شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصيامصفحات 183-206

154 - وعائشة تروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان ينشئ صوم التطوع نهاراً»؛ كما سيأتي.
فلولا أن عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنة؛ لما فرقت بين الفرض والنفل.
قال الميموني سألت أحمد عنه؟ فقال: أخبرك ما له عندي ذاك الإِسناد؛ إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان.
155 - وقد روى الدارقطني, عن يحيى بن أيوب, عن يحيى بن سعيد, عن عمرة, عن عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر؛ فلا صيام له».
وقال: كلهم ثقات.

156 - وروى أيضاً عن ميمونة بنت سعد؛ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أجمع الصيام من الليل؛ فليصم, ومن أصبح ولم يجمعه؛ فلا يصم».
وفي إسناده الواقدي.
وأيضاً: فإن الصوم الواجب هم الإِمساك من أول النهار إلى آخره؛ فإذا خلا أوله عن النية؛ فقد خلا بعض العبادة الواجبة عن النية؛ ذكراً واستصحاباً, وذلك لا يجوز, ولأنه إذا لم يعتقد الصوم أول النهار؛ لم يكن ممتثلاً للأمر بصومه؛ لأن امتثال الأمر بدون القصد لا يصح؛ فإذا لم يكن ممتثلاً للأمر؛ بقي في عهدة الأمر قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ...﴾ [البقرة: 187], وكونه معذوراً لا يقتضي أن يحكم له بما لم يفعله, لكن يقتضي سقوط الإِثم عنه, ويجزيه القضاء؛ كما لو لم يعلم به إلا بعد الزوال.
ولأنه: صوم واجب, فلم يصح إلا بنية من الليل؛ كصوم الكفارة والقضاء والنذر المطلق, ولا يصح أن يقال: هناك لم يتعين زمانه فلا بد من النية, بخلاف صوم رمضان والنذر المعين؛ لأن التعيين لو كان كافياً؛ لكفى مجرد الإِمساك بدون النية, ولم تفترق الحال بين ما قبل الزوال وبين ما بعده.
فإن قيل: فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء أن يصوموا بنية من النهار, وكان صوماً واجباً, ولولا أن الواجب يصح بنية من النهار؛ لم يجزهم.
قيل: لا نسلم أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً على ما يختاره كثير من أصحابنا على القول الآخر؛ فذاك إنما ابتدأ الله إيجابه من النهار, ولم يكن

واجباً عليهم بالليل؛ بخلاف صوم رمضان؛ فإنه واجب من أول النهار, وإن لم يعلم بالزمان, وليس لنا صوم يوجبه الله ابتداءً في أثناء النهار.
نعم؛ أشبه شيء بهذا أن يسلم الكافر أو يفيق المجنون أو يحتلم الصبي في أثناء النهار؛ فيجب عليه الصوم من حينئذٍ؛ إذ في المشهور عنه.
وأيضاً: فإن هذا لو ثبت؛ لكان في صوم عاشوراء, وذاك صوم ومنسوخ؛ فلا يلزم من ثبوت الحكم فيه ثبوته في الصوم المحكم؛ لجواز أن يكون ثبت وجوبه بصفة تخالف صوم رمضان, لا سيما وقد كانوا في أول ما فرض رمضان عليهم يُخيَّر أحدهم بين أن يصوم وبين أن يفتدي بطعام مسكين عن كل يوم؛ لأنهم لم يكونوا قد اعتادوا الصوم, فخفف عنهم في أول الأمر, ثم أحكمت الفرائض.
فإن كان الواجب قد يجزئ بنية من النهار؛ فلعله في ذلك الوقت.
ثم إن قوله: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»: حديث متأخر عن صوم عاشوراء, فيكون ناسخاً له لو اجتمعا في صوم واحد؛ فكيف إذا كان ذلك في الصوم المنسوخ؟! لأن راويه حفصة, وإنما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم..., وحديث عاشوراء كان في السنة الثانية من الهجرة.
فأما صوم التطوع؛ فيجزئ بنية من النهار.
نص عليه في غير موضع.
157 - لما روي عن عائشة؛ قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هل عندكم من شيء؟».
فقلنا: لا.
قال: «فإني إذاً صائم».
ثم أتانا يوماً آخر, فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس, فقال: «أدنيه؛ فلقد أصبحت

صائماَ».
رواه الجماعة إلا البخاري, وفي بعض الروايات: فقال: «فغني صائم», ولم يقل: «إذاً».
وهذا يدل على أنه أنشأ الصوم من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم», وهذه الفاء تفيد السبب والعلة؛ فيصير المعنى: إني صائم؛ لأنه لا شيء عندكم.
ومعلوم أنه لو كان قد أجمع الصوم من الليل؛ لم يكن صومه لهذه العلة.
وأيضاً: فقوله: «فإني أذاً صائم», وإذاً أصرح في التعليل من الفاء.
وأيضاً: فإن الظاهر من حال مَنْ أجمع الصيام من الليل أن لا يجيء سائلاً عن الغداء, وإنما يسأل عن الغداء المفطر أو المتلوم.
وذكر إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هذا الحديث, فقال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة, فقال: «أطعمينا شيئاً».
فقالت: ما عندنا.
قال: «فأشهدكم إني صائم يومي هذا».
قال: فنوي الصيام بعد مضي بعض اليوم.
158 - وأيضاً: قال البخاري: وقالت أم الدرداء: [كان أبو الدرداء] قول: عندكم [طعام]؟ فإن قلنا: لا.
قال: فإني صائم يومي هذا.

159 - 160 - قال: وفعله أبو طلحة وأبو هريرة.
161 - 162 - وابن عباس وحذيفة.

163 - 165 - وذكر ابن عبد البر عن علي وابن مسعود وأنس.
166 - وذكره إسحاق عن معاذ بن جبل....

[و] عن سعيد بن المسيب؛ قال: «رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق, ثم يأتي أهله, فيقول: هل عندكم شيء؟ فإن قالوا: لا.
قال: فأنا صائم.
رواه

أبو عاصم.
وهذا يفسر حديث حفصة.
أن المراد بذلك الحديث الصوم الواجب, لا سيما وعائشة يروي هذا الحديث وهي تقول: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل».
ولأن صيام عاشوراء لم يكن واجباً في المشهور لأصحابنا, وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بصومه من النهار, ولأن بعض الواجبات يجوز أن يكون بتطوع به؛ كما بتطوع بالقراءة والتسبيح من أركان الصلاة والطواف من أركان الحج, ولأن النافلة

يخفف فيها ما لا يخفف في الفريضة؛ بدليل أن نفل الصلاة يصح قاعداَ أو على الراحلة توسعة للنافلة, فجاز أن يوسع التنفل بالصوم بنية من النهار.
فعلى هذا يجوز التطوع بنية من النهار قبل الزوال وبعده, نص عليه في رواية الميموني, وقد سأله عن الذي ينوي الصيام بعد الفجر: أليس يتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاهم فقال: «هل عندكم طعام؟» بعدما تعالى النهار؟ قال: نعم.
ويتأول حديث حذيفة بعدما زالت الشمس ورأيته يذهب إلى هذا ما لم يكن فرضاَ.
ولذلك أطلق الإِجزاء بنية من النهار في رواية أبي طالب وغيره, وأطلقه الخرقي وغيره, وعلى هذا أصحابنا مثل ابن أبي موسى والقاضي في آخر قوليه.
وذكر ابن عقيل وغيره في هذه المسألة روايتين: إحداهما: كذلك, والثانية: لا يجزئ نية بعد الزوال.
قال: وهي أصح في الروايتين.
وهذا اختيار القاضي في «المجرد»؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء في صدر النهار.
ولا يمكن إلحاق ما بعد الزوال به؛ لأنه إذا نوى أول النهار؛ فقد حصل معظم اليوم منويّاً, فجاز أن يقوم مقام الجميع, كما لو أدرك الإِمام راكعاً؛ فإنه يحسب له جميع الركعة, بخلاف ما إذا نوي بعد الزوال, ولأن الإِمساك أول النهار أمرٌ معتادٌ؛ فإذا لم يصادفه النية؛ لم يقدح ذلك فيه؛ بخلاف الإِمساك

آخره؛ فإنه بخلاف المعتاد؛ فإذا لم ينو؛ ذهب الإِمساك المقصود في الصوم باطلاَ, لهذا يكره للصائم الاستياك بالعشي, ولم يكره له أول النهار.
فعلى هذا يصح قبل الزوال قولا واحداَ على ما ذكره القاضي وعامة أصحابنا.
ومنهم من قال: إنما يصح قبل انتصاف النهار الذي أوله طلوع الفجر, وذلك قريب من آخر الساعة الخامسة؛ لأن النهار الذي يجب صومه من طلوع الفجر؛ فإذا لم تقع النية قبل مضي نصفه؛ لم يكن أكثر زمان الصوم منويّاً.
ووجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صام بنيةٍ من النهار, ولا فرق بين أوله وآخره.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: الأكثرون على أنه يجوز, وإن لم ينو إلا بعد نصف النهار, منهم ابن مسعود وحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل, رأوا إن لم ينو ليلاً أن يصوم في نهاره؛ يعني: ينوي أي وقت شاء, ولو كان بعد الزوال أيضاً, وهذا أعدل الأقوال عندنا وأشبه بسنة محمد صلى الله عليه وسلم.
167 - عن المستورد بن الأحنف: أن رجلاً صلى مع عبد الله بن مسعود الظهر, فسأله, فقال: إني جئت في طلب غريم لي, فأصبحت, فلا أنا صائم ولا أنا مفطر.
فقال: «أنت بالخيار, إن شئت فصم, وإن شئت فافطر».
رواه حرب.

فصل

: قال أحمد في رواية أبي طالب: من صام فرضاً أو قضاءً أو نذراً؛ أجمع عليه من الليل, ابن عمر وحفصة يقولان: من أجمع من الليل صام, ومن لم يجمع من الليل فلا صوم.
وحديث طلحة بن يحيى عن مجاهد عن عائشة: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم, فقال: «هل عندكم من شيء؟».
قلنا: لا.
قال: «فإني صائم».
ثم جاءنا يوماً آخر, فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس, فخبأنا لك منه, فقال: «أدنيه؛ فقد أصبحت صائماً», فأكل.
فهذا في التطوع يكتب له بقية يومه.
وإذا أجمع من الليل؛ كان له يومه, وسواء على هذا نوى قبل الزوال أو بعده, وهذا قول.... وقال القاضي وأبو الخطاب: يحكم له بالصوم الصحيح الشرعي المثاب عليه من أول النهار, لا من وقت النية, سواء نوى قبل الزوال أو بعده؛ لأن صوم

بعض النهار لا يصح, بدليل ما لو نواه بعد الأكل, أو أراد الفطر في أثناء اليوم.
فإذا صح نيته من أثناء النهار؛ علم أن صومه تام, فيكتب له ثواب يوم تام.
وقد تنعطف النية على ما مضى؛ كالكافر إذا أسلم؛ فإنه يثاب على ما تحمله من الحسنات حال كفره, ولأنه لو كان صومه من حين النية؛ لوجب أن يجوز الأكل قبلها؛ بدليل أن وقت الفجر لما كان أول وقت الصوم الذي يثاب عليه؛ جاز له الأكل قبل طلوعه, فلما ثبت أنه لا يجوز أن يأكل ضحوة لم ينو الصوم الآكل؛ فثبت أن ما مي من النهار قبل الصوم صوم صحيح.
والمنصوص أصح, وهو اختيار أبي محمد؛ لأن الإِمساك صدر النهار كان بغير نية, وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فكيف يثاب على إمساك ما لم يقصده ولم ينوه, وكونه صام اليوم كله لا يوجب أن يثاب عليه كله, وإنما يثاب فيما ابتغي وجه الله منه, هذا إذا سلمنا انه صام أوله, وإلا؛ فالحقيقة أنه لا يوقع اسم الصوم إلا من حين النية, ونجعله قد صام بعض يوم, وما تقدم من الإِمساك يشرط بصوم بعضه, وإن سمي فيه صائماً؛ فعلى المعنى اللغوي لا على المعنى الشرعي.
أما إذا أكل؛ فقال أصحابنا: لا يصح صومه بحال.
وقال القاضي: قول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء: «ومن أكل فليمسك» على طريق الاستحباب, وقولهم: الإِمساك في يوم لا يجب صومه لا يكون قربة ليس بصحيح؛ لأن هذا يوم شريف فيه فضل؛ فالإِمساك فيه قربة... فعلى هذا من أكل معتقداً أنه ليس بيوم شريف, ثم تبين له بخلافه؛ فإنه

يمسك ويثاب..., فإن كان أول النهار ممن لا يصح صومه كالكافر والحائض؛ لم يصح صومه إذا أسلم أو انقطع الدم؛ كما لو كان قد أكل في أول النهار.

فصل:

وتصح النية في جميع ليلة الصوم

, ولا يجب استصحاب ذكرها, بل يكفي استصحاب حكمها إلى آخر النهار, ما لم يفسخها.
فإن فسخها ليلاً؛ صار كأنه لم ينو, وإن أكل بعدها أو جامع؛ لم تبطل عند أكثر أصحابنا.
وقال ابن حامد: تبطل؛ لأنه تخلل بين العبادة وبينها ما ينافيها, فأشبه ما لو أحدث بعد نية الصلاة وقبل فعلها.
قال ابن عقيل: وكما لو نوى الإِحرام فوطئ, وكما لو نوى الزكاة بطعام بعينه ثم طحنه وخبزه.
وإن فسخها نهاراً, بأن نوى الفطر؛ صار مفطراً بمنزلة مَنْ لم ينو ولم يأكل, هذا منصوص أحمد.
وذكر الشريف عن ابن حامد انه لا يكون مفطراً.... وإن تردد في قطع الصوم, أو نوى أنه يقطعه فيما بعد؛ فهو على الخلاف في الصلاة.
قال القاضي وابن عقيل: إن اعتقد الخروج منه, أو اعتقد أنه سيخرج؛ خرج.
نص عليه أحمد, وكذلك الصلاة؛ بخلاف الحج.

وظاهر كلامه أنه يصير مفطراً.
قال في رواية الأثرم: لا يجزيه إذا أصبح صائماً ثم عزم على أن يفطر فلم يفطر حتى بدا له, ثم قال: لا بل أتمُّ صيامي, من الواجب, فلا يجزيه حتى يكون عازماً على الصوم يومه كله, وإن كان تطوعاً كان أسهل.
وإن نوى أنه إن وجد طعاماً أفطر وإلا فلا؛ فوجهان.
وجميع الليل محل للنية, حتى لو نوت الحائض, وقد عرفت من حالها الطهر قبل الفجر, ولا بد أن يكون قبل الفجر, ولا يصح معه, نص عليه.... وإن نوى نهاراً قبل يوم الصوم بليلة؛ ففيه روايتان.
أحدهما: لا يجزيه.
قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يجمع على الصيام في كل يوم من الليل.
وهذا اختيار أصحابنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل».
والثانية: يجزيه.
قال ابن منصور: قلت لأحمد: إذا نوى الصوم بالنهار أن يصوم غداً من قضاء رمضان, ثم لم ينوه من الليل.
قال: قد تقدم منه نية, لا بأس به, إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك.
وقد تأولها القاضي في «المجرد» على أنه استصحب النية إلى جزء من الليل.
وتأولها ابن عقيل على قولنا بأنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة.

وكلاهما ضعيف, وهو الذي يقتضيه كلام أحمد؛ فإنه قد نص على أن الصوم يصح مع الأكل إلى طلوع الفجر, وأن النية يجب أن تكون قبل الفجر؛ كما دل عليه نص الرواية, وأقرها القاضي في آخر أمره على ظاهرها, وهو الصواب؛ لأن ليلة الصوم تابعة له, فجاز تقديم النية عليها؛ كما يجوز تقديمها على النوم, ولأن النية إذا لم تفسخ؛ فإن حكمها باق؛ وإن تقدمت على العبادة بزمن طويل؛ ما لم يفصل بينهما عبادة من جنسها.
ولهذا قال كثير من أصحابنا: إن نية الصلاة تصح من أول الوقت, بخلاف ما إذا نوى في ليلة صيام اليوم الذي يلي يومها؛ إنه قد تخلل بين وقت النية ووقت العبادة ووقت يصلح لأداء مثل تلك العبادة.
فإن قوله: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل»: ليس بنص, فإن مَنْ نوى من النهار واستصحب النية إلى الفجر؛ فقد أجمع الصيام من الليل؛ لأن الإِجماع أعم من أن يكون مبتدأ أو مستصحباً أو ذكراً أو حكماً.
ولهذا إنما ذكر ذلك لبيان... الذي تقدم النية عليه, لا لبيان تأخير النية عنه.

فصل:

وهل يشترط أن ينوي نية الفريضة؟

على وجهين.
أحدهما: لا يشترط.
قاله القاضي وأبو الخطاب وأكثر أصحابنا.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لأنه اعتبر أن ينوي رمضان ولم يذكر نية الفريضة؛ لأن نية رمضان من المكلف تتضمن نية الفرض؛ فإن رمضان منه لا

يقع إلا فرضاً, وهذا أبلغ من الصلاة.
والثاني: يشترط.
قاله ابن حامد.
وأما نية الأداء؛ فأشبه ما لو نوى صلاة في وقت التي قبلها.
وتشترط النية لكل يوم على انفراده في المشهور عنه الذي عليه عامة أصحابه.
قال في رواية الجماعة صالح وعبد الله وإبراهيم وابن منصور: يحتاج في شهر رمضان أن يجمع في كل يوم على الصوم.
وروي عن حنبل في بعض المواضع قال: سألت أبا عبد الله: هل يحتاج في شهر رمضان إلى نية كل ليلة؟ قال: لا, إذا نوى من أول الشهر؛ يجزيه, وهذه التي نصرها ابن عقيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم [قال]: «وإنما لكل امرئ ما نوى», وهذا قد نوى جميع الشهر.
168 - وعن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أهل رمضان: «قد دخل عليكم هذا الشهر المبارك فقدموا فيه النية».
ولأن شهر رمضان بمنزلة العبادة الواحدة؛ لأن الفطر في لياليه عبادة أيضاً يستعان بها على صوم نهاره, ولهذا شملت البركة لياليه وأيامه, وسمي الفطر ليلة العيد فطراً من رمضان, فعُلم أن الفطر الذي يتخلل أيامه ليس فطراً من رمضان,

ويزكون صومهم ويوفون أجرهم في آخره, فعلم أنه عبادة واحدة, فأجزأت فيه نية واحدة كسائر العبادات.
وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه؛ لا يمنع كونه عبادة واحدة؛ كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام ووقوف وطواف وسعي, ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة, أو قد اخترق الحجر, ونحو ذلك لم يتعد الفساد إلى غيره, ومع هذا؛ فهو عبادة واحدة, بحيث تكفيه نية واحدة؛ لأن النية وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم, من غير أن يتخلل النية والصوم المنوي زمان يصلح جنسه لصوم سواه, فجاز ذلك, كما لو نوى لكل يوم من ليلته.
فأما القضاء والنذر؛ فلا يجزيه إلا تبييت النية في كل ليلة قولاً واحداً, ولم يفرق أصحابنا بين النذر المعين والكفارة المتتابعة وغيرها.
ووجه الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يجمع الصيام من الليل قبل الفجر؛ فلا صيام له», ولأن كل يوم عبادة مفردة, بدليل أنه لا يفسد بعضها بفساد بعض.
والعبادة المفردة تفتقر إلى نية مفردة كسائر العبادات.
والحج عبادة واحدة؛ بدليل أنه لو وطئ في آخره؛ فسد أوله, ومع هذا؛ فلا بد للطواف من نية تخصه, ولا تكفيه نية أصل الحج, وإنما يجزئ ذلك في الوقوف خاصة؛ لأنه من خصائص الحج, وفي ضمنه, بخلاف الطواف؛ فإنه عبادة مفردة بنفسه.

فصل:

ولا يجزئ الواجب من الكفارة والقضاء والنذر المطلق إلا بتعيين النية

والنذر المعين

. فأما رمضان؛ فلا يجزئ إلا بتعيين النية في إحدى الروايات.
قال في رواية صالح فيمن صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعاً: أيجزيه؟ فقال: أو يفعل هذا مسلم؟ وكذلك الأثرم وقد تقدمت.
ونقل عنه من يحج ينوي به التطوع, ويصوم ينوي به التطوع؛ فالحج والصوم سواء, لا يجزيه العمل فيه إلا بنية, نص عليه فيمن صام رمضان ينوي به تطوعاً لا يجزيه, سواء تعمد ذلك أو لم يدر؛ كيوم الشك والأسير وغيرهما.
قال: لا يجزيه يعزمه أنه من رمضان.
والثانية: يجزيه.
قال في رواية المروذي: إذا حال دونه حائل؛ فإنه يصوم.
فقيل له: يصومه على أنه من رمضان؟ فقال: نحن اجمعنا على أن نصبح صياماً, ولم نعتقد أنه من رمضان؛ فهو يجزينا من رمضان.
فقيل له: أليس تريد أن ينوي أنه من رمضان؟ قال: لا, إذا نوى من الليل أنه صائم أجزأه.
فقد نص بأنه لا يجب تعيين النية, حتى لو نوى الصوم مطلقاً, أو نوى نذراً أو قضاء أو تطوعاً؛ أجزأه من رمضان.
قال القاضي: فظاهره أنه لو نوى صوماً مطلقاً؛ أجزأه عن فرضه.
ومن أصحابنا مَنْ جعل هذا رواية بكل حال, وهذا اختيار الخرقي في «شرحه».
قال: من أصلنا لو نوى أن يصوم تطوعاً, فوافق رمضان؛ أجزأه؛ لأنه يحتاج أن يفرق بين الفرض والنفل لما يصلح لهما, وشهر رمضان لا يصلح.

والرواية الثالثة: أن تعيين النية برمضان يجب مع الغيم دون الصحو.
قال في رواية صالح: إذا حال دونه شيء, فأصبح صائماَ؛ أجزأه, وإن لم يحل؛ لم يجزه, حتى ينوي أنه من رمضان.
واختار جَدي رحمه الله: أنه يجزيه مع الإِطلاق على رواية المروذي, ولا يجزيه مع تعيين غير رمضان؛ كما نص عليه في رواية الجماعة.
وذلك لأن التعيين إنما يفتقر إليه للتمييز بين العبادتين, لجواز أن ينوي كل واحدة منهما, والوقت هنا لا يصلح لغير رمضان, ولا يصح فيه غيره؛ فإنه لو صام في رمضان قضاءً أو نذراً أو نفلاًَ؛ لم يصح وفاقاً.
وإذا كان متميزاً بنفسه؛ لم يفتقر إلى التعيين؛ كما لا يفتقر المقيم أن ينوي الظهر أربعاً, ولأنه متى قصد الصيام وأراده؛ فقد أتى بالصوم الشرعي؛ لأنه عبارة عن الإِمساك والنية, وإذا أتى بالصوم الشرعي؛ أجزأه عن صوم شهر رمضان؛ لأنه لا يصح في هذا الوقت غيره, ولأنها عبادة تعين لها هذا الوقت شرعاً, فإذا وقع غيرها من جنسها, وقع [عينها]؛ كما لو أحرم بالحج نفلاً أو نذراً؛ فإنه يقع عن حجة الإِسلام؛ لأن الشارع عَيَّن أول حجة لحجة الإِسلام بقوله: 169 - «هذه عنك, ثم حج من شبرمة».

..................

.................

بلى هذا أولى من الحج؛ لأن هذا الزمان تعين بتعيين الشارع.
وقد أجمع الناس أنه لا يجوز أن يوقع فيه غيره.
والحج, وإن تعين له ذلك العام؛ فقد كان يجوز أن يوقع في غيره.
وقد اختلف في جواز إيقاع غيره فيه: .. والأول هو المذهب الذي عليه عامة الأصحاب؛ مثل أبي بكر

وأبي حفص والقاضي وأصحابه؛ لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]؛ فإنه أمر بصوم هذا الشهر متضمن للأمر بنيته, فإن من صام فيه تطوعاً أو قضاءً أو صوماً مطلقاً؛ لم يصمه, وإنما صام فيه, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى», وهذا لم ينو صوم رمضان أصلاً ولا ضمناً؛ فلا يجزيه, ولأنها عبادة.... وإن قال ليلة الشك: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي, وإن لم يكن منه فهو نفلي؛ أجزأه إن كان منه على قولنا: يصح بنية [من] الليل لا يشترط تعيين النية, وعلى قولنا: يشترط, لا يجزيه.
.. فيمن أصبح متلوماً إذا كان من رمضان, وإلا؛ فهو شعبان نافلة, فإذا صام على هذا, قضى يوماً مكانه, ولا يكون صائماً حتى يجمع عليه من الليل.
وإن قال: وإن لم يكن من رمضان؛ فصومي عن واجب آخر سماه لم يجزه عن ذلك الواجب بحال, وهل يجزيه عن رمضان إن بان أنه منه؟ على روايتين.

وإن قال: إن كان من رمضان؛ فأنا صائم, وإلا؛ فأنا مفطر؛ لم يجزه بحال, نص عليه في رواية الأثرم.
قال: سألت أحمد: تقول: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائماً, فإن لم يكن في السماء علة أصبح مفطراً.
ثم قال: كان ابن عمر إذا رأى في السماء سحاباً؛ أصبح صائماً.
قلت لأبي عبد الله: فيعتد به؟ قال: كان ابن عمر يعتد به, فإذا أصبح عازماً على الصوم؛ اعتد به ويجزيه.
قلت لأبي عبد الله: فإن أصبح متلوماً يقول: إن قالوا: هو من رمضان صمت, وإن قالوا: ليس من رمضان أفطرت.
قال: هذا لا يعجبني, يتم صومه ويقضيه؛ لأنه لم يعزم.
وكذلك نقل حرب في يوم الشك إن لم يجمع الصيام ولكنه أصبح يقول: أصوم إن صام الناس, وأفطر إن أفطر الناس, ولم يجمع الصيام, وصام ذلك اليوم؛ فإذا هو من رمضان, يعيد يوماً مكانه.
وإن قال: أنا غداً صائم من رمضان أو من نقل؛ لم يجزه عن رمضان؛ إنْ تبين أنه منه؛ إلا على القول بإجزاء الفرض بنية النفل؛ لأنه شرَّك بين الفرض والنفل في النية.
وإن قال في سائر الأيام: أنا صائم غداً قضاءً أو تطوعاً, وقع تطوعاً.

جارٍ التحميل