبي جعفر الباقر؛ قال: «كان إذا أهل رمضان؛ قال: اللهم أهله علينا بالسلامة, والإسلام, ودفع الأسقام, والعون على الصلاة والصيام,

والرزق الواسع, والعفو والعافية, اللهم! سلمه لنا وسلمنا له».
رواه عباد بن يعقوب.
الفصل الثاني: أنه يجب على كل مسلم عاقل بالغ قادر- فيدخل في هذا المقيم والمسافر, والصحيح والمريض, والطاهر والحائض, والمغمى عليه - فإن هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذِمَمِهم, بحيث يخاطبون بالصوم ليعتقدوا الوجوب في الذمة, والعزم على الفعل, إما أداءً وإما قضاءً, ثم منهم من يخاطب بالفعل في نفس الشهر أداءً, وهو الصحيح المقيم؛ إلا الحائض والنفساء, ومنهم من يخاطب بالقضاء فقط, وهو الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداء وقد يقدر عليه قضاء, ومنهم من يخير بين الأمرين, وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة شديدة من غير خوف التلف.
الفصل الثالث: أنه لا يجب على الكافر, بمعنى أنه لا يخاطب بفعله, ولا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم, وسواء كان أصليّاً أو مرتداً في أظهر الروايتين, وقد تقدمت فروع ذلك في الصلاة.
ولا يصح من الكافر ابتداءً ولا دواماً؛ فلو ارتد في أثناء يوم؛ بطل صومه؛ لأن الصوم عبادة, والكفر ينافي العبادة, ولأنها عبادة؛ فبطلت بالردة كالصلاة,

وطرده الإحرام والطهارة, ويتخرج؛ فعلى هذا إذا عاد إلى الإِسلام؛ فإنه يجب عليه القضاء في المشهور, وإن عاد إلى الإسلام في أثناء النهار؛ فهو أولى بوجوب القضاء.
فأما إن قلنا: إن الإِسلام في بعض النهار لا يوجب الإِمساك والقضاء, وقلنا: إنه يقضي ما تركه قبل الردة.... وقال ابن أبي موسى: من ارتد عن الإِسلام؛ أفطر وحبط عمله؛ فإن عاد إلى الإِسلام في بقية رمضان؛ صام ما بقي, وهل يلزمه قضاء ما أفطر منه بعد الردة أم لا؟ على روايتين: الفصل الرابع: أنه لا يجب على المجنون في المشهور من المذهب, نص عليها في

رواية الأثرم, وفرق بينه وبين المغمى عليه, وعليها أصحابنا, حتى من أوجبه على الصبي, وروي عن حنبل أنه يقضيه إذا أفاق كالحائض.
والقضاء هنا أوجه من قضاء الصلاة؛ لأن ما أسقط أداء الصلاة في الغالب فإنه يسقط قضاءها؛ بخلاف الصوم؛ فإنه يقضى مع الحيض والسفر والمرض وغير ذلك, وإن لم يجب الأداء مع هذه الأسباب, ولأن إيجاب القضاء عليه لا مشقة فيه هنا بخلاف إيجاب قضاء الصلاة, ولأن الصوم قد لا يتكرر مثله في حال الإِفاقة فيفضي إلى تركه بالكلية بخلاف الصلاة, وذلك لأنه زوال عقل, فلم يمنع وجوب القضاء كالإِغماء والسُّكر.
فعلى هذه الرواية يجب عليه القضاء, سواء كان الجنون طارئاَ عليه بعد البلوغ أو مستداماً من حين البلوغ, وسواء استغرق الشهر أو بعضه؛ فأما إن توالت عليه رمضانات في حال الجنون؛ فعلى ما ذكره القاضي إنما يقضي الرمضان الذي أفاق بعده؛ فأما ما قبل ذلك الرمضان؛ فلا يقضيه؛ لأن أحسن أحواله أن يكون كالحائض, والحائض لا بد أن يتخلل بين الرمضانين زمن لقضائها, وكلام غيره يصام, وهو ظاهر كلامه في هذه الرواية؛ لأنه عذر توالى في عدة رمضانات, فلم يسقط القضاء كالمرض والسفر.
32 - ووجه الأول أن قوله: «رفع القلم عن المجنون حتى يفيق»:

.................................

يقتضي الرفع عنه مطلقاً, وإيجاب القضاء يحتاج إلى دليل, وليس في الشرع ما يوجب القضاء على المجنون من نص ولا قياس؛ إذ لا نص في المسألة.
والفرق بينه وبين الحائض والمغمى عليه ظاهر؛ فإن الحائض من أهل التكليف حين انعقاد سبب الوجوب, وهو استهلال الشهر, فثبت الوجوب في ذمتها كما يجب غيره من الفرائض, والمجنون ليس من أهل التكليف؛ فلا يصح الإيجاب عليه.
ولا فرق في ذلك بين الجنون المطبق والذي يعرض أحياناً؛ فإنه لا يجب عليه الصوم إلا في حال الإِفاقة.
وهل يصح منه الصوم بنية وليه له كالصبي وكما في الإِحرام؟ على وجه.

مسألة:

فإن نوى الصوم وجُنَّ في بعض اليوم؛

لم يبطل صومه إذا أفاق في جزء

منه, وجمهور أصحابنا - كابن عقيل وأبي الخطاب فيما ذكره القاضي -[أنه] كالإغماء, وقال جدي رحمه الله: يبطل صومه.
فأما الصرع - وهو الخنق الذي يعرض وقتاً ثم يزول -؛ فينبغي أن يلحق بالإغماء والغشي؛ لأنه يزيل الإِحساس من السمع والبصر والشم والذوق, فيُغطى, فيزول العقل تبعاً لذلك؛ بخلاف الجنون؛ فإنه يزيل العقل خاصة, فيلحقه بالبهائم.

فصل:

فأما من زال عقله بغير جنون

من إغماء أو غيره؛ فإنه يجب عليه الصوم بغير خلاف في المذهب, ويصح صومه إذا نواه في وقت تصح فيه النية وأفاق بعض النهار, سواء أفاق في أحد الطرفين أو في الوسط.
فأما إن أغمي عليه جميع النهار؛ لم يصح صومه.
ولو نام جميع النهار؛ صح صومه.
هذا هو المنصوص المشهور في المذهب, وإن كان سكراناً أو مبنجاً أو زال عقله بشرب دواء, وذلك لأن الإِغماء مرض من الأمراض, فلم يمنع صحة الصوم كسائر الأمراض, وإنما اشترطنا أن يفيق في جزء من النهار؛ لأن الصوم لا بد فيه من الإِمساك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه في صفة الصائم:

33 - «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي».
والإِمساك لا يكون إلا مع حضور العقل, ولم يشترط وجود الإِمساك في جميع النهار, بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله: «يدع طعامه وشهوته من أجلي».
فعلى هذا: إن نوى الصوم من الليل, ثم أغمي عليه في أثناء النهار, واتصل أياماً؛ صح له صوم الأول دون ما بعده؛ لفوات الإِفاقة فيه والنية.
قال ابن أبي موسى: وقال بعض أصحابنا: ويجيء على قولنا: يجزيه نية لجميع الشهر: أنه إذا صح له صوم الأول؛ صح له ما بعده.
كأن صاحب هذا القول شبه جعل إفاقة واحدة كافية في جميع الشهر كما أن نية واحدة تكفي على هذه الرواية.
نعم لو أغمي عليه أياماً, فأفاق في أثناء النهار؛ فإنه هنا يجزيه ذلك الصوم على قولنا: إنه يصح [أن] يكفي لجميع الشهر نية واحدة.
الفصل الخامس: أنه لا يجب على الصبي حتى يبلغ في إحدى الروايتين.
قال في رواية حنبل: إذا احتلم في بعض الشهر؛ لا يقضي, ويصوم فيما يستقبل.

واليهودي والنصراني إذا أسلما يصومان ما بقي ولا يقضيان ما مضى إنما وجبت الأحكام عليهما بعدما أسلما.
وقال في رواية المرُّوذي: إذا حاضت في بعض الشهر؛ تصوم الباقي, وقال في رواية ابن إبراهيم: تصوم إذا حاضت, فإن أجهدها؛ فلتفطر ولتقض.
وقال في رواية حرب: وقال له: غلام احتلم لثلاثة عشرة, فقيل له: صم, فقال: لا أقدر.
قال: إذا احتلم الصائم لا يترك.
قلت: فالجارية.
قال إذا حاضت.
وعنه أنه يلزمه الصوم إذا أطاقه, حتى لو أطاق بعضه في أثناء الشهر؛ لزمه صوم ما يستقبله, ولو تبين له في أثناء النهار, وأنه يطيق صوم ذلك اليوم؛ كان بمنزلة إسلام الكافر.
وهذا اختيار أبي بكر.
قال في رواية أبي داوود: يؤمر الغلام بالصوم إذا أطاقه.

وقال في رواية المروذي في غلام ابن اثني عشر سنة لم يحتلم: أرى عليه الصيام, فإن لم يصم يضرب على الصوم والصلاة.
وقد تأولها القاضي فقال: وذكر ابن أبي موسى هذه الرواية إذا أطاق صيام ثلاثة أيام تباعاً لا يضر يصبر فيه أخذ بصيام رمضان, فيكون صوم ثلاثة أيام متتابعة تفسير للطاقة المذكورة في الرواية الأخرى.
34 - لأن أحمد رضي الله عنه قال في رواية عبد الله.
قال: ورواه ابن جريج, قال: أخبرت عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة؛ فقد وجب عليه صيام شهر رمضان».
قال أبو عبد الله: يؤمر الصبي بالصيام إذا أطاق.
فهذا يبين أنه أخذ بالحديث في تفسير الطاقة.
35 - وروى عبد الرزاق في «كتابه», عن ابن جريج, عن محمد

ابن عبد الرحمن بن لبيبة, عن أبيه, عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة؛ فقد وجب عليه صيام رمضان».
وبكل حال؛ فإنه يؤمر به إذا أطاقه, ويضرب عليه ليعتاده, هكذا ذكر جماعة من أصحابنا, منهم أبو الخطاب, وعليه تأول القاضي قول أحمد بالضرب.
وقال ابن عقيل: هل يلزمه الصوم ويضرب عليه؟ على روايتين.
فعلى هذا لا يضرب على ترك الصوم قبل الوجوب, وإن ضرب على الصلاة, بناء على أن رواية المروذي فيمن وجب عليه.
ويصح صومه إذا بلغ حد التمييز كما تصح منه الصلاة.
فأما قبل ذلك؛ فهل يصوم وليه...؟ وعلى هذا فقال الخرقي وغيره: إذا كان للغلام عشر سنين, وأطاق الصيام؛ أخذ به.
فجعل السن الذي يضرب عليه عشر سنين مع الطاقة قياساً على الصلاة, لكن تعتبر هنا الطاقة؛ بخلاف الصلاة؛ فإنه لا مشقة فيها.

وقد قال في رواية المروذي: ابن اثنتي عشرة سنة.
وأطلق بعضهم الطاقة.
الفصل السادس: أنه لا يجب الصوم إلا على القادر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16], وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فإن كان عاجزاً عنه في وقته قادراً عليه بعد خروج الوقت كالمريض والحامل؛ فإنه يجب عليه القضاء كما سيأتي.
وإن كان عاجزاً في الوقت وبعد الوقت - وهو الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة-؛ فإنهما يفطران ويطعمان كما سيأتي إن شاء الله.
وإن كان به عطاش أو شبق.... وإذا أفاق من إغمائه في أثناء اليوم؛ فهو كما لو أفاق المجنون.
ذكره ابن عقيل.
وينبغي....

فصل:

فإن صار من أهل الوجوب في أثاء النهار

, مثل أن يسلم الكافر أو يفيق مجنون أو يبلغ صبي أو يطيق, ولم يكن نوى الصوم؛ ففيه روايتان ذكرهما أبو بكر والقاضي وغيرهما: إحداهما: أنه يجب عليه أن يمسك بقية يومه ويقضيه, سواء كان قد أكل أو لم يكن, نص عليه في الكافر في رواية صالح وابن منصور غي اليهودي والنصراني يسلمان؛ [قال:] يكُفَّان عن الطعام ويقضيان ذلك اليوم.
والثانية: لا يجب عليه إمساك ولا قضاء.
قال في رواية حنبل في اليهودي والنصراني إذا أسلما والصبي يحتلم؛ [قال:] «يصومان ما بقي ولا يقضيان ما مضى إنما وجبت الأحكام بعد الإِسلام».
36 - لأن الإِسلام يَجُبُّ ما قبله من الفطر؛ ف يجب عليه أداءً ولا

قضاءً.
وإيجاب بعض يوم لا يصح؛ لأن أقل الصوم الصحيح يوم, ولأن مَنْ جاز له الأكل أول النهار ظاهراً وباطناً؛ جاز له الأكل كما لو دام به المانع.
37 - والأولى اختيار القاضي وأصحابه؛ لما روي عن الرُّبَيِّع بنت معوذ قالت: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قُرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائماً؛ فليتم صومه, ومن كان أصبح مفطراً؛ فليتم بقية يومه, فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا الصغار منهم [إن شاء الله], ونذهب إلى المسجد, فنجعل لهم اللعبة من العهن, فإذا بكى أحدهم من الطعام؛ أعطيناها إياه عند الإِفطار».
أخرجاه.
38 - وعن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه: أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «صمتم يومكم هذا؟».
قالوا: لا.
قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه».

................................

رواه أبو داوود.
فابتداء الأمر به في أثناء النهار إيجاب له في أثناء النهار, وقد أمر بالإِمساك والقضاء؛ لأنه طرأ عليه في بعض نهار رمضان ما لو كان موجوداً في ابتداء النهار لوجب عليه الصوم, فيجب أن يؤمر بالإِمساك والقضاء, كما لو أكل في أول النهار, أو نوى الفطر فلا يعتقد أنه آخر شعبان, ثم علم في أثناء النهار أن ذلك اليوم كان أول رمضان؛ فإن هذا يجب عليه القضاء رواية واحدة.
وكذلك الإِمساك يجب رواية واحدة فيما ذكر عامة أصحابنا, حتى القاضي وأكثر أصحابه قالوا: «بلا خلف في المذهب», وهو منصوص أحمد في غير موضع, وخرَّج أبو الخطاب فيه روايتين.
ولو افطر متعمداً؛ وجب عليه الإِمساك والقضاء بغير خلاف.
ولو نسى أن ذلك اليوم من رمضان, فلم ينو صومه, ثم ذكر في أثناء النهار.... ولو أكل يعتقد الليل, ثم تبين أنه كان نهاراً؛ أمسك بقية يومه, ولم يجزه عن فرضه, فيقضيه بعد خروج الشهر, ولأن إدراك بعض وقت العبادة كإدراك جميعها في الإيجاب, ولهذا نقول: لو طهرت الحائض قبل طلوع الفجر بمقدار تكبيرة؛ لزمها قضاء العشاءين, فإذا أدرك من اليوم بعضه؛ فقد أدرك بعض وقت

العبادة.
39 - والأوجه أنه يجب عليه الإِمساك دون القضاء؛ لحديث عاشوراء.
ولا فرق في هؤلاء بين أن يكونوا أكلوا قبل وقت الوجوب أو لم يأكلوا؛ لأن الحيض والجنون والكفر يمنع صحة الصوم كما يمنعه الأكل.
فأما الصبي إذا لم يكن أكل؛ فقال القاضي: يجب عليه الإِمساك رواية واحدة؛ لأن الرخصة زالت, ووقت العبادة باقٍ يقبل الصوم الصحيح في الجملة.
فأما إن أصبح الصبي صائماً, ثم بلغ في أثناء اليوم بالسن أو الاحتلام؛ فقال أبو الخطاب: هو كما لو لم ينو الصيام؛ لأن نية الفرض لا تسقط بنية النفل؛ كما لو بلغ في أثناء الصلاة؛ فإنه يجب عليه قضاؤها.
فعلى هذا يحب عليه القضاء والإِمساك في أحد.... وقال القاضي: يتم صومه ولا قضاء عليه هنا؛ لأن ما مضى صوم صحيح فعله قبل وجوبه, فلم يجب عليه إعادته, وما يفعله بعد البلوغ هو الصوم الواجب عليه, وقد أمكن أن يأتي به صوماً صحيحاً؛ فإن كون بعض اليوم فرضاً وبعضه نفلاً غير ممتنع؛ كما لو نذر في أثناء النفل أن يتمه؛ بخلاف من لم ينو الصوم؛ فإنه وجب عليه هناك صوم ما أدركه, وصوم بعض يوم غير صحيح ممكن, فوجب أن يصوم يوماً؛ لأن أداء الواجب لا يتم إلا به.

والفرق بين هذا وبين الصلاة أنه قد خوطب هناك بالفعل في المستقبل, ولهذا لو بلغ بعد الفعل؛ لزمه القضاء, فلم يجزه ما فعله قبل الوجوب, وهنا لا يخاطب بالإِمساك لزمن ماض, وما فعله قبل الوجوب لا نقول: إنه وقع واجباً, وإنما نقول صحيحاً, وبصحته صح فعل الواجب بعد البلوغ, فأشبه ما لو توضأ قبل وجوب الصلاة أو أحرم بالحج أو العمرة قبل وجوبهما ثم بلغ قبل التعريف.
قال بعض أصحابنا: ولا يجوز له الفطر هنا رواية واحدة؛ كما لو قدم المسافر صائماً, فأما ما قبل يوم الوجوب من الشهر؛ فلا يقضونه على ظاهر المذهب كما تقدم.
وذكر ابن عقيل رواية أخرى في الصبي والمجنون أنهما يقضيان من أول الشهر تنزيلاً لإِدراك بعض الشهر بمنزلة إدراك كله على قولنا: يجزئ صومه بنية واحدة.

فصل:

فأما من يجب عليه القضاء إذا زال عذره في أثناء اليوم

مثل: الحائض تطهر, والمسافر المفطر يقدم, والمريض يصح؛ فإن القضاء يجب عليه رواية واحدة؛ وجود الفطر في بعض اليوم, وينبغي لهم الإِمساك أيضاً.

قال في رواية الأثرم وأبي منصور: إذا قدم من سفره في بعض النهار وهو مفطر؛ فينبغي أن يتوقى الأكل في الحضر, وكذلك الحائض لا تأكل بقية النهار, وإذا قدم من سفره وامرأته قد طهرت؛ فلا أحب أن يغشاها.
40 - وجابر بن زيد زعموا أنه قدم من سفر, فوجد امرأته قد طهرت من حيضها, فوقع عليها.
وفي وجوبه روايتان, هذه طريقة القاضي وأصحابه.
وقال ابن أبي موسى: إذا قدم المسافر مفطراً؛ أحببنا له أن يمسك عن الأكل والشرب بقية يومه, فإن أكل أو جامع مَنْ طهرت من حيضها؛ أساء, ولا كفارة عليه, ولا يلزمه سوى القضاء, والحائض إذا طهرت في بعض النهار؛ فلها الكل بقية يومها.
وعنه رواية أخرى: أنها تمسك بقية يومها كالمسافر.
فجعل المسافر يمسك رواية واحدة على سبيل الاستحباب المؤكد, بحيث يكون أكله مكروهاً, وحمل كلام أحمد حيث أذن على إقراره حيث منع على الكراهة, وجعل في الحائض روايتين.
ووجه ذلك أن المسافر كان يمكنه الصوم ويصح منه في أول النهار, وإنما أفطر باختياره, فيصح الإِمساك في الجملة؛ بخلاف الحائض؛ فإن المنافي

لصحة الصوم وقد وجد أول النهار, فامتنع أن تمسك في يوم حاضت فيه, وجعل الإِمساك بكل حال غير واجب؛ لما يأتي.
وعلى الطريقة الأولى: ففي الجميع روايتان: إحداهما: لا يجب الإِمساك, بل يستحب.
قال في رواية ابن منصور: إذا أصبح مفطراً في السفر, فدخل [أهله], فأكل؛ ليس عليه شيء, ويعجبني أن لا يأكل؛ لأن الله سبحانه إنما اوجب صوم يوم واحد؛ فإيجاب صوم بعض يوم آخر يحتاج إلى دليل.
والثانية: يجب الإِمساك.
قال في رواية حنبل: إذا قدم في بعض النهار؛ أمسك عن الطعام, وإذا طهرت الحائض من آخر النهار؛ تمسك عن الطعام.
وقال في رواية صالح وابن منصور في المسافر يقدم في رمضان, واليهودي والنصراني يُسلمان: يكفون عن الطعام, ويقضون ذلك اليوم, والحائض كذلك, وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن المقتضي للفطر قد زال, فيجب الإِمساك, وإن وجب القضاء, كما لو قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار, ولأن الإِمساك... هذا إن كان قد أكلوا, فأما إن كانوا ممسكين ولو ينووا في أثناء النهار والصوم؛ فقال القاضي وابن عقيل: يجب عليهم بالإِتمام رواية واحدة؛ كما لو نووا الصوم.
فأما إن قدم المسافر أو صح المريض وقد بيَّت الصوم؛ لم يجز الفطر

رواية واحدة, بل لو جامع بعد الإِقامة؛ لزمه الكفارة.
نص عليه في رواية صالح.
قال: وكذلك الصبي إذا بلغ صائماً.
والأشبه الفرق كما في التبييت.
وخرَّج أصحابنا أنه لا يلزمه؛ كما لو سافر وهو صائم؛ فإن له أن يفطر على الصحيح؛ فإذا أجاز قطع الصوم للسفر؛ فرفعه أولى.
وإذا علم المسافر أو غلب على ظنه أنه [يقدم] في أثناء النهار؛ فإنه يُبَيِّت الصوم تلك الليلة.
قال في رواية أبي طالب: إذا كان في سفر, فأراد أن يدخل المدينة إلى أهله من الغد؛ فليجمع الصوم من الليل؛ فإذا دخل المدينة؛ كان صائماً.
هكذا كان ابن عمر.
41 - وذلك لما روى مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا كان في سفره في رمضان, فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه؛ دخل وهو صائم.
وقد ذكر أحمد عن ابن عمر نحوه.

قال ابن عبد البر: هذا هو المستحب عند جماهير العلماء؛ إلا أن بعضهم أشد تشديداً فيه من بعض.
قال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يجوز له الفطر إذا علم أنه يقدم في بعض النهار؛ لأن من أصله أنه إذا قدم؛ تعين عليه الإِمساك إذا كان مفطراً؛ فإذا علم أن سفره لا يتسع لفطر يوم؛ وجب أن يمتنع منه؛ لأن وجود السفر في أول النهار سبب يبيح الرخصة, فجاز العمل به.
وإن علم أنه يزول آخر النهار, كما لو صلى في أول الوقت قاصراً, وهو يعلم أنه [يقدم] في الوقت, أو صلى بالتيمم وهو يعلم أنه يجد الماء في آخر الوقت, وكما لو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن؛ فإنه لا يلزمه التبييت.
ووجه الأولى: أن الفطر في الحضر غير جائز في الحضر غير جائز أصلاً, بل يجب الصوم فيه, ولا يمكن الصوم فيه؛ إلا أن يُبيِّت النية من الليل, وما لا يتم إلا به فهو واجب, ولأن الصوم واجب في ذمة المسافر, وإنما أجيز له تأخير الفعل إذا كان مسافراً, فإذا علم أنه يقدم في أثناء اليوم؛ فقد أخَّرَ الصوم بدون سبب الرخصة, وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الصبي؛ فإنه لم يجب عليه شيء قبل البلوغ.
فأما الحائض إذا علمت أنها تطهر في أثناء اليوم؛ فهنا لا يجوز تبييت النية؛ لأن الحيض يمنع صحة الصوم.

فصل:

فأما إذا وجد سبب الفطر في أثناء النهار

, مثل أن تحيض المرأة؛ فإنها تصير مفطرة؛ لأن الحيض يمنع صحة الصوم, وتأكل ولا تمسك, فيما ذكره ابن المنذر عن أحمد, وهو رواية.
قال في رواية عبد الله: فإن كانت امرأة صامت ثم حاضت؛ تمسك عن الطعام إلى آخر النهار, وتعيد ذلك اليوم.
وكذلك المسافر إذا قدم المصر وهو مفطر؛ يمسك.
قال القاضي: لأن اليوم قد اجتمع فيه ما يوجب الإِمساك وهو الصوم أوله, وما يوجب الأكل وهو الحيض آخره, فغلب الإِمساك؛ [كما] لو حاضت أوله أو قدم المسافر, والأول.... وكذلك إذا مرض الرجل؛ فإن له أن يفطر؛ فإن المريض رُخص له في الفطر لأجل المشقة التي تلحقه بالصوم, وهذا لا فرق فيه بين أول النهار وآخره, وكذلك لو ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل؛ أتمَّها جالساً.
لكن هل يجوز له الجماع وتجب عليه الكفارة؟ على الروايتين في المسافر.

جارٍ التحميل