باب في أحكام المفطرين في رمضان
مسألة:
ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به والمسافر الذي له الفطر؛ فالفطر لهما أفضل, وعليهما القضاء, وإن صاما أجزأهما.
في هذا الكلام فصول: أحدها: أن المريض والمسافر يباح لهما الفطر: لقوله سبحانه وتعالى: ﴿. . . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 207
ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ [البقرة: 183 - 185].
وقد استفاضت الأحاديث عن رسول الله صلى اله عليه وسلم بإباحة الصوم للمسافر؛ فالمريض أولى, وهذا مما أجمع عليه المسلمون في الجملة.
الفصل الثاني: أن السفر المبيح للفطر هو السفر المبيح للقصر على ما مضى؛ لأن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران في أربعة برد فما فوق ذلك.
ولأن السفر المطلق هو السفر الذي يتكرر فيه الشد والحل, وذلك هو مسافة القصر, وأما المريض المبيح؛ قال ابن أبي موسى والخرقي: هو الذي يزيد في مرضه.
وكذلك المريض الذي لا يطيق الصيام أو الذي يزيد الصوم في مرضه؛ له أن يفطر, وإن تحمَّل وصام وأجزأه.
قال في رواية صالح: والمريض يفطر إذا لم يستطع.
قيل: مثل الحُمَّى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟
وقال في رواية عبد الله: إذا كان تخاف المرأة اللوزتان تفطر إذا كانت تخاف على نفسها.
وقال أبو بكر: والمريض إذا خشي على نفسه أو على بعض أعضائه التلف
الجزء: 1 - الصفحة: 208
يفطر.
وإذا احتاج إلى أن يفطر ببعض أسباب الفطر جاز له غيره مثل أن يحتاج إلى كحل عينه أو إلى الجماع لإزالة الشبق.
وهل يُخرَّج على هذا فطر المسافر بالجماع ويفرق بين من جاز له الفطر وحرم عليه؟
قال فيما إذا احتاج إلى مداواة عينه: يفطر ويعالجها.
وفي معنى المريض الصحيح الذي يخاف من الصوم مرضاً أو جهداً شديداً, مثل مَنْ به عطاش لا يقدر في الحر على الصوم, وهو يقدر عليه في الشتاء, أو امرأة قد حاضت والصوم يجهدها.
قال في رواية ابن هانئ: الجارية تصوم إذا حاضت, فإن أجهدها فلتفطر ولتقض.
قال أصحابنا: ولا كفارة في ذلك بخلاف الحامل.
قال القاضي: إن كانت تخاف المرض بالصيام؛ جاز لها الفطر, وإن لم تخف من المرض, لم يبح لها الفطر؛ لأن هذا نادر ليس بمعتاد لخوف المشقة فيه, وكلام أحمد يقتضي.
. . .
وإن خاف من الصوم ضعفاً عن عدوه في الحضر أو لم يقدر على تحصيله.
. . .
الفصل الثالث: أن المريض يستحب له الفطر, ويكره له الصوم, فإن صام؛ أجزأه.
الجزء: 1 - الصفحة: 209
170 - عن أبي العلاء بن الشخير, عن عائشة: «أنه أجهدها العطش وهي صائمة, فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفطر وتقضي مكانه يومين».
رواه حرب بإسناد جيد, وكذلك المسافر يستحب له الفطر ويجزيه.
قال أبو عبد الله في رواية المروذي: قد سافروا مع النبي صلى الله عليه وسلم, وقالوا: كان منا الصائم ومنا المفطر.
والذي نختار أن يفطر, وإن صام في السفر؛ أجزأه.
قال أبو سعيد: «سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم, فمنا الصائم ومنا المفطر, ولم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم».
وحديث عمر ليس له إسناد.
ولكن حديث ابن عباس: «لما بلغ الكديد أفطر» , وهو آخر الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم, وكذا بأمره بالإِفطار.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصوم في السفر».
وقال في رواية حنبل: لا يعجبني الصيام في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الحديث: 170 - الجزء: 1 - الصفحة: 210
171 - 172 - «ليس من البر الصوم في السفر» , وكان عمر وأبو هريرة يأمرانه بالإِعادة.
الحديث: 171 - الجزء: 1 - الصفحة: 211
ويتوجه أن لا يكره إذا لم يكن فيه مشقة, ولا فعله تعمقا, وإنما جاز له الأمران.
173 - لما روى أبو سعيد وجابر؛ قالا: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض».
رواه مسلم.
174 - وعن أبي سعيد؛ قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة
الحديث: 173 - الجزء: 1 - الصفحة: 212
مضت من رمضان, فمنا من صام, ومنا من أفطر, فلم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم».
رواه أحمد ومسلم والترمذي.
وفي رواية: «كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان, فمنا الصائم, ومنا المفطر, فلم يجد الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم».
يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن, ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن.
175 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم».
أخرجاه في «الصحيحين».
176 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم, وإن شئت فأفطر».
وفي رواية: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصوم, فقال: «إن شئت فصم, وإن شئت فأفطر».
رواه الجماعة.
الحديث: 175 - الجزء: 1 - الصفحة: 213
وفي رواية؛ قال: يا رسول الله! إني رجل أسرد الصوم.
177 - وعن أبي الدرداء؛ قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد, حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة».
رواه الجماعة إلا النسائي والترمذي.
ولأنه صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح صام في رمضان حتى بلغ الكديد, ثم أفطر حتى قدم مكة, فصام في السفر وأفطر.
وقد تقدم.
178 - ولهذا قال ابن عباس: «لا يعب على من صام في السفر, ولا على من أفطر؛ فقد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر».
وفي لفظ: «صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فمن شاء صام, ومن شاء أفطر».
متفق عليه.
وإنما اخترنا له الفطر لقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] , ولأنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه أفطر في أثناء غزوة الفتح, ثم لم يزل مفطراً, ثم لم يسافر بعدها في رمضان, وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا كانت الأحوال التي في آخر عمره أفضل من الأحوال التي في أول عمره.
الحديث: 177 - الجزء: 1 - الصفحة: 214
179 - وعن معمر بن أبي حبيبة: أنه سأل سعيد بن المسيب عن الصيام في السفر, فحدثه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين في شهر رمضان يوم بدر ويوم الفتح, فأفطرنا فيهما».
رواه أحمد والترمذي, وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
180 - وعن حمزة بن عمرو الأسلمي؛ أنه قال: يا رسول الله! أجد مني قوة على الصوم في السفر, فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله, فمن أخذ بها فحسن, ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه».
رواه مسلم والنسائي.
ورواه أبو داوود ولفظه: قلت: يا رسول الله! إني صاحب ظهر
الحديث: 179 - الجزء: 1 - الصفحة: 215
أعالجه, أسافر عليه وأكريه, وإني ربما صادفني هذا الشهر (يعني: رمضان) , وأنا أجد القوة, وأنا شاب, فأجد بأن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً, أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال «أي ذلك شئت يا حمزة».
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه به قوة على الصوم, وأنه أيسر عليه من الفطر, وخيَّره النبي صلى الله عليه وسلم, وقال: «هي رخصة من الله, من أخذ بها فحسن» , والحسن هو المستحب, «ومن أحب أن يصوم؛ فلا جناح عليه» , ورفع الجناح إنما يقتضي الإباحة فقط, وهذا بين لمن تأمله.
181 - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر, فرأى زحاماً, ورجل قد ظلل عليه, فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم.
فقال: «ليس من البر الصيام في السفر».
رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
وفي رواية النسائي: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها».
182 - وعن كعب بن عاصم الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس
الحديث: 181 - الجزء: 1 - الصفحة: 216
من البر الصيام في السفر».
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
قال سفيان بن عيينه: تفسيره: ليس من صام بأبر ممن فطر.
183 - وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «ليس من البر الصوم في السفر».
رواه الأثرم.
الحديث: 183 - الجزء: 1 - الصفحة: 217
والبر هو العمل الصالح, فقد بين أن الصوم في السفر ليس بعمل صالح, بل هو من المباح؛ فلا حاجة بالإنسان إلى أن يجهد نفسه به.
184 - وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر؛ يقول الله عز وجل لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح مقيم».
رواه البخاري:
فإذا سافر في رمضان وأفطر؛ كتب له صوم رمضان, ثم إذا قضاه؛ كتب له صوم القضاء؛ فلا يكون في الصوم زيادة فضل.
ولا يصح أن يقال: إنما هذا فيمن شق عليه الصوم في السفر, لأن الحديث خارج على هذا السبب؛ لأنه قد روي مبتدأ غير خارج على سبب.
ولأن اللفظ عام, لا يجب قصره على سببه؛ بل يحمل على عمومه.
ولأن التظليل ليس فيه دليل على المشقة التي تضره حتى يجب معها الفطر.
ولأنه لو كان ذلك لأجل المشقة خاصة؛ لكان الصوم إثماً, ولقيل: إن من الإِثم الصوم في السفر, فإن نفي البر ليس يلزم منه وجود الإِثم, لأن بينهما مرتبة ثالثة.
ولأنه قد قال في الحديث: «عليكم برخصة الله التي أرخص لكم فاقبلوها» , والرخصة عامة لجميع الناس.
الحديث: 184 - الجزء: 1 - الصفحة: 218
ولأنه لما كان الصوم في الجملة مظنة المشقة؛ بيَّن أنْ لا برَّ في الصوم فيه لإِفضائه إلى هذا الضر, وإن تخلف عنه في بعض الصور.
185 - وأيضاً؛ تقدم ما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره تؤتى معصيته».
رواه أحمد وابن خزيمة في
الحديث: 185 - الجزء: 1 - الصفحة: 219
.................
الجزء: 1 - الصفحة: 220
«صحيحه».
186 - وعن محمد بن المنكدر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يحب أن تؤتى فريضته».
187 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه».
188 - وعن ابن عمر وابن عباس؛ قالا: «إن الله يحب أن تؤتى مياسره كما يحب أن تؤتى عزائمه».
رواهن ابن أبي شيبة.
189 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «ما خُيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحديث: 186 - الجزء: 1 - الصفحة: 221
بين أمرين؛ إلا اختار أيسرهما, ما لم يكن إثماَ؛ كان أبعد الناس منه».
190 - وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ وأبي موسى: «يسرا ولا تعسرا».
191 - وعن بشر بن حرب؛ قال: سألت عبد الله بن عمر, قلت: ما تقول في الصوم في السفر؟ قال: تأخذ إن حدثتك؟ قلت: نعم.
قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من هذه المدينة؛ قصر الصلاة, ولم يصم حتى يرجع إليها».
رواه أحمد.
192 - وعن أبي طعمة؛ قال: كنت عند ابن عمر, إذ جاءه رجل, فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني أقوى على الصيام في السفر.
فقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه الإِثم مثل جبال عرفة».
رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة.
الحديث: 190 - الجزء: 1 - الصفحة: 222
193 - وأيضاً: ما روى أنس بن مالك الكعبي؛ قال: أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانتهيت [أو قال:] فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأكل, قال: «اجلس فأصب من طعامنا هذا».
فقلت: إني صائم.
قال: «اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام, إن الله وضع شطر الصلاة (أ: نصف الصلاة) والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى» , والله لقد قالهما جميعاً أو احدهما, فتلهفت نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه
الحديث: 193 - الجزء: 1 - الصفحة: 223
.................
الجزء: 1 - الصفحة: 224
......................
الجزء: 1 - الصفحة: 225
الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأحمد والنسائي: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى وعن المرضع».
فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن الصوم موضوع عنه؛ استدعاء منه للفطر بعد أن أخبره أنه صائم, ودعاه بعد أن أخبره أنهه صائم.
194 - 195 - وعن أبي أمية الضمري وعبد الله بن الشخير عن النبي
الحديث: 194 - الجزء: 1 - الصفحة: 226
................
الجزء: 1 - الصفحة: 227
..................
الجزء: 1 - الصفحة: 228
صلى الله عليه وسلم؛ قال: «إن الله وضع عن المسافر الصيام ونصف الصلاة».
رواهما النسائي.
196 - وأيضاً: عن عبد الرحمن بن حرملة, عن سعيد بن المسيب؛ قال: سمعت رجلاً سأله: أتمُّ الصلاة والصوم في السفر؟ فقال: لا.
قال: إني أقوى على ذلك.
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى منك, قد كان يفطر ويقصر الصلاة في السفر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خياركم من قصر الصلاة في السفر وأفطر».
رواه سعيد والأثرم وغيرهما.
وهذا مع أنه من مراسيل سعيد؛ فقد احتج به, واحتجاجه يدل على صحته عنده.
197 - ورواه النجاد عن جابر مسنداً.
الحديث: 196 - الجزء: 1 - الصفحة: 229
198 - وعن ابن عمر: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر؟ فنهاه, فقال: إن ذلك عليَّ يسير.
فقال: «أنت أعلم باليسير أم الله؟ يقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ , إن الله تصدق برمضان على مرضى أمتي ومسافريهم؛ فأيكم يحب أن يتصدق بصدقة ثم ترد عليه؟!».
رواه أبو حفص.
199 - وقد روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في القصر: «صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته».
رواه مسلم.
وأيضاً؛ فإن عامة الصحابة على ذلك:
200 - عن أبي جمرة؛ قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: «عسر ويسر, خذ بيسر الله تعالى».
رواه أبو سعيد الأشج.
الحديث: 198 - الجزء: 1 - الصفحة: 230
201 - وعن أبي سلمة؛ قال: «نهتني عائشة أن أصوم في السفر».
رواه سعيد.
الحديث: 201 - الجزء: 1 - الصفحة: 231
وقد تقدم عن ابن عمر الأمر بالفطر.
202 - وعن سعيد بن جبير؛ قال: كان ابن عمر لا يستأذنه في السفر, فصحبه رجل, فدعاه إلى طعامه, قال: إني صائم.
قال: «من صحبنا؛ فليقتد بنا, ومن لا؛ فليعتزلنا؛ فإن في الأرض سعة».
رواه البغوي.
203 - وعن ابن عمر: «أنه كان لا يصوم في السفر رمضان ولا غيره, وإذا أقام قلما فطر».
الحديث: 202 - الجزء: 1 - الصفحة: 232
204 - وعنه: «أنه جاء إليه رجل, فقال: أصوم في السفر؟ قال: لا.
قال: إنه صوم كنت أصومه.
قال: إن هذا يريد أن يتبع هواه, إني لأظنك عراقيّاً».
الحديث: 204 - الجزء: 1 - الصفحة: 233
205 - وعن مجاهد؛ قال: قال ابن عمر: «يا مجاهد! لا تصم في السفر؛ فإنهم يقولون: كفوا صاحبكم, أعينوا صاحبكم, حتى يذهبوا بأجرك».
206 - وعن عمرو بن دينار؛ قال: «سمعت رجلاً من بني تميم يحدث عن أبيه أنه صام رمضان في السفر, فأمره عمر أن يقضيه».
وعن محرر بن أبي هريرة؛ قال: «صمت رمضان في السفر, فأمرني أبو هريرة أن أعيد في أهلي».
207 - وعن عمار مولى بني هاشم, عن ابن عباس رضي الله عنهما: فيمن صام رمضان في السفر: «لا يجزيه».
رواه أبو إسحاق الشالنجي.
الحديث: 205 - الجزء: 1 - الصفحة: 234
208 - 209 - وعن عثمان بن أبي العاص وأنس: «الصوم أفضل».
رواه سعيد.
الحديث: 208 - الجزء: 1 - الصفحة: 235
ولأن الفطر جائز بغير خلاف من غير كراهة, والصوم قد كرهه جماعة من الصحابة, وأمروا بالقضاء كما تقدم, ولأن الفطر أيسر وأخف, والله يريد اليسر ولا يريد بنا العسر, ويجب أن يؤتى ما أرخصه, والمفطر يجمع له أجر الصائم وأجر القضاء كما تقدم, ولأنه رخصة من رُخَص السفر, فكان اتباعها أولى من الأخذ بالثقيل؛ كالقصر والمسح.
فإن قيل: هذا يبقى الصوم في ذمته بخلاف الذي يقصر الصلاة.
قلنا: إذا قام واتسع له وقت؛ قضاه, وإلا؛ فلا شيء عليه.
ولأن الصوم في السفر مظنة سوء الخلق والعجز عن مصالح السفر, وأن يصير الإِنسان كَلاًّ على أصحابه, ولو لم يغيره, لكن الفطر بكل حال أعون له على السفر, وسعة الخلق, وإعانة الرفقاء, وغير ذلك من المصالح التي هي أفضل من الصوم.
وبهذا يتبين أن الفطر أرفق له بكل حال, ولأن في الفطر قبولاً للرخصة, وبراءة من التعمق والغلو في الدين, وشكر الله على ما أنعم به من الرخصة.
فإن من صام؛ فهل يكره له الصوم؟
على روايتين:
إحداهما: يكره.
كما نقله حنبل.
وقال في رواية الأثرم: أنا أكره أن يصوم في السفر؛ فكيف بقضاء رمضان في السفر؟ وهو اختيار الخرقي وأبي طالب وغيرهما:
لقوله: «ليس من البر الصوم في السفر» , وما ليس ببر لا يكون عبادة, فيكره أن يشغل زمانه بغير عبادة.
ولما تقدم عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «صام حتى بلغ كراع
الجزء: 1 - الصفحة: 236
الغميم, فصام الناس معه, فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت, فدعا بقدح من ماء بعد العصر, فشرب, والناس ينظرون إليه, فأفطر بعضهم, وصام بعضهم, فبلغه أن أناساَ صاموا, فقال: أولئك العصاة».
رواه مسلم وغيره.
ولأن من الصحابة من يأمره بالإِعادة.
والثانية: لا يكره.
كما نقله المروذي.
وهو اختيار ابن عقيل؛ لما تقدم من أنه لم يكن يعب الصائم على المفطر, ولا المفطر على الصائم, والكراهة عيب, وأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر هو وابن رواحة في يوم شديد الحر, وأنه لو كره له الصوم؛ لعادت الرخصة مشقة.
والصحيح: أنه إن شق عليه الصوم, بأن يكون ماشياَ أو لا يجد عشاءً يقويه أو بين يديه عدو يخاف الضعف عنه بالصوم أو يصير كَلاَّ على رفقائه أو يسوء خلقه ونحو ذلك؛ كره له الصوم, وكذلك إن صام تعمقاً وغلواً, بحيث يعتقد أن الفطر نقص في الدين ونحو ذلك, وعلى هذا يحمل على ما روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة من أمر الصائم بالإِعادة على سبيل الاستحباب
الجزء: 1 - الصفحة: 237
عقوبة له, وكذلك حديث ابن عمر وغيره.
وأما من صام وهو مرفه من غير تغير في حاله؛ فلا بأس بصومه, وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالفطر وسماهم عصاة حين شق عليهم الصوم مشقة شديدة ولم يفطروا.
210 - وعن أبي سعيد؛ قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهر من ماء السماء, والناس صيام في يوم صائف مشاة, ونبي الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له, فقال: اشربوا أيها الناس! قال: فأبوا, فقال: إني لست مثلكم, إني أيسركم, وإني راكب.
فأبوا, فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه, فنزل وشرب وشرب الناس, وما كان يريد أن يشرب».
رواه أحمد.
فقد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الراكب والماشي.
211 - وعن سلمة بن المحبق الهذلي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع؛ فليصم رمضان حيث أدركه».
رواه أحمد وأبو داوود.
وفي رواية لأبي داوود: «من أدركه رمضان في السفر».
فأمر بالصوم من له زاد وراحلة دون غيره.
الحديث: 210 - الجزء: 1 - الصفحة: 238
212 - وعن أبي سعيد؛ قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة, ونحن صيام.
قال: فنزلنا منزلاً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم, والفطر أقوى لكم».
فكانت رخصة, فمنا من صام, ومنا من أفطر, ثم نزلنا منزلاً آخر, فقال: «إنكم مصبحو عدوكم, والفطر أقوى لكم, فافطروا».
فكانت عزيمة, فأفطرنا, ثم رأيتنا نصوم بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر.
رواه أحمد ومسلم وأبو داوود, ولفظه: قال أبو سعيد: لقد رأيتني أصوم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وبعد ذلك, فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر لما أرادوا أن يصبحوا العدو, وكانت عزيمة.
وأما الإِعراض عن الفطر تعمقاً وتنطعاً أو استعظاماً للفطر وإكباراً له؛ فمثل:
213 - ما روت عائشة قالت: «رخص رسول الله في أمر, فتنزه عنه ناس من الناس, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, فغضب حتى بان الغضب على وجهه, فقال: ما بال أقوام يرغبون عن ما رخص لي فيه؛ فوالله؛ إني لأعلمهم بالله, وأشدهم له خشية».
متفق عليه.
214 - كما أراد جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبتَّلوا, وقال أحدهم:
الحديث: 212 - الجزء: 1 - الصفحة: 239
أما أنا فأصوم لا افطر.
وقال الآخر: أما أن أقوم لا أنام.
وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم.
وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء.
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم, فقال: «لكني أصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وآكل اللحم, وآتي النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87].
والأكل في السفر من طيبات ما أحل الله لنا؛ فمن اجتنبه تنزهاً عنه كالذي يجتنب اللحم والنساء كان داخلاً في هؤلاء, وبهذا وشبهه مرقت الخوارج من الدين, وعلى هذا الوجه أنكر دحية بن خليفة الكلبي وأبو بصرة على الذين رغبوا عن الفطر, ورأوه مكروهاً, وكذلك ابن عمر أنكر على من رأى به قوة على الفطر؛ فلا يشرع في حقه.
الجزء: 1 - الصفحة: 240
ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «لأواصلنَّ وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم».
ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور.
215 - وعلى هذا يخرج ما روى أسامة بن زيد, عن الزهري, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر».
رواه ابن ماجه.
216 - ورواه النجاد من حديث يزيد بن عياض, عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة وأبيه عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صائم رمضان في السفر كمفطره في الحضر».
الحديث: 215 - الجزء: 1 - الصفحة: 241
217 - ورواه النسائي موقوفاً على عبد الرحمن.
الحديث: 217 - الجزء: 1 - الصفحة: 242
يعني: من صامه معتقداً وجوبه, والتشبيه به في الإِثم لا في وجوب القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 243
فإن قيل: فهلاَّ أوجبتم عليه القضاء, لا سيما وقد استشهد أحمد في رواية حنبل بقول عمر وأبي هريرة.
قلنا:.
. . .
مسألة:
والثاني: الحائض والنفساء يفطران ويقضيان, وإن صامتا لم يجزئهما.
والأصل في هذا السنة المستفيضة المتلقاة بالقبول والإِجماع على أن الحائض لا تصوم, وقد تقدم ذكر هذا في الحيض, ولا يصح صومها, ولا يجوز لها أن تنوي الصوم وتكف عن الأكل, ومتى حاضت في أثناء يوم؛ بطل صومها, وهل يجب عليها الإِمساك بقية النهار؟ على روايتين.
وكذلك [لو] انقطع دمها في أثناءِ يومٍ؛ وجب عليها قضاؤه, وفي وجوب الإِمساك روايتان.
وإن انقطع دمها قبل الفجر, [وبيتَّت] النية؛ صح صومها, وإن لم تغتسل.
نص عليه, وأنكر على مَنْ قال بخلافه, وقاسه على الرجل إذا أصبح جنباً.
مسألة:
والثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما؛ أفطرتا وقضتا وأطعمتا
الجزء: 1 - الصفحة: 244
عن كل يوم مسكيناً, وإن صامتا؛ أجزأهما.
في هذا الكلام فصلان:
أحدهما: أن المرأة الحامل إذا خافت من الصوم على ولدها: إما لأن الجوع يضرُّ به, أو لاحتياجه إلى دواء تشربه؛ فإنه يجوز لها أن تفطر؛ لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر وبعض المرضى؛ فإنه يخاف هلاك الولد بصومها.
وقد تقدم حديث أنس بن مالك الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إن الله وضع الصوم عن المسافر (وفي رواية: وعن الحبلى والمرضع»).
لقد قالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً أو أحدهما».
[وفي رواية]: «وعن الحامل وعن المرضع».
وعليهما مع الفطر القضاء؛ لأنها ترجو القدرة عليه, فإذا قدرت؛ صامت كالمريض والمسافر, وعليها أيضاً الفدية, وهو أن تطعم عن كل يوم مسكيناً.
218 - وعن نافع: أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها, فقال: «تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مُدّاً من حنطة».
رواه
الحديث: 218 - الجزء: 1 - الصفحة: 245
219 - وعن عكرمة: أن ابن عباس قال: «أثبتت للحبلى والمرضع»؛ يعني: قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.
رواه أبو داوود.
220 - وروي عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]؛ قال: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً,
الحديث: 219 - الجزء: 1 - الصفحة: 246
والحبلى والمرضع إذا خافتا» قال أبو داوود: يعني: على أولادهما.
رواه أحمد في «الناسخ والمنسوخ» مستوفى.
الجزء: 1 - الصفحة: 247
221 - عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾؛ قال: «رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم, ورخص لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً, ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ , وثبتت الرخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم, والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما».
222 - وعن عطاء ابن عباس: «أنه كان يرخص في الإِفطار في رمضان للشيخ الكبير والحامل المتم والمرضع, ولصاحب العطاش أن يفطروا ويطعموا لكل يوم مسكيناً».
رواه سعيد.
الحديث: 221 - الجزء: 1 - الصفحة: 248
قال أحمد في رواية صالح: المرضع والحامل تخاف على نفسها تفطر وتقضي وتطعم, أذهب إلى:
223 - حديث أبي هريرة.
224 - 225 وأما ابن عباس وابن عمر يقولان: تطعم ولا تصوم.
226 - وكان ابن عباس يقرأها: (يطوقونه).
قال: يكلفون, ومن قرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾؛ فإنها منسوخة, نسخها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ فقد ثبت وجوب الفدية عن ثلاثة من الصحابة, ولا يعرف لهم مخالف.
واختلفوا في القضاء, وأشبه القولين وجوب القضاء.
الحديث: 223 - الجزء: 1 - الصفحة: 249
227 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: «أن الله وضع الصوم عن المسافر والحامل والمرضع» , ولم يرد إلا وضع الأداء دون القضاء؛ لأنه ذكر المسافر, وإنما وضع عنه الأداء فقط, ولأنها ترجو القدرة على القضاء؛ فهي كالمريض.
وأما إن خافت على نفسها:
فقال أصحابنا: تفطر وتقضي ولا تكفر.
قال بعضهم: هذا بغير خلاف؛ لأنها بمنزلة المريض أو بمنزلة من يخاف حدوث مرض به, وإنما وجبت الفدية إذا خافت على جنينها, لأنها هناك أفطرت للخوف على غيرها, وهو أغلظ من الفطر خوفاً على نفسها, فغلظ بوجوب الفدية, ولأن الفطر يرتفق به هنا شخصان الحامل وجنينها, فكان القضاء عنها والفدية عن جنينها, بخلاف فطر المريض والمسافر؛ فإنه لا يرتفق به إلا شخص واحد.
وقال أحمد في وآية الميموني: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولدهما يفطران ويطعمان ويصومان إذا أطاقا.
وقد تقدمت رواية صالح: الحامل والمرضع تخاف على نفسها تفطر وتقضي وتطعم.
وقال في رواية حرب في الحامل والمرضع يشتد عليهما الصيام: يفطران ويقضيان ويكفران لكل يوم مدًّا لمسكين, والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويطعم مدًّا أيضاً.
وتأل القاضي هذا على أنها تخاف على ولدها مع خوفها على نفسها؛ فإن خافت على نفسها فقط؛ فلا فدية, ولذلك قيَّد الخرقي وغيره أن تخاف على جنينها فكأنها تارة تخاف على ولدها فقط, وتارة تخاف على نفسها وعلى ولدها.
الحديث: 227 - الجزء: 1 - الصفحة: 250
وهذا الذي قاله ليس بجيد؛ لأن أحمد فرَّق بين خوفها على نفسها وخوفها على ولدها, ولأنها إذا خافت على نفسها وولدها؛ لم يجب عليها الفدية في قياس قول مَنْ لا يوجبها بالخوف على النفس.
ولو أفطرت وهي حامل مريضة أو وهي حامل مسافرة؛ فإنها تفطر للمرض والسفر ولا كفارة عليها؛ لأنه قد وُجد سبب يبيح الفطر من غير كفارة.
وهذا الذي قاله أحمد يجمع قول ابن عمر وابن عباس؛ لأنه أطلق الخوف, وجعلها من الذين يطيقونه, فكأن إيجاب الفدية لأجل طاقتها في الحال لا لأجل ولدها, وابن عمر ذكر خوفها على ولدها, ولأن خوفها على نفسها بسبب الحمل؛ فإن المسألة إنما هي إذا كان كذلك, أما لو خافت من الفطر لأمرٍ آخر غير الحمل, بأن تكون مريضة؛ فإنه لا كفارة عليها ألبتة, وإذا كان بسبب الحمل؛ لم تكن مثل المريض الذي خوفه من جهة نفسه؛ فإنه إذا كان وجود الحمل يمنعها الصوم والحمل في الأصل باختيارها؛ صارت كأنها ممتنعة عن الصوم باختيارها, فناسب ذلك وجوب الفدية, وصارت من وجهٍ قادرة على دفع الحمل فلا تصوم.
ويحتمل أن أحمد قال ذلك لأنها إذا خافت على نفسها فإنه يخاف على جنينها؛ لأن الحامل إذا مرضت خيف على الجنين, وقد يخاف على جنينها من غير خوف على نفسها.
. . .
فعلى هذا يكون قول من أطلق الحامل إذا خافت على جنينها صحيح كالخرقي وابن أبي موسى, وأحمد رضي الله عنه فَصَّلَ الخوف؛ لأنها تارة تخاف على جنينها فقط, وتارة تخاف على نفسها, فتخاف على جنينها.
الجزء: 1 - الصفحة: 251
وأما قول من قال: إذا خافت على نفسها؛ فلا فدية عليها؛ فهو مخالف لنص أحمد ولأقوال السلف.
228 - قال مسلم بن يسار: أدركت أهل المدينة وهم يخيرون المرضع والحامل في شهرها الذي تخاف على نفسها يفطران ويطعمان كل يوم مسكيناً.
229 - وقال سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «وهو الكبير الذي كان يصوم فيعجز, والمرأة الحبلى التي يعسر عليها الصيام؛ [فعليهما] إطعام مسكين كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان».
رواهن سعيد.
الفصل الثاني: في المرضع:
وهي كالحامل وأولى منها بوجوب الفدية؛ لأنها ترضع الطفل باختيارها في الجملة؛ بخلاف الحامل؛ فإنها لا تستطيع مفارقة الجنين, وحكمها حكم الحامل في جميع أمورها كما تقدم؛ فإنها تخاف على ولدها إذا صامت بتغير اللبن أو نقصه, وقد تخاف على نفسها إذا صامت وأرضعته بأن يضعفها إرضاعه.
وجوب الفدية هنا إذا خافت على نفسها ظاهر؛ فإنها قادرة على الصوم, وإنما إرضاعها الذي يضعفها, وهو فعل لها.
الحديث: 228 - الجزء: 1 - الصفحة: 252
ومن استباح المحظورات بفعله؛ وجبت عليه الكفارة, وإن كان جائزاً.
ولهذا تجب الكفارة بالحنث في اليمين إذا فعله, وإن كان واجباً, ولو فعل به؛ لم يكن عليه الكفارة, وكذلك محظورات الإِحرام, والفرق بينها وبين المسافر.
ثم لا يخلوا إما أن تكون والدة أو ظئراً بأجرة أو غيرها.
فأما الأم فقال.
. . إن قبل غيرها, وقدرت أن تستأجر له, أو كان له مال تستأجر منه؛ فلتفعل ذلك ولتصم, وإلا جاز لها الفطر.
وهذا فيما إذا كان الخوف على نفسها, أما إذا خيف عليه.
. . .
وأما الظئر التي ترضع ولد غيرها بأجرة أو بدونها؛ فذكر ابن عقيل: أنها تستبيح الإِفطار كاستباحته لولدها؛ لأنه أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق, فهو كالمسافر في المضاربة يستبيح بسفره ما يستبيح بالسفر لنفسه.
وطرده العمل في الصنائع الشاقة إذا بلغت منه الجهد.
والكفارة في الحال التي تبيح في حق نفسه أباحت في حق غيره, وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإِفطار؛ لم يبح في حقه, ولا في حق غيره.
ومن لم يمكنه إنجاء شخص من الهلكة إلا بالفطر, مثل أن يكون غريقاً أو يريد أحد أن يقاتله.
. . .
الجزء: 1 - الصفحة: 253
* فصل:
ولو أحاط العدو ببلد, وكان الصوم المفروض يضعفهم؛ فهل يجوز لهم الفطر؟
على روايتين ذكرهما الخلال في كتاب السير.
مسألة:
الرابع: العجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه؛ فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين.
هذا القسم هو الذي يعجز عن الصوم في الحال, ولا يرجى قدرته عليه في المآل, مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة اللذين لا يطيقان الصوم, والمريض مرضاً لا يرجى برؤه, مثل صاحب العطاش الذي لا يصبر عن شرب الماء شتاءً ولا صيفاً, أو من لا يصبر عن النكاح يخاف إن قطعه تشققت أنثياه.
قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فيمن به شهوة غالبة للجماع: يجزيه أن يطعم ولا يصوم إذا كان لا يملك نفسه, وذلك أنه يؤمن عليه عند ذلك أن تنشق أنثياه.
قال القاضي: يجب أن تحمل المسألة على أنه حصل به ذلك كالمرض الدائم الذي لا يمكنه الصيام معه, فيكون حكمه حكم الشيخ إذا عجز عن الصايم, فيسقط الصيام, وينتقل إلى الإِطعام, ولا يكون عليه كفارة الجماع؛ لأن الصيام غير متعين عليه؛ فهو كالمسافر إذا وطئ, وكل من كان به هذا الشبق الذي يخاف من الصوم معه أن ينشق أنثياه يفطر, لكن إن أمكنه القضاء؛ قضى
الجزء: 1 - الصفحة: 254
ولم يكفر, وإن لم يكن القضاء؛ أطعم, والعبرة بإمكان القضاء أن يكون ممن يرجى برؤه أو لا يرجى برؤه.
قال ابن عقيل وغيره من أصحابنا: هذا الذي به الشبق يستخرج ماءه بما لا يفسد صوم غيره: إما استمناء بيده, أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة التي يخاف أن يحرك ذلك شهوتها, فإن كان له زوجة أو أمة صغيرة أو كافرة؛ استمنى بيدها, ويجوز أن يستخرجه بوطئها دون الفرج.
فرخصا له في المباشرة دون الفرج مطلقاً.
فأما وطؤها في الفرج مع إمكان إخراج الماء ودفع ضرورة الشبق بما دون الفرج؛ فقال ابن عقيل وغيره: لا يجوز؛ لأن الضرورة إذا دفعت؛ حرم ما وراءها؛ كما يمنع من الشبع من الميتة إذا سدَّ رمقه, فإن جامع؛ فعليه الكفارة, فأما إن لم يندفع إلا بوطئ غير صائمة؛ جاز له وطؤها.
وكلام أحمد والقاضي يقتضي أنه يباح له الجماع مطلقاً؛ فإنهما إنما ذكرا إباحة الجماع, ولم يتعرضا لغيره؛ لأن مَنْ أبيح له استخراج الماء بالمباشرة دون الفرج أبيح له الجماع في الفرج؛ كالمسافر, وذلك لأن الفطر يحصل بهما جميعاً, والكفارة أيضاً في إحدى الروايتين, ولأنه من أبيح له الفطر لعذر؛ صار في حكم المفطرين, وجاز له ما يجوز لهم مطلقاً؛ كالمريض والمسافر وغيرهما, ولأن من أبيح له الفطر لحاجته إلى الأكل, وهو الشيخ الكبير والمريض؛ جاز له أن يأكل ما شاء, ولم يختص ذلك بقدر الضرورة؛ فكذلك مَنْ أبيح له لحاجته إلى الجماع, وقياسه عليه أولى من قياسه على المضطر إلى الميتة إن سلم الحكم فيه؛ فإن المانع هناك في معنى الغذاء, وهو موجود في كل جزء منه, والمانع هنا الصوم الواجب, وهذا قد زال بإباحة الفطر.
ثم الفطر هنا له بدل, وهو القضاء أو الكفارة, بخلاف الأكل هناك,
الجزء: 1 - الصفحة: 255
وقياس المذهب يقتضي أنه يباح له الأكل إذا أبيح له الجماع, كما أنه يباح الجماع لمن يباح له الأكل؛ إلا أن يُخرَّج من منع المسافر من الجماع وجه.
وأما تفطيره غيره؛ فهذا لا يجوز إلا عند الضرورة بلا ريب؛ لأنه إفساد صوم صحيح لغير حاجة, وذلك لا يجوز.
فإن أراد وطئ زوجته أو أمته الصائمة؛ لم يحل له ولا لها تمكينه.
قال ابن عقيل لأن الوطء لا يستباح بالضرورة, وإنما يباح إخراج الماء, ولا ضرورة إلى ما وراءه؛ لأن الضرورة تندفع بما دون الفرج والاستمناء باليد, فلا يجوز التعدي إلى ما يضر بالغير.
وقال أبو محمد: إذا لم تندفع الضرورة إلا بإفساد صوم الغير؛ أبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو إليه الضرورة, فأبيح الفطر, كفطر الحامل والمرضع للخوف على ولديهما.
فإن كان له امرأتان أحدهما صائمة, والأخرى حائض؛ فهل وطء الصائمة أولى أو يتخيَّر بينهما؟ على وجهين.
قال أصحابنا: لسنا نريد بالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة من بلغ حدّاً إن ترك الأكل هلك, وإنما نريد به من يلحقه مشقة شديدة في الصيام, وإنما يسقط عن هؤلاء الصيام؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها, وقد قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
230 - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم».
الحديث: 230 - الجزء: 1 - الصفحة: 256
231 - وجبت الكفارة لما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن معاذ ابن جبل؛ قال: «أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
. .﴾ إلى هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال: فكان من شاء صام, ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً؛ أجزأ ذلك عنه.
قال: ثم إن الله عزَّ وجل أنزل الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
قال: فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح, ورخص فيه للمريض والمسافر, وثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام».
مختصر من حديث طويل رواه أبو داوود.
الحديث: 231 - الجزء: 1 - الصفحة: 257
232 - ورواه البخاري عن ابن ليلى؛ قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: «نزل رمضان, فشق عليهم, فكان من أطعم كل يوم مسكيناً؛ ترك الصوم ممن يطيقه, ورُخِّص لهم في ذلك, فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ , فأمروا بالصوم».
233 - وعن عطاء, سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ , قال ابن عباس: «ليست بمنسوخة, هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً».
رواه البخاري.
234 - وفي رواية أخرى صحيحة رواها ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عنه؛ في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: «يتكلفونه ولا يستطيعونه ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ , ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فأطعم مسكيناً آخر, ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ , وليست بمنسوخة».
قال ابن عباس: «ولم يرخص في هذه الآية إلا للشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام والمريض الذي علم أنه لا يشفى» , وقد تقدم عنه مثل هذا.
الحديث: 232 - الجزء: 1 - الصفحة: 258
235 - وعن أيوب, عن ابن سيرين, عن ابن عباس؛ قال في هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: «نسختها الآية الأخرى, ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾».
236 - قال أيوب: وسمعت عكرمة يقول ابن عباس: «ليست منسوخة, هي في الشيخ الذي يكلف الصيام ولا يطيقه, فيفطر ويطعم».
رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ».
الحديث: 235 - الجزء: 1 - الصفحة: 259
فالرواية الأولى أراد أن قراءة العامة المنسوخة في الجملة, والرواية الثانية أراد بها أنها ليست منسوخة على الحرف المشدّد.
237 - وعن أنس بن مالك: «أنه ضعف عن الصوم قبل موته بعام أو عامين, فأفطر وأطعمهم».
قال: «[فـ] كان يجمعهم ويطعمهم».
رواه سعيد.
238 - وذكر الليث بن سعد, عن يحيى بن سعيد؛ في الشيخ إذا كبر
الحديث: 237 - الجزء: 1 - الصفحة: 260
ولم يطق الصيام: «افتدى بطعام مسكين كل يوم مُدّاً مِنْ حنطة».
قال ذلك أبو بكر بن حزم عن أشياخ الأنصار.
239 - وعن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال: «هو الكبير الذي كان يصوم فيعجز, والمرأة الحبلى التي يعسر عليها الصيام؛ فعليها طعام مسكين كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان».
رواه سعيد.
240 - وعن إبراهيم؛ قال: «كان الرجل يفتدي بطعام يوم, ثم يظل مفطراً, حتى نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
قال: فنسخت وكانت الرخصة للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم».
241 - وعن الزهري: أنه سئل عن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.
قال: «إنها منسوخة, وقد بلغنا أن هذه الآية للمريض الذي تدارك عليه الأشهر, يطعم مكان كل يوم أفطر مدّاً م~نْ حنطة».
رواهما أحمد.
الحديث: 239 - الجزء: 1 - الصفحة: 261
242 - وعن قتادة في هذه الآية: «كانت فيها رخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة, وهما لا يطيقان الصيام: أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً ويفطرا, ثم نَسَخَ تلك الآية التي بعدها, فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ.
. .﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ , فنسختها هذه الآية, فكان أهل العلم يرون ويرجون أن الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا لم يطيقا الصيام أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً, وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها, والمرضع إذا خشيت على ولدها».
رواه محمد بن كثير عن همام عنه.
فهذا قول ثلاثة من الصحابة, ولم يعرف لهم مخالف.
وأيضاً؛ فإن الصحابة والتابعين أخبروا أن الله رخص في هذه الآية للعاجز عن الصوم أن يفطر ويطعم, وأن حكم الآية باقٍ في حقه, وهم أعلم بالتنزيل والتأويل.
وأيضاً؛ فإن ذلك تبين من وجهين:
243 - أحدهما: أن ابن عباس وأصحابه قرؤوا (يُطَوَّقونه)
الحديث: 242 - الجزء: 1 - الصفحة: 262
و ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ , وهي قراءة صحيحة عنه, والقراءة إذا صحت عن الصحابة؛ كان أدنى أحوالها أن تجري مجرى خبر الواحد في اتباعها والعمل بها؛ لأن قارئها يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها كذلك, فإما أن يكون حرفاً من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها, ويكون بعد النسخ يقرأ الآية على حرفين: (يُطَوَّقونه) و ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ , أو يكون سمعها على جهة التفسير وبيان الحكم, فاعتقد أنها من التلاوة, وعلى التقديرين؛ فيجب العمل بها, وإن لم يقطع بأنها قرآن, ولهذا موضع يستوفى فيه غير هذا الموضع.
ومعنى (يطوقونه)؛ أي: يكلفونه فلا يستطيعونه؛ فكل من كلف الصوم فلم يطقه؛ فعليه فدية طعام مسكين, وإن صام مع الجهد والمشقة؛ فهو خير له, وهذا معنى كلام ابن عباس في رواية عطاء عنه.
الثاني: أن العامة تقرأ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ , فكان في صدر الإِسلام لما فرض الله الصوم خير الرجل بين أن يصوم وبين أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً؛ فإن صام ولم يطعم؛ كان خيراً له, ثم نسخ الله هذا التخيير في حق القادر بقوله:
الجزء: 1 - الصفحة: 263
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ , فأوجب الصوم ومنع من الفطر والإِطعام, وبقي الفطر والإِطعام للعاجز عن الصوم؛ لأنه لما أوجب على المطيق للصوم أحد هذين الأمرين, وهو الصيام والإِطعام, لقدرته على كل منهما؛ كان القادر على أحدهما مأموراً بما قدر عليه؛ فمن كان إذْ ذاك يقدر على الصيام دون الإِطعام؛ لزمه, ومن يقدر على الإِطعام دون الصيام؛ لزمه, ومن قدر عليهما؛ خُيِّر بينهما؛ فإن هذا شأن جميع ما خُير الناس بينه؛ مثل خصال كفارة اليمين, وخصالة فدية الأذى, وغير ذلك, ثم نسخ الله جواز الفطر عن القادر عليه, فبقي الفطر والفدية المستفاد من معنى الآية للعاجز.
ويُبيِّن ذلك أن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم؛ فإنهما كانا يكونان مخيران بين الصيام والإِطعام, فإذا عجز بعد ذلك عن الصوم؛ تعين عليهما الإِطعام, ثم نسخ ذلك التخيير, وبقي هذا المعين, وهذا ما تقدم عن معاذ وابن عباس من رواية سعيد بن جبير وغيره من التابعين.
ومنهم من يوجهه بوجه آخر, وهو أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: عام فيمن يطيقه بجهد ومشقة, وفين يطيقه بغير جهد ومشقة, فنسخ في حق مَنْ لا مشقة عليه, وبقي في حق مَنْ لا يطيقه إلا بجهد ومشقة.
244 - فإن قيل: فقد رُوي عن جماعة من السلف أنها منسوخة, منهم ابن عباس كما تقدم.
245 - وعن سلمة بن الأكوع؛ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها».
وفي رواية: «حتى نزلت هذه الآية: {فَمَنْ شَهِدَ
الحديث: 244 - الجزء: 1 - الصفحة: 264
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}».
رواه صاحبا الصحيح وأصحاب السنن الأربعة.
246 - وعن ابن عمر: أنه قرأ: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِساكِينَ)؛ قال: «هي منسوخة».
رواه البخاري.
247 - وعن عَبيدة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾؛ قال: «نسختها التي بعدها والتي تليها».
248 - وعن علقمة: أنه كان يقرؤها ﴿يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: «كانوا إذا أراد أحدهم أن يفطر؛ أطعم مسكيناً وأفطر, فكانت تلك كفارته, حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾».
249 - وعن الشعبي؛ قال: «لما نزلت هذه الآية, فكان الأغنياء
الحديث: 246 - الجزء: 1 - الصفحة: 265
يطعمون ويفطرون, فصار الصيام على الفقراء, فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
. .﴾؛ قال: «فوجب الصوم على الناس كلهم».
رواهن أحمد.
قيل: هي منسوخة في حق الذي كان قد خُيِّر بين الأمرين, وهو القادر على الصيام؛ كما دل عليه نطق الآية, وكما بيَّنُوه, فأما من كان فرضه الطعام فقط كما دل عليه معنى الآية؛ فلم يُنسخ في حقه شيء, وعلى هذا يُحمل كلام من أطلق القول بأنها منسوخة؛ لأنه قد روي عن ابن عباس التصريح بذلك.
* فصل:
وإن قوي الشيخ أو العجوز بعد ذلك على القضاء, أو عوفي المريض الميؤوس من بُرئه, بأن زال عطاشه وزال شبقه ونحو ذلك بعد إخراج الفدية
, فقال أصحابنا: لا قضاء عليه؛ كما قالوا في المعضوب إذا حج عن نفسه ثم قوي؛ لأن الاعتبار بما في اعتقاده, ولأنه لو اعتقد أنه يقدر على القضاء, ثم مات قبل القدرة عليه؛ لم يكن عليه شيء؛ فكذلك إذا اعتقد أنه لا يقدر عليه ثم قدر.
وخرَّج بعضهم وجهاً بوجوب القضاء إذا قدر عليه؛ لدخوله في عموم قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا.
. .﴾ [البقرة: 185].
ولأنها بدل إياس, وقد تبينا زوال اليأس, فأشبه من اعتدَّت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت.
وإن عوفي قبل إخراج الفدية؛ فينبغي هنا أن يجب عليه القضاء رواية واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
مسألة:
وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير؛ إلا من أفطر بجماع في الفرج؛ فإنه يقضي ويعتق رقبة؛ فإن لم يجد؛ فصيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع؛ فإطعام ستين مسكيناً؛ فإن لم يجد؛ سقطت عنه.
في هذا الكلام فصول:
أحدها: أن المفطرين قسمان:
أحدهما: ومَنْ يباح له الفطر, وهم الأربعة المذكورون أولاً المريض والمسافر والحائض والنفساء والمرضع والحامل والعاجز عن الصوم, وقد تقدم حكمهم, وهؤلاء ليس عليهم كفارة, سوى الكفارة الصغرى المذكورة.
الثاني: من أفطر بغير هذه الأعذار, وسيأتي أنواع المفطرات؛ فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كل يومٍ يوماً؛ كما يجب القضاء على مَنْ فوَّت الصلاة؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور؛ فعلى غير المعذور أولى, مع أن الفطر متعمداً من الكبائر, وفوات العين باقٍ في ذمته, وعليه أن يتوب منه, وهو أعظم من أن يمحوه كفارة مقدرة أو تكرار الصيام أو غير ذلك.
250 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي وقع على امرأته في رمضان أن يقضي يوماً مكانه ويستغفر الله.
رواه أبو داوود وابن ماجه.
الحديث: 250 - الجزء: 1 - الصفحة: 267
251 - وهذا معنى ما يُروى عن أبي المطوس, عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة؛ لم يجزه صيام الدهر».
وفي لفظ: «لم يقض عنه صيام الدهر».
رواه الخمسة, وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
الحديث: 251 - الجزء: 1 - الصفحة: 268
وقال البخاري في «صحيحه»: ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض؛ لم يقضه صيام الدهر, وإن صامه».
وبعه قال ابن مسعود.
252 - 253 - قال ابن عبد البر: وعن علي وابن مسعود مثله.
الحديث: 252 - الجزء: 1 - الصفحة: 269
وقال: 254 - 259 - سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم
الحديث: 254 - الجزء: 1 - الصفحة: 270
وقتادة وحماد: يقضي يوماً مكانه.
260 - وقد روى النسائي, عن علي بن الحسين, عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في شهر رمضان, فأتى أبا هريرة, فقال: «لا يقبل منك صوم سنة».
الحديث: 260 - الجزء: 1 - الصفحة: 271
261 - وعن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة؛ قال: «من أفطر يوماً من رمضان؛ لم يقضه يوم من أيام الدنيا».
وإنما كان كذلك لأن الله سبحانه أوجب عليه صوم ذلك اليوم المعيَّن, وذلك اليوم لا يكون مثله إلا في شهر رمضان, لكن صوم ذلك المثل واجب بنفسه أداءً, فلا يمكن أن يُصام قضاءً عن غيره, فلو صام الدهر كله؛ لم يقض عنه حق ذلك المعين, لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبين والتعيين هو الواجب الآخر؛ ففوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر, وهذا معنى كلام أحمد, وسواء أفطر بجماع أو أكل أو غيره.
الفصل الثاني:
أنه لا كفارة بالفطر في رمضان إلا بالجماع وأسبابه؛ كما سيأتي إن شاء الله, هذا هو المنصوص عنه في مواضع, وهو المذهب.
قال في رواية إسماعيل بن سعيد وإبراهيم بن الحارث والمروذي وأبي طالب وأبي الصقر وغيرهم: من أفطر يوماً من رمضان تعمداً؛ فعليه بالقضاء بلا كفارة, ولو كان كلما أفطر؛ كان عليه الكفارة؛ لكان إذا تقيأ كفَّر, ولكن ذهبنا إلى الحديث في الجماع خاصة.
وقال في رواية المروذي فيمن نذر صيام عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفارة, وإن احتجم في رمضان؛ فعليه القضاء.
الحديث: 261 - الجزء: 1 - الصفحة: 272
فأوجب كفارة النذر في صيام النذر لفوات التعيين, ولم يوجب في فطر رمضان إلا القضاء.
وقال حرب: سألت أبا عبد الله: قلت: الصائم يحتجم؟ قال: «أما في رمضان؛ فأحب إليَّ أن لا يحتجم, وأما في غير رمضان؛ فإن شاء احتجم إذا لم يكن فريضة.
قلت: فإن احتجم في رمضان يكفر أو يقضي يوماً؟ قال: يقضي يوماً مكانه ولا يكفر.
وقال مرة: يقضي يوماً مكانه وليست عليه كفارة.
لكن يستحب له الكفارة؛ قال في رواية حرب: من افطر يوماً من رمضان متعمداً؛ صام يوماً مكانه, ولم يوجب عليه الكفارة وقال: الكفارة على مَنْ أتى أهله.
وقال مرة: إن كفر فهو أفضل.
ويقضي يوماً عند أصحابه.
وروى حنبل: تكره الحقنة للصائم وغير الصائم؛ إلا من علة وعلاج؛ فإن فعل؛ فعليه الكفارة والقضاء.
وروى عن محمد بن عبد ك الفزار فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبر؛ فعليه القضاء والكفارة, وإن لم يبلغه؛ فعليه القضاء.
فقد أوجب الكفارة على العالم دون الجاهل, وعلى قياس هذا كل من أفطر عامداً عالماً يجب عليه الكفارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على الذي أصاب امرأته في رمضان؛ لعموم كونه مفطراً لا بخصوص كونه مجامعاً؛ لأنه روي من طرق صحيحة أن رجلاً أفطر في رمضان, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 273
262 - 264 - هكذا رواه مالك وابن جريج ويحيى بن سعيد وخلق عظيم, عن الزهري, عن حُميد بن عبد الرحمن.
الحديث: 262 - الجزء: 1 - الصفحة: 274
ولا يخالف هذا رواية من روى: «واقعت أهلي» , أو: «أصبت أهلي»؛ فإن ذلك الفطر لا شك أنه بجماع, لكن هذا يدل على أن الحكم ثبت لكونه مفطراً لا مجامعاً؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يبين أنه علة.
265 - 266 - كما في قوله: «زنى ماعز فرجم» , «وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد».
. . ونحو ذلك.
الحديث: 265 - الجزء: 1 - الصفحة: 275
267 - ولما روى الدارقطني من طريق الواقدي عن سعد؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: أفطرت يوماً من رمضان متعمداً.
قال: «اعتق رقبة, أو صم شهرين متتابعين, أو أطعم ستين مسكيناً».
وهذا نص في أنه أمره بالكفارة لما أخبر أنه أفطر عامداً, ولم يستفصل بأي المفطرات كان.
268 - وروى أيضاً من طريق أبي معشر, عن محمد بن كعب, عن أبي هريرة: «أن رجلاً أكل في رمضان, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً».
269 - وذكر بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أفطر في رمضان؛ فعليه ما على المظاهر».
الحديث: 267 - الجزء: 1 - الصفحة: 276
لكن لا يعرف له إسناد ولا أصل.
ولأن الكفارة إذا وجبت بالوطء مع قلة الداعي إليه في الصوم؛ [فلأن] يجب بالأكل أولى وأحرى, ولأن الكفارة إنما تجب زاجرة عن المعاودة وماحيةً للسيئة وجابرةً لما دخل من النقص على العبادة, وهذا يستوي فيه الأكل والوطء, ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع وتشتهيه النفوس كالجماع, وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنى وشرب الخمر؛ فلا بد من زاجر شرعي, والزواجر إما حدود وإما كفارات؛ فلما لم يكن في الأكل حد؛ فلا بد فيه من كفارة.
فعلى هذه الرواية تجب بكل فطر [تعمده] , سواء كان مما يشتهى أو لا يشتهى؛ لأن الحجامة لا تشتهى, وقد أوجب بها الكفارة؛ لأن تعمد إفساد الصوم لا يقع غالباً إلا عما للنفس فيه غرض, فألحق النادر بالغالب؛ كما يجب الحد بوطء العجوز الشوهاء.
والأول هو الصحيح: لأن لفظ الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال:
270 - «إن الآخِر وقع على امرأته في نهار رمضان».
وفي رواية قال: «أصبت أهلي في رمضان»؛ كما سنذكره.
فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة عقيب ذلك, فهذا مفسر في أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالكفارة لأجل الجماع.
الحديث: 270 - الجزء: 1 - الصفحة: 277
فمن قال: «إن رجلاً أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم»؛ فقد صدق, وإفطاره كان بجماع, وترتيب الحكم على الوصف ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما المحدث يقول: إنه أفطر فأمر بكذا, وقد علم أن الإفطار كان بالجماع؛ فلو صرح المحدث بذلك, وقال: إنما أمره بالكفارة لمجرد الإِفطار؛ لم يجب قبول ذلك منه؛ لأنه رأي واجتهاد؛ فكيف إذا دل عليه كلامه, مع إمكان أنه لم يقصد بذلك؟!
قال الدارقطني: روى مالك ويحيى بن سعيد وابن جريج وسمى نحو عشرة من المحدثين: أن رجلاً أفطر, وخالفهم أكثر منهم عدداً, منهم عبيد الله بن عمر ومعمر ويونس وعقيل والأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة وسمى أكثر من ثلاثين من المحدثين, كلهم رووا عن الزهري هذا الحديث بهذا الإِسناد, وأن إفطار ذلك الرجل كان بجماع.
وأما الحديثان الآخران؛ فلا يجوز الاحتجاج بهما على وجه الانفراد لضعف إسنادهما.
وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالكفارة لما أخبره أنه وقع على امرأته وأصابها؛ لم يجز أن تلحق سائر المفطرات بالجماع؛ لأنه إجماع الصحابة.
271 - فروى عبد الله بن أبي الهذيل؛ قال: «أتي عمر بشيخ سكران في رمضان, فقال للمتحرين: ويلك! صبياننا صيام وأنت مفطر؟! فجلده ثمانين».
الحديث: 271 - الجزء: 1 - الصفحة: 278
272 - وعن علي: أنه أتى بالنجاشي وقد شرب الخمر في رمضان, فضربه ثمانين, ثم أعاده إلى السجن, ثم أخرجه من الغد, فضربه عشرين, فقال: «ثمانين في الخمر, وعشرين جرأتك على الله في رمضان».
رواهما سعيد.
وهاتان قضيتان مثلهما يشتهر.
فهذا عمر رضي الله عنه قد جلده, ولم يخبره أن عليه كفارة, وكذلك علي رضي الله عنه جلده عشرين لأجل الفطر, ولم يخبره أن عليه كفارة, ولو كان ذلك عليه؛ لبيَّناه له؛ كما قد أقاما عليه الحد؛ لوجوه:
الحديث: 272 - الجزء: 1 - الصفحة: 279
أحدها: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة, والحديث إنما يوجبها في الوقاع؛ فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل, والقياس فيها ليس بالبيِّن؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمن وصفاً فارق به غيره, فما لم يقم دليل على أن الموجب الكفارة مجرد الفطر؛ لم يجز الإِيجاب بمجرد الظن.
الثاني: أنه لو وجب لأجل الإِفطار؛ لاستوى فيه جميع المفطرات؛ فإن تخصيص بعضها دون بعض نوعٌ تشريعٍ يحتاج إلى دلالة الشرع.
الثالث: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه؛ فإنه إذا هاجت شهوته؛ لم يكد يزعها وازع العقل ولم يمنعها حارس الدين.
273 - ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فما يحكى عن ربه: «كل عمل ابن آدم له, الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف, قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي, وأنا أجزي به, يدع طعامه وشهوته من أجلي.
فسمى النكاح شهوة, وسمى المأكل طعاماً, وإن كان يشتهى في الجملة.
ولهذا كان الحد المشروع فيه القتل, وأدناه الجلد والتغريب, وحدُّ المطعوم إنما هو جلد دون ذلك, وقد يصيب المبتلين بشهوتهم في عقولهم وأديانهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم ما يجل عن النعت.
والأكل إن [كانت] الضرورة إليه أشد, وعند شدة الجوع يقدم على كل مطلوب, لكن إنما هو جوع يوم, ومثل هذا لا يكاد يبلغ بكل أحد من الناس إلى شيء من البلاء.
الحديث: 273 - الجزء: 1 - الصفحة: 280
274 - ولهذا ظاهر سلمة بن صخر من امرأته, واعتقد أن وطأها حرام, ثم إنه أصابها, وكذلك الأعرابي وقع على امرأته مع ما يعلم فيه من التحريم.
الحديث: 274 - الجزء: 1 - الصفحة: 281
ولم يبلغنا أحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل في رمضان.
نعم دعية الأكل أكبر وأعم, لكن داعية الجماع إذا وقعت؛ كانت أشد وأقوى؛ فلو سوى بين الأكل وبين الجماع في الكفارة؛ لسوَّى بين شيئين قد فرقت الأصول بينهما؛ بحيث لم يسو بينهما في موضع واحد من الشريعة؛ فكيف يصح مثل هذا القياس؟! وليس في المطعومات حد سوى المسكر؛ لقوة الداعي الطبعي إلى نوعه, وفي رمضان داعية الأكل لا تختص بنوع دون نوع.
الجزء: 1 - الصفحة: 282
الرابع: أن هذه الكفارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرم لعارض, ولهذا وجبت على المظاهر لمَّا حَرُم عليه فرج امرأته بالظهار؛ كما حُرم على الصائم فرج امرأته بالصيام, ووجب نحوها على المحرم لما حرم عليه فرج
الجزء: 1 - الصفحة: 283
امرأته بالإِحرام.
الخامس: أن هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر؛ لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء؛ تجب عليه هذه الكفارة؛ كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة, ولكان الناس مخيرين في أول الإِسلام بينها وبين الصوم, وذلك لأن ما وجب الكفارة في محظوره ومباحه لم يختلف جنسها, وإنما يختلف الإِثم وعدمه, [و] دليله كفارة الإِحرام؛ فإن الكفارة التي تجب في اللباس والطيب والحلق والتقليم للعذر وغيره من جنس واحد, فعلم أنها إنما وجبت لخصوص وصف الجماع المحرم.
ولهذا قلنا فيمن عجز عن النوم لشبقه: إنه يطعم يوماً؛ لأن الجماع لم يبق في هذه الصورة محرماً ليوجب كفارة, وإنما تجب كفارة الإِفطار, والإِفطار كفارته إطعام المساكين.
الفصل الثالث:
أن الجماع في الفرج يوجب الكفارة, وهذا كالمجمع عليه, ليس فيه إلا خلاف شاذ.
275 - والأصل فيه ما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم, إذ جاء رجل, فقال: يا رسول الله! هلكت.
قال: «وما أهلكك؟».
قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم (وفي رواية: في نهار رمضان).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟».
قال: لا.
قال: «اجلس».
فمكث النبي صلى الله عليه وسلم, فبينا نحن على ذلك؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر –والعرق المكتل الضخم-, فقال: «أين السائل؟».
قال: أنا.
قال: «خذ هذا فتصدق به».
فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله؛ ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي.
فضحك النبي
الحديث: 275 - الجزء: 1 - الصفحة: 284
صلى الله عليه وسلم حتى بدأت أنيابه, ثم قال: «أطعمه أهل بيتك».
رواه الجماعة.
276 - وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داوود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً».
277 - ورواه أبو داوود من طريق هشام بن سعد, عن الزهري, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة؛ قال فيه: فأتي بعرق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاً, وقال فيه: «كله أنت وأهل بيتك, وصم يوماً, واستغفر الله».
الحديث: 276 - الجزء: 1 - الصفحة: 285
.................
الجزء: 1 - الصفحة: 286
.......................
الجزء: 1 - الصفحة: 287
........................
الجزء: 1 - الصفحة: 288
278 - وفي رواية ابن ماجه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعتق رقبة».
قال: لا أجد.
قال: «صم شهرين متتابعين».
قال: لا أطيق.
قال: «أطعم ستين مسكيناً».
الحديث: 278 - الجزء: 1 - الصفحة: 289
279 - وفي رواية له: «ويصوم يوماً مكانه».
280 - وعن عائشة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إنه احترق.
قال: «ما لك؟».
قال: أصبت أهلي في رمضان.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل يدعى العرق, فقال: «أين المحترق؟».
قال: أنا.
قال: «تصدق بهذا».
رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
وفي رواية لمسلم: أصبت امرأتي في رمضان نهاراً.
قال: (. قال: ما عندي شيء.
فأمره أن يجلس, فجاءه عرقان فيهما عام, فأمره أن يتصدق به.
الحديث: 279 - الجزء: 1 - الصفحة: 290
...............
الجزء: 1 - الصفحة: 291
281 - وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داوود: فبينا هو على ذلك؛ أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين المحترق آنفاَ؟».
فقام الرجل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدق بهذا».
فقال: يا رسول الله! أعلى غيرنا, فوالله؛ إنا لجياع ما لنا شيء.
قال: «فكلوه».
282 - وفي رواية لأبي داوود: «فأتي بعرق فيه عشون صاعاَ».
وفي رواية لبعضهم: «من تمر».
الحديث: 281 - الجزء: 1 - الصفحة: 292
وهذه الكفارة على الترتيب في الرواية المنصورة.
وفي الأخرى هي على التخيير بين الخصال الثلاثة؛ لما تقدم من رواية مسلم, وقد رواه كذلك مالك وابن جريج, وهما من أجلِّ من رواه عن الزهري.
الجزء: 1 - الصفحة: 293
وكذلك في حديث عائشة أمره بالصدقة, ولم يذكر العتق الصيام, فعلم أنها مجزئة عنه ابتداءً, ولأنها كفارة وجبت.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
ووجه الأول: ما تقدم من الرواية المشهورة, وقول النبي صلى اله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟».
قال: لا.
قال: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟».
قال: لا.
قال: «هل تجد إطعام ستين مسكيناً؟».
قال: لا.
وعامة أصحاب الزهري يروونه هكذا.
وأما الرواية الأخرى؛ فلم يذكر فيها لفظ النبي صلى الله عليه وسلم, وإنما ذكر أنه أمره بهذا أو بهذا, وهذا مجمل يحتمل أنه أمره به على وجه الترتيب, ويحتمل أنه أمره به على وجه التخيير, والرواية الأخرى ذكر فيها لفظ النبي صلى الله عليه وسلم, وهو دليل ظاهر في الترتيب.
ولهذا أنكر أحمد على من فهم التخيير, فقال في رواية ابن القاسم: مالك يقول في حديثه: إنه خيَّره في الكفارة, وليس أحد يقول في الحديث: إنه خيره, إنما قال له شيئاً بعد شيء, ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أعتق أو صم أو تصدق؛ فرواه بالمعنى من حيث الجملة؛ فإن الرجل قد يقول: افعل كذا أو كذا, ومعناه الترتيب.
وأما حديث عائشة: فإنها حكت ما استقر عليه الحال, وهو أمره بالصدقة؛ فإنه كان عند العجز عن العتق والصيام, ولهذا لم يذكر العتق والإِطعام.
ثم هي قضية في عين, فذلك المأمور بالصدقة إن كان هو غير الذي في حديث أبي هريرة؛ فربما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله العجز عن العتق والإِطعام, ولهذا لم يذكرهما له, ولا ريب في أنهما يُذكران للمستفتي كما في حديث أبي هريرة.
ثم هي أكثر رواة وأشد استقصاء وأحوط وأشبه بالقياس.
فإن هذه الكفارة لم تجب في الشرع إلا على وجه الترتيب, ولأنها إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 295
وجبت على المظاهر على وجه الترتيب؛ فعلى المجامع في رمضان أولى؛ فإن ذنب هذا أعظم؛ لأن التحريم في الظهار ثبت بقول المكلف, وهنا ثبت بتحريم الله ابتداء, ولأنه إمساك عن محظورات تجب بالوطء فيه الكفارة, فكانت على الترتيب؛ ككفارة المجامع في إحرامه.
* فصل:
فإن عجز عن الكفارات الثلاثة:
قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أطعمه عيالك» , أتقول به؟ قال: نعم إذا كان محتاجاً, ولكن لا يكون في شيء من الكفارات؛ إلا في الجماع في رمضان وحده, لا في كفارة اليمين, ولا في كفارة الظهار.
قيل له: أليس في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ووقع عليها نحو هذا؟ قال: ومن يقول هذا؟ إنما حديث سلمة تفرد بهذا: «واستعن بسائره على أهلك» , وإنما أمر له بما بقي.
قلت له: فإن كان المجامع محتاجاً فأطعمه عياله؟ قال: يجزئ عنه.
قلت: ولا يكفر إذا وجد؟ قال: لا؛ إلا أنه خاص في الجماع وحده.
فذكر أصحابنا هل تسقط عنه أو تبقى في ذمته: على روايتين:
أصحهما تسقط عن ذمته؛ كما ذكره الشيخ؛ لحديث الأعرابي؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يطعم العرق أهل بيته, ولم يأمره أن يقضي إذا أيسر, وكان عاجزاً؛ لأن التكفير إنما يكون بما يفضل عن حاجته, ولأنه حق مالي يجب لله على وجه الطهرة للصائم, فلم يجب على العاجز كصدقة الفطر, بخلاف بقية الكفارات؛ فإنها تجب على وجه الطهرة في الصيام.
الجزء: 1 - الصفحة: 296
الثانية: تبقى في ذمته كسائر الكفارات في الأصح من روايتين:
[قال الزهري لما روى الحديث: وإنما كان هذا رخصة له خاصة, فلو أن رجلاً فعل ذلك اليوم؛ لم يكن له بدٌّ من التكفير]؛ لأنها كفارة وجبت بسبب من المكلف, فلم تسقط بالعجز؛ ككفارة اليمين وغيرها, ولأن الأعرابي لو سقطت الكفارة عنه؛ لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتكفير بعد أن أتي بالعرق؛ فإنه حين وجوب الكفارة كان عاجزاً, وعكسه صدقة.
وأما الكفارة الصغرى في الصيام, وهي فدية المرضع والحامل والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة؛ فقال ابن عقيل في «التذكرة»: جميعها تسقط بالعجز ولا تثبت في الذمة ككفارة الجماع [و] أولى؛ لأنها تجب بغير فعل من المكلف؛ فهي بصدقة الفطر أشبه.
وقال القاضي في «خلافه» وغيره: تسقط كفارة المرضع والحامل, ولا تسقط فدية العاجز عن الصيام لكبر أو مرض؛ لأنها بدل عن الصيام الواجب, فلما لم يسقط الصيام بالعجز عنه؛ فكذلك بدله لا يسقط بالعجز عنه إذا قدر عليه في الثاني, وعلى هذا؛ فلو قدر بعد الصيام على الصيام والإِطعام.
. . .
وظاهر كلام أحمد أنه لا يسقط شيء من ذلك بالعجز إلا كفارة الجماع.
وكذلك ذكر في «المجرد والفصول»؛ لأن كفارة المرضع والحامل بدل عن الصوم الواجب أيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 297
فإن كان عاجزاً حين وجوب الكفارة ثم قدر على ذلك فيما بعد بقريب كالأعرابي وسلمة بن صخر, وقلنا: تسقط.
. . .
فإن قلنا: تسقط؛ فلا كلام.
وإن قلنا: لا تسقط؛ فكفر عن المظاهر رجل بإذنه لفقره, أو كان عنده ما يكفر به أو دفع إليه, وهو محتاج إليه, أو هو أحوج إليه من غيره؛ فهل يجوز صرفه إلى نفسه؟ على روايتين.
فقال القاضي: لا يجوز صرف الكفارة عنه إلى نفسه حملاً لحديث الأعرابي على أنه لم يكن كفارة, وإنما أكلها صدقة محضة؛ لأنه ليس في الأصول أن الواجبات تصرف إلى مَنْ وجبت عليه من غير خروج عن ملكه.
وهذا على قولنا: سقطت الكفارة عنه.
فأما إن قلنا: تبقى في ذمته:
فقال بعض أصحابنا: يجوز صرفها إليه لحديث الأعرابي.
وقال بعضهم: هل يجوز ذلك أم يكون خاصّاً بالأعرابي؟ فيه وجهان.
[وهل يجوز ذلك في بقية الكفارات؟ على روايتين].
والمنصوص عن أحمد في رواية الأثرم وقد ذكر له حديث أبي هريرة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أطعمه عيالك» , فقال: يكون هذا في شيء من الكفارات؛ إلا في الجماع خاصة؛ فإنه يجزيه ولا يكفر مرة أخرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 298
وهذا بيان من أحمد أن الذي أطعمه الأعرابي لأهله كان كفارة أجزأت عنه؛ لقوله: «يجزيه» , والإِجزاء لا يكون إلا لشيء قد فعل وامتثل فيه الأمر, ولقوله: «ولا يكفر مرة أخرى» , فدل على أنه قد كفر أول مرة.
وقال في رواية مهنا: في رجل عليه عتق رقبة, وليس عنده ما يكفر, فقال له رجل: أنا أعتق عنك هذه الجارية؟ قال: لا يجوز؛ إلا أنه يملكه إياها, فيعتقها هو؛ فإذا لم يملكها؛ فلا تجزيه؛ لأن ولاءها للذي أعتقها, وفي الإِطعام يجوز أن يطعم عنه غيره, فأما في الرقبة؛ فلا.
وقال في رواية الأثرم: فإذا لم يكن عنده, وأطعم عنه غيره؛ يكون له ولعياله؟ قال: نعم؛ على حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بكر: قد روي عن أبي عبد الله أن ذلك خاص في الواطئ إذا كفر عنه غيره, رواه إبراهيم بن الحارث: أنه يأكلها إذا أطعم عنه غيره, ويمتنع في غير كفارة الوطء في الصيام أن يأكل منها شيئاً.
وروى عنه أبو الحارث: أن كل الكفارات لا بأس بأكلها إذا كفرت عنه.
وبما روى الأثرم وإبراهيم بن الحارث.
أقول: وهذه طريقة ابن أبي موسى؛ قال - ولم يختلف قوله-: إن من وطئ في رمضان فقدر على الكفارة من ماله؛ أنَّ عليه أنْ يكفر واجباً؛ فإن كان فقيراً, فتصدق عليه بالكفارة؛ فهل له أن يأكلها كما جاء الحديث؟ أم كان ذلك مخصوصاً لذلك الرجل, وعليه أن يتصدق بذلك, ولا يجوز له أكله؟ على روايتين.
فعلى هذا يجوز له أن يصرف هذه إلى نفسه, سواء كفر هو عن نفسه أو
الجزء: 1 - الصفحة: 299
كفر عنه غيره بإذنه, وهذا ظاهر الحديث؛ فإن الأعرابي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجد ما يطعمه, ثم بعد هذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر بالعرق الذي جاءه, فعلم أن الكفارة لم تسقط عنه, وإنما كفر بإطعام ذلك العرق لنفسه وعياله.
* فصل:
ويجب العتق إذا وجد الرقبة أو ثمنها فاضلاً عن حوائجه الأصلية؛
كما يستوفى إن شاء الله تعالى في موضعه.
فإن كان عادمها وقت الوجوب, ثم وجدها قبل الصوم؛ فقال بعض أصحابنا: يلزمه العتق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بالعتق, ولم يسأله عن حاله حين الجماع.
. . .
الفصل الرابع:
أن الكفارة تجب بالجماع في الفرج, سواء كان قبلاً أو دبراً, من ذكر أو أنثى, وسواء أنزل الماء أو لم ينزل؛ رواية واحدة.
وكذلك إذا ولج في فرج بهيمة في المشهور عن أصحابنا, وحكاه أبو بكر عن أحمد في رواية ابن منصور.
وخرَّج القاضي في الخلاف وأصحابه كالشريف وأبي الخطاب رواية أخرى: أنه لا كفارة عليه, من إحدى الروايتين في الحد بوطء البهيمة؛ تخريجاً للكفارة على الحد.
فإن قلنا: فيه الحد؛ ففيه الكفارة, وإن قلنا: فيه التعزيز؛ فلا كفارة فيه.
ومنهم من أوجب الكفارة قولاً واحداً, وإن لم يوجب الحد, وهو قول
الجزء: 1 - الصفحة: 300
القاضي في «المجرد»؛ لأن سبب وجوب الكفارة أوسع من سبب وجوب الحد؛ بدليل أنها تجب في الإِنزال عن الوطء دون الفرج, والحد ليس كذلك.
ويفطر بالجماع في هذه المواضع قولاً واحداً, سواء أنزل أو لم ينزل؛ لأنه جماع يوجب الغسل, فأفسد الصوم, وأوجب الكفارة؛ كجماع المرأة.
وسواء كان الوطء بعقد نكاح أو شبهه أو ملك يمين أو زنى.
ذكره أصحابنا.
ويتوجه في الزنى.
. . وجماع الميتة.
. . .
أما المباشرة فيما دون الفرج بقبلة أو جسّ أو وطء دون الفرج أو غير ذلك بحيث يمس بدنه بدن امرأة لشهوة, إذا لم ينزل بها؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة.
وفي «زاد المسافر» رواية حنبل: إذا غشي دون الفرج؛ فعليه القضاء والكفارة.
وفي «التعليق»: فأنزل.
وإن انزل الماء الأعظم؛ فسد صومه.
رواية واحدة.
وفي الكفارة فيه ثلاث روايات:
إحداهن: لا كفارة عليه كما ذكره الشيخ: إذا لامس امرأته, فأنزل وأنزلت, يقضي يوماً مكانه.
هذا لم يجامع, إنما لمس فأنزل.
وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضاً.
وظاهره أنه لم يجامع الجماع المعروف؛ لأن الوطء في الفرج يفارق غيره في ثبوت الإِحصان والإِحلال ووجوب الغسل بمجرده, والحد والمهر والعدة
الجزء: 1 - الصفحة: 301
والصهر اتفاقاً, وهو الاستمتاع التام, فلا يلزم من وجوب الكفارة فيه وجوبها فيما دونه.
والثانية: عليه الكفارة.
نقلها حنبل وأحمد بن إبراهيم الكوفي.
وهي اختيار القاضي وأصحابه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى الأعرابي بوجوب الكفارة لما أخبره أنه أصاب امرأته, ولم يستفصله كما استفصل الذي أقر بما يوجب الحد, والاستمتاع أفسد الصوم فأوجب الكفارة كالوطء.
فعلى هذا إذا لمس صبياً.
. . .
والثالثة: إن جامع دون الفرج, فانزل فعليه الكفارة.
فأما المعانقة والقبلة المباشرة؛ فلا كفارة فيه.
نقلها الأثرم.
وقال في رواية حرب: الجماع في الفرج وغير الفرج سواء, إذا أنزل فعليه الكفارة.
وهي اختيار قدماء الأصحاب كالخرقي وأبي بكر وابن موسى.
والجماع دون الفرج أن يباشرها بفرجه في موضع من بدنها على أي وجهٍ كان فيما ذكره ابن عقيل, سواء أولج بين فخذيها ونحوها من بدنها أو لم يولج.
وفرق أحمد بين المجامعة دون الفرج وبين المعانقة, وقال: هو جماع؛ لأن استمتاعه فيما دون الفرج جماع, فأشبه الإِيلاج في الفرج.
[فأما إذا مس امرأته, فأنزل وأنزلت؛ يقضي يوماً مكانه.
هذا لم يجامع, إنما لمس فأنزل, وحمله القاضي على الجماع دون الفرج أيضاً, وظاهره أنه لم يجامع الجماع المعروف].
الجزء: 1 - الصفحة: 302
وإن استمنى بيده؛ فعليه القضاء دون الكفارة فيما ذكره أصحابنا, وفرَّق القاضي بينه وبين الإِنزال عن مباشرة أو نظر.
وأما ابن عقيل؛ فخرجها على روايتين, وجعل النص على رواية التي تقول: لا يفطر بالإِنزال عن مباشرة, لا سيما إذا قلنا: الإِنزال عن دوام النظر يوجب الكفارة؛ فالاستمتاع أبلغ في إنزال الماء وتسكين الشهوة.
والمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب في صائم وجد شهوة, فخشي أن يمذي, فجعل ينثر ذكره لكي يقطع المذي, فأدفق الماء الأعظم؛ فعليه القضاء دون الكفارة.
وأخذ القاضي من هذا أن الاستمناء لا كفارة فيه.
ويتوجه الفرق بين هذا وبين الاستمناء؛ فإن هذا لم يقصد إلا تكسير الذكر لئلا يخرج المذي؛ فأين هو ممن يستخرج المني؟
وكذلك لو حكَّ ذكره بشيء ناعم حتى أنزل؛ لأنه أنزل الماء الأعظم باختياره, ولأنه لم يستمتع.
وإن أمذى بالمباشرة؛ فعليه القضاء دون الكفارة.
نص عليه في رواية حنبل والأثرم.
وربما ذكر بعض أصحابنا رواية حنبل: أن عليه القضاء والكفارة؛ لأنه جزء من المني يجري في مجاريه, ويخرج بأسبابه, وهو دونه؛ لأنه لم يكمل, ولا يحصل معه كمال لذة, فجعل فوق البول ودون المني؛ كما وجب به غسل الذكر والأنثيين, فأفسد الصوم ولم يوجب الكفارة.
وكذلك إن أمذى بالعبث بذكره؛ فهو كما لو أمذى بالمباشرة.
ذكره ابن أبي موسى.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
وإن تساحقت امرأتان فأنزلتا؛ وجب القضاء.
وفي الكفارة إذا كان عبثاً وجهان؛ كالروايتين فيمن باشر بالفرج فيما دونه.
هذا قول ابن عقيل وغيره.
وقال أبو محمد: يخرَّج الوجهان على أن جماع المرأة هل يوجب الكفارة؟ قال: وأصح الوجهين أنه لا كفارة عليهما؛ فإن أنزلت إحداهما؛ فحكمها كذلك.
والمحبوب إذا ساحق النساء أو فاخذ الرجال فأنزل؛ فسد صومه.
وفي الكفارة روايتان.
فأما الخصي؛ فإنه بمجرد إيلاجه يفسد صومه وتجب الكفارة كما يجب عليه الحد.
وأما النظر؛ فإن نظر الفجأة معفو عنها, فإن خرج منه الماء في عقبها؛ فلا شيء عليه.
وإن تعمد النظر لشهوة؛ لم يحل له, وإن أنزل بذلك:
فقال أبو بكر والقاضي وأصحابه مثل الشريف وأبي الخطاب وغيرهما: يفسد صومه ولا كفارة عليه, وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل في رجل نظر إلى امرأته في شهر رمضان لشهوة, فأمنى من غير أن يكون أحدث حدثاً غير ذلك؛ فعليه القضاء ولا كفارة؛ إلا أن يكون قبل أو لمس أو عمل عملاً يدعو إلى أنْ جاء الماء الدافق, فتجب عليه الكفارة.
وقال الخرقي وابن أبي موسى وأبو محمد: إذا كرر النزر فأنزل؛ فعليه القضاء بلا كفارة.
وكذلك ذكر القاضي في «المجرد» أنه لا يفسد صومه إلا إذا كرر النظر, فأما إن نظر ثم صرف بصره في الحال؛ فصومه صحيح, ويتخرَّج
الجزء: 1 - الصفحة: 304
على الحج.
قال: لأنه أنزل بسبب لا يأثم فيه.
فإن كرر النظر فأمنى؛ لزمه القضاء رواية واحدة؛ لأنه أنزل باستمتاع محرم, فأشبه الإِنزال بالمباشرة, وذلك لأن استدامة النظر تحت قدرته.
283 - قال جرير عن عبد الله البجلي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك».
284 - وعن علي بن أبي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا علي! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية».
الحديث: 283 - الجزء: 1 - الصفحة: 305
وفي وجوب الكفارة روايتان منصوصتان:
إحداهما: تجب عليه.
وهو اختيار ابن عقيل؛ لأنه أنزل باستمتاع محرم, فأشبه الإِنزال عن الملامسة.
والثانية: لا تجب عليه الكفارة, وهي اختيار أكثر أصحابنا.
وإن أمذى بنظر؛ فقال أبو بكر وأبو حفص البرمكي: يفطر ولا كفارة عليه.
وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلامه أنه لا يفطر بذلك.
وعلى الأول: هل يفطر بمطلق النظر المتعمد أم بالمستدام المتكرر؟ على وجهين.
وأما إن تفكر في شيء حتى أنزل؛ فقال أحمد في رواية أبي طالب في
الجزء: 1 - الصفحة: 306
محرم نظر فأمنى؟ قال: عليه دم.
قيل له: فإن ذكر شيئاً فأمنى؟ قال: لا ينبغي أن يذكر شيئاً.
قيل: فوقع في قلبه شيء؟ قال: أرجو أن لا يكون عليه شيء.
فعلى هذا: إن غلبه الفكر لم يفطر؛ لأنه يصير كالإِنزال بالاحتلام, وهو لا يفطر إجماعاً؛ فإنه لا يدخل تحت قدرته.
وأما إن استدعاه أو قدر على دفعه عن قلبه فلم يفعل؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يفطر, وهو قول ابن أبي موسى, وذكر أن أحمد أومأ إليه والقاضي وأكثر أصحابه؛ بناءً على أنه من جنس ما لا يملك صرفه عن نفسه.
والثاني: يفطر, وهو قول أبي حفص البرمكي وابن عقيل.
حتى قال أبو حفص: من تفكر في شهوة, فأمذى, ليس عن أبي عبد الله فطور, ولكن يجيء والله أعلم أن يفسد صومه.
وذكر ابن عقيل أن كلام أحمد يقتضيه؛ لأنه نهاه عن أن يذكر ذلك؛ لأن هذا إفطار بسبب من جهته, داخل تحت قدرته؛ فهو كالإِنزال بإدامة النظر؛ فإن التفكر يؤمر به تارة وينهى عنه أخرى؛ كما في الحديث.
285 - «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله».
الحديث: 285 - الجزء: 1 - الصفحة: 307
قال ابن عقيل: فإن الصائم لو سألنا: هل يجوز أن أخلو بنفسي مستحضراً للصور الشهية وللفعل فيها والمباشرة؟ لأفتيناه بتحريم ذلك والمنع منه.
وقال بعض أصحابنا: لا يحرم إذا وقع بأجنبية, ولا يكره إذا وقع بالزوجة؛ بخلاف المباشرة, وإن فكر فأمذى من غير أن يمس ذكره فهو كما لو أمنى.
قال ابن أبي موسى والقاضي وغيرهما: لا يبطل صومه.
الجزء: 1 - الصفحة: 308
قال ابن أبي موسى: ويحتمل أن يبطل, وهذا قول أبي حفص.
* فصل:
ولا تجب الكفارة إلا في شهر رمضان
, فلو جامع في القضاء أو النذر أو الكفارة؛ لم تجب عليه الكفارة.
نص عليه.
وتجب الكفارة بكل صوم في نهار رمضان, سواء كان ذلك اليوم مقطوعاً بأنه من رمضان أم لا, وسواء كان صومه مجمعاً على وجوبه أم لا.
فلو رأى الهلال وحده, وردت شهادته, فصام, ثم وطئ؛ لزمته الكفارة؛ لأنه تيقن أنه من رمضان, وذلك لأن الكفارات لا تسقط بالشبهات كالحدود؛ فإنها ليست عقوبة, بل قد توجب محواً للخطيئة, وجبراً للفائت, وزجراً عن الإِثم.
ولو وطئ في أول النهار, ثم مرض أو جُنَّ أو سافر أو حاضت المرأة؛ لم تسقط عنه الكفارة.
نص عليه في رواية صالح وابن منصور.
ونص في رواية ابن القاسم وحنبل على أنه لو أكل ثم سافر وحاضت المرأة؛ فإنهما يمسكان عن الطعام ويقضيان ذلك اليوم؛ لأنهما تعمدا الفطر بالمعصية.
ولو وطئ في آخر يوم من رمضان, فتبين له أنه شوال؛ لم يكن عليه كفارة؛ لأنه تبين أن الصوم لم يكن واجباً عليه.
ذكره القاضي.
مسألة:
فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية؛ فكفارة واحدة.
وإن كفر ثم جامع؛ فكفارة ثانية.
الجزء: 1 - الصفحة: 309
وكل من لزمه الإِمساك في رمضان, فجامع؛ فعليه كفارة.
وجملة ذلك أنه تجب الكفارة في الصوم الصحيح والفاسد؛ فكل من وجب عليه الإِمساك؛ وجبت عليه الكفارة إذا جامع, وإن لم يكن معتداً به, مثل أن يأكل ثم يجامع, أو يترك النية ثم يجامع, أو يجامع ويكفر ثم يجامع.
قال أحمد: إذا أكل ووطئ في رمضان؛ فعليه مع القضاء الكفارة للوطء, فإن كفر في يومه, ثم عاد؛ يكفر أيضاً؛ لأن حرمة اليوم لم تذهب, فإن فعل مراراً؛ فإنما عليه كفارة واحدة ما لم يكفر, فإذا كفر ثم وطئ؛ فعليه كفارة أخرى, وهو مذهبي, وذلك لأن هذا الإِمساك صوم واجب في نهار رمضان, فأوجب الكفارة؛ كالصوم الصحيح.
ودليل الوصف: ما روى سلمة بن الأكوع؛ قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم: أن أذن في الناس أن من كان أكل؛ فليصم بقية يومه, ومن لم يكن أكل؛ فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه.
ولأن الكفارة إنما وجبت لما انتهك من حرمة الزمان بالجماع فيه.
ومن أكل ثم جامع, أو جامع ثانية بعد أولى؛ فهو أشد انتهاكاً للحرمة, وأعظم من الاجتراء على الله, وربما اتخذ هذا حيلة إلى إسقاط الكفارة بالجماع, ولأنها عبادة يجب إتمام فاسدها, فوجبت الكفارة فيه؛ كالحج الفاسد.
وهذا لأن الله سبحانه قال في الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
الجزء: 1 - الصفحة: 310
[البقرة: 196] وقال تعالى في الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].
وزمان الحج يتعين ابتداؤه بفعل المكلف, وزمان رمضان يتعين ابتداؤه وانتهاؤه بالشرع, وكلاهما لا يخرج منه بالإِفساد؛ بحيث لو أراد في الحج أن يصير بالوطء حلالاً يباح له المحظورات؛ لم يكن له ذلك, ولو أراد بالإِفطار في رمضان أن يباح له الإِفطار في سائر النهار؛ لم يبح له.
ولو تبين له وجوب الصوم في أثناء النهار ببينة تقوم؛ أثيب على صيامه مع وجوب القضاء؛ فليس بينه وبين الإِحرام فرق, هذا فيمن ترك النية, مع العلم بوجوب الصوم, حتى لو افطر يوم الإِغماء وهو يعتقد.
. . .
فأما إن ترك النية لعدم العلم أنه من رمضان وأمسك؛ لم يلزمه الكفارة؛ لأنه ليس بإمساك مأمور به.
وإذا علم في أثناء النهار أن اليوم من رمضان؛ فإنه يجب عليه الإِمساك على المذهب المعروف؛ فلو وطئ فيه؛ لزمته الكفارة.
وإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو طهرت الحائض أو قدم المسافر, وقلنا: يجب عليهم الإِمساك:
فقال القاضي وابن عقيل: إذا وطئ؛ وجبت عليه الكفارة.
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: لا كفارة عليه.
وكذلك ذكر ابن أبي موسى وغيره.
وحمل القاضي على ذلك الرواية التي لا يوجب فيها الإِمساك.
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وقد قال في رواية حنبل في مسافر قدم في آخر النهار فواقع أهله قبل الليل: عليه القضاء والكفارة.
فإذا وطئ مرات في يوم واحد, ولم يكفر؛ فكفارة واحدة, نص عليه.
كما أنه لو أكل مرات في يوم؛ لم يجب عليه إلا قضاء يوم واحد.
وإن وطئ في يومين ولم يكفر:
فقال حرب: سئل أحمد عن رجل جامع في رمضان أساماً متتابعة: كم كفارة؟ قال: قد اختلف الناس في هذا.
فلم يجبه.
واختلف أصحابنا في ذلك:
فقال ابن حامد والقاضي وأصحابه: عليه الكفارة لكل يوم وإن لم يكفر.
وحكي هذا عن أحمد نفسه, حكاه ابن عبد البر؛ لأن كل يوم عبادة منفردة بنفسه, فلم يدخل كفارة أحدهما في كفارة الآخر؛ كما لو وطئ في رمضانين أو حجتين أو عمرتين, وذلك لأنه لا يفسد صوم أحدهما بفساد الآخر, ولا يجب أحدهما بوجوب الآخر؛ فإنه لو سافر في أثناء الشهر؛ فهو مخير بين الصوم والفطر, ولو أقام في أثنائه؛ لتحتَّم عليه الصوم, ويحتاج كل منهما إلى نية منفردة في المشهور من المذهب.
وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يكفيه كفارة واحدة, وإن وطئ كل يوم؛ ما لم يكفر؛ لأن الكفارات بمنزلة الحدود في أنها عقوبات, والحدود بمنزلة الكفارات في أنها كفارات لأهلها, ثم لو زنى مرات أو شرب مرات أو سرق مرات؛ لم يجب عليه إلا حدٌّ واحد؛ فكذلك إذا أفسد عبادات.
. . .
الجزء: 1 - الصفحة: 312
وإذا جامع في رمضانين أو في حجتين أو عمرتين.
فقياس قول أبي بكر.
. . .
* فصل:
ولا فرق في الجماع بين المعذور وغير المعذور؛
فلو وطئ ناسياً أو جاهلاً بوجوب الصوم لاعتقاده أنه واطئ في غير نهار رمضان, أو جاهلاً بأن الوطء يحرم في الصوم, مثل أن يعتقد أن الفجر لم يطلع, أو أن الشمس قد غربت, فجامع, ثم يتبين بخلافه, أو يجامع معتقداً أنه آخر يوم من شعبان, فتبين أنه من رمضان.
. . .
هذا أشهر الروايتين, ذكرهما أبو حفص وسائر الأصحاب, نقلها ابن القاسم والأثرم وحنبل وحرب.
قال في رواية القاسم حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: هلكت, وقعت على امرأتي في رمضان.
قال: «أعتق رقبة».
ظاهره على النسيان والجهالة, ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم, إنما أفتاه على ظاهر الفعل.
وهذا اختيار جمهور الأصحاب.
والرواية الثانية: عليه القضاء دون الكفارة.
قال في رواية أبي طالب: إذا وطئ ناسياً؛ يعيد صومه.
قيل له: عليه كفارة؟ قال: لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وإذا كان عامداً؛ أعاد وكفَّر.
وهذا اختيار ابن بطة.
286 - لأن الله قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان؛ بدليل قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] , فقال الله: قد فعلت.
حديث صحيح.
287 - وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان».
الحديث: 286 - الجزء: 1 - الصفحة: 314
ولأن الكفارة إن كانت لجبر الصوم؛ فإنه مجبور بالقضاء, وإن كانت لمحو الخطيئة أو عقوبةً للواطئ؛ فالناسي والجاهل لا إثم عليهما؛ بخلاف
الجزء: 1 - الصفحة: 315
كفارة القتل والصيد ونحوهما؛ فإنها وجبت جبراً لما فوته؛ فأشبهت ضمان الأموال.
ومن أصحابنا من يحكي رواية ثالثة في الناسي والمكره: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة.
وكقول أحمد في رواية ابن القاسم: كل أمر غلب عليه الصائم؛ فليس عليه قضاء ولا كفارة.
وقال أبو داوود: سمعته غير مرة لا ينقل له فيها قول.
يعني: مسألة من وطئ ناسياً.
ووجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بالكفارة, ولم يستفصله: هل كان ناسياً أو جاهلاً؟ مع أن هذا الاحتمال ظاهر, بل هو الأظهر؛ فإن الرجل المسلم لا يكاد يفعل مثل هذا عالماً عامداً, لا سيما في أول الأمر, والقلوب مقبلة على رعاية الحدود, والجهل بمثل هذا خليق أن يكون في الأعراب؛ فإنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله.
وليس في قوله: «هلكت»: ما يدل على أنه فعل ذلك عالماً عامداً؛ لجواز أنه لما ذكر أو أخبر أن هذا محرم في الصيام؛ خاف أن يكون هذا من الكبائر,
الجزء: 1 - الصفحة: 316
وقد كانوا يخافون مما هو دون هذا.
288 - كما قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: (أتيت اليوم أمراً عظيماً, قبلت وأنا صائم».
الحديث: 288 - الجزء: 1 - الصفحة: 317
ولهذا لم يعتبه النبي صلى الله عليه وسلم, ولم يلمه كما لام سلمة بن صخر لما جامع بعد الظهار, وكما لام الذي جامع امرأته ليلة الصيام قبل أن يبيح الله الرفث ليلة الصيام, ومثل هذا لا بد فيه على العامد العالم من تعزيز أو توبيخ؛ فهذه قرينة تبين أن الرجل قد كان له بعض العذر في هذا الوقاع.
ولأنها كفارة وجبت بالوطء مع العمد فوجبت بالسهو؛ ككفارة الوطء في الظهار والإحرام.
ولأن الوطء في الشرع يجري مجرى الإِتلاف؛ بدليل أنه لا يخلو من غرم أو حدٍّ أو غرم وحد, وباب الإِتلاف يستوي فيه العمد والخطأ؛ كالقتل للإِنسان والصيد والحلق والتقليم.
وإذا اعتقد أنه آخر يوم من شعبان, فجامع فيه, ثم تبين أنه من رمضان؛ فإنه يمسك ويقضي, ولم تجب عليه الكفارة هنا.
ذكره ابن عقيل.
لأنه لم ينو صومه على وجه يعذر فيه, والكفارة إنما تجب بالوطء في إمساك واجب؛ بخلاف من أكل فإنه مأمور يظنه ليلاً فبان نهاراً؛ فإنه مأمور بالإِمساك ذلك الجزء, والاحتياط فيه مشروع, وهو داخل في ضمن اليوم الذي نواه, ولهذا لا يفرد بنية.
وإذا أكل ناسياً, فظن أنه قد أفطر, فجامع, أو ذرعه القيء, أو قطر في إحليله, ونحو ذلك, فظن أنه قد أفطر, فجامع.
فقال بعض أصحابنا: في وجوب الكفارة وجهان؛ لأنه مثل الجاهل والناسي.
الجزء: 1 - الصفحة: 318
وكذلك قال القاضي: قياس المذهب أن الكفارة تجب عليه؛ لأن أكثر ما في هذا ظنه إباحة الفطر, وهذا لا يسقط الكفارة؛ كما لو وطئ يظن أن الفجر لم يطلع؛ فإن الكفارة لا تسقط هناك على المنصوص.
فعلى هذا: إذا قلنا هناك: إنه لا كفارة عليه.
. . .
وإن وطئ يعتقد أنه آخر يوم من شعبان, ثم بان أنه أول يوم من رمضان.
والصواب: أن هذا تجب عليه الكفارة قولاً واحداً؛ لأن أكثر ما فيه أنه وجب عليه, وكل مفطر وجب عليه الإِمساك إذا جامع؛ لزمته الكفارة عندنا؛ فإنه ليس معذوراً بالجماع؛ كما لو أكل عمداً, ثم جامع؛ لزمته الكفارة.
نص عليه.
اللهم؛ إلا أن يعتقد جواز الأكل والوطء, فيلحق [بالمعذور].
فإن قيل: أما إيجاب القضاء على الجاهل؛ فهو القياس؛ لأنه لو أكل جاهلاً؛ للزمه القضاء؛ فالواطئ أولى.
وأما إيجابه على الناسي؛ فهو مخالف لقياس الصوم؛ فإن الأكل ناسياً لا يفطر الصائم.
قلنا: الفرق بينهما أن الأكل بالنهار معتاد؛ فالشيء الخفيف منه ما قد يفعله الصائم لنسيانه صومه فعذر فيه.
أما الجماع؛ فأمر عظيم, وليست العادة فعله في النهار؛ فوقوعه مع النسيان إن وقع نادر جدّاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 319
289 - وهذا معنى ما ذكره ابن جريج؛ قال: «كنت إذا سألت عطاء عن الرجل يصيب أهله ناسياً, لا يجعل له عذر, يقول: لا ينسى ذلك ولا جهله».
فيأبى أن يجعل له عذراً, لا سيما.
. . .
وأما مقدمات الجماع التي لا توجب الكفارة مثل القبلة واللمس والنظر إذا فعلها ناسياً فأمنى أو أمذى:
فقال أصحابنا: هو على صيامه, ولا قضاء عليه.
لأنه أمر يوجب القضاء فقط, ففرقٌ بين عمده ونسيانه؛ كالآكل.
فعلى هذا: ما أوجب عمده الكفارة؛ أوجب سهوه القضاء في المشهور, وفي الكفارة الخلاف المتقدم, وما أوجب عمده القضاء فقط؛ لم يُبطل الصوم سهوه؛ لأن ما أوجب جنسه الكفارة؛ تغلظ جنسه فألحق بالجماع, بخلاف ما لا يوجب إلا القضاء فقط؛ فإنه كالأكل.
وإن أكره الرجل على الجماع:
فقال ابن أبي موسى والقاضي وابن عقيل وغيرهم: عليه مع القضاء الكفارة قولاً واحداً؛ بخلاف الناسي؛ لأن الجماع لا يتأتَّى إلا مع حدوث الشهوة, ولهذا وجبت الكفارة على المكره على الزنا في المنصوص؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر, ولا ينتشر إلا عن شهوة.
الحديث: 289 - الجزء: 1 - الصفحة: 320
قال ابن عقيل: وإن كان منتشر العضو, فاغتفلته امرأة, ووقعت عليه, فغلبته, واستدخلت عضوه؛ فلا كفارة عليه هنا؛ لعدم العلة, وفي إفساد الصوم وجهان.
وذكر أبو الخطاب وغيره فيه الروايتين في الناسي.
وإن استدخلت ذكره وهو نائم:
فقال القاضي: لا يفطر؛ لأنه كالمحتلم, لم يصدر منه فعل ولا لذة.
وهذا قياس قول من يفرق بين النائمة والمكرهة, وليس هو قول القاضي.
وذكر ابن عقيل وجهاً أنه يفطر؛ قال: كما لو جرع الماء؛ كان فيه الروايتان, والأشبه أن لا يبطل؛ كما لو قُطِّرَ في حلقه وهو نائم.
قال ابن عقيل: فإن كشفته واستيقظت عضوه بان عبثت به حتى انتشر, ثم استدخلته؛ أفطرا جميعاً, ولا كفارة عليه.
وهل عليها كفارة؟ على روايتين, وكأنه جعله في هذه الصورة مكرهاً, فيكون كقول أبي الخطاب.
وقال غيرهما: ظاهر كلام أحمد أن عليه القضاء؛ لأن القضاء وجب على المرأة المغصوبة على نفسها فالرجل أولى.
وهذا أصح؛ فإن المقهور على نفسه أقوى من المقهورة على نفسها, والنائم أقوى من النائمة.
* فصل:
وأما المرأة؛ فلا تخلو: إما أن تكون مطاوعة, أو مستكرهة:
فإن كانت مطاوعة في الصيام أو الإِحرام؛ ففيها ثلاث روايات:
الجزء: 1 - الصفحة: 321
إحداهن: أن عليها الكفارة فيهما.
وهي المنصورة عندهم مثل أبي بكر وابن أبي موسى والقاضي وأصحابه.
قال في رواية ابن إبراهيم في الرجل يستكره امرأته على الجماع: ليس عليها كفارة وعليه, وإذا طاوعته؛ فعليها وعليه كفارة, كفارة في الصوم.
ونقل عنه إسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن بختان في المحرمة إذا وطأها:
عليها الهدي.
والثانية: لا كفارة عليها.
نقله عنه أبو داوود وأبو الحارث ومهنا والمروذي: لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان.
فعلى هذا تجب الكفارة عليه وحده, وليس عليها كفارة يتحملها الزوج عنها, وتعتبر الكفارة بحاله في الحرية والعبودية, واليسر والعسر, وغير ذلك.
ونقل عنه ابن منصور في الذي يصيب أهله مهلاَّ بالحج: يحجان من قابل ويتفرقان, وأرجو أن يجزيهما هدي واحد.
فمن أصحابنا من يجعل هذا رواية واحدة في أنه لا كفارة عليها, وإنما الكفارة عليه وحده.
ومنهم من يجعل هذا رواية أخرى بأن الكفارة الواحدة تكون عليهما في مالهما وتجزئ عنهما.
وهل تجب عليهما في مالهما؟ أو في ماله وتقع عنهما, أو في ماله وتقع عنه وحده؟
فعلى هذا: إن كفر بالصوم؛ لزم كل واحد منهما صوم شهرين.
الجزء: 1 - الصفحة: 322
والثالثة: عليها الكفارة في الحج دون الصوم.
فقال في رواية أبي طالب: ليس على المرأة كفارة, إنما هي على الرجل؛ إلا أن يكونا محرمين, فيكون عليهما كفارة.
كذا قال ابن عباس, ولم أسمع على المرأة هدي إلا في الحج.
ولهذا أكثر نصوصه في الحج بالوجوب, وفي الصوم بعدمه, وذلك لأن الذي واقع أهله في رمضان؛ أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً؛ في معرض جواب سؤاله عن هذه الواقعة, فعلم أنه لا يجب في الجماع شيء غير هذا؛ لأنه لو كان؛ لذكره؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز, ولأن السؤال كالمُعاد في الجواب؛ فتقديره: من أصاب امرأته في رمضان فعليه هذه الكفارة.
ولو قيل مثل ذلك؛ لدل على أن هذا جزاء هذا الفعل ولا شيء فيه غير ذلك.
290 - ولهذا لما قال له ذلك الرجل: إن ابني كان عسيفاً على هذا, وإنه زنى بامرأته, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على ابنك جلد مئة وتغريم عام, واغد يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت؛ فارجمها».
فذكر في الحد حكم الواطئ والواطئة, وفي الكفارة اقتصر على حكم الواطئ فقط.
291 - وفي الحج: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتجامعين أن يهديا هدياً».
الحديث: 290 - الجزء: 1 - الصفحة: 323
292 - 293 - وكذلك عمر وعلي.
ولأن الكفارة هنا إنما وجبت لأجل الإِصابة والوقوع على المرأة وجماعها, والجماع إنما يفعله الرجل وحده, وإنما المرأة ممكنة من الفعل ومحل له,
الحديث: 292 - الجزء: 1 - الصفحة: 324
والكفارة لم توجب لذلك, ولأن الجماع فعل واحد لا يتم إلا بهما, فاجزأت فيه كفارة واحدة؛ لأن تعدد.
. . , ولأنه حق مالي يجب بالوطء؛ فاختص بوجوبه [على] الواطئ كالمهر في وطء الشبهة.
وهذا لأن الأصل فعل الرجل, والمرأة محل فعله, فاندرج فعلها في فعله, وصار تبعاً له؛ كما تدخل دية الأطراف في دية النفس, وكما لو جامع مرة ثم مرة ولم ينزل, وكما لو قبَّل المحرم ثم أولج, ولأنها كفارة تجب بالوطء, فاختصت بالرجل دون المرأة؛ ككفارة الظهار, أو نقول: إصابةُ فرجٍ حرم لعارض, فاختصت كفارته بالرجل؛ كإصابة المظاهر منها.
فعلى هذا لو لم تجب الكفارة على الرجل بأن تستدخل ذكره وهو نائم, أو تستدخل ذكر مجنون أو صبي؛ فإنه بطل صومها.
هكذا ذكره القاضي وابن عقيل.
وهل تجب الكفارة؟ على روايتين.
فيما إذا وطئها الرجل.
ذكره القاضي وابن عقيل.
وكذلك لو وطئها وهو مسافر أو مريض, وهي مقيمة صحيحة؛ ففي الكفارة عليها الروايتان.
ومن فرق بين الحج والصوم؛ قال: إن الحج جاء في الأثر عن ابن عباس, والصوم بخلافه, ولأن الحج أغلظ؛ فإن الكفارة تجب فيه بالقبلة والمباشرة وإن لم ينزل
الجزء: 1 - الصفحة: 325
ولأن حرمة الحج متعددة بالنسبة إليهما فإن كل منهما يصير حراماً بإحرام يعقده لنفسه؛ فإذا جامع؛ فقد هتك إحراماً منفصلاً عن إحرام غيره, وهنا الحرمة للشهر الذي يوجب صومه, لا لنفس الصوم المجزئ, ولهذا تجب الكفارة سواء كان صائماً أو مفطراً إذا كان الإِمساك واجباً عليه, ولا تجب إلا في شهر رمضان, وحرمة الشهر واحدة يشملها؛ فإذا هتكاها؛ فإنما هتَّكا حرمة واحدة, فأشبه ما لو اشتركا في قتل صيد.
ولأن الكفارات في الحج تجب مع الانفراد والاشتراك كما تجب بالحلق واللبس؛ فإذا وقع الاشتراك؛ جاز أن يجعلا في حكم المنفردين, وهنا لا تجب إلا بالفعل المشترك.
فعلى هذا, لو استدخلت ذكر نائم أو مكنت من نفسها مجنوناَ أو مسافراَ ونحوه.
. . .
وذكر ابن عقيل في موضع آخر أن الوطء إذا تردد بين اثنين لا تجب الكفارة على أحدهما, ووجبت على الآخر وحده؛ كالمسافر إذا وطئ.
ووجه الأول: أن المرأة هتكت حرمة شهر رمضان بالجماع, فوجبت الكفارة عليها كالرجل, وذلك لأنها إذا طاوعته على الجماع؛ كان كل منهما فاعلاً له ومشاركاً فيه, وإن جاز أن ينفرد أحدهما به إذا استكرهها أو استدخلت ذكره وهو نائم؛ فما وجب عليه لله من الكفارة والعقوبة وغير ذلك وجب عليها مثله.
ولهذا يجب الحدُّ عليها كوجوبه عليه, وتفطر بهذا الجماع كما يفطر هو, وتستحق العقوبة في الآخرة كما يستحقه, وتسمى باسمه, فيقال: زان وزانية,
الجزء: 1 - الصفحة: 326
ويسمى جماعاً وحلامة ومباشرة, وصيغة الفعال والمفاعلة في الأصل إنما تكون بين شيئين يفعل كل منهما بصاحبه ما يفعل الآخر به؛ كالقتال والخصام.
ولهذا؛ لو استدخلت ذكره وهو نائم؛ وجبت الكفارة.
ذكروا فيه الروايتين, ولأنها كفارة, فوجبت على كل واحد منهما؛ كالحد؛ فإن الحدود كفارات لأهلها.
وهذا لأن الكفارة ماحية من وجه وزاجرة من وجه وجابرة من وجه, والمرأة محتاجة إلى هذه المعاني حسب احتياج الرجل.
ولا يصح التفريق بأن الكفارة في المال, والحد على البدن؛ لأن من الكفارات ما هو على البدن, وهو الصيام.
وكذلك لو حلف كل منهما لا يجامع الآخر؛ كان على كل منهما كفارة [إذا] حنث كل منهما في يمينه؛ كهتك كل منهما لحرمة صومه وإحرامه.
وأما حديث الأعرابي؛ فقد أجاب أصحابنا عنه بوجوه:
أحدها: أن بيانه لحكم الأعرابي بيان لحكم مَنْ في مثل حاله؛ إذ من المعلوم أنها تشاركه في الجماع فتشاركه في حكمه, ولهذا لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء والاغتسال, وقد أمر الأعرابي بالقضاء؛ لعلمه بأن حكمها حكمه, فما حمل عليه ترك ذكر القضاء؛ حمل عليه ترك ذكر الكفارة.
ثانيها: أن هذه قضية في عين, فلعل المرأة كانت مكرهة أو نائمة؛ فإنه قد.
. .
الجزء: 1 - الصفحة: 327
294 - روي في بعض الألفاظ: أنه قال: «هلكت وأهلكت».
رواه الدارقطني.
الحديث: 294 - الجزء: 1 - الصفحة: 328
ونسبة الإِهلاك إليه وحده, وإن كان يحتمل التسبب والدعاء إلى الفعل, لكنه ظاهر في انفراده بالإِهلاك, وسماه إهلاكاً للمرأة؛ لتفطيرها وإيجاب القضاء عليها.
وثالثها: أن المرأة كانت غائبة, ولم تستفه, وإنما سأله الأعرابي عن حكم نفسه فقط, فلم يجب بيان حكم المرأة, وإنما بينه في قصة العسيف؛ لأن له أن يبينه وألاّ يبيِّنه؛ فإن الزيادة على السؤال جائزة.
295 - كقوله في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».
الحديث: 295 - الجزء: 1 - الصفحة: 329
ثم الفرق بينهما: أن في قصة العسيف حضر زوج المرأة, وكان سائلاً عن حكمها؛ كما حضر أبو العسيف يسأل عن حكم ابنه.
ثم حكم الرجل في الزنى كان مخالفاً لحكم المرأة؛ فإن حدّها كان الرجم, وحدُّه الجلد, فلم يكن بيان أحدهما بياناً للآخر؛ بخلاف الجماع.
ثم الحدُّ حق الله, يجب استيفاؤه على الإِمام؛ بخلاف الكفارة؛ فإنها حق فيما بين العبد وبين ربه.
ورابعها: أن الرجل أقر بما يوجب الكفارة, والمرأة لم تقر بذلك, وقوله غير مقبول عليها.
وخامسها: أنه يمكن أنه ذكر حكمها فلم ينقل, ويمكن أنه صلى الله عليه وسلم أراد ذكر حكمها فشغل عنه؛ فإنه عدم محض, والعدم المحض لا دلالة فيه.
وأما قياس هذا على الظهار؛ فلا يصح, لأنها إن كانت مظاهرة منه كما هو مظاهر منها؛ وجبت الكفارة على كل منهما, وإن لم تكن هي مظاهرةً, وقلنا: إنه لا كفارة عليها بظهارها منه؛ فلأن سبب وجوب الكفارة - وهو الظهار-مختص به, كما لو حلف لا يطأها؛ فإن كفارة اليمين تجب عليه خاصة, وكما لو كان هو وحده محرماً أو صائماً؛ فإنه لا ينبغي أن تمكنه من نفسها؛ لما فيه من إعانته على المعصية, ولأن فرجها حرام عليه في هذه الحال, ثم لو مكَّنته؛ لم تجب الكفارة إلا عليه؛ لأنها هي ليست محرمة ولا صائمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 330
* فصل:
وإن كانت مستكرهة
بأن يضطجعها ويطأها, ولا تقدر أن تمتنع منه, أو يقيدها ونحو ذلك؛ فسد صومها.
نص عليه في رواية مهنا في محرمة غصبها رجل نفسها فجامعها وهي كارهة؛ قال: أخاف أن يكون قد فسد حجها.
فقيل له: فإن غصبها رجل نفسها وهي صائمة فجامعها؟ قال: هو كذلك.
وفي لفظ: إذا أكرهها فوطئها؛ فعليها القضاء.
قلت: وعليها الكفارة؟ قال: لا.
قلت: فإن كانت اشتهته؟ قال: لم أسمع على المرأة كفارة.
وهذا قول ابن أبي موسى والقاضي وأكثر أصحابنا.
وعنه: لا يفسد.
ذكرها أبو الخطاب وابن عقيل.
قال في رواية ابن القاسم في الرجل يتوضأ فيسبقه الماء فيدخل حلقه: لا يضره ذلك, وكذلك الذباب يدخل حلقه, والرجل يومئ بالشيء فيدخل حلق الآخر, وكل أمر غلب عليه الصائم؛ فليس عليه قضاء ولا غيره.
فإن هذا يقتضي أنه لا يفسد الصوم بالإِكراه على الجماع؛ لقوله: «ليس عليه قضاء ولا غيره» , وغير القضاء هي الكفارة, وإنما تجب الكفارة في الجماع, فعلم أنه إذا غلب على الجماع؛ لم يكن عليه قضاء ولا غيره.
وهذا اختيار ابن عقيل؛ لأن الله تعالى عفا للأمة عما استكرهوا عليه, ولأن هذه المرأة لم يصدر منها فعل ألبتة.
ولهذا لا يجب عليه حدٌّ ولا إثم ولا تعزير ولا ضمان؛ فإنه لو ألقى إنسانٌ إنساناً على آخر, فقتله؛ لم يضمنه؛ فإذا لم يجب الضمان مع وجوبه مع السهو وغيره؛ فأن لا يفسد العبادة أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 331
ولأنه لو حلق رأس محرم أو قلم ظفره بغير اختياره؛ لم يكن عليه جزاء؛ فكيف يفسد إحرامه وصيامه بذلك؟!
فعلى هذا: إن أكرهت بالضرب أو الحبس أو الوعيد, حتى اضطجعت أو مكَّنت؛ ففيه وجهان كالوجهين فيما إذا أكره حتى أكل بيده.
ووجه الأول: أنه جماع يوجب الغسل, فأفسد الصوم والحج؛ كجماع المطاوِعَة, ولأنها عبادة تبطل بجماع المختارة فبطلت بجماع المستكرهة كالطهارة؛ إلا أن الأسباب الموجبة للوضوء لا تفريق بين عمدها وسهوها؛ بخلاف الأسباب المفسدة للإِحرام, ولأن الجماع يشبه الإِتلاف.
. . . فعلى هذا لا كفارة عليها.
نص عليه في الصائمة في رواية مهنا, وفي المحرمة المستكرهة في رواية ابن إبراهيم ويعقوب بن بختان وحنبل.
وفرق بينها وبين المطاوعة.
وسواء قلنا: تجب الكفارة على الناسي والجاهل والرجل والمكره أو لا تجب في المشهور عند أصحابنا.
قال القاضي في «المجرد»: لا كفارة عليها روايةً واحدةً؛ لأن المكره لا فعل له, ولهذا لو أكره على قتل الصيد وإتلاف مال الغير؛ لم يكن عليه ضمان, وإنْ وجب الضمان على الناسي.
وذكر القاضي في خلافه فيها روايتين:
إحداهما: كذلك.
والثانية: عليها الكفارة كالناسي والجاهل.
الجزء: 1 - الصفحة: 332
وقد نص أحمد في رواية الأثرم: إذا أكرهها في الحج؛ على كل واحد منهما هدي.
ولا ترجع به عليه على هذه الرواية كالناسي.
وقال ابن أبي موسى: قيل: عنه كفارة ترجع بها عليه؛ لأنه حق لزمها بسببه, فكان استقراره عليه؛ كما لو أكره رجلاً على إتلاف المال أو غرَّه في نكاح أو بيع أو غيرها أو حلق رأس المحرم بغير اختياره؛ فإن ضمانه عليه.
والإِكراه الذي لا ريب فيه أن يقهرها على نفسها, وسواء كان إكراه غلبة مثل إنْ قهرها على نفسها, أو كان إكراه تمكين مثل إنْ ضربها حتى مكَّنت من نفسها؛ فالحكم سواء.
هذا قول القاضي وأبي الخطاب.
فعليها الكفارة هنا؛ لأن لها فعلاً صحيحاً وقصداً واختياراً, وإن كانت معذورةً فيه؛ فإن العذر لا يمنع وجوب الكفارة؛ كالنسيان والجهل.
لأنه لو دفعه على إنسان فقتله؛ لم يكن على المدفوع دية ولا كفارة, ولو أكرهه حتى قتله؛ لوجب عليه دية القود, وكان هذا الفعل محرماً بالإِجماع.
وعلى الوجهين متى قدرت على الدفع عن نفسها, فلم تفعل؛ فهي كالمطاوعة.
وإن مانعته في أول الفعل, ثم استلانت في أثنائه؛ فهي كالمطاوعة؛ لأن استدامة الوطء كابتدائه في إيجاب الكفارة؛ بدليل مَنْ طلع عليه الفجر وهو مجامع.
هكذا ذكره ابن عقيل.
فأما إن وطئها وهي نائمة, ولم تستيقظ إلا بعد مفارقته للفعل:
فقال ابن أبي موسى: ليس عليها قضاء ولا كفارة, وعليه القضاء والكفارة قولاَ واحداً؛ لأنها لم تشعر بالجماع, ولم تجد طعمه, ولم تذق عسيلته.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
قال: وقال بعض أصحابنا: عليها القضاء وجهاً واحداً؛ يعني: كالمستكرهة؛ فإنه لم يذكر فيها خلافاً, وعليها الكفارة في أحد الوجهين, ترجع بها عليه.
هذا قول القاضي وأصحابه, لا فرق عندهم بين النائمة والمستكرهة.
قال القاضي: قياس المذهب أنها تفطر؛ كما لو أكرهها على الوطء أنها تفطر؛ بخلاف ما لو أكره على الأكل, أو أكل وهو نائم؛ فإنه لا يفطر؛ كالناسي إذا أكل وأولى؛ لأن أكثر ما فيه أنها جومعت بغير اختيارها, فأشبه المقهورة, ولأنه جماع يوجب الغسل, فأفسد الصوم كسائر أنواع الجماع.
قال ابن أبي موسى: ولو ألزمناه كفارتين عنه وعنها؛ كان وجهاً.
فعلى هذا يطالب هو بالتكفير؛ كما قلنا فيمن حلق [رأس] محرم وهو نائم.
وعلى الوجه الذي نقول فيه: ترجع عليه بالكفارة, تطالب هي بها, وترجع عليه.
وإن لم تمكنه؛ فهي كالمستكرهة؛ لأنها تشعر بالجماع.
قال ابن أبي موسى: عليها القضاء والكفارة, ترجع بالكفارة عليه؛ فإنه على الرواية التي توجب الكفارة على المستكرهة.
وأما الموطوءة بعذر غير الاستكراه؛ مثل الناسية والجاهلة والممكنة تظنه ليلاً فبان نهاراً ونحو ذلك:
فذكر أبو الخطاب أنه يفسد صومها, ولا يلزمها الكفارة مع العذر, والعذر
الجزء: 1 - الصفحة: 334
الإِكراه والنسيان, وسوّى بين الأعذار, وألحق المكرهة بالناسية, وجعل في الرجل المعذور روايتين.
وخرَّج بعض أصحابنا وجهاً: أنه لا يفسد صومها أيضاً.
لأن ما لا يوجب الكفارة لا يفسد الصوم مع النسيان؛ كالأكل.
وأما المنصوص عن أحمد, والذي ذكره عامة الأصحاب: الفرق إنما هو بين المطاوعة والمستكرهة فقط, وأن المطاوعة إذا نسيت أو جهلت؛ فإنها كالرجل سواء.
وقد صرح القاضي بالفرق بين الناسية والمستكرهة.
وهذا أصح؛ لأنه لا فرق بين عذر المرأة وعذر الرجل في غير الاستكراه, وإنما فرق بينهما في الاستكراه؛ لأن المرأة لا فعل لها هنالك, ولأن الرجل يمتنع إكراهه على الجماع.
. . .
وإذا وطئ أمته مطاوعة, [وأوجبنا] الكفارة؛ كفَّرت بالصوم.
وإن استكرهها؛ فقال ابن أبي موسى: الكفارتان عليه.
وهذا إذا قلنا: لا كفارة على المستكرهة؛ فيحتمل أن تكون كذلك؛ لأنها إنما سقطت عنها تخفيفاً, وهنا تجب ابتداءً على السيد, وليس أهلاً للتخفيف عنه.
وإن قلنا: تجب عليها, ولا يحلها عنها على الرواية التي ذكرها القاضي.
. . .
الجزء: 1 - الصفحة: 335
والموطوءة في الدبر كالموطوءة في القبل في لزوم الكفارة, ذكره القاضي.
وعلى قياسه المفعول به لواطاً؛ لأنهما يشتركان في الإِفطار بذلك, ووجوب الحدّ به؛ فكذلك في لزوم الكفارة له.
ويتوجه: أن لا كفارة بهذا, لأنه لا شهوة لها فيه.
فأما المستمتع بها من مباشرة أو وطء دون الفرج إذا أنزلت الماء؛ فإنها.
. . .
* فصل:
إذا جامع ونزع قبل الفجر, ثم أمنى بذلك بعد طلوع الفجر؛
فصومه صحيح.
لأن أكثر ما فيه خروج المني بغير اختياره, وخروج المني بغير اختياره لا يفطره؛ كالاحتلام.
وإن شك هل نزع قبل الفجر أو بعده.
. . .
وإن طلع عليه الفجر وهو مولج, وعلم به, واستدام الجماع؛ فهو مفطر, وعليه الكفارة.
قال ابن أبي موسى: إن تحرك لغير انتزاعه؛ فعليه مع القضاء الكفارة قولاً واحداً؛ لأن استدامة الجماع بمنزلة ابتدائه.
ولهذا؛ لو حلف لا يجامعها, وهو مجامعها, فاستدام الجماع؛ حنث.
وأما إذا طلقها ثلاثاً وهو مولج, فاستدام ذلك؛ هل يجب عليه الحد
الجزء: 1 - الصفحة: 336
والمهر؟.
. . .
ولو أحرم وهو مجامع, فاستدام الجماع؛ فسد إحرامه.
ولأن صومه يفسد بهذه الاستدامة بالإِجماع, ولولا أنَّ استدامة الجماع جماع؛ لم يفسد به الصوم.
وإذا كان جماعاً, وقد وجد في نهار رمضان؛ وجبت به الكفارة كغيره.
فإن قيل: لكن هذا الجماع لم يبطل به صوماً, وإنما منع صحة الصوم, والكفارة إنما تجب لإِفساد الصوم.
قيل: لا فرق عندنا بين جماع الصائم وجماع المفطر في نهار رمضان, بل كل جماع وُجد ممن يجب عليه الإِمساك؛ ففيه الكفارة.
وأيضاً؛ فإنه لا فرق فيما يبطل العبادات بين المقارن والطارئ, ولهذا استويا في وجوب القضاء, ولأن منع صحته في هتك الحرمة بمنزلة إبطاله بعد انعقاده وأشد؛ لأنه هناك أفسد بعض الصوم, وهنا أبطل جميعه.
وإن استدام الجماع بعد طلوع الفجر, ولم يعلم, ونزع قبل أن يعلم؛ وجب عليه القضاء والكفارة في إحدى الروايتين.
نقلها عبد الله.
وفي الأخرى: عليه القضاء بلا كفارة.
وقد تقدم ذلك.
فإن قلنا: لا كفارة عليه فنزع حين علم؛ ففي الكفارة روايتان, ويقال: وجهان؛ كما سيأتي.
وإن طلع عليه الفجر, وهو مخالط أصل ذكره, فنزع حين طلع, وأمكن ذلك برعايته للفجر, أو بإخبار مخبر حين طلوعه, أو بأنه حين تبين له طلوعه؛
الجزء: 1 - الصفحة: 337
نزع:
قال ابن أبي موسى: لم يتحرك بغير انتزاعه, ولم يتيقن أنه استدام الجماع بعد طلوعه.
ففي هذه المواضع لم يوجد منه استدامة الجماع بعد طلوع الفجر وبعد استيقانه طلوع الفجر, وإنما وجد النزع.
فقال ابن أبي موسى: عليه القضاء قولاً واحداً, وفي الكفارة عنه خلاف.
وخرَّجها القاضي على وجهين بناء على الروايتين في النزع: هل هو وطء أم لا؟ وفيه روايتان.
نص عليهما فيمن قال لامرأته: إن وطأتك؛ فأنت عليَّ كظهر أمي, ومثله: إن وطأتك؛ فأنت طالق ثلاثاً: هل يجوز له وطأها؟ على روايتين؛ لأن النزع يقع بعد انعقاد الظهار والطلاق.
ولو حلف وهو مجامع: لا وطئتك, فنزع في الحال؛ لم يحنث؛ لأنه إنما يحلف على ترك ما يقدر عليه, ولأن مفهوم يمينه لا استدمت الجماع.
. .
إحداهما: هو جماع فعليه القضاء والكفارة.
قاله ابن حامد والقاضي وأصحابه مثل الشريف وأبي جعفر وابن عقيل في «الفصول» , وقد قال أحمد في رواية حنبل: إذا كان واطئاً, فطلع الفجر؛ نزع وعليه القضاء والكفارة.
لأن النزع جماع؛ بدليل أنه يلتذ بالإِيلاج والانتزاع.
نعم؛ هو معذور في هذا الجماع؛ فإنه لا يقدر على ترك الجماع إلا بالنزع, فيكون بمنزلة من استدام الجماع بعد طلوع الفجر وهو لا يعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 338
والثاني: لا قضاء عليه ولا كفارة.
وهو اختيار أبي حفص العكبري وابن عقيل في «خلافه».
وهذا ينبني على أصلين:
أحدهما: أن النزع ليس بجماع, بل هو ترك كخلع القميص والخروج من الدار.
والثاني: أنه وإن كان جماعاً, لكنه مغلوب عليه؛ فلا تجب عليه الكفارة على إحدى الروايتين, وكما لو أوجب الله عليه في هذه الحال أن يترك الجماع؛ فإن تركه إنما يجب بطلوع الفجر.
وعلى هذا: لو أولج في جزء من الليل, وهو يتيقن أن الفجر يطلع عليه وهو مولج, ونزع عقب طلوعه, وتصور ذلك؛ وجبت عليه الكفارة على مقتضى كلام ابن عقيل, وهو بمنزلة المقهورة على الوطء, وتلك لا تجب عليها الكفارة في ظاهر المذهب؛ لأنه تعمد أن يفعل النزع في نهار رمضان.
وعلى المأخذ الأول: لا كفارة عليه؛ كالمتعمد أن ينزع في فرج المطلقة والمظاهر منها.
وعلى الرواية التي ذكرها ابن أبي موسى: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأن النزع جماع هو فيه معذور, فيجب القضاء دون الكفارة؛ كالرواية فيمن جامع يظنه ليلاً, فتبين أنه نهاراً.
فعلى هذه الرواية: إن تعمد الإِيلاج في وقت يتيقن أن الفجر يطلع عليه فيه؛ لزمته الكفارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
* فصل:
ولو احتلم الصائم في النهار في المنام؛
لم يفطر.
وإن أصبح جنباً من احتلام أو جماع؛ فصومه صحيح, لكن عليه أن يغتسل ويصلي؛ فإن لم يفعل؛ فعليه إثم ترك الصلاة, وصومه صحيح, وكذلك المرأة إذا طهرت قبل الفجر.
نص على ذلك كله, وأنكر على من خالفه, وذلك لقوله سبحانه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
. .﴾ الآية [البقرة: 187] , فأباح المباشرة, وهي الجماع إلى أن يبين الفجر, ومعلوم أن من جامع إلى ذلك الوقت؛ فإنه يصبح جنباً.
296 - وعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يصبح جنباً من غير احتلام, ثم يصوم في رمضان».
رواه الجماعة إلا النسائي.
297 - وعن عائشة: أن رجلاً قال: يا رسول الله! تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم».
فقال: لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
فقال: «والله؛ إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي».
رواه مسلم وغيره.
الحديث: 296 - الجزء: 1 - الصفحة: 340
مسألة:
ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر؛ فليس عليه غيره, وإن فرط؛ أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً.
في هذا الكلام فصلان:
أحدهما: أنه يجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان, وهو مؤقت بين الرمضانين, يقضي متى شاء, إلى أن يدخل شهر رمضان, وسواء كان قد أفطر لعذر أو لغير عذر فيما ذكره أصحابنا.
298 - لما روي عن عائشة؛ قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان, فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان, وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم».
رواه الجماعة.
وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان فكانت تقضيه في شعبان.
قال أبو عبد الله: يقضي رمضان كيف شاء, إن شاء متوالياً, وإن شاء متفرقاً, كيف تيسر, ليس هو محدود, إنما هو دين.
ويستحب أن يقضي رمضان متتابعاً, إن كان فاته متتابعاً, وإن فاته متفرقاً.
. . .
الحديث: 298 - الجزء: 1 - الصفحة: 341
وإن قضاه مفرقاً؛ جاز ولم يكره.
وعنه: هما سواء؛ لقوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] , ولم يقيدها بالتتابع, فيجب أن تحمل على الإِطلاق؛ كالمطلقة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 195].
299 - قال أحمد: قال ابن عباس في قضاء شهر رمضان: «صم كيف شئت, قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾».
ولأنه يريد اليسر بعباده, وقد يكون التفريق أيسر.
300 - قال مجاهد في الرجل يكون عليه صيام من رمضان أيفرق صيامه أو يصله؟ فقال: «إن الله أراد بعباده اليسر؛ فلينظر أيسر ذلك عليه, إن شاء وصله, وإن شاء فرقه».
ولأنه اعتبر إكمال العدة فقط, وإكمال العدة يحصل بالتقطيع والصلة.
301 - فإن قيل: فقد روى مالك, عن حميد بن قيس؛ قال: «كنت أطوف مع مجاهد, فجاءه إنسان يسأله عن صيام من أفطر في رمضان: أيتابع؟ فقلت: لا.
فضرب مجاهد في صدري, ثم قال: إنها في قراءة أبي بن كعب متتابعات».
الحديث: 299 - الجزء: 1 - الصفحة: 342
والقراءة الشاذة تجري مجرى الخبر الواحد.
302 - كقراءة عبد الله (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
قيل: هذا الحرف منسوخ تلاوته وحكمه.
303 - بدليل ما روي عن عائشة؛ قالت: «نزلت (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ) , فسقطت متتابعات».
رواه عبد الرزاق والدارقطني, وقال: إسناد صحيح.
وأن مجاهداً قد صح عنه من غير وجه: أنه يجيز التفريق ويخبر بذلك عن جميع أهل مكة, وهو راوي هذا الحرف, فعلم أنه منسوخ.
الحديث: 302 - الجزء: 1 - الصفحة: 343
عن عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق وإن شاء تابع».
رواه الدارقطني, وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر.
305 - وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
الحديث: 305 - الجزء: 1 - الصفحة: 344
306 - وعن محمد بن المنكدر؛ قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال: «ذاك إليك, أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر».
رواه الدارقطني, وقال: إسناد حسن؛ إلا أنه مرسل.
307 - وعن جابر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقطيع صيام شهر رمضان؟ فقال: «أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضي الدرهم والدرهمين حتى يقضي, هل كان ذلك قضاء دينه (أو: قاضيه)؟».
قالوا: نعم.
رواه الدارقطني.
ولأنه إجماع الصحابة.
308 - فروى الدارقطني عن أبي عبيدة بن الجراح أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقاً؟ فقال: «أحص وصم كيف شئت».
الحديث: 306 - الجزء: 1 - الصفحة: 345
309 - وعن معاذ بن جبل؛ قال: «أحص العدة واصنع كيف شئت».
310 - وعن عمرو بن العاص؛ أنه قال: «فرق قضاء رمضان, إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾».
311 - وعن رافع بن خديج: أنه كان يقول: «أحص العدة وصم كيف شئت».
312 - 313 - وعن ابن عباس وأبي هريرة؛ قالا: «لا بأس بقضاء رمضان متفرقاً».
314 - وروى سعيد عن أنس بن مالك: أنه سُئل عن قضاء رمضان؟
الحديث: 309 - الجزء: 1 - الصفحة: 346
فقال: «إنما قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ فإذا أحصى العدة؛ فلا بأس بالتفريق».
315 - وعن مجاهد؛ قال: «أما نحن أهل مكة: فلا نرى بالتفريق بأساً».
وهذه الآثار تعضد الأحاديث المتقدمة وتجعلها حجة عند من لا يقول بالمرسل المجرد.
316 - وقد روي عن سالم عن ابن عمر: أنه كان يقول: «صمه كما أفطرته».
317 - 318 - وعن ابن عباس: أنه كان لا يرى بالتفريق بأساً, وكان ابن عمر يقضيه متتابعاً.
319 - وعن الحارث عن علي؛ قال: «من كان عليه صوم من رمضان؛ فليقضه متصلاً ولا يفرقه».
الحديث: 315 - الجزء: 1 - الصفحة: 347
وهذا محمول على الاستحباب؛ لأنه قد تقدم عن ابن عمر خلاف ذلك.
وأيضاً؛ فإن القضاء لا يزيد على الأداء, وفعل الصوم أداء لا تجب فيه الموالاة؛ فإنه لو أفطر أثناء الشهر لعذر أو غيره؛ بنى على صومه وقضى ما أفطره؛ إذا لم يشترط الموالاة في الأصل؛ ففي البدل أولى.
نعم؛ لما كان صوم الشهر واجباً وأيامه متوالية؛ وجبت الموالاة للفعل تبعاً للموالاة في الوقت؛ فإذا فات الوقت؛ سقطت الموالاة الواجبة فيه.
. . .
ولأن الصوم وإن وجب جملة؛ فهو دين في الذمة, وقضاء الدين يجزئ متتابعاً.
. . , ولأنه إذا جاز تأخيره كله إلى شعبان؛ فتأخير بعضه أولى.
الفصل الثاني: أنه ليس له أن يؤخره إلى رمضان آخر إلا لعذر؛ مثل أن يمتد به المرض أو السفر إلى أن يدخل الرمضان الثاني.
فإن أخره إليه لعذر؛ صام رمضان الذي أدركه, وقضى الرمضان الذي فاته بعده, ولا شيء عليه.
قال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان من مرض أو علة, ثم صحَّ ولم يقض حتى جاء رمضان آخر؟ قال: يصوم هذا اليوم الذي جاء, ويقضي الذي ترك, ويطعم لكل يوم مسكيناً.
قلت: مُدّاً؟ قال: نعم.
قال القاضي: نص عليه في رواية الأثرم والمروذي وحنبل.
الجزء: 1 - الصفحة: 348
وإن امتدَّ العذر إلى آخر الرمضان الثاني؛ صام.
. . .
وإن أخره إلى الثاني لغير عذر؛ أتمَّ وعليه أن يصوم الذي أدركه ثم يقضي الأول ويطعم لكل يوم مسكيناً.
وقيل: له أن يؤخره إلى الرمضان الثالث هنا.
. . .
وذلك لما احتج به أحمد.
قال في رواية المروذي في الرجل يلحقه شهر رمضان وعليه شهر رمضان قبله: إن كان فرَّط؛ أطعم عن كل يوم مسكيناً, وإن كان لم يفرط؛ صام الذي أدركه وقضى بعدد ما عليه.
320 - رواه عن الحكم, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس.
321 - وعن أبي الخليل, عن عطاء, عن أبي هريرة.
322 - وقيس بن سعد, عن عطاء, عن أبي هريرة.
323 - وقد روى الدارقطني عن ابن عمر: أنه كان يقول: «من أدركه رمضان وعليه من رمضان شيء؛ فليطعم مكان كل يوم مسكيناً مدّاً من حنطة».
الحديث: 320 - الجزء: 1 - الصفحة: 349
324 - وعن مجاهد, عن ابن عباس؛ قال: «من فرّط في صيام شهر رمضان حتى يدركه رمضان آخر؛ فليصم هذا الذي أدركه, ثم ليصم ما فاته, ويطعم مكان كل يوم مسكيناً».
325 - وعن مجاهد, عن أبي هريرة؛ فيمن فرط في قضاء حتى أدركه رمضان آخر؛ قال: «يصوم هذا مع الناس, ويصوم الذي فرط فيه, ويطعم
الحديث: 324 - الجزء: 1 - الصفحة: 350
لكل يوم مسكيناً».
326 - ورواه الدارقطني, عن عطاء, عن أبي هريرة, وقال: إسناد صحيح موقوف.
327 - ورواه مرفوعاً من وجهٍ غير مرضي.
328 - وقد ذكر يحيى بن أكثم: أنه وجد في هذه المسألة الإِطعام عن ستة من الصحابة لم يعلم لهم منهم مخالفاً, ولأن قضاء الرمضان مؤقت بما بين الرمضانين:
لوجوه:
329 - أحدها: ما رواه أحمد: عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يتقبل منه».
الحديث: 326 - الجزء: 1 - الصفحة: 351
لأن العبادات إما أن تجب مؤقتة أو على الفور؛ فإنها لا تكون على التراخي عندنا؛ كما نذكر إن شاء الله في الحج, فلما لم يجب قضاء رمضان على الفور؛ علم أنه مؤقت.
وبهذا يتبين أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لولا حديث عائشة؛ لحُمل على الفور, وحديث عائشة إنما أفاد جواز التأخير إلى شعبان, وما زاد على ذلك؛ لا يعلم جواز التأخير فيه, ومطلق [الأمر] يقتضيه.
وقد احتج أصحابنا بأن عائشة ذكرت أنها كانت تقضيه في شعبان؛ لبيان تضييق وقته في شعبان, وأنها كانت تؤخره إلى آخر وقته, فعُلِم أن وقت القضاء كان محصوراً, وأنها إنما أخرت القضاء شغلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم, وشعبان وغيره في الشغل سواء, فلولا تضيّق الوقت؛ لأخّرته.
لكن يقال: إنما أخرته إلى شعبان؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم في شعبان, فتتمكن من الصوم معه.
وكذلك سياق الحديث يدل على ذلك.
الثاني: أن الصوم قد وُسِّع وقته على المسافر والمريض, فهو بالخيرة بين أن يصوم فيه أو فيما بعده, وضيق على الصحيح المقيم.
والعبادة الموسعة يخرج وقتها بدخول وقت مثلها؛ بدليل الصلاة.
330 - قال صلى الله عليه وسلم: «ليس في النوم تفريط, إنما التفريط في اليقظة: أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى».
الحديث: 330 - الجزء: 1 - الصفحة: 352
فإذا كان هذا في الصلاة؛ فهو في الصوم أولى؛ لأن وقت الصلاة الثانية يتسع للصلاتين, ووقت الصوم الثاني لا يتسع لهما.
ولأن الصوم قد استقر في ذمته أعظم من استقرار الصلاة بأول الوقت.
الثالث: أنه إذا أخره إلى الرمضان الثاني عمداً؛ فقد أخره إلى وقت لا يمكنه فعله فيه, ويجوز أن يدرك ما بعد رمضان, ويجوز أن لا يُدركه, فأشبه تأخير الحج من عام وجوبه إلى العام الذي يليه.
الرابع: أنه إذا أخره إلى رمضان الثاني؛ فإنه يلزمه أن يبدأ بالحاضر قبل الفائت, والعبادات المؤقتة من جنس واحد يجب أن يبدأ بأولها فأولها وجوباً كالصلاتين المجموعتين والفائتتين والجمرات إذا أخَّر رميها اليوم الثالث.
الخامس: أن الصحابة رضي الله عنهم سمَّوه مفرطاً كما تقدم.
والتفريط إنما يكون فيمن أخرها عن وقتها.
وإذا ثبت أنه مؤقت؛ فقد ترك الصوم الواجب في وقته على وجه لا يوجب القضاء, فأوجب الفدية؛ كالشيخ الكبير والعجوز إذا تركا الصوم.
ومعنى قولنا: «لا يوجب القضاء»: أنه لا يجب عليه صوم بترك الصوم بين الرمضانين, وبهذا يظهر الفرق بينه وبين من أفطر عمداً؛ فإن نفس ذلك الترك أوجب القضاء فلا يوجب غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 353
وفوات العين لا سبيل إلى جبرها أصلاً, وهنا الفطر في رمضان أوجب من القضاء, والصوم الواجب بين الرمضانين لا بد له من بدل.
فإن قيل: فهلاَّ أوجب صوم يوم آخر.
قيل.
. . .
ولأنها عبادة لا تفعل في العام إلا مرة.
* مسألة:
وأما إذا أخر القضاء لعذر؛
فإنه لم يجب عليه قضاؤه بين الرمضانين لوجود العذر, والصوم باقٍ في ذمته, فلا يجب عليه أكثر منه.
331 - فإن قيل: فقد روى سعيد, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس: أنه كان يقول فيمن مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتى جاء رمضان آخر؛ قال: «يطعم للأول ويصوم للثاني, فإن كان صح بينهما أو فرط في صيامه؛ صام هذا الذي أدرك, وأطعم للأول وصامه أيضاً».
وعن أبي هريرة وابن عباس نحوه.
ولأنه قد فوت للعجز عنه على وجه لا يوجب عليه القضاء, فلم يكن عليه إلا الفدية؛ كالشيخ الكبير.
قيل: قد تقدم عن أحمد أنه ذكر عنهما خلاف ذلك, ولأن القضاء قد وجب في ذمته, وفوات وقته لا يقتضي سقوطه كفوات وقت الأداء.
الحديث: 331 - الجزء: 1 - الصفحة: 354
* فصل:
فإن كان قد أمكنه قضاء بعض ما فاته دون بعض؛
لزمه الإِطعام عن قدر ما أمكنه قضاؤه؛ لأنه هو الذي فرط فيه, فلم يلزمه إلا فديته؛ كما لو أفطر في رمضان أياماً؛ لم يلزمه إلا قضاؤها, والإِطعام قبل القضاء.
. . .
* مسألة:
فإن أخره إلى رمضان ثالث؛
لم يلزمه أكثر من كفارة أخرى, مع الإِثم:
لأنه قد لزمه كفارة بتأخيره عن وقته, فلم يلزمه كفارة أخرى بزيادة التأخير؛ كمل لو أخَّر قضاء الحج من عام إلى عام.
ولأن وقت القضائين رمضان الأول ورمضان الذي يليه, فإذا فات وقته؛ لم يبق للقضاء وقت محصور؛ فلا شيء بتأخيره.
فإن لم يفرط حتى أدركه الرمضان الثاني, ثم قدر على القضاء, ففرط فيه حتى دخل الرمضان الثالث؛ فهنا ينبغي أن تلزمه الكفارة.
* فصل:
ومن عليه قضاء رمضان, لا يجوز أن يصوم تطوعاً.
وكذلك مَنْ عليه صوم واجب غير القضاء يجب أن يبدأ به قبل التطوع, فإن اجتمع عليه كفارة وقضاء أو نذر.
. . .
الجزء: 1 - الصفحة: 355
وعلى هذا؛ فلا يكره قضاء رمضان في العشر, بل لا يجوز له أن يصوم فيه التطوع قبل القضاء.
هذا إحدى الروايتين.
قال أحمد في رواية حنبل: يقضي رمضان في العشر.
لأنه لا يجوز له أن يصوم تطوعاً [وعليه] فرض, فيقضي رمضان كيف شاء إلا يوم الفطر والأضحى.
وإذا نذر أن يصوم وعليه أيام من رمضان؛ يبدأ بالفرض قبل التطوع.
وإذا كان عليه نذر؛ صامه بعد الفرض.
قال أحمد: رواية ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يقبل منه».
ورواه في «المسند»؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ لم يتقبل منه حتى يصومه».
والفتيا المذكورة فيما بعد عن أبي هريرة تؤيد هذا المسند, واحتجاج أحمد به يدل على أنه من جيد حديث ابن لهيعة.
332 - ولأن في وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما: «اعلم أنه لا تقبل النافلة حتى تؤدي الفريضة».
الحديث: 332 - الجزء: 1 - الصفحة: 356
333 - وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما تقدم في الصلاة.
لأنها عبادة [لا] يدخل في جبرانها المال فلم يصح التطوع بها ممن عليه فرضها؛ كالحج.
ولأنه إنما جاز له تأخير القضاء رفقاَ به وتخفيفاً عنه؛ فلم يجز له أن يشتغل عنه بغيره كالأداء؛ فإنه لو أراد المسافر أن يصوم في رمضان عن غيره؛ لم يجز له ذلك.
الحديث: 333 - الجزء: 1 - الصفحة: 357
فعلى هذا: إذا اجتمع عليه نذر مطلق وقضاء رمضان؛ بدأ بقضاء رمضان.
نص عليه لأن وجوبه آكد.
ولهذا يبدأ بقضاء الحجة الفاسدة قبل النذر.
ونقل عنه أبو الحارث: إذا نذر صيام أيام, وعليه من صوم رمضان؛ بدأ بالنذر.
وحمل ذلك القاضي وابن عقيل وغيرهما على أن الأيام المنذورة معينة.
ويتوجه: أن يقر على ظاهره؛ لأن وفاء النذر يجب على الفور, وقضاء رمضان مؤقت بما بين الرمضانين؛ فأشبه ما لو دخل عليه الزوال وعليه صلاة منذورة.
والثانية: يجوز أن يتطوع قبل القضاء.
لأن عائشة أخبرت أنها كانت تقضي رمضان في شعبان, ويبعد أن لا تكون تطوعت بيوم, مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال: لا يفطر, ويفطر حتى يقال: لا يصوم, وكان يصوم يوم عرفة وعاشوراء, وكان يكثر صوم الاثنين والخميس, وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
ولأن القضاء مؤقت, فجاز التنفل قبل خروج وقته؛ كما يجوز التنفل أول وقت المكتوبة؛ بخلاف قضاء الصلاة؛ فإنه على الفور, وكذلك الحج هو على الفور.
ثم الحج لا يمكنه الخروج من نفله, وليس لبعض الأعوام على بعض مزية, ولا يعود إلى العام المقبل؛ بخلاف التطوع.
فعلى هذا: هل يكره رمضان فيه؟ على روايتين.
الأولى: يكره.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
قال أحمد في رواية أبي طالب: لا يقضي رمضان في العشر.
334 - يروى عن علي: «لا يقضى رمضان في العشر؛ لأنها عبادة».
335 - وقد روى سعيد عن الحارث عن علي: «من كان عليه صوم من رمضان؛ فليقضه متصلاً, ولا يفرقه, ولا يصوم في ذي الحجة؛ فإنه شهر نسك».
336 - وعن الحسن عن علي؛ قال: «كره قضاء رمضان في العشر».
ولأن صوم هذه الأيام بمنزلة السنن والرواتب, فكره تفويتها بالفرض الذي لا يخاف فوته؛ كما لو صلى الفجر والظهر قبل سننهما.
والثانية: لا يكره.
قال حرب: قيل لأحمد: يُقضى رمضان في العشر؟ فقال: «يُروى عن علي كراهته».
وكان أحمد يسهل فيه.
وتسهيله فيه يقتضي جوازه لا المنع من غيره؛ فإنه لو منع من غيره؛ لأوجب تقديمه.
337 - لما روى عن عثمان بن عبد الله بن موهب؛ قال: «سأل أبي هريرة رجل, فقال: إني كنت أصوم هذه الأيام أيام العشر (يعني: ذي الحجة) , وإني
الحديث: 334 - الجزء: 1 - الصفحة: 359
مرضت في رمضان, وعليَّ أيام من رمضان, أفأصوم هذه الأيام؟ قال: ابدأ بحق الله عليك».
رواه سعيد.
338 - وتقدم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر.
والأوجه: أن يجوز صومهما تطوعاً وقضاءً, والتطوع أفضل؛ كالسنن الراتبة في أول وقت الصلاة.
ومن أصحابنا مَنْ بنى الروايتين في كراهة قضاء رمضان في العشر على الروايتين في وجوب تقديم القضاء على النفل.
فإن قلنا: يجب تقديم القضاء؛ لم يكره قضاؤه في العشر.
وإن قلنا: لا يجب تقديم القضاء؛ كره قضاؤه في العشر.
والطريقة التي ذكرناها أصوب؛ كما دل عليه كلام أحمد وأصوله, وهو أنَّا إذا قلنا يجوز التطوع قبل القضاء؛ ففي كراهة قضاء رمضان فيه روايتان.
الحديث: 338 - الجزء: 1 - الصفحة: 360
وإذا قلنا: يجوز التطوع قبل القضاء؛ فلا معنى لكراهة القضاء فيه.
مسألة:
وإن ترك القضاء حتى مات لعذر؛ فلا شيء عليه, وإن كان لغير عذر؛ أطعم عنه لكل يوم مسكيناً؛ إلا أن يكون الصوم منذوراً؛ فإنه يصام عنه, وكذلك كل نذر طاعة.
في هذا الكلام مسائل:
المسألة الأولى: من استمر به العذر من سفر أو مرض حتى مات قبل إدراك رمضان الثاني أو بعده؛ فإنه لا شيء عليه من قضاء ولا كفارة.
قال في رواية المروذي فيمن صام من رمضان خمسة عشر يوماً ثم مرض فعاش شهرين ومات: أطعم عنه كل يوم مسكيناً, وإن مات في مرضه؛ فلا شيء عليه».
وقال حرب: سألت أحمد: قلت: رجل أفطر في رمضان في السفر, أو مرض, فلم يقضه, فمات؟ قال: إذا توانى في ذلك؛ يطعم عنه؛ إلا أن يكون من نذر.
قلت: فإن كان من نذر؟ قال: يصام عنه.
قال: أقرب الناس إليه أو غيره؟ قال: نعم.
وقال في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر به المرض حتى مات؛ فليس عليه شيء, وإن كان نذر؛ صام عنه وليه إذا هو مات.
وقد أطلق في رواية الأثرم: إذا مات وعليه نذر؛ يصام عنه, ولو مات وعليه
الجزء: 1 - الصفحة: 361
صوم رمضان؛ يطعم عنه.
لأنه لم يجب عليه الصوم قضاءً ولا أداءً, فلم تجب عليه الكفارة, كالمجنون والصبي.
فإن قيل: فالمريض الذي لا يرجى برؤه قد أوجبتم عليه الكفارة, وهذا أسوأ أحواله أن يكون بمنزلته.
ثم الوجوب في الذمة لا يشترط فيه التمكن من الفعل كالصلاة والزكاة؛ فإذا استقر وجوب الصلاة والزكاة أيضاً في الذمة قبل التمكن؛ فكذلك الصوم أولى, وإذا استقر في ذمته؛ فلا بد من الكفارة بدلاً عن ذلك الواجب.
قلنا: المريض الميئوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل, ولهذا لم يجب الصوم في ذمته, ولا يجب عليه القضاء البتًّة, ولا بد من البدل, وهو الفدية.
وأما المريض المرجو والمسافر؛ فهما عازمان على القضاء بشرط القدرة, فلا يجمع عليهما واجبان على سبيل البدل.
. . .
وأما استقرار العبادات في الذمة قبل التمكن؛ فكذلك نقول في الصوم: إنه بإدراك الشهر استقر الوجوب في ذمته, لكن هذه الواجبات في الذمة قبل التمكن معناها إيجاب القضاء عند التمكن, فأما إذا لم يتمكن من القضاء؛ فإنه يموت غير آثم بلا تردد.
كما لو حاضت في أثناء الوقت وماتت قبل الطهر, أو تلف النصاب قبل التمكن من الإِخراج, وليس له ما يخرج غيره, ومات قبل اليسار, ونحو ذلك.
وذلك لأن تكليف ما [لا] يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في
الجزء: 1 - الصفحة: 362
الشرائع, فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل, وأما مع انتفائهما؛ فمحال.
المسألة الثانية: إذا فرط في القضاء حتى مات قبل أن يدركه الرمضان الثاني؛ فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكين.
وهل يأثم ويكون هذا الإِطعام بمنزلة ما لو مات ولم يحج؛ لقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] , وهذا قد أطاق الصوم ولم يصمه أداءً ولا قضاءً, فتجب عليه الفدية بظاهر الآية؟
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ , بعد قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ , فيفيد ذلك أنه يَعمُّ منْ أطاق الصوم في رمضان وأفطر, ومَنْ أطاق الصوم في أيام أخر فلم يصم.
ثم نسخ الأول يوجب نسخ الثاني؛ لأنه إنما نسخ التخيير, أما وجوب الفدية مع الفطر الذي لا قضاء فيه, فلم يُنسخ البتَّة.
339 - لما روى أشعث, عن محمد, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام شهر رمضان؛ فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً».
رواه ابن ماجه والترمذي وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه, والصحيح عن ابن عمر موقوف.
قال: وأشعث هو ابن سوَّار, ومحمد هو ابن أبي ليلى.
الحديث: 339 - الجزء: 1 - الصفحة: 363
ورواه الأثرم وأبو بكر, [كلاهما عن قتيبة, عن عمر بن القاسم, عن أشعث].
340 - وعن عبد العزيز بن رفيع, عن عمرة امرأة منهم؛ قال: توفيت أمها وعليها أيام من رمضان, فسألت عائشة رحمها الله أن تقضيه عنها؟ قالت: «لا؛ بل أطعمي مكان كل يوم مسكيناً».
رواه سعيد.
341 - وعن ميمون بن مهران: أن ابن عباس سُئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان؛ فيطعم عنه, وأما النذر؛ فيصام عنه».
رواه أبو بكر.
الحديث: 340 - الجزء: 1 - الصفحة: 364
342 - 343 - وعن ابن عباس وابن عمر مثله.
ولا يُعرف لهم في الصحابة مخالف.
344 - وعن ابن عباس؛ قال: «إذا مرض الرجل في رمضان, ثم مات ولم يصم؛ أُطعِم عنه, ولم يكن عليه قضاء, وإن نذر؛ قضى عنه وليه».
رواه أبو داوود.
ولأنه قد وجب القضاء في ذمته, واشترطت له الفدية في المال؛ فإذا قدر عليه لم يكن بدٌّ من إيجاب الفدية؛ لأن الصوم الواجب لا يخلو من فعله أو فعل الفدية.
فإن قيل: قضاء رمضان موسَّع, والعبادة الموسعة إذا مات في أثناء وقتها؛ لم يكن آثماً؛ بدليل الصلاة, ومنْ لا إثم عليه؛ لا فدية عليه.
قلنا: نعم؛ إذا لم يغلب على ظنه الموت قبل القضاء؛ لم يأثم, وإن غلب على ظنه الموت قبله؛ أثم؛ كما قلنا في الصلاة, لكن الفدية تجب بدون الإِثم؛ كما تجب على الشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه؛ لأنه بدل عن الصوم الواجب.
وإنما كان البدل هو الإِطعام؛ لما ذكرنا من الآية والحديث وإجماع
الحديث: 342 - الجزء: 1 - الصفحة: 365
الصحابة.
345 - فإن هؤلاء الذين قالوا: يطعم عنه, هم الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الولي يصوم عنه مولِّيه» , وبينوا أنما هو النذر كما سيأتي.
ولأن الصوم المفروض قد جعل الله له بدلاً في الحياة, وهو الإِطعام, فوجب أن يكون له بدلاً بعد الموت مثل بدله في الحياة؛ كسائر الفرائض.
فإن معنى البدل لا يختلف بالحياة والموت, ولهذا لمَّا كان البدل في الحج عن المعضوب أن يحج عنه غيره؛ كان البدل في الميت أن يحج عنه غيره.
ولأن إيجاب الله إنما هو ابتلاء وامتحان للمكلف, وهو المخاطب بهذا الفرض, وكل ما كان أقرب إليه؛ كان أحق بأداء الفرض منه مما هو أبعد منه.
فإذا كان قادراً ببدنه؛ لم يجز أداؤه بماله, وإذا كان قادراً بماله؛ لم يجز أداؤه ببدن غيره؛ لأن ماله أحق بأداء الفرض منه منْ بدن غيره.
فلو جاز أن يصوم عنه الولي؛ لكان قد أدى الفرض ببدن غيره دون ماله.
. . .
ولأن الله قد أوجب عليه الصوم, والولي لا يوجب عليه شيئاً يكله إلى غيره, وإذا أوجبنا من ماله؛ كان ديناً في التركة.
فعلى هذا: إن كان له تركة؛ أطعم عنه تركته, فإن أطعم رجل عنه من
الحديث: 345 - الجزء: 1 - الصفحة: 366
غير ماله بإذن الولي أو بغير إذنه, أو لم يكن له مال, فتبرع رجل بالإِطعام عنه.
. . .
فإن لم يكن له تركة, فأحب أحد أن يصوم عنه, فقال القاضي: لا يجزئ الصوم عنه, ويحتمل كلام أحمد أنه يجزئ؛ لأنه سمَّاه ديناً.
* فصل:
فإن فرط حتى أدركه رمضان الثاني قبل أن يصوم, ومات في أثناء ذلك الرمضان أو بعده قبل أن يصوم:
فقال القاضي في «المجرد» وأصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب: يطعم عنه لكل يوم مسكيناً؛ لأنه قد وجب عليه القضاء والكفارة لو عاش؛ فإذا مات قبل القضاء؛ لزمه عنه كفارتان: كفارة لتأخير القضاء, وكفارة لتفويته.
ولا فرق على هذا بين أن يفوت بين وقت القضاء برمضان واحد أو رمضانات.
والمنصوص عن أحمد: أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة؛ لأنه لا يجب في اليوم الواحد بدلان من جنس واحد؛ كما لم يجب في شيء من الأيام صوم يومين, ولأنه إذا أدرك رمضان الثاني؛ فإنما وجبت عليه الكفارة لترك القضاء في وقته, وهذا بعينه هو المقتضي لوجوب الكفارة بالموت, وإذا كان السببان من جنس واحد؛ تداخل موجبهما.
المسألة الثالثة: أن الصوم المنذور إذا مات قبل فعله؛ فإنه يصام عنه, بخلاف صوم رمضان وصوم الكفارة, وسواء كان معيناً أو مطلقاً.
هذا منصوص أحمد في غير موضع, وهو قول عامة أصحابه.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
وقال ابن عقيل: عندي أن الصوم لا يفعل عنه؛ لأنه لا تدخله النيابة في الحياة للعجز؛ فكذلك بعد الموت؛ كالصلاة, وعكسه الحج.
346 - لما روى سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر, أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟».
قالت: نعم.
قال: «فصومي عن أمك».
رواه الجماعة إلا أبا داوود.
347 - وفي رواية صحيحة لأحمد والنسائي: أن امرأة ركبت البحر, فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهراً, فأنجاها الله, فلم تصم حتى ماتت, فجاءت قرابة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكرت ذلك, فقال: «صومي عنها».
348 - وفي رواية ابن ماجه والترمذي؛ قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: «أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضيه؟».
قالت: نعم.
قال: «فحق الله أحق».
قال الترمذي: حديث حسن.
الحديث: 346 - الجزء: 1 - الصفحة: 368
349 - وفي رواية متفق عليها: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر, أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت تقضيه عنها؟».
قال: نعم.
قال: «فدين الله أحق أن يقضى».
فهذه الرواية المطلقة منهم من يقول: «رجل» , ومنهم من يقول: «امرأة» , وأكثرهم يقول: «أمي»؛ قد فسِّرت في الروايات المتقدمة أن الصوم كان نذراً.
الحديث: 349 - الجزء: 1 - الصفحة: 369
350 - ورواية من روى شهرين متتابعين كأنها وهم.
351 - وعن عبيد الله بن عبد الله, عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه, فقال: «اقضه عنها».
رواه الجماعة.
وفي لفظ: استفتى سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقضه عنها».
فكانت سنة بعد.
الحديث: 350 - الجزء: 1 - الصفحة: 370
352 - وعن عائشة؛ قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليه».
متفق عليه.
353 - وعن بريدة بن الحصيب قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أتته امرأة, فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية, وإنها ماتت.
فقال: «وجب أجرك, وردها عليك الميراث».
فقالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر, أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها».
قالت: إنها لم تحج قط, أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها».
رواه أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي وصححه.
354 - وفي رواية لمسلم: صوم شهرين.
الحديث: 352 - الجزء: 1 - الصفحة: 371
فهذه الأحاديث نصوص في أن النذر يصام عن الميت, وظاهر بعضها أن جميع الصوم كذلك؛ لأن حديث عائشة عام, وفي حديث بريدة وبعض ألفاظ ابن عباس: أنها قالت: يا رسول الله! إنه كان عليها صوم شهر؛ أفأصوم عنها؟ فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالصوم عنها, ولم يستفصل هل من رمضان أو غيره, وذَكر معنى يعم رمضان وغيره, وهو كونه ديناً, فإن صوم رمضان دين في ذمة من وجب عليه, ودين الآدمي يقضى عن الميت؛ فدين الله أحق, وجمع بينه وبين الحج في نسق واحد.
لكن هذه الأحاديث إنما هي على وجهها في النذر:
أما حديث ابن عباس: فقد صرح فيه بذلك, والمطلق منه محمول على
الجزء: 1 - الصفحة: 372
المفسر؛ فإنه حديث واحد إسناداً ومتناً.
وكذلك حديث بريدة: فإن قولها: «صوم شهر» بصيغة التنكير, تشعر بأنه غير رمضان, لا سيما رواية من روى: «شهرين».
والذي يدل على ذلك أنه قد تقدم عن عائشة وابن عباس وعن ابن عمر موقوفاً ومرفوعاً: أنهم قالوا في صوم رمضان: لا يقضى عنه, بل يطعم عنه لكل يوم مسكيناً.
وابن عباس وعائشة رويا هذين الحديثين وهما أعلم بمعنى ما رويا من غيرهما؛ فلو لم يكن معناه عندهما في غير رمضان؛ لما جاز لهما خلافه.
وليس الحديث نصّاً حتى يعارض بين الرأي والرواية.
وأما كونه ديناً؛ فصحيح, لكن وفاء الدين من تركة الميت وماله أولى من وفائه من بدن غيره, ولأن صوم رمضان لم يجب فيه الصوم عيناً, وإنما وجب الصوم مع القدرة والإِطعام مع العجز, فصار الدين عليه أحد شيئين.
وهذا الواجب يصلح عن قوله: «وعليه صيام»؛ فإن العاجز عن قضاء رمضان ليس عليه صيام, وإنما عليه فدية؛ فالواجب عليه أحد شيئين, وفيه نظر.
والفرق بين رمضان والنذر: أن النذر محله الذمة، وقد وجب بإيجابه, وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 373
لم يوجب على نفسه إلا الصوم فقط؛ فإذا فُعل عنه؛ فقد أُدِّيَ عنه نفس ما أوجبه, ولو أُطعِم عنه؛ لم يكن قد أُدِّيَ عنه الواجب.
ولهذا يصح أن ينذر ما يطيقه وما لا يطيقه؛ فإذا عجز عنه؛ فهو في عهدته.
والصوم إنما أوجبه الله سبحانه على بدن المكلف؛ فإذا عجز؛ ففي ماله, فإذا عجز عن الأصل؛ انتقل إلى البدل الذي شرعه الله سبحانه.
ولهذا لم يوجب الله عليه من الصوم إلا ما يطيقه, وكذلك كل صوم وجب بإيجاب الله؛ فإنه بدله الإِطعام, وإن كان سبب وجوبه من المكلف كصوم الكفارة؛ بخلاف النذر.
نص عليه احمد في رواية ابن منصور فيمن مات وعليه صيام من دم التمتع أو كفارة يطعم عنه.
وكذلك نقل حنبل عنه فيمن مات وعليه نذر صيام شهر؛ صام عنه؛ فإن مات وعليه صيام شهر من كفارة؛ يطعم عنه, النذر فيه الوفاء.
وكذلك نقل المروذي صوم السبعة.
* فصل:
ويصام النذر عنه
, سواء تركه لعذر أو لغير عذر.
قال القاضي: أومأ أحمد إلى هذا في رواية عبد الله والميموني والفضل وابن منصور.
قال في رواية عبد الله في رجل مرض في رمضان: إن استمر المرض
الجزء: 1 - الصفحة: 374
حتى مات؛ ليس عليه شيء؛ فإن كان نذر؛ صام عنه وليه إذا هو مات.
لأن النذر محله الذمة, وهو أجبه على نفسه, ولم يشترط القدرة, والله سبحانه قد شرط فيما أوجبه على خلقه القدرة.
ولهذا قد يجب على الإِنسان من الديون بفعل نفسه ما يعجز عنه, ولا يجب عليه بإيجاب الله عليه إلا ما يقدر عليه.
ولهذا لو تكفَّل من الدين بما لا يقدر عليه؛ لزمه في ذمته.
وعلى هذا؛ فلا فرق بين أن ينذر وهو مريض فيموت مريضاً, أو ينذر صوم شهر ثم يموت قبل مضي شهر.
وقد ذكر القاضي في موقع من «خلافه» وابن عقيل: أنه لا يلزم أن يقضي عنه من النذر إلا ما أمكنه أن يفعله صحيحاً مقيماً؛ اعتباراً بقضاء رمضان.
فأما إذا نذر الحج وهو لا يجد زاداً ولا راحلة بعد ذلك:
فقال القاضي: إن وجد في الثاني؛ لزمه الحج بالنذر السابق, وإن لم يجد؛ لم يلزمه؛ كالواجب بأصل الشرع؛ كما قلنا في الصوم سواءً.
فإن لم يكن له تركة يصام عنه منها؛ لم يلزمه صوم ولا حج, ويكون بمنزلة مَنْ عليه دين ولم يخلف وفاء.
وهذا الصوم لا يجب على الولي, بل يخير بين أن يصوم وبين أن يدفع من [يطعم] عن الميت عن كل يوم مسكيناً إن كان له تركة, فإن لم يكن له تركة؛ لم يلزم الوارث.
قاله القاضي في «خلافه».
الجزء: 1 - الصفحة: 375
فعلى هذا: لو تبرع الولي أو غيره بالإِطعام عنه دون الصيام.
. . .
وقال في «المجرد» وابن عقيل وغيرهما: هذا القضاء لا يلزم الورثة, كما لا يلزمهم أن يقضوا دينه, وإنما الكلام فيه: هل يصح قضاؤه عنه؟
قال ابن عقيل: إذا قضوا عنه؛ صح, لكنه لا يلزمهم القضاء والصوم عنه الأقرب فالأقرب استحباباً.
قال أحمد: يصوم أقرب الناس إليه ابنه أو غيره.
وقال أيضاً: يصوم عنه واحد.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا يختص القضاء بجميع الورثة, بل يصوم أحدهم, وهو الأقرب فالأقرب.
وهل تعتبر الولاية والقرابة؟.
. . .
ف|إن صام غير الولي عنه بإذنه؛ جاز, وإن صام بغير إذنه؛ جاز أيضاً فيما ذكره القاضي, كما لو كان عليه دين يصح أن يقضيه الولي وغيره, وظاهر كلام أحمد.
. . .
قال في رواية حنبل: إذا نذر أن يصوم شهراً, فحيل بينه وبين ذلك من مرض أو علة حتى يموت؛ صام عنه مليه النذر, وأطعم لكل يوم مسكيناً لتفريطه.
وإن عجز عن الصوم المنذور لكبر أو مرض لا يرجى برؤه:
فقال: لا يمتنع أن نقول: يصح الصوم عنه كما نقول في الحج إذا عجز عنه في حال الحياة: يحج عنه.
وقال الخرقي: يطعم عنه ولا يصام عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 376
وعلى هذا؛ فلا كفارة فيه.
والمنصوص عن أحمد: وجوب الكفارة والإِطعام؛ لأن التعيين قد فات.
قيل: ليس فيه إلا كفارة يمين فقط
* مسألة:
وإن نذر الصوم في حال الكبر واليأس من البرء.
فقيل: لا ينعقد نذره.
وظاهر المذهب: أنه ينعقد موجباً لما يجب إذا نذر ثم عجز عن الكفارة والإِطعام أو عن أحدهما.
* فصل:
وإذا صام عنه أكثر من واحد في يوم:
فقال أحمد في رواية أبي طالب, وقد ذكر له فيمن كان عليه صوم شهر: هل يصوم عشرة أنفس شهراً؟
355 - فقال: طاووس يقول ذلك.
قيل له: فما تقول أنت؟ قال: بصوم واحد.
قال القاضي: فمنع الاشتراك؛ كالحجة المنذورة تصح بالنيابة فيها من واحد ولا تصح من الجماعة.
الحديث: 355 - الجزء: 1 - الصفحة: 377
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يصوم عنه جماعة في يوم واحد, ويجزئ عن عدتهم من الأيام, وحُمِل كلام أحمد على نذر مقتضاه التتابع؛ لأن لفظ الشهر في إحدى الروايتين يقتضي التتابع.
المسألة الرابعة: إذا نذر غير الصوم من عتقٍ أو صدقة أو هدي أو حج؛ فإنه يجوز أن يفعله عنه وليه, روايةً واحدة, أوصى أو لم يوص.
356 - لما روى عبد الله بن عمرو: أنَّ العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مئة بدنة, وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين, وأن عمراً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: «أما أبوك؛ فلو أقرَّ بالتوحيد, فصمت عنه وتصدقت؛ نفعه ذلك».
رواه أحمد.
357 - وعن سعيد بن جبير, عن ابن عباس؛ قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إن أختي نذرت أن تحج, وإنها ماتت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟».
قال: نعم.
قال: «فاقض الله؛ فهو أحق بالقضاء».
رواه أحمد والبخاري.
الحديث: 356 - الجزء: 1 - الصفحة: 378
358 - وفي لفظ للبخاري: إن أمي نذرت أن تحج, فلم تحج حتى ماتت, أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها, أرأيت لو كان على أمك دين؛ ألست قاضيه؟».
قالت: نعم.
قال: «اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء».
ولأن هذه الأمور يجوز أن تفعل عنه من هذه العبادات ما وجب بالشرع بعد موته بدون إذنه؛ فلأن يفعل عنه ما وجب بالنذر أولى وأحرى.
وأما الصلاة المنذورة والقرآن والذكر والدعاء؛ فهل يفعل بعد الموت؟
على روايتين:
أحدهما: لا يجوز.
لأنه لا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال, فلم تجب النيابة فيها بعد الموت؛ كالأيمان.
ولأنه لا مدخل للبدل في المشروع منها, فلم يدخل في المنذور.
ولأن العبادات المنذورة يحتذى بها حذو العبادات المشروعة, ولا يجوز أن تفعل بالنذر ما لم يكن له أصل في الشرع, وعكسه الصوم؛ فإن للبدل فيه مدخلاً؛ كما ذكره الشيخ.
والثانية: يفعل عنه بعد الموت.
وهو اختيار أبي بكر والخرقي.
قال القاضي: وهو الصحيح؛ لما رَوَى ابن عباس.
359 - ولأن سعد بن عبادة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه توفيت
الحديث: 358 - الجزء: 1 - الصفحة: 379
قبل أن تقضيه؟ قال: «اقضه عنها».
رواه الجماعة.
ولا يخلو إما أن يكون سعد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على أمه وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى هذا السؤال ولم يستفصله, فيكون كأنه قال: إذا كان عليها نذر؛ فاقضه عنها؛ لأن السؤال كالمعاد في الجواب, وهذا عام مطلق في جميع النذور.
أو يكون قد سأله عن نذر معين من صوم ونحوه, فيكون إخبار ابن عباس: أنه أمره أن يقضي عنها النذر, ولم يعين ابن عباس أي نذر, هو دليل على أنه فهم أن مناط الحكم عموم كونه نذراً, لا خصوص ذلك المنذور, وأن كل النذور مستوية في هذا الحكم, وابن عباس أعلم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم ومقصوده.
وأيضاً؛ فقد جاء مفسراً من حديث ابن عباس:
360 - أن النبي صلى الله عليه وسلم: «أمر رجلاً وامرأة أن تقضي نذر صوم كان على أمه وأخته».
ووجَّهه النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا دين من الديون, وأن الله أحق أن يوفى دينه, وأحق أن يقبل الوفاء, وهذه علة تعم جميع الديون الثابتة في الذمة لله.
وأيضاً؛ فإنه لا فرق بين الصلاة والصيام؛ فإنها عبادة بدنية لا يجوز الاستنابة في فرضها بحال, والصوم كذلك؛ فإذا جاز قضاء الصوم المنذور عينا؛ فكذلك الصلاة المنذورة, نعم؛ الصوم دخلت النيابة فيه بالمال بخلاف
الحديث: 360 - الجزء: 1 - الصفحة: 380
الصلاة, لكن هذا لا أثر له في دخول النيابة ببدن الغير؛ فإنهما مستويان فيه.
وأيضاً؛ فإن النذور محلها ذمة العبد, فصارت.
. . .
وأما الاعتكاف:
فالمنصوص عن أحمد في رواية ابن إبراهيم وحنبل: إذا نذر أن يعتكف, فمات قبل أن يعتكف؛ ينبغي لأهله أن يعتكفوا عنه.
وكذلك قال أصحابنا, ولم يذكروا خلافاً؛ إلحاقاً له بالصوم؛ فإنه به أشبه منه بالصلاة.
وعلى قول ابن عقيل في منع النيابة في الصوم يمتنع في الاعتكاف.
361 - وقد روي عن عامر بن مصعب؛ قال: «اعتكفت عائشة عن أخيها بعدما مات».
رواه سعيد.
وإذا نذر فعل طهارة:
فقال القاضي وابن عقيل: لا تفعل عنه؛ لأنها غير مقصودة في نفسها.
الحديث: 361 - الجزء: 1 - الصفحة: 381
الجزء: 1 - الصفحة: 382