شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصيامباب صيام التطوع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة:

أفضل الصيام صيام داوود عليه السلام, كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.

هذا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم, وهو لفظ الإِمام أحمد.
قال في رواية صالح: «أحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داوود عليه السلام, كان يصوم يوماً ويفطر يوماً».
585 - وذلك لما روى عمرو بن أوس, عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داوود, وإن أحب الصلاة إلى الله صلاة داوود, كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه, وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً».
رواه الجماعة إلا الترمذي.

الحديث: 585 - الجزء: 2 - الصفحة: 545

586 - وعن سعيد وأبي سلمة: أن عبد الله بن عمرو قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومنَّ الليل ما عشت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت الذي تقول ذلك؟».
فقلت له: قد قلته بأبي أنا وأمي يا رسول الله! قال: «فإنك لا تستطيع ذلك؛ فصم وأفطر, ونم وقم, وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر».
قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: «فصم يوماً وأفطر يومين».
قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك.
قال: «فصم يوماً وأفطر يوماً؛ فذلك صيام داوود عليه السلام, وهو أعدل الصيام (وفي رواية: هو أفضل الصيام»).
قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك».
وفي رواية: قال عبد الله بن عمرو: ولأن أكون قبلت الثلاثة أيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ من أهلي ومالي.
رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
وفي رواية عن أبي سلمة [عنه]؛ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك تصوم النهار وتقوم الليل؟».
قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: «فلا تفعل؛ صم وأفطر؛ ونم وقم؛ فإن لجسدك عليك حقّاً, وإن لعينك عليك حقّاً, وإن لزوجك عليك حقّاً, وإن لزورك عليك حقّاً, وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها؛ فإن ذلك صيام الدهر».
فشدَّدت فشدد عليَّ.
قلت: يا رسول الله! إني أجحد قوة.
قال: «صم صيام نبي الله داوود لا تزد عليه».
قلت: وما كان صيام داوود؟ قال: «نصف الدهر».
وكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
متفق عليه.

الحديث: 586 - الجزء: 2 - الصفحة: 546

587 - وعن أبي المليح بن أسامة, عن عبد الله بن عمرو؛ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له صومي, فدخل عليَّ, فألقيت وسادة من أدم حشوها ليف, فجلس على الأرض, وصارت الوسادة بيني وبينه, وقال: «أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟».
قال: قلت: يا رسول الله! قال: «خمساً».
قال: قلت: يا رسول الله! قال: «سبعاً».
قال: قلت: يا رسول الله! قال: «تسعاً».
قلت: يا رسول الله! قال: «إحدى عشرة».
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صوم فوق صوم داوود, شطر الدهر, صم يوماً وأفطر يوماً».
أخرجاه.

مسألة:

وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم.

588 - هذا لفظ الحديث الذي رواه أبو هريرة؛ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل».
فقيل: فأي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر الله المحرم».
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

الحديث: 587 - الجزء: 2 - الصفحة: 547

ويحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسم جنس, وأن يكون مختصّاً بالشهر الذي هو الحول.
. . . وهذا في أفضل الصيام لمن يصوم شهراً واحداً, والأولى أفضل الصيام لمن يصوم صوماً دائماً في كل وقت.
. . .

* فصل:

وجاء في صوم الأشهر الحرم مطلقاً.

589 - ما روي عن أبي السليل, عن مجيبة الباهلي, عن أبيه أو عمه؛ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم, فقلت: يا رسول الله! أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول.
قال: «فما لي أرى جسمك ناحلاً؟».
قال: يا رسول الله! ما أكلت طعاماً بالنهار ما أكلته إلا بالليل.
قال: «من أمرك أن تعذب نفسك؟».
فقلت: يا رسول الله! إني أقوى.
قال: «صم شهر الصبر ويوماً بعده».
قلت: إني أقوى.
قال: «صم شهر الصبر ويومين بعده».
قلت: إني أقوى.
قال: «صم شهر الصبر وثلاثة أيام بعده وصم أشهر الحرم».
رواه الخمسة إلا الترمذي, وهذا لفظ ابن ماجه.

الحديث: 589 - الجزء: 2 - الصفحة: 548

ولفظ أبي داوود: عن أبي السليل, عن أبي مجيبة الباهلية, عن أبيها أو عمها: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته, فقال: يا رسول الله! أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت؟».
قال: أنا الباهلي الذي

الجزء: 2 - الصفحة: 549

جئتك عام الأول.
قال: «فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة؟».
قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا بليل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم عذبت نفسك».
ثم قال: «صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر».
قال: زدني؛ فإن في قوة.
قال: «صم يومين».
قال: زدني.
قال: «صم ثلاثة أيام».
قال: زدني.
قال: «صم من الحرم واترك, صم من الحرم واترك, صم من الحرم واترك».
وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها.

* فصل:

ويكره إفراد رجب بالصوم.

قال أحمد في رواية حنبل: يفطر في رجب ولا يشبه برمضان.
وقال في روايته: من كان يصوم السنة؛ صامه, وإلا؛ فلا يصومه متوالياً.
590 - وقال في رواية ابن الحكم: يروى في صوم رجب عن عمر أنه كان يضرب على صوم رجب.
591 - وابن عباس قال: لا يصومه؛ إلا يوم أو أيام.

الحديث: 590 - الجزء: 2 - الصفحة: 550

وقال: يروى عن وبرة, عن خرشة بن الحر, عن عمر رضي الله عنه: «أنه كان يضرب على صوم رجب».
وإن صامه رجل؛ أفطر فيه يوماً أو أياماً بقدر ما لا يصومه كله.
592 - وروي عن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله, فرأى عندهم سلالاً جُدداً وكيزاناً, فقال: ما هذا؟ قالوا: رجب نصومه.
قال: أجعلتم رجب رمضان؟! فأكفأ السلال وكسر الكيزان».
593 - وذلك لما روى داوود بن عطاء, حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب, عن سلمان, عن أبيه, عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب».
رواه ابن ماجه.

الحديث: 592 - الجزء: 2 - الصفحة: 551

قال أحمد: لا يُحدث عن داوود بن عطاء بشيء.
واعتمد أحمد على ما روي عن وبرة عن خرشة بن الحر: «أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوا عن طعامه حتى يضعوا فيه, ويقول: إنما هو شهر كانت الجاهلية يعظمونه».
594 - وعن عطاء, عن ابن عباس؛ قال: «لا تتخذوا رجب عيداً ترونه حتماً مثل شهر رمضان, إذا أفطرتم اليوم قضيتموه».
رواهما سعيد.
وروى أحمد عن خرشة؛ قال: «رأيت عمر يضرب أيدي المترجِّبين حتى يضعوها في الطعام, ويقول: كلوا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية».
595 - وعن ابن عمر: أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه, وقال: «صوموا منه وأفطروا».
وعن ابن عباس نحوه.
وعن أبي بكرة: «أنه دخل على أهله وعندهم سلالاً جدد وكيزان, فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه.
قال: أجعلتم رجب رمضان؟ فألقى السلال وكسر الكيزان».
رواهن أحمد.

الحديث: 594 - الجزء: 2 - الصفحة: 552

596 - عن حصين بن أبي [الحر]؛ قال: أتيت عمران بن حصين لحاجة وأنا صائم, فدعا بطعام, فقلت: إني صائم.
فقال: لا تصومن يوماً تجعله صوم عليك حتماً ليس شهر رمضان».
597 - وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون أن يوقتوا شهراً معلوماً أو يوماً معلوماً أن يصوموه».
رواهما سعيد.
قال أبو حكيم وغيره: إذا صام قبله أو بعده؛ لم يكره, وإنما يكره إفراده بالصوم.

مسألة:

وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من عشر ذي الحجة.

. . . قال أصحابنا: «ويستحب صوم عشر ذي الحجة».
وفي الحقيقة المعنى صوم تسع ذي الحجة, وآكدها يوم التروية وعرفة.
598 - وعن حفصة؛ قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام عاشوراء, والعشر, وثلاثة أيام من كل شهر, والركعتين قبل الغداة».
رواه أحمد والنسائي.

الحديث: 596 - الجزء: 2 - الصفحة: 553

......................... .

الجزء: 2 - الصفحة: 554

وعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع من ذي الحجة, ويوم عاشوراء, وثلاثة أيام من كل شهر؛ أول اثنين من شهر وخميس».
رواه أحمد وأبو داوود والنسائي.
599 - وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة, يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة, [وقيام كل ليلة منها بليلة القدر».
رواه الترمذي وابن ماجه, وفيه ضعف].

الحديث: 599 - الجزء: 2 - الصفحة: 555

600 - وقد روي عن عائشة؛ قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط».
رواه الجماعة إلا البخاري.

مسألة:

ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنما صام الدهر.

وجملة ذلك أن إتباع رمضان بست من شوال مستحب, نص عليه أحمد في غير موضع, وقال في رواية الأثرم: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه, عن أبي أيوب وجابر وثوبان: «من صام ستّاً من شوال؛ فكأنما صام السنة كلها».
فالصيام بعد الفطر من أوله إلى آخره؛ لأن ستة أيام بشهرين, وشهر بعشرة أشهر.
601 - وذلك لما روى أبو أيوب, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من صام رمضان, ثم أتبعه ستّاً من شوال؛ فذلك صيام الدهر».
رواه الجماعة إلا البخاري.

الحديث: 600 - الجزء: 2 - الصفحة: 556

ويقال: هو من حديث سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت عن أبي أيوب.
وقد رواه أبو داوود والنسائي من حديث صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت أيضاً.
602 - وعن جابر؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان وستّاً من شوال؛ فكأنما صام السنة كلها».
رواه أحمد.

الحديث: 602 - الجزء: 2 - الصفحة: 557

603 - وعن ثوبان, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر؛ كان تمام السنة, ومن جاء بالحسنة؛ فله عشر أمثالها».
رواه ابن ماجه.
604 - وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك صيام الدهر» , و «كان كصيام الدهر»: هو مثل قوله لعبد الله بن عمرو: «صم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر».
605 - وكذلك قوله في حديث أبي قتادة: «ثلاثة أيام من كل شهر, ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله».

الحديث: 603 - الجزء: 2 - الصفحة: 558

وذلك أن صيام الدهر وهو استغراق العمر بالعبادة, وذلك عمل صالح, لكن لما فيه من صوم أيام النهي والضعف عن ما هو أهم منه؛ كره؛ فإذا صام ستة مع الشهر الذي هو ثلاثون؛ كتب له صيام ثلاث مئة وستين يوماً؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها, وكذلك فسره النبي صلى الله عليه وسلم, فحصل له ثواب من صام الدهر من غير مفسدة, لكنْ بصومه رمضان, ومن صام ثلاثة أيام من كل شهر؛ حصل له ثواب صيام الدهر بدون رمضان, ويبقى رمضان له زيادة.
606 - وهذا كما قال الله سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات: «هي خمس, هي خمسون؛ لا يبدل القول [لديّ] فهي خمس في العمل وخمسون في الأجر.
وكان أحمد ينكر على من يكرهها كراهة أن يلحق برمضان ما ليس منه؛ لأن السنة وردت بفضلها والحض عليها, ولأن الإِلحاق إنما خيف في أول الشهر؛ لأنه ليس بين رمضان وغيره فصل, وأما في آخره؛ فقد فصل بينه وبين غيره بيوم العيد, وكان نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد وحده دليلاً على أن النهي مختص به, وأن ما بعده وقت إذن وجواز, ولو شاء؛ لنهى عن أكثر من يوم؛ كما قال في أول الشهر: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين».
وسواء صامها عقيب الفطر أو فصل بينهما, وسواء تابعها أو فرقها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأتبعه بست من شوال» , وفي رواية: «ستّاً من شوال» , فجعل

الحديث: 606 - الجزء: 2 - الصفحة: 559

شوالاً كله محلاً لصومها, ولم يخصص بعضه من بعض, ولو اختص ذلك ببعضه؛ لقال: «ستّاً من أول شوال أو من آخر شوال» , وإتباعه بست من شوال يحصل بفعلها من أوله وآخره؛ لأنه لا بد من الفصل بينها وبين رمضان بيوم الفطر, وهو من شوال, فعلم أنه لم يرد بالإِتباع أن تكون متصلة برمضان, ولأن تقديمها أرجح, [رجحه] كونه أقرب وأشد اتصالاً, وتأخيرها أرجح؛ لكونه لا يلحق برمضان ما ليس منه, أو يجعل عيد ثان كما يفعله بعض الناس, فاعتدلا.

مسألة:

وصوم عاشوراء كفارة سنة, وعرفة كفارة سنتين.

607 - الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن معبد الزِّمَّاني, عن أبي قتادة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة, وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية».
رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داوود.
وفي لفظ: «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله, فلما رأى غضبه؛ قال: رضينا بالله ربّاً وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبيّاً».
وفي لفظ: وبيعتنا بيعة, نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله.

الحديث: 607 - الجزء: 2 - الصفحة: 560

فجعل عمر يردد الكلام حتى سكن غضبه, فقال عمر: يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: «لا صام ولا أفطر (أو قال: لم يصم ولم يفطر»).
قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: «ويطيق ذلك أحد؟!».
قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: «ذلك صوم داوود عليه السلام».
قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: «وددت أني طوقت ذلك».
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كل شهر, ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله, وصيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله [والسنة التي بعده, وصيام يوم عاشوراء أحتسب الله أن يكفر السنة التي قبله]».
وفي رواية: أنه سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت, وفيه أنزل عليَّ».
وفي رواية:" «والخميس».
رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.

الجزء: 2 - الصفحة: 561

فصل:

ولا يستحب صومه لمن بعرفه

قال أحمد في رواية حنبل: يستحب صيام عرفة ها هنا, وأما بعرفة؛ فلا, يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفطر, وقال: «لا يصام يوم عرفة بعرفة, وعرفة صيامها كفارة سنتين؛ سنة ماضية , وسنة مستقبلة».
ورواه عبد الله عن أبيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 562

608 - وعن أبي الخليل, عن أبي قتادة, عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كفارة سنتين».
609 - ورواه عكرمة عن أبي هريرة: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة بعرفة».
رواه الخمسة إلا الترمذي.

الحديث: 608 - الجزء: 2 - الصفحة: 563

610 - وذلك لما روي عن ميمونة: «أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة, فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف, فشرب منه والناس ينظرون».
611 - وعن أم الفضل: «أنهم شكوا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة, فأرسلت إليه بلبن, فشرب وهو يخطب الناس بعرفة».
متفق عليهما.
612 - وعن ابن عمر: «أنه سئل عن صوم يوم عرفة, فقال: حججت

الحديث: 610 - الجزء: 2 - الصفحة: 564

مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه, [ومع أبي بكر] فلم يصمه, ومع عمر فلم يصمه, ومع عثمان فلم يصمه, وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه».
رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن.

الجزء: 2 - الصفحة: 565

613 - ورواه النسائي, عن أبي [السوار]؛ قال: «سألت ابن عمر عن صوم يوم عرفة فنهاني».
ولم يرفعه.

الحديث: 613 - الجزء: 2 - الصفحة: 566

................. .

الجزء: 2 - الصفحة: 567

فإن صامه؛ فظاهر كلامه أنه يكره.
614 - لأنه قال: لا يصام.
واحتج بالنهي لما روى عكرمة عن أبي هريرة؛ قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات».
رواه الخمسة إلا الترمذي.
فقد احتج به أحمد؛ لأن الصوم يضعفه عن الدعاء والذكر الذي هو مقصود التعريف.
ولأن الحاج مسافر قد رخص له القصر والجمع.
. . . ولأن هذا يوم عيد في ذلك المكان.

الحديث: 614 - الجزء: 2 - الصفحة: 568

615 - وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما رواه عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام, وهي أيام أكل وشرب».
رواه الخمسة إلا ابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح.
فأما صومه للمتمتع الذي لا يجد الهدي آخر الثلاثة.
. . . وقال القاضي: الاختيار له, والفضل أن يفطر ولا يقف بعرفة صائماً.

* فصل:

وأما صوم يوم عاشوراء؛

فقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: إنه يكفر السنة الماضية.
فإن قيل: إنما أمر بصيامه قبل رمضان؛ فأما بعد رمضان؛ فهو يوم من الأيام.

الحديث: 615 - الجزء: 2 - الصفحة: 569

616 - بدليل ما روى علقمة: أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يطعم يوم عاشوراء, فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن اليوم يوم عاشوراء.
فقال: «قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان, فلما نزل رمضان؛ ترك؛ فإن كنت مفطراً؛ فأطعم».
أخرجاه.
ولمسلم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومهم قبل أن ينزل رمضان, فلما نزل رمضان تركه».
617 - وعن عبد الله؛ قال: ذكرنا يوم عاشوراء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم كان يصومه أهل الجاهلية؛ فمن أحب منكم أن يصومه؛ فليصمه, ومن كرهه؛ فليدعه».
618 - وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان, فلما فرض رمضان؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عاشوراء يوم من أيام الله؛ فمن شاء صامه» , وكان ابن عمر لا يصومه؛ إلا أن يوافق صيامه.
متفق عليه.
619 - وعن جابر بن سمرة؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم

الحديث: 616 - الجزء: 2 - الصفحة: 570

عاشوراء, ويحثنا عليه, ويتعاهدنا عنده, فلما فرض رمضان؛ لم يأمرنا ولم ينهنا عنه, ولم يتعاهدنا عنده».
رواه أحمد ومسلم.
قلنا: استحباب صومه ثابت بعد رمضان لحديث أبي قتادة المقدم.
620 - ولما روى معاوية بن أبي سفيان؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا يوم عاشوراء, ولم يكتب عليكم صيامه, وأنا صائم؛ فمن شاء صام, ومن شاء أفطر».
متفق عليه.
وفي رواية سفيان عن الزهري, عن حميد, [عن معاوية بن أبي سفيان؛ قال]: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام هذا اليوم».

الحديث: 620 - الجزء: 2 - الصفحة: 571

وهذا خطاب يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه, ولم يؤكد عليهم صيامه, وهذا إنما يكون بعد فرض شهر رمضان؛ لأن ما قبل شهر رمضان كان مؤكداً.
ومعاوية لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة يوم عاشوراء إلا وهو مسلم؛ لأنه قبل ذلك كان بمكة, والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة, وإنما أسلم بعد الفتح, وقد فرض قبل ذلك بست سنين.
وحديث ابن عباس الآتي ذكره صريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه قبل موته بعام.
(وأما هذه الأحاديث) معناها أن التوكيد الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد في صومه نسخ شهر رمضان, ولم يؤكد شأنه بعد الهجرة؛ إلا عاماً واحداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في شهر ربيع الأول, فأدركه عاشوراء من السنة الثانية, وفرض رمضان تلك السنة فلم يجئ عاشوراء آخر إلا ورمضان فرض.
وقد اختلف هل كان هذا التوكيد إيجاباً؟ فقال القاضي: لا يعرف عن أصحابنا رواية بأن صوم عاشوراء كان فرضاً في ذلك الوقت.
قال: وقياس المذهب أنه لم يكن مفروضاً؛ لأن من شرط صيام الفرض النية من الليل, والنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنية من النهار.
وذكر هو وأصحابه وأبو حفص البرمكي وغيرهم أنه لم يكن مفروضاً؛ احتجاجاً بحديث معاوية المتقدم, وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر مَنْ أكل بإمساك بقية اليوم, ولم يأمرهم بالقضاء, ولو كان واجباً لأمرهم بالقضاء؛ كما يجب القضاء على مَنْ أكل يوم الشك ثم قامت البينة بأنه رمضان.
والتزموا على هذا أن الإِمساك بعد الأكل في يوم شريف فيه فضل يكون

الجزء: 2 - الصفحة: 572

قربة كما يكون الإِمساك في اليوم الواجب واجباً.
واعتذروا عما ورد من النسخ بأن المنسوخ تأكيد صيامه وكثرة ثوابه؛ فإنه كان قبل رمضان أوكد وأكثر ثواباً منه بعد رمضان.
وذكر بعض أصحابنا عن أحمد: أنه كان مفروضاً.
وهو الذي ذكره أبو بكر الأثرم؛ قال في «ناسخ الحديث ومنسوخه»: وقد روي من أكثر من عشرين وجهاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصوم عاشوراء.
وذكر الأحاديث الأخر.
قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّد صومه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم, حتى أمرهم بأن يتموا بقية يومهم, وإن كانوا قد أكلوا, وإنما يفعل ذلك في الفريضة, ثم جاءت الأحاديث لما بين أن ذلك كله كان قبل شهر رمضان, فلما فرض في شهر رمضان؛ كان ما سواه تطوعاً.
ومما يؤكد ذلك حديث معاوية؛ ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء, وفيه أيضاً بيان أن النسخ لم يكن على تركه ألبتة, ولكن على أنه صار تطوعاً, وهو اختيار أبي محمد, وهو أشبه.
621 - وهذا لما روى سلمة بن الأكوع رضي الله عنه؛ قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً أن أذن في الناس أن من كان أكل؛ فليصم بقية يومه, ومن لم يكن أكل؛ فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء».
متفق عليه.

الحديث: 621 - الجزء: 2 - الصفحة: 573

والأمر يقتضي الإِيجاب, خصوصاً في الصوم؛ فإنه لم يكن يأمر بصيام التطوع، وإنما يرغب فيه ويحض عليه, ثم أذانه بذلك في الناس أذاناً عاماً وأمره للآكل بصوم بقية يومه توكيد ومبالغة لا يكون مثله لصوم مستحب.
622 - وعن هند بن أسماء؛ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي من اسلم, فقال: «مُرْ قومك؛ فليصوموا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء؛ فمن وجدته منهم قد أكل أول يومه؛ فليصم آخره».
رواه أحمد.

الحديث: 622 - الجزء: 2 - الصفحة: 574

623 - وعن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها؛ قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى [الأنصار] التي حول المدينة: «من كان أصبح

الحديث: 623 - الجزء: 2 - الصفحة: 575

صائماً؛ فليتم صومه, ومن كان أصبح مفطراً؛ فليتم بقية يومه».
فكنا بعد ذلك نصومه, ونصومه صبياننا الصغار منهم, ونذهب إلى المسجد, فنجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام؛ أعطيناها إياه حتى يكون عند الإِفطار».
أخرجاه.
وفي لفظ.
. . . 624 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل قرية على أربع فراسخ (أو قال: فرسخين) يوم عاشوراء, فأمر من أكل أن لا يأكل بقية يومه, ومن لم يأكل أن يتم بقية صومه».
رواه أحمد.
625 - وعن محمد بن صيفي؛ قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء, فقال: «أصمتم يومكم هذا؟».
فقال بعضهم: نعم.
وقال بعضهم: لا.
قال: «فأتموا بقية يومكم هذا».
وأمرهم أن يؤذنوا أهل العوالي أن يتموا بقية يومهم.

الحديث: 624 - الجزء: 2 - الصفحة: 576

626 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه, فلما قدم المدينة؛ صامه وأمر بصيامه, لما فرض رمضان؛ قال: «من شاء صامه, ومن شاء تركه».
متفق عليه.
627 - وعن أبي موسى؛ قال: كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيداً, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم».
[متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء؛ يتخذونه عيداً, ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فصوموه أنتم»].
628 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم, فرأى اليهود تصوم عاشوراء, فقال: «ما هذا؟».
فقالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم, فصامه موسى عليه السلام.
فقال: «أنا أحق بموسى منكم».
فصامه وأمر بصيامه.

الحديث: 626 - الجزء: 2 - الصفحة: 577

629 - وعن ابن عباس أيضاً: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم, ولا شهراً إلا هذا الشهر (يعني: رمضان»).
متفق عليهما.
فقد بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي أمر بصيامه ووكده, وجعلوا في نفسه كفضل رمضان, وأخبروا أن ذلك كان قبل أن يفرض رمضان, ولما فرض رمضان؛ لم يأمر به, وبينوا أنه كان يصومه بعد فرض رمضان ويأمر بذلك أمر استحباب.
630 - ويدل على أنهم قصدوا ترك صومه وجوباً ما روى علقمة؛ قال: «أتيت ابن مسعود ما بين رمضان إلى رمضان, ما من يوم إلا أتيته فيه, فما رأيته في يوم صائماً؛ إلا يوم عاشوراء».
وقد تقدم عنه أنه ترك صومه.
631 - وقال الأسود بن يزيد: «لم أر رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا بالكوفة آمر بصوم عاشوراء من علي والأشعري».
رواهما سعيد.

الحديث: 629 - الجزء: 2 - الصفحة: 578

ومعلوم أن هذا التوكيد لا يليق بمستحب؛ لأن يوم عرفة أفضل منه؛ فإنه يكفر سنتين, ومع هذا فلم يؤمر به, فثبت أن ذلك [إنما هو لوجوبه إذْ ذاك, ولأنه صلى الله عليه وسلم صامه أولاً بناء على اعتيادهم صومه قبل الإِسلام؛ كما ذكرت عائشة, وموافقة لموسى عليه السلام في صومه؛؛ لأنا أحق به من بني إسرائيل؛ كما ذكر أبو موسى وابن عباس, ثم نسخ التشبيه بأهل الكتاب في صومه صوم يوم آخر.
وأما حديث معاوية؛ فهو متأخر بعد فرض رمضان, وإذ ذاك لم يكن واجباً بالاتفاق.
632 - وأما كونه لم يأمر بالقضاء؛ فقد روى قتادة, عن عبد الرحمن بن مسلمة, عن عمه: أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «صمتم يومكم هذا؟».
قالوا: لا.
قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه».
رواه أبو داوود والنسائي.
ثم إنما لم يأمر بالقضاء لأن الوجوب إنما ثبت بالنهار.
. . .

* فصل:

وعاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم.

الحديث: 632 - الجزء: 2 - الصفحة: 579

والسنة لمن صامه أن يصوم تاسوعا معه

. قال في رواية الميموني وأبي الحارث: من أراد أن يصوم عاشوراء؛ فليصم التاسع والعاشر؛ إلا أن يشكل الشهر, فيصوم ثلاثة أيام, ابن سيرين يقول ذلك.
وقال في رواية الأثرم: أنا أذهب في عاشوراء أن يصام يوم التاسع والعاشر, حديث ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر».
وقال حرب: سألت أحمد عن صوم عاشوراء؟ فقال: يصوم التاسع والعاشر.
633 - وذلك لما روى ابن عباس؛ قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه؛ قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى.
فقال: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله؛ صمنا يوم التاسع».
قال؛ لم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه مسلم وأبو داوود.
وفي لفظ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع (يعني: يوم عاشوراء»).
رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.

الحديث: 633 - الجزء: 2 - الصفحة: 580

643 - وعن الحكم بن الأعرج؛ قال: «انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم, فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت الهلال المحرم؛ فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً.
قلت: هكذا كان محمد يصومه.
قال: نعم».
رواه مسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
ومعنى هذا والله أعلم: صم التاسع والعاشر كما ذكره الإِمام أحمد عنه رواه سعيد وغيره.
635 - [وما روى عمرو بن دينار] , سمع عطاء, سمع ابن عباس يقول: «صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود».

الحديث: 643 - الجزء: 2 - الصفحة: 581

636 - وعن شعبة مولى ابن عباس؛ قال: «كان ابن عباس يصوم عاشوراء في السفر, ويوالي بين اليومين؛ فرقاً أن يفوته».
رواه حرب.
637 - عن إسماعيل بن علية؛ قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح [أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع.
فقال ابن نجيح:] إنما قال ابن عباس: «أكره أن يصوم يوماً فارِداً, ولكن صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً».
رواه داوود بن عمرو عنه.
638 - وعن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: «أنه كان يصوم يومين لعاشوراء احتياطاً أن لا يفوته».
رواه أبو زرعة الدمشقي عن أبي صالح عن معاوية بن صالح عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 582

639 - يحقق ذلك ما روى.
. . عن ابن عباس؛ قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
640 - وقد روى داوود بن علي, عن أبيه, عن جده ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء, وخالفوا فيه اليهود, صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً».

الجزء: 2 - الصفحة: 583

[رواه أحمد وسعيد ولفظه: «صوموا يوماً قبله أو بعده»].
فإن صام عاشوراء مفرداً؛ فهل يكره؟ قال بعض أصحابنا: لا يكره.
. . . والأشبه بكلامه أنه يكره: لأنه أمر بصوم اليومين لمن أراد صوم عاشوراء, وأخذ بأثر ابن عباس, وابن عباس كان يكره إفراده, ويأمر بصوم اليومين مخالفة لليهود.
ولأنه إفراد يوم يعظمه غير أهل الإِسلام, فكره؛ كإفراد النيروز والمهرجان.
ولأن التشبه بأهل الكتاب مكروه, وقطع التشبه بهم مشروع ما وجد إلى ذلك سبيل؛ فإذا صيم وحده؛ كان فيه تشبيه بأهل الكتاب.
. . . قال أبو الخطاب: ويستحب صوم عشر المحرم, وآكدها تاسوعا

الجزء: 2 - الصفحة: 584

وعاشوراء.
. . .

* فصل

: قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: سمعنا في الحديث: «من وسع على عياله يوم عاشوراء؛ أوسع الله عليه سائر سنته».
قال ابن عيينة: قد جربناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيراً.
641 - وقال في رواية صالح: ابن عيينة عن جعفر الأحمر عن إبراهيم ابن المنتشر - قال أبي: ثقة صدوق - أنه بلغه: «من وسع على عياله يوم عاشوراء؛ وسع الله عليه سائر سنته».
642 - وقد روي في حديث مرفوع من حديث أيوب, عن سليمان بن مينا, عن رجل, عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وسع على أهله يوم عاشوراء؛ وسع الله عليه سائر سنته».
رواه حرب.

الجزء: 2 - الصفحة: 585

643 - وروى أيضاً من حديث إبراهيم بن علقمة, عن عبد الله؛ مثله مرفوعاً, وقال: هذا حديث منكر.
وقال: سئل أحمد عن هذا الحديث «من وسع على أهله يوم عاشوراء»؟ فلم يره شيئاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 586

مسألة:

ويستحب صيام أيام البيض.

وجملة ذلك أنه يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فإنها تعدل صوم الدهر, ويستحب أن يكون يوم الاثنين والخميس, وأفضل ذلك أن يكون من أوسطه, وهي أيام البيض.
قال حرب: سمعت أحمد يقول: من صام ثلاثة أيام من الشهر فقد صام الشهر كله.
يقول بتوكيد.
644 - وقال في رواية عبد الله, [عن] عبد الملك بن قتادة بن ملحان, عن أبيه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة, وأربع عشرة, وخمس عشرة».

الحديث: 644 - الجزء: 2 - الصفحة: 587

قيل له: فصيام ثلاثة أيام من كل شهر يصام من أول الشهر؟ قال: «نعم, ولكن يكون قصده لهذه».
وقال في رواية عبد الله, [عن] هنيدة الخزاعي, عن أمه؛ قالت: دخلت على أم سلمة, فسألتها عن الصيام؟ فقالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس».
. . . 645 - وذلك لما تقدم عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «صم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر».
متفق عليه.
646 - وتقدم أيضاً عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ثلاث من كل شهر, ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر».
رواه مسلم وغيره.
وتقدم أيضاً قوله للباهلي: «صم ثلاثة أيام من كل شهر».
. . . 647 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه؛ قال: أوصاني خليلي بثلاث

الحديث: 645 - الجزء: 2 - الصفحة: 588

لن أدعهن.
. . . 648 - وعن أبي هريرة مثله.
649 - وعن معاوية بن قرة, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر [وقيامه]».
رواه أحمد.
650 - وعن أبي العلاء بن الشخير, عن رجل من بني أقيش؛ قال: معه كتاب للنبي صلى الله عليه وسلم, ويقال: اسمه النمر بن تولب؛ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

الحديث: 648 - الجزء: 2 - الصفحة: 589

«من سره أن يذهب كثير من وحر صدره؛ فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر».
وفي رواية: «صيام ثلاثة أيام من الشهر يذهبن وحر الصدر».
رواه أحمد والنسائي وفيه قصة رواها أبو داوود.
651 - وعن أبي نوفل بن أبي عقرب, عن أبيه: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم؟ فقال: «صم يوماً من كل شهر».
فاستزاده قال: بأبي وأمي إني أجدني أقوى؛ فزدني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أجدني قويّاً, إني أجدني قويّاً».
فما كاد أن يزيده, فاستزاده, فقال: «صم يومين من كل شهر».
قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إني أجدني قويّاً, فما كاد أن يزيده, فلما ألحَّ عليه؛ قال: «صم ثلاثة أيام من كل شهر».
رواه أحمد والنسائي.
652 - وعن معاذة العدوية: أنها سألت عائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: «نعم».
فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم».

الحديث: 651 - الجزء: 2 - الصفحة: 590

رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقد تقدم عنه من رواية حفصة وغيرها أنه لم يكن يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
653 - وعن عبد الله؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من غرة كل [هلال] , وقلما كان يفطر يوم الجمعة».
رواه الخمسة وقال الترمذي حسن غريب.
إلا أن أبا داوود لم يذكر إلا صوم الثلاثة, وابن ماجه لم يذكر إلا صوم الجمعة.
654 - وعن هنيدة الخزاعي, عن أمه؛ قالت: دخلت على أم سلمة, فسألتها عن الصيام؟ فقالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من

الحديث: 653 - الجزء: 2 - الصفحة: 591

كل شهر, أولها الاثنين والخميس».
رواه أبو داوود, وذكره أحمد.
655 - وقد تقدم من حديث هنيدة, عن امرأته, عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصوم نحو ذلك.
656 - وعن حفصة؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى».
رواه أبو داوود والنسائي.
وإنما اختيرت البيض.
657 - ولما روي عن أبي ذر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة؛ فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة».
رواه أحمد والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن.

الحديث: 655 - الجزء: 2 - الصفحة: 592

................. .

الجزء: 2 - الصفحة: 593

658 - وعن [قتادة] بن ملحان العبسي؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة, وأربع عشرة, وخمس عشرة, وقال: «هي كهيئة الدهر».
رواه الخمسة إلا الترمذي, واحتج به أحمد.
وفي لفظ: «أن يصوم الليالي البيض»؛ أي: بصيام أيام الليالي البيض؛ كما قال: «وأتبعه بست»؛ [أي: بأيام من ست].

الحديث: 658 - الجزء: 2 - الصفحة: 594

659 - وعن موسى بن طلحة: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيام يصومهن؟ فقال: «أين أنت من البيض؟».
رواه سعيد.
قال القاضي: قيل: إنما سميت البيض لأن ليلها كنهارها يضيء بالقمر جميع ليلها, والجيد أن يقال: أيام البيض لأن البيض صفة لليالي البيض [أي: أيام الليالي البيض] , وهذا جاء في الحديث وكلام أكثر الفقهاء.
ووقع في كلام بعضهم ابن عقيل وأبي الخطاب: الأيام البيض, فعدوه لحناً؛ لأن كل الأيام بيض.
660 - وقيل: سُميت البيض؛ «لأن الله تعالى تاب على آدم فيها وبيض صحيفته».
رواه أبو الحسن التميمي في كتاب «اللطف».

الحديث: 659 - الجزء: 2 - الصفحة: 595

مسألة:

والاثنين والخميس.

هذان اليومان يستحب صومهما من بين أيام الأسبوع؛ لأن أعمال العباد تعرض فيها؛ كما استحب صوم شعبان؛ لأن أعمال العباد تعرض فيه: 661 - 662 - لما تقدم عن أم سلمة وحفصة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى أن يصوم الثلاثة يوم الاثنين والخميس».
663 - وتقدم أنه لما سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه, وأنزل عليَّ فيه».
رواه مسلم.
664 - وعن عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام الاثنين والخميس».
رواه الخمسة إلا أبا داوود, وقال الترمذي: حديث حسن.

الحديث: 661 - الجزء: 2 - الصفحة: 596

665 - وعن أبي سعيد المقبري, عن أسامة بن زيد؛ قال: قلت: يا رسول الله! إنك تصوم لا تكاد تفطر, وتفطر لا تكاد تصوم؛ إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما, الاثنين والخميس؟ قال: «ذانك يومان تعرض فيهما

الحديث: 665 - الجزء: 2 - الصفحة: 597

الأعمال على رب العالمين, فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم».
رواه أحمد والنسائي.
وفي رواية عن عمر بن الحكم بن ثوبان, عن مولى قدامة بن مظعون, عن مولى أسامة بن زيد: أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له, فكان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس, فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس, وسئل عن ذلك؟ فقال: «إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس».
رواه أحمد وأبو داوود والنسائي.

الجزء: 2 - الصفحة: 598

666 - وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس, فقيل له, فقال: «إن الأعمال تعرض في كل اثنين وخميس, فيغفر الله لكل مسلم؛ إلا المتهاجرين؛ يقول الله تعالى: أخروهما».
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي, وقال: «تعرض الأعمال كل اثنين وخميس, فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم».
حديث حسن غريب.

الحديث: 666 - الجزء: 2 - الصفحة: 599

* فصل

: قال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال: ليس في الصوم رياء.

الجزء: 2 - الصفحة: 600

قال القاضي: وهذا يدل على فضيلة الصوم على غيره؛ لأن الرياء لا يدخله؛ لأنه إمساك ونية, وهذا المعنى لا يصح إظهاره, فيقع الرياء فيه.
. . .

مسألة:

والصائم المتطوع أمير نفسه, إن شاء صام, وإن شاء أفطر, ولا قضاء عليه.

وجملة ذلك أن منْ شرع في صيام التطوع؛ فإنه يجوز الخروج منه ولا قضاء عليه, لكن المستحب أن يتمه وأن يقضيه إذا أفطر.
. . . وهل يكره فطره لغير حاجة؟ وهل يستحب فطره مع الحاجة؟ وهل يقضي مع الحاجة؟ قال ابن أبي موسى: من أفطر في تطوعه عامداً؛ فالاحتياط له أن يقضيه من غير أن يجب ذلك؛ فعلى هذا لا يستحب له القضاء إذا أفطر بعذر, بل يكون بمنزلة صوم مبتدأ, [والأول].
وقال في رواية الأثرم فيمن أصبح صائماً متطوعاً فبدا له فأفطر يقضيه؟ قال: إن قضاه فحسن, وأرجو أن لا يجب عليه.
وقال حرب: سئل أحمد قيل: ما تقول فيمن نوى الصيام من الليل, ثم أصبح فأفطر؟ قال: إن قضى فهو أحب إليَّ, وإلا؛ فليس عليه شيء.
وسئل عن رجل صام تطوعاً, فأراد أن يفطر: أعليه قضاء أم لا؟ قال: إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 601

كان من نذر أو قضاء رمضان يقضي, وإلا فلا.
وكذلك نقل ابن منصور.
. . . وهذا هو المذهب.
وروى عنه حنبل: إذا أجمع على الصيام من الليل, فأوجبه على نفسه, فأفطر من غير عذر؛ أعاد ذلك اليوم.
فاختلف أصحابنا في هذه الرواية: فقال القاضي: هذا محمول على صوم النذر دون التطوع, وقد صرح به في مسائل حنبل, فقال: إذا كان [نذراً]؛ قضى وأطعم لكل يوم مسكيناً, وإن كان.
. . . وقال غيره: يحمل ذلك على استحباب القضاء دون إيجابه؛ ليوافق سائر الروايات, وأقرها طائفة رواية.
قال أبو بكر عبد العزيز: تفرد حنبل بهذه الرواية, وجميع أصحابنا على أن لا قضاء عليه, وبه أقول.
وهذه طريقة ابن البناء وغيره, وهي أصح؛ لأن أحمد فرق بين الأمر بالإِعادة وبين المعذور وغيره, وقضاء النذر لا [يختلف] , ولم يتعرض لوجوب الكفارة, ولو كانت نذراَ؛ لذكر الكفارة.
ووجه ذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ

الجزء: 2 - الصفحة: 602

وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33].
وهذا يعم إبطالها بعد إكمالها وفي أثنائها؛ فإن ما مضى من الصوم والصلاة والإِحرام ونحوها عمل صالح يثاب عليه؛ بحيث لو مات في أثنائه؛ أجر على ما مضى أجر من قد عمل لا أجر من قصد ونوى, وإذا كان عملاً صالحاً؛ فقد نهى الله عن إبطاله.
667 - وعن شداد بن أوس؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية».
قال: قلت: يا رسول الله! أتشرك أمتك بعدك؟ قال: «نعم؛ أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً, ولكن يراؤون بأعمالهم, والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً, فتعرض له شهوة من شهواته, فيترك صومه».
رواه أحمد وابن ماجه من حديث رواد بن الجراح, عن عامر بن عبد الله, عن الحسن بن ذكوان, عن عبادة بن نسي, عن شداد بن أوس.

الحديث: 667 - الجزء: 2 - الصفحة: 603

................ .

الجزء: 2 - الصفحة: 604

668 - وعن الزهري, عن عروة, عن عائشة؛ قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين, فعرض لنا طعان اشتهيناه, فأكلنا منه, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبدرتني إليه حفصة, وكانت ابنة أبيها, فقالت: يا رسول الله! إن كنا صائمتين, فعرض لنا طعام اشتهيناه, فأكلنا, فقلنا: «اقضيا يوماً آخر مكانه».
رواه أحمد والنسائي والترمذي [من حديث] جعفر بن برقان الزهري, وقال الترمذي: وروى صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن أبي حفص هذا الحديث عن الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة.

الحديث: 668 - الجزء: 2 - الصفحة: 605

669 - قال: وروى مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن [سعد] وغير واحد من الحفاظ, عن الزهري, عن عائشة؛ مرسلاً, ولم يذكر فيه عروة, وهذا أصح.
670 - وروي بإسناده عن ابن جريج؛ قال: سألت الزهري, فقلت: أحدثك عروة عن عائشة؟ فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئاً, ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض منْ سأل عائشة عن هذا الحديث.
ورواه أحمد والنسائي من حديث سفيان بن حسين عن الزهري.
ورواه النسائي أيضاً, من حديث صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري؛ قال: وصالح بن أبي الأخضر ضعيف في الزهري وفي غير الزهري, وسفيان بن حسين وجعفر بن برقان ليسا بقويين في الزهري, ولا بأس بهما في غير الزهري, ثم رواه مرسلاً من حديث معمر ومالك وعبيد الله بن عمر.
ورواه عن سفيان؛ قال: سألوا الزهري وأنا شاهد: أهو عن عروة؟ قال: لا.
ورواه سعيد عن سفيان بن عيينة [فثنا الزهري؛ قال: قالت عائشة: فذكره, وفيه: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال: «صوما يوماً مكانه».
قال سفيان: فسألت الزهري: عن عروة؟ فغضب وأبى أن يسنده.

الحديث: 669 - الجزء: 2 - الصفحة: 606

............................ .

الجزء: 2 - الصفحة: 607

............................. .

الجزء: 2 - الصفحة: 608

............................... .

الجزء: 2 - الصفحة: 609

671 - قال سعد: ثنا عاطف بن خالد, عن زيد بن أسلم؛ قال: قالت عائشة: مثله, وقال لنا: «صوما مكانه ولا تعودوا».
وفي حديث مالك وغيره: أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين.
672 - وعن ابن الهاد, عن زميل مولى عروة, عن عروة بن الزبير, عن عائشة؛ قالت: أهدي لحفصة طعام, وكنا صائمتين, فأفطرنا, ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلنا: يا رسول الله! إنا أهديت لنا هدية, واشتهيناها, فأفطرنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عليكما, صوما يوماً آخر».
رواه أبو داوود والنسائي وقال: زميل ليس بالمشهور.
وقال البخاري: لا يعرف لزميل سماعاً عن عروة, ولا تقوم به الحجة.

الحديث: 671 - الجزء: 2 - الصفحة: 610

673 - وعن جرير بن حازم, عن يحيى بن سعيد, عن عمرة, عن عائشة: نحوه.
رواه النسائي وقال: هذا خطأ.

الحديث: 673 - الجزء: 2 - الصفحة: 611

وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن يحيى عن عمرة عن عائشة: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين»؟ فأنكره وقال: مَنْ رواه؟ قلت: جرير.
فقال: جرير يحدث بالتوهم, وأشياء عن [قتادة] يسندها جرير بن حازم باطلة.
674 - وعن سعيد بن جبير: «أن حفصة وعائشة أصبحتا صائمتين تطوعاً, فأفطرتا, فأمرهما رسول الله أن يقضياه».
رواه سعيد.
675 - وعن أنس بن سيرين؛ قال: «صمت يوماً, فأجهدت, فأفطرت, فسألت ابن عمرو وابن عباس؟ فأمراني أن أقضي يوماً مكانه».
رواه سعيد.

الحديث: 674 - الجزء: 2 - الصفحة: 612

676 - وعن محمد بن أبي حميد, عن إبراهيم عن عبيد؛ قال: صنع أبو سعيد الخدري طعاماً, فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فقال رجل من القوم: إني صائم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنع لك أخوك, وتكلف لك أخوك؛ أفطر وصم يوماً مكانه».
رواه الدارقطني وقال: هذا مرسل.
ورواه حرب وقال: «كل وصم يوماً مكانه إن أحببت».
وقد تكلم في محمد بن أبي حميد.
677 - وعن ابن عيينة, عن طلحة بن يحيى, عن عائشة بن طلحة, عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها؛ قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً, فقربت له حيساً, فأكل منه وقال: «إني كنت أريد الصيام, ولكن أصوم يوماً مكانه».
رواه عبد الرزاق عنه.

الحديث: 676 - الجزء: 2 - الصفحة: 613

ورواه الدارقطني, ولفظه: قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «إني أريد الصيام».
وأهدي إليه حيس, فقال: «إني آكل وأصوم يوماً مكانه».

الجزء: 2 - الصفحة: 614

قال الدارقطني: لم يروه بهذا اللفظ غير ابن عيينة عن محمد بن عمرو بن العباس الباهلي, ولم يتابع على قوله: «وأصوم يوماً مكانه» , ولعله شبه عليه, والله أعلم, لكثرة من خالفه عن ابن عيينة.
ورواية عبد الرزاق التي ذكرناها تدل على خلاف قول الدارقطني.
فهذا الحديث غايته أن يكون مرسلاً.
لكن قد أرسله الزهري وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير, وعمل به الصحابة, والمرسل إذا تعدد مرسلوه وعمل به الصحابة؛ صار حجة بلا تردد, وقد أسند من غير حديث الزهري كما تقدم.
ولأنها عبادة, فلزمت بالشروع فيها ووجب القضاء بالخروج منها لغير

الجزء: 2 - الصفحة: 615

عذر؛ كالحج, ولأن الشروع في العبادة التزام لها, فلزم الوفاء به كالنذر.
يحقق التماثل: أن الله تعالى قال في آية الصوم: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] كما قال في آية الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فإذا كان عليه إتمام ما دخل فيه من الحج والعمرة؛ فكذلك عليه إتمام ما دخل فيه من الصيام.
فعلى هذه الرواية: إنما تقضى إذا أفطر لغير عذر.
فأما إن أفطر لعذر من مرض أو سفر ونحو ذلك؛ فلا إعادة عليه.
وإن أفطر لكون الصوم مكروهاً, مثل أن يفرد يوماً بالصوم.
. . . 678 - ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام؛ فإن كان مفطراً؛ فليطعم, وإن كان صائماً؛ فليصل».
ولو كان الأكل جائزاً؛ لبينه, ولاستحبه في الدعوة.
679 - ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصومن امرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه».
ولو كان التفطير جائزاً؛ لم يكن في شروعها في الصوم عليه ضرر.

الحديث: 678 - الجزء: 2 - الصفحة: 616

والأول المذهب: 680 - لما روى شعبة, عن جعدة, عن أم هانئ وهي جدته.
وفي لفظ: قال شعبة: كنت أسمع سماك بن حرب يقول: أحد بني أم هانئ حدثني, فلقيت أنا أفضلهما, وكان اسمه جعدة, وكانت أم هانئ جدته, فذكره عن جدته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها, فدعا بشراب فشرب, ثم ناولها فشربت, وقالت: يا رسول الله! أما إني كنت صائمة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائم المتطوع أمير نفسه, إن شاء صام, وإن شاء أفطر».

الحديث: 680 - الجزء: 2 - الصفحة: 617

وفي رواية: قلت له: سمعته من أم هانئ؟ قال: لا.
حدثنيه أبو صالح وأهلنا عن أم هانئ.
رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: في إسناده مقال.

الجزء: 2 - الصفحة: 618

وفي رواية لأحمد والنسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح.
ورووه أيضاً من حديث سماك بن حرب, عن ابن أم هانئ, عن أم هانئ.

الجزء: 2 - الصفحة: 619

وفي لفظ: سمعه منها.
وفي لفظ: عن هارون ابن بنت أم هانئ أو ابن ابن أم هانئ عن أم هانئ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شراباً, فناولها لتشرب, فقالت: إني صائمة, ولكن كرهت أن أرد سؤرك.
فقال: «إن كان قضاء من رمضان؛ فاقضي يوماً مكانه, وإن كان تطوعاً؛ فإن شئت فاقضي, وإن كان تطوعاً؛ فإن شئت فاقضي, وإن شئت فلا تقضي».
قال النسائي: اختلف فيه على سماك, وسماك ليس ممن يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث.
ورواه أحمد وأبو داوود: عن يزيد بن أبي زياد, عن عبد الله بن الحارث, عن أم هانئ؛ قالت: لما كان يوم الفتح؛ فتح مكة؛ جاءت فاطمة, فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأم هانئ عن يمينه.
قالت: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب, فناولته فشرب منه, ثم ناوله أم هانئ فشربت منه, فقالت: يا رسول الله! لقد أفطرت وكنت صائمة.
فقال لها: «أكنت تقضين شيئاً؟».
قالت: لا.
قال: «فلا يضرك إن كان تطوعاً».
فقد عاد الحديث إلى إسنادين: أحدهما: رواته أهل بيت أم هانئ عنها, رواه عنهم شعبة وسماك, ولم ينفرد به سماك.
والثاني: رواته عبد الله بن الحارث.

الجزء: 2 - الصفحة: 620

وأهل البيت [عدة] نفر, منهم أبو صالح؛ فروايتهم أوكد من رواية الواحد, ورواية ذريتها عنهم دليل على ثقتهم وأمانتهم.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح في رمضان, ولا يجوز أن تكون صائمة في رمضان عن قضاء ولا تطوع.
681 - قيل: «النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بضع عشرة ليلة بعد الفتح, وهذه الأيام كلها تسمى أيام الفتح».
. . . . ولا يجوز أن يعتقد أنها أفطرت ناسية؛ لأنها أخبرت أنها كانت صائمة, وإنما كرهت أن ترد سؤر النبي صلى الله عليه وسلم, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن التطوع لا قضاء فيه بحال, وأنه إن كان قضاء من رمضان؛ فعليها القضاء, ولأنه لم يقل: فالله أطعمك وسقاك.
682 - وأيضاً [روى] طلحة بن يحيى, عن عائشة بنت طلحة, عن عائشة؛ قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم, فقال: «هل عندكم من شيء؟».
فقلنا: لا.
فقال: «فإني إذاً صائم».
ثم أتانا يوماً آخر, فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس.
فقال: «أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً».
فأكل.
رواه الجماعة إلا البخاري.

الحديث: 681 - الجزء: 2 - الصفحة: 621

زاد النسائي: ثم قال: «إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة؛ فإن شاء أمضاها, وإن شاء حبسها».
وفي لفظ له: قال: «يا عائشة! إنما بمنزلة من صام في غير رمضان أو في قضاء رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله, فجاد منها بما شاء فأمضاه, وبخل منها بما شاء فأمسكه».
وفي رواية لمسلم؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «يا عائشة! هل عندكم شيء؟».
قالت: فقلت: يا رسول الله! ما عندنا شيء.
قال: «فإني إذاً صائم».
قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأهديت لنا هدية (أو: جاءنا زور).
قالت: فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قلت: أهديت لنا هدية (أو: جاءنا زور) , وقد خبأت لك شيئاً.
قال: «ما هو؟».
قلت: حيس.
قال: «هاتيه».
فجئت به, فأكل, ثم قال: «قد كنت أصبحت صائماً».
قال طلحة: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث, فقال: ذلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله؛ فإن شاء أمضاها, وإن شاء أمسكها.
والحيس: تمر وسمن وأقط يطبخ.
قال الشاعر: التمر والسمن جميعاً والقط الحيس إلا أنه لم يختلط فهذا نص في جواز الإِفطار بعد إِجماع الصيام.

الجزء: 2 - الصفحة: 622

683 - وعن عكرمة؛ قال: قالت عائشة: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «هل عندكم شيء؟».
فقلت: لا.
فقال: «إني إذاً أصوم».
ودخل يوماً آخر, فقال: «هل عندكم شيء؟».
قلت: نعم.
قال: «إذاً أطعم, وإن كنت فرضت الصوم».
رواه الدارقطني وقال أيضاً: إسناد حسن صحيح.
684 - وعن أبي جحيفة؛ قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء, فزار سلمان أبا الدرداء, فرأى أم الدرداء متبذلة, فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا.
فجاء أبو الدرداء, فصنع له طعاماً, فقال: كل؛ فإني صائم.
فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل.
فأكل فلما كان الليل؛ ذهب أبو الدرداء يقوم.
قال: نم.
فنام, ثم ذهب يقوم, فقال: نم.
فلما كان من آخر الليل؛ فقال: قم الآن.
فصلَّيا, فقال له سلمان: إن لربك عليك حقّاً, ولنفسك عليك حقّاً, ولأهلك عليك حقّاً؛ فأعط لكل ذي حق حقه.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان».
رواه البخاري.
فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم سلمان على تفطير أبي الدرداء ولم يأمره بالقضاء.

الحديث: 683 - الجزء: 2 - الصفحة: 623

685 - وعن سالم؛ قال: صنع عطاء طعاماً, فأرسل إلى سعيد بن جبير, فأتاه, فقال: إني صائم.
فحدثه بحديث سلمان أنه أفطر أبا الدرداء, فأفطر.
رواه البغوي.
686 - وعن عمرو, عن سعيد؛ قال: «لأن أضرب بالخناجر أحب إليَّ من أن أفطر من تطوع بالنهار».
رواه سعيد البغوي.
فقد رجع سعيد إلى حديث سلمان هذا, وهو ممن روى حديث عائشة وحفصة.
687 - وعن جويرية بنت الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية في يوم جمعة وهي صائمة, فقال لها: «أصمت أمس؟».
قالت: لا.
قال: «أتصومين غداً؟».
قالت: لا.
قال: «فأفطري».
رواه الجماعة إلى مسلماً وابن ماجه والترمذي.

الحديث: 685 - الجزء: 2 - الصفحة: 624

688 - ورواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو.
إلا أن هذين الحديثين إنما يدلان على الفطر في موضع يكون الصوم مكروهاً؛ كإفراد يوم الجمعة, وسرد الصوم الذي يضعف به حقوق أهله, ونحو ذلك.
وأيضاً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في شهر رمضان هو وأصحابه وهو مسافر بعد أن أصبحوا صياماً لما كان جائزاً لهم ترك الصوم؛ فلن يجوز الفطر في صيام التطوع أولى وأحرى.
وأيضاً؛ فإنه إجماع ذكرناه عن سلمان وأبي الدرداء.
689 - وعن الحارث, عن علي؛ قال: «إذا أصبحت وأنت تريد الصيام؛ فأنت بالخيار: إن شئت صمت, وإن شئت أفطرت؛ إلا أن تفرض الصيام عليك من الليل».
[يعني والله أعلم بالنذر]

الحديث: 688 - الجزء: 2 - الصفحة: 625

690 - وعن عبد الله: «متى أصبحت وأنت تريد الصوم؛ فأنت على خير النظرين: إن شئت صمت, وإن شئت أفطرت».
وفي رواية عنه؛ قال: «أحدكم بأخير الفطرين ما لم يأكل أو يشرب».
691 - وعن عكرمة, عن ابن عباس؛ قال: «الصائم بالخيار: إن شاء صام, وإن شاء أفطر».
692 - وعن عطاء, عن ابن عباس؛ قال: «إذا صام الرجل تطوعاً, ثم شاء أن يقطعه؛ قطعه, وإذا دخل في صلاة تطوعاً, ثم شاء أن يقطعها؛ قطعها, وإذا طاف بالبيت تطوعاً, ثم شاء أن يقطعه؛ قطعه, غير أنه لا ينصرف إلا على وتر خمساً أو ثلاثاً أو شوطاً, وإذا أخرج الرجل صدقة تطوعاً, ثم شاء أن يحبسها؛ حبسها».

الحديث: 690 - الجزء: 2 - الصفحة: 626

693 - وعن ابن عمر: أنه أصبح صائماً, ثم أتى بطعام, فأكل, فقيل له: ألم تكن صائماً؟ فقال: «لا بأس به؛ ما لم يكن نذراً أو قضاء رمضان».
رواهن سعيد.
694 - وعن جابر: «أنه كان لا يرى [بالإِفطار] في صيام التطوع بأساً».
رواه الشافعي.
وأيضاً؛ فإن الرجل إذا أصبح صائماً؛ لم يوجد منه إلا مجرد النية والقصد, والنية المجردة لا يجب بها شيء.
695 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به».
يبقى الفرق بينه وبين الإِحرام وبين أن يتكلم بالنية أو لا يتكلم بها.
ولأنها عبادة يخرج منها بالإِفساد, فلم يجب قضاؤها إذا أفسدها؛ كالوضوء, وكما لو صام يعتقد أن عليه فرضاً؛ فإنه بخلافه, وعكسه الإِحرام؛ فإنه لا يخرج منه بالفساد.
. . .

الحديث: 693 - الجزء: 2 - الصفحة: 627

ولأنه إذا كان له أن لا يفعل؛ كان له أن يخرج منه قبل الإِتمام.
. . . وأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]؛ فإنه ما لم يتم فليس بعمل.
وأما الأحاديث التي فيها الأمر بالقضاء إن كانت صحيحة؛ فإنما هو أمر استحباب, وبيان أن الصوم لم يفت, وأن المفطر إذا صام يوماً مكان هذا اليوم؛ فقد عمل بدل ما ترك.
696 - وهذا كما قضت عائشة عمرة بدل العمرة التي أدخلت عليها الحج وصارت قارنة.
وكما قضى النبي صلى الله عليه وسلم اعتكافه حتى لا يعتقد المعتقد أن المتطوع إذا أفطر؛ فقد بطلت حسنته على وجه لا يمكن تلافيه؛ كالمفطر في رمضان ونحوه.
ويدل على ذلك أشياء: أحدها أن الرواية المسندة قال فيها: «لا عليكما صوما مكانه يوماً» , مع إخبارهما أنهما أكلتا بشهوة ولم يفطرا لعذر.
وبقوله: «لا عليكما»؛ أي: لا بأس عليكما, ولو كان الفطر حراماً والقضاء واجباً؛ لكان عليهما بأس.
ثانيهما: أن في رواية سفيان عن الزهري: أنهما لما أخبرتاه؛ تبسم النبي

الحديث: 696 - الجزء: 2 - الصفحة: 628

صلى الله عليه وسلم, ولو كانتا قد أذنبتا؛ لغضب أو لبيَّن لهما أن هذا حراماً؛ لئلا يعودا إليه.
وأما قوله: «ولا تعودا»؛ فهي رواية مرسلة, ثم معناها – والله أعلم – لا تعودا إلى فطر تريدان قضاؤه؛ فإن إتمام الصيام أهون من التماس القضاء, وهذا لما رأى حزنهما على ما فوتاه من الصوم؛ قال: فلا تفعلاه شيئاً تحزنا عليه.
وثالثهما: أن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحيس: أنه قال: «إني آكل وأصوم يوماً مكانه» , ولولا أن الخروج جائز والقضاء مستحب؛ لما أفطر.
ورابعهما: أن في حديث المدعو إلى طعام أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر وصم يوماً مكانه».
وفي رواية: «إن أحببت» , ولو كان القضاء واجباً؛ لما قيل هذا.
وخامسها: أن ابن عمر وابن عباس قد أمرا بالقضاء, وصح عنهما جواز الإِفطار لغير عذر, فعلم أن ذلك أمر استحباب.
697 - فروى يوسف بن ماهك؛ قال: «وطئ ابن عباس جارية له وهو صائم, فقال: إنما هو تطوع وهي جارية اشتهيتها».
698 - وفي رواية عن سعيد بن جبير؛ قال: «دخلنا على ابن عباس صدر النهار فوجدناه صائماً, ثم دخلنا فوجدناه مفطراً, فقلنا: ألم تك صائماً؟ قال: بلى, ولكن جارية لي أتت عليَّ, فأعجبتني, فأصبتها, وإنما هو تطوع, وسأقضي يوماً مكانه, وسأزيدكم: إنها كانت بغيّاً فحصنتها, وإنه قد عزل عنها».
قال سعيد بن جبير: «فعلمنا أربعة أشياء في حديث واحد».
رواهما سعيد.

الحديث: 697 - الجزء: 2 - الصفحة: 629

وأما حديث شداد بن أوس إن صح؛ فيشبه – والله أعلم – أن يكون ذلك فيمن يعتاد أبداً الصوم ثم تركه لشهوته؛ فإن هذا مكروه.
ويحتمل أن يكون تفسير الشهوة الخفية من جهة بعض الرواة مدرجاً في الحديث.
يدل على ذلك ثلاثة أشياء.
أحدها: أن الشهوة الخفية قد فسرها أبو داوود وغيره بأنها حب الرئاسة, ولو كان تفسيرها مرفوعا؛ لما أقدموا على ذلك.
الثاني: أن تفسيرها بحب الرئاسة أشبه؛ لأن حب الرئاسة يكون في الإِنسان, ويظهر الأعمال الصالحة ولا نعلم أن مقصوده درك الرئاسة.
الثالث: أن الأكل شهوة ظاهرة؛ فإنه إن لم تكن هي الشهوة الظاهرة؛ لم يكن لها شهوة ظاهرة.
الرابع: أن قرانه بالرياء دليل على أنه أراد ما هو من جنسه, والذي هو من جنسه هو حب الشرف لا أكل الطعام.
والله تعالى أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 630

* فصل:

في المواضع [التي يكره فيها الفطر أو يستحب أو يباح]

قال القاضي: يكره الخروج من الصوم والصلاة لغير عذر.
. . . وقال في رواية أبي الحارث في رجل يصوم التطوع فيسأله أبواه أو أحدهما أن يفطر؛ قال: 699 - يروى عن الحسن: أنه يفطر, وله أجر البر وأجر الصوم إذا افطر.
وقال في رواية عبد الله: إذا نهاه أبوه عن الصوم؛ ما يعجبني أن يصوم إذا نهاه, ولا أحب لأبيه أن ينهاه؛ يعني: في التطوع.
وقال في رواية يوسف بن موسى: إذا أمره [أبواه]؛ لا يصلي إلا المكتوبة.
قال: يداريهما ويصلي.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: فإن دعاه والداه وهو في الصلاة؟ 700 - قال: قد روى ابن المنكدر؛ قال: «إذا دعتك أمك وأنت في الصلاة؛ فأجبها, وإذا دعاك أبوك؛ فلا تجبه».

الحديث: 699 - الجزء: 2 - الصفحة: 631

وفي موضع آخر: قلت: تدعوه أمه وهو في الصلاة.
قال: يروى عن ابن المنكدر أنه قال: «إن كان في التطوع؛ فليجبها».

* فصل:

ومن تلبس بصيام رمضان أو بصلاة في أول وقتها أو بقضاء رمضان أو بقضاء الصلاة أو بصوم نذر أو كفارة؛ لزمه المضي فيه

, ولم يكن له الخروج منه؛ إلا عن عذر؛ بخلاف المتلبس بالصوم في السفر؛ فإن العذر المبيح للفطر قائم.
. . .

مسألة:

وكذلك سائر التطوع؛ إلا الحج والعمرة؛ فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما.

فيه مسألتان: أحدهما: أن سائر التطوعات من الصلاة والطواف والاعتكاف والهدي والأضحية والصدقة والعتق: إذا شرع فيه؛ [فالأولى] أن يتمه, وإن قطعه؛

الجزء: 2 - الصفحة: 632

جاز ولا قضاء عليه, وإن قضاه بعد قطعه؛ فهو أحسن.
هذا الذي عليه أصحابنا, وقد أفتى أبو عبد الله بما ذكره عن ابن المنكدر إذا دعته أمه وهو في الصلاة إن كان في التطوع؛ فليجبها.
وقال أحمد في رواية الأثرم وقد سئل عن الرجل يصبح صائماً متطوعاً: أيكون بالخيار؟ والرجل يدخل في الصلاة: أله أن يقطعها؟ فقال: الصلاة أشد لا يقطعها, فإن قطعها وقضاها؛ فليس فيه اختلاف.
قال القاضي: ظاهر هذا أنه لم يوجب القضاء, وإنما استحبه؛ لأنه يخرج من الخلاف.
وقال غير القاضي: هذه الرواية تقتضي الفرق بين الصلاة والصيام, وأن الصلاة تلزم بالشروع.
وهذا الفرق اختيار أبي إسحاق والجوزجاني.
لأن الصلاة ذات إحرام وإحلال, فلزمت بالشروع كالحج.
701 - ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم».

الحديث: 701 - الجزء: 2 - الصفحة: 633

وهذا يعم جميع الصلوات, ويقتضي أنه ليس له أن يتحلل منها إلا بالتسليم؛ كما ليس له أن يفتتحها إلا بالطهور, ولا أن تحرم بها إلا بالتكبير.

الجزء: 2 - الصفحة: 634

ويؤيد الفرق: أنه لو أمره أحد أبويه بالفطر في صومه التطوع؛ أجابه, ولو دعاه أحدهما في صلاة التطوع؛ أجاب الأم ولم يجب الأب.
. . . المسألة الثانية: إذا أحرم بحجة أو عمرة؛ لزمه المضي فيها, ولا يجوز له

الجزء: 2 - الصفحة: 635

أن يقصد الخروج منها, ولو نوى الخروج منها ورفضها؛ لم يخرج بذلك.
[ولو أفسدها؛ لزمه المضي فيها, وإتمام ما أفسده, وعليه قضاؤها من العام المقبل إن كانت] حجة, وعل الفور إن كانت.
. . , حتى لو دخل فيها يعتقدها واجبة عليه بنذر أو قضاء ونحو ذلك, ثم تبين أنها ليست عليه؛ لزمه المضي فيها, ومتى أفسدها؛ كان عليه القضاء.
. . . والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. 702 - وفي حرف عبد الله: «إلى البيت».
وقد أجمع أهل التفسير إلى أنها نزلت عام الحديبية, لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحرم هو وأصحابه بالعمرة, وساقوا الهدي, فصده المشركون, فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمر فيها بإتمام الحج والعمرة, ويذكر شأن الإِحصار.
وهذا أمر بالإِتمام لمن دخل متطوعاً؛ لأن الحج لم يكن قد فرض بعد؛ فإن الآية نزلت سنة ست, والحج إنما فرض بعد فتح مكة.

الحديث: 702 - الجزء: 2 - الصفحة: 636

ثم إن الله تعالى أمر بالإِتمام مطلقاً, فدخل فيه كل منشئ للحج والعمرة, بخلاف الآية التي فيها إتمام الصيام؛ فإنها تفارق هذه من وجهين: أحدهما: أنه قال في أولها: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.
. .﴾ , واللام هنا لتعريف الصيام المعهود الذي تقدم ذكره, وهو صيام رمضان, ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ , فعاد الكلام إلى الصيام المتقدم الذي كان الأكل والنكاح في ليلته محظوراً بعد النوم, ثم أبيح, وهذا صفة صيام الواجب.
نعم؛ سائر الصيام لا يتم إلا بذلك على سبيل التبع والإِلحاق.
الثاني: أن قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: أمر بأن يكون إتمام الصيام إلى الليل, وبيان لكون الصوم لا يتم إلا بالإِمساك إلى الليل, فتفيد الآية أن من أفطر قبل الليل؛ لم يتم الصيام, وهذا حكم شامل [يجمع] أنواع الصوم, ثم ما كان واجباً كان الإِتمام فيه إلى الليل واجباً, وما كان مستحبّاً كان مستحبّاً, وما كان مكروهاً كان مكروهاً, وما كان محرماً كان محرماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] , وهو أمر بأن يكون حكمه بما أنزل اتلله لا أمر بنفس الحكم؛ بخلاف آية الحج والعمرة؛ فإنه أمر بإتمامهما, فيكون نفس الإِتمام مأموراً به, وهنا الإِتمام إلى الليل هو المأمور به, وفرق بأن يكون الأمر بنفس الفعل أو بصفة في الفعل؛ فإنه لو قال: [صل] بوضوء, أو: صلِّ مستقبل القبلة, ونحو ذلك؛ كان أمراً بفعل هذا الشرط في الصلاة لا أمراً بنفس الصلاة.
والفرق بين الحج والعمرة من وجوه:

الجزء: 2 - الصفحة: 637

أحدها: أن الحج والعمرة يمضي في فاسدها ولا يخرج منهما بالإِفساد ولا بقطع النية, وغيرهما ليس كذلك.
فإن قيل: الصوم القضاء والمنذور والكفارة والصلاة في أول الوقت يخرج منها بالفساد مع وجوب إتمامها.
قيل: الصوم المتعيِّن مثل شهر رمضان والنذر المعين إذا أفطر لزمه المضي في فاسده, وأما غيره؛ فإنه حين إفساده يمكن إنشاؤه صحيحاً, فلم يكن حاجة إلى المضي في فاسده.
الثاني: أن الكفارة تجب في إفساد فرضهما ونفلهما بخلاف الصوم.
الثالث: أنه لو دخل فيهما معتقداً.
. .

مسألة:

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين؛ يوم الفطر ويوم الأضحى.

703 - وذلك لما روى أو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر».
متفق عليه.
وفي لفظ لمسلم: «لا يصلح الصوم في يومين».
وفي لفظ للبخاري: «لا صوم في يومين: الفطر والأضحى».

الحديث: 703 - الجزء: 2 - الصفحة: 638

704 - وعن ابن عمر نحوه.
متفق عليه.
705 - 706 - وعن عائشة وأبي هريرة نحوه.
رواهما مسلم.
707 - وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر؛ قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب؛ فقال: يا أيها الناس! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاكم عن صيام هذين العيدين».
وفي رواية: «اليومين الفطر والأضحى: أما أحدهما؛ فيوم فطركم من صيامكم, وأما الآخر؛ فيوم تأكلون فيه من نسككم».
رواه الجماعة.
708 - وعنه أيضاُ؛ قال: شهدت عليّاً وعثمان رضي الله عنهما في يوم الفطر والنحر يصليان ثم ينصرفان يذكران الناس.
قال: وسمعتهما يقولان: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين».
رواه أحمد والنسائي.

الحديث: 704 - الجزء: 2 - الصفحة: 639

ولا يجوز صوم يومي العيدين عن كفارة ولا قضاء ولا نذر في الذمة.
فإن نذر صوم يوم أحد العيدين قصداً؛ انعقد نذره موجباً لكفارة يمين في إحدى الروايات.
نص عليه في رواية حنبل بناء على أنه نذر معصية, وموجب نذر المعصية كفارة يمين.
وفي الأخرى: عليه مع الكفارة قضاء يوم.
نص عليه في رواية أبي طالب, وهو.
. .

مسألة:

ونهى عن صوم أيام التشريق إلا أنه أرخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي.

709 - الأصل في ذلك ما روي عن نبيشة الهذلي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى».
رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
710 - وروى كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق, فناديا: «أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن, وأيام منى أيام أكل وشرب».
رواه مسلم.

الحديث: 709 - الجزء: 2 - الصفحة: 640

711 - وعن أبي مرة مولى أم هانئ: «أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص, فقرب إليهما طعاماً, فقال: كل.
قال: إني صائم.
فقال عمرو: كل؛ فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها ونهى عن صيامها».
قال مالك: وهي أيام التشريق.
رواه مالك في «الموطأ» وأبو داوود.
712 - وعن عمر ن سليم, عن [أمه]؛ قالت: بينما نحن بمنى, إذا علي بن أبي طالب يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الأيام أيام أكل وشرب؛ فلا يصومها أحد».
رواه أحمد والنسائي.
713 - وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي أن يركب راحلة أيام منى, فيصيح في الناس: «لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب».
رواه أحمد.

الحديث: 711 - الجزء: 2 - الصفحة: 641

714 - وعن عبد تالله بن حذافة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب».
رواه النسائي والإِسماعيلي في «صحيحه».

الحديث: 714 - الجزء: 2 - الصفحة: 642

واحتج به أحمد: قال في رواية المروذي: أيام التشريق قد نُهي عن صيامها.
ويروى عن سليمان بن يسار, عن عبد الله بن حذافة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب».

* فصل:

وأما المتمتع إذا لم يجد الهدي, ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر؛ فهل يصوم أيام التشريق؟

على روايتين.
إحداهما: يجب عليه صومها.
وهي اختيار الشيخ.
715 - لما روي عن ابن عمر وعائشة؛ قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن يجد الهدي».
رواه البخاري.

الحديث: 715 - الجزء: 2 - الصفحة: 643

وفي رواية عن ابن عمر؛ قال: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة, فإن لم يجد هدياً ولم يصم؛ صام أيام منى».
وعن عائشة مثله.
رواه البخاري.
والثانية: لا يصومها.
قال ابن أبي موسى: وهي أظهرهما لعموم النهي, ولأنها أيام النهي, فلم تصم عن واجب ولا غيره؛ كيومي العيدين.
وذكر الخرقي والقاضي وأصحابه وغيرهم الروايتين في صومهما عن جميع الواجبات من النذر والقضاء والكفارات؛ كفارات الأيمان ونحوها, وكفارات الحج؛ كالمتمتع إذا لم يجد الهدي.

* فصل:

ويكره صوم يوم الشك في حال الصحو.

رواية واحدة.
واختلف أصحابنا هل هي كراهة تنزيه أو تحريم على وجهين: أحدهما: أنها كراهة تحريم.
قاله ابن البناء وغيره.
والثاني: كراهة تنزيه, وهو ظاهر قول القاضي.
وكذلك الإِمساك في نهاره, وسواء صامه عن رمضان أو صامه تطوعاً أو أطلق النية؛ إلا أن يوافق عادة مثل إن كانت عادته صوم يوم الاثنين نذراً [قال

الجزء: 2 - الصفحة: 644

القاضي] أو كان سرد الصوم؛ فلا يكره له.
. . . فإن صام عن قضاء أو نذر أو كفارة: فقال القاضي وابن البناء: لا يكره؛ كما لو وافق عادة, مثل ما قلنا في الجمعة, وكذلك يوم [الإِغمام] إذا قلنا: لا يصام من رمضان.
ذكره ابن الجوزي.
وقال بعض:.
. . يكره صومه عن فرض غير رمضان الحاضر, ويحرم عن رمضان أو عن تطوع لم يوافق عادة.
وقال أبو حكيم: لا يجوز صوم يوم الشك تطوعاً, ولا عن فرض.
قال في رواية الأثرم إذا لم يكن علة؛ قال: يصبح عازماً عل الفطر.
وقال في روايته: ليس ينبغي أن يصبح صائماً إذا لم يحل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره.
وقال في رواية المروذي, وقد سئل عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك؟ فقال: هذا إذا كان صحواً؛ لم يصم, فأما إن كان في السماء غيم؛ صام.
ونقل عنه أبو داود الشك على ضربين: فالذي لا يصام إذا لم يحل دون منظره سحاب ولا قتر, والذي يصام إذا حال دون منظره سحاب أو قتر.
وأما إذا وافق عادة؛ فأخذه أصحابنا من كراهة إفراد الجمعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 645

فعلى هذا؛ لو نذر صوم السنة كلها؛ دخل فيه يوم الشك.
وقال ابن عقيل: لا يدخل فيه يوم الشك؛ كالأيام الخمسة.
وهذا يقتضي المنع منه مفرداً أو مجموعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك مطلقاً, ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين إلا أن يوافق عادة.
وقد روى أحمد بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه.
والشك إذا تقاعد الناس أو تشاغلوا عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته فاسق؛ فأما مع عدم ذلك؛ فهو من شعبان.
قاله في «الخلاف».
وابن عقيل وأبو حكيم قال: لا يكون شكّاً مع الصحو؛ إلا أن [شهد] برؤيته فاسق, فترد شهادته, فيوقع في قلوب الناس شكّاً أو يتتارك الناس رؤية الهلال, فيصبحون لا يعلمون هل هو من رمضان أو شعبان.
وإذا كانت السماء مطبقة بالغيم بحيث لا يجوز رؤية الهلال, وقلنا: لا يصام؛ فهو يوم شك على ظاهر كلامه.
وذكر في «المجرد»: أنه شك أيضاً؛ لجواز أن يجيء الخبر بالرؤية من مكان آخر.
وقال ابن الجوزي: إذا كانت السماء مصحية؛ فشعبان موجود حقيقة وحكماً, ولم يوجد شك ولا شبهة.

الجزء: 2 - الصفحة: 646

وإذا تراءاه الناس فلم يروه: فقال ابن الجوزي: لم يُسمِّ أحد ذلك يوم شك.
فعلى هذا يجوز صومه تطوعاً.
والصواب أنه يوم شك؛ لإِمكان الرؤية في مكان آخر.
وقال أبو محمد: ليس لهم صيام آخر يوم من شعبان مع الصحو بحال؛ إلا أن يوافق عادة, أو يكون صائماً قبله أياماً.

* فصل:

ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين.

716 - لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «[لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين]؛ إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً؛ فليصمه».
رواه الجماعة.
فأما حديث عمران ومعاوية.
. . . فأما استقباله بالثلاثة؛ فالمشهور في المذهب أنه لا بأس به.

الحديث: 716 - الجزء: 2 - الصفحة: 647

وقال بعض أصحابنا: لا يستحب الصوم بعد منتصف شعبان إلا لمن قد صام قبله.
717 - لما روى العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان؛ فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان».
رواه الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن.
وقال النسائي: لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير العلاء.

الحديث: 717 - الجزء: 2 - الصفحة: 648

وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث: قال حرب: سمعت أحمد يقول في الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان؛ فلا صوم إلا رمضان»؛ قال: هذا حديث منكر.
قال: وسمعت أحمد يقول: لم يحدث (يعني: العلاء) حديثاً أنكر من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان؛ فلا صوم إلا رمضان» , وأنكر أحمد هذا الحديث, وقال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث عن سهيل, ورواية محمد بن يحيى الكحال هذا الحديث ليس بمحفوظ, والمحفوظ الذي يروى عن أبي سلمة [عن أم سلمة]: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان ورمضان.
واعتمد في رواية عبد الله على حديث أبي هريرة المتقدم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين»؛ فإن مفهوم هذا الحديث يجوز التقدم بالثلاثة.
ولأنه إنما كره التقدم خشية أن يزاد في الشهر ويلحق به ما ليس منه, وهذا أكثر ما يقع في اليوم واليومين, فأما الثلاثة؛ فلا يقع فيها لبس.
والله أعلم.
فأما صيام اليوم واليومين قبل رمضان قضاء أو نذراً أو كفارة.
. . .

الجزء: 2 - الصفحة: 649

* فصل:

ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.

718 - لما روى محمد بن عباد بن جعفر؛ قال: «سألت جابر بن عبد الله: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم».
متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: «أن ينفرد بصومه».
719 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة؛ إلا وقبله يوم, أو بعده يوم».
رواه الجماعة إلا النسائي.
وفي رواية لمسلم: «لا تختصوا ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي, ولا

الحديث: 718 - الجزء: 2 - الصفحة: 650

تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم».
وفي رواية لأحمد: «يوم الجمعة يوم عيد, ولا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم؛ إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
720 - وقد تقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل على جويرية يوم جمعة وهي صائمة, فقال لها: «أصمت أمس؟».
قالت: لا.
قال: «تصومين غداً؟».
قالت: لا.
قال: «فأفطري».
721 - وعن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده».
رواه أحمد.
واحتج به في رواية حنبل, فقال عكرمة عن ابن عباس: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده».
قال أبو عبد الله: ولا أحب لرجل أن يتعمد صيامه, فإن وافق نذراً؛ صامه؛ لأن هذا أسهل من العيدين, ولا يخصه رجل بصيام.
فأما يوم الفطر ويوم النحر؛ فهما مخصوصان بالنهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في صومهما, وقد استثنى في يوم الجمعة, فقال: «إلا رجل كلن يصوم صوماً فليصمه».

الحديث: 720 - الجزء: 2 - الصفحة: 651

فأما إن لم يقصده بعينه, بل صام قبله يوماً [أو] بعده يوماً, أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ [فإنه يصوم] يوم الجمعة دون ما قبله وما بعده, لكن في جملة أيام, أو أراد أن يصوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء, فكان يوم جمعة ونحو ذلك؛ لم يكره؛ فإن النهي إنما هو عن تعمده بعينه: كما قال في رواية حنبل.
وقال في رواية الأثرم, وقد سئل عن صيام يوم الجمعة, فذكر حديث النهي أن يفرد, ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه؛ فأما أن يفرد؛ فلا.
فقيل له: فإن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً, فوقع فطره يوم الخميس وصومه الجمعة وفطره السبت, فصام الجمعة مفرداً؟ فقال: هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة, وإنما كره أن يتعمد, وهذا لم يتعمد.
وقال أيضاً في رواية إبراهيم, وقد سأله عن صوم الجمعة, وهو يوم عرفة, ولا يتقدمه بيوم ولا يومين؟ فقال: لا يبالي, إنما أراد يوم عرفة, وإنما نهى عن صوم عرفة بعرفات.
وهذا لما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن في صومه إذا صام قبله أو بعده.
ولأنه جعل أفضل الصيام صيام داوود, ومعلوم أن من صام يوماً وأفطر يوماً؛ صام يوم الجمعة, وكذلك من صام يومين وأفطر يوماً, أو من صام يوماً وأفطر يومين.
وقد تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة».

الجزء: 2 - الصفحة: 652

لأنه كان يصوم الخميس فيصله بالجمعة.
ولا يكره صوم وحده عن فرض من قضاء أو نذر ونحو ذلك.
قاله القاضي.
فأما صومه بعينه؛ فينبغي أن يكون مكروهاً.
فإن صام معه يوماً من أيام الأسبوع, لا يليه, مثل الاثنين والأحد ونحو ذلك.
. . .

* فصل:

ويكره إفراد يوم السبت بالصيام

عند أكثر أصحابنا.
قال الأثرم: قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به؛ فقد جاء فيه حديث الصماء, وكان يحيى بن سعيد يتقيه, وأبى أن يحدثني به, وسمعته من أبي عاصم.
وقال في رواية الأثرم, وقد سأله عن صيام يوم السبت بغير فرض؟ فقال: قد جاء فيه الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم».
وعنه ما لا يدل على أنه لا يكره.
قال في رواية الأثرم: قد جاء في صيام يوم السبت ذاك الحديث مفرد, حديث الصماء عن النبي صلى الله عليه وسلم, وكان يحيى يتقيه.
وهذا يدل على توقفه عن الأخذ به؛ لأن ظاهر الحديث خلاف الإِجماع.

الجزء: 2 - الصفحة: 653

ولذلك قال الأثرم في «مختلف الحديث»: جاء هذا الحديث ثم خالفته الأحاديث كلها, وذكر الأحاديث في صوم المحرم وشعبان, وفيهما السبت, والأحاديث في إتباع رمضان بست من شوال, وقد يكون فيها السبت, وأشياء كثيرة توافق هذه الأحاديث.
وقد روي عن السلف أنهم أنكروه: فروى أبو داود عن ابن شهاب: أنه كان إذا ذُكر له أنه نهي عن صيام يوم السبت؛ يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصي.
وعن الأوزاعي؛ قال: ما زلت له كاتماً حتى رأيته انتشر (يعني: حديث ابن بسر في صوم يوم السبت).
قال أبو داود: قال: مالك: هذا [كذب].
وقال أبو داوود: هذا الحديث منسوخ.
ووجه الأول: 722 - ما روى ثور بن يزيد, عن خالد بن معدان, عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم, وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة (وفي لفظ: إلا لحاء عنب أو عود شجرة)؛ فليمصه».
رواه الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن.

الحديث: 722 - الجزء: 2 - الصفحة: 654

................. .

الجزء: 2 - الصفحة: 655

.................. .

الجزء: 2 - الصفحة: 656

................. .

الجزء: 2 - الصفحة: 657

................ .

الجزء: 2 - الصفحة: 658

................... .

الجزء: 2 - الصفحة: 659

..................... .

الجزء: 2 - الصفحة: 660

...................... .

الجزء: 2 - الصفحة: 661

.................... .

الجزء: 2 - الصفحة: 662

وقد رواه أحمد والنسائي من وجوه أخرى عن خالد عن عبد الله بن بسر.
723 - ورواه أيضاً عن الصماء, عن عائشة.
وإسناده إسناد جيد.
وقول أبي داوود: وهو منسوخ: يدل على جودة إسناده.

الحديث: 723 - الجزء: 2 - الصفحة: 663

724 - ورواه أحمد من حديث ابن لهيعة؛ قال: ثنا موسى بن وردان, عن عبيد الأعرج؛ [قال: حدثتني جدتي]: أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت وهو يتغدى, فقال: «تعالي فكلي».
فقالت: إني صائمة.
فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا.
قال: «كلي؛ فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك».
وإنما حُمل على الإِفراد؛ لأن في حديث جويرية وغيره: «أصمت أمس؟».
قالت: لا.
قال: «أتصومين غداً؟».
قالت: لا.
فعلم أن صومه مع الجمعة لا بأس به.

الحديث: 724 - الجزء: 2 - الصفحة: 664

وكذلك إذنه في فطر يوم وصوم يوم مطلقاً, وصوم يومين وفطر يوم, وصوم يوم وفطر يومين, وصوم أيام البيض؛ مع العلم بأن هذا لابد فيه من صوم يوم السبت كغيره من الأيام.
. . . ولأنه يوم عيد لأهل الكتاب؛ فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيماً له, فكره ذلك؛ كما كُره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب, وإفراد رجب أيضاً لما عظمه المشركون, مع أن يوم عاشوراء.
. . . فإن قيل: إنما يعظمونه بالفطر, ثم هذا منتقض بيوم الأحد.
. . . وعلله ابن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود, ويخصونه بالإِمساك, وهو ترك العمل فيه, والصائم في مظنة ترك العمل, فصار تشبهاً بهم.
725 - وعن كريب: أنه سمع أم سلمة؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام, ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين؛ فأنا أحب أن أخالفهم».
رواه أحمد والنسائي.

الحديث: 725 - الجزء: 2 - الصفحة: 665

وروى النسائي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
. . .

* فصل

: قال أصحابنا: ويكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان.

الجزء: 2 - الصفحة: 666

726 - وقد أومأ أحمد إلى ذلك فقال في رواية عبد الله: [حدثنا] وكيع, عن سفيان, عن رجل, عن أنس والحسن: كرها صوم يوم النيروز والمهرجان.
قال أبي: أبان بن أبي عياش؛ يعني: الرجل.
قال بعضهم: وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم.

مسألة:

وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان.

الحديث: 726 - الجزء: 2 - الصفحة: 667

الأصل في هذه الليلة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1 - 5] السورة إلى آخرها, وقوله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: رقم 185] , وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: آية 3].
727 - قال ابن أبي نجيح, عن مجاهد: «بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فلم يضعه عنه.
فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه, فعجبوا من قوله, فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: آية 3]؛ يقول الله تعالى: ليلة القدر خير لكم من تلك الألف شهر التي لبس فيها السلاح, وذلك الرجل في سبيل الله».
رواه آدم ابن أبي إياس عن الزنجي عنه.
828 - وذكر مالك في «الموطأ»: أنه سمع من يثق به يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله ذلك, فكأنه تقاصر أعمار أمته, لا يبلغون من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر, فأعطاهم الله ليلة القدر خير من ألف شهر».

الحديث: 727 - الجزء: 2 - الصفحة: 668

729 - وعن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وهي باقية في رمضان إلى يوم القيامة في العشر الأواخر منه.
قال أبو عبد الله في رواية حنبل: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان, وحديث ابن عمر هو أصحها, والرواية في ليلة القدر صحيحة: أنها في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر, واختلف في ذلك؛ قالوا: عن النبي صلى الله عليه وسلم: في سبع [يبقين] , وقالوا: في ثلاث [يبقين] , فهي في العشر, في وتر من الليالي, لا يخطئ ذلك إن شاء الله تعالى, كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخر لثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين»؛ فهي في العشر الأواخر.
وقال في رواية أبي داود: الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر؛ يعني: ليلة القدر.

الحديث: 729 - الجزء: 2 - الصفحة: 669

وقال القاضي في «المجرد»: وفيها: (يعني: العشر الأواخر من رمضان) يجوز أن تطلب من كل وتر منه, ولكن لثلاث بقين وسبع بقين وتسع بقين أشد استحباباَ.
والظاهر أنها إحدى هذه الثلاث الليالي, وذلك: 730 - لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان: ليلة القدر في تاسعة تبقى, في سابعة تبقى, في خامسة تبقى».
رواه احمد والبخاري وأبو داود.
وفي رواية للبخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي في العشر: هي في [تسع] يمضين, أو في سبع يبقين»؛ يعني: ليلة القدر.
قال البخاري: قال عبد الوهاب عن أيوب, وعن خالد عن عكرمة عن ابن عباس: «التمسوا في أربع وعشرين».
731 - وعن ابن عمر: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر

الحديث: 730 - الجزء: 2 - الصفحة: 670

في المنام في السبع الأواخر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر؛ فمن كان متحريها؛ فليتحرها في السبع الأواخر».
متفق عليه.
وفي رواية في الصحيح عن ابن عمر؛ قال: كانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر (يعني: ليلة القدر) , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر؛ فمن كان متحريها؛ فليتحرها في العشر الأواخر.
وفي رواية لأحمد ومسلم؛ قال: أرى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر؛ فاطلبوها في الوتر منها.
وفي رواية شعبة, عن حكيم بن سحيم, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من كان ملتمساً؛ فليلتمسها في العشر الأواخر».
وفي رواية معمر, عن الزهري, عن سالم, عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليلة القدر في العشر الغوابر, في التسع الغوابر».
وفي رواية شعبة, عن عقبة بن حريث؛ قال: سمعت ابن عمر يقول:

الجزء: 2 - الصفحة: 671

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان ملتمساً؛ فليلتمسها في العشر الأواخر, فإن عجز أو ضعف؛ فلا يغلب على السبع البواقي».
وفي رواية شعبة, عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان متحريها؛ فليتحرها ليلة سبع وعشرين».
وقال عروة: «ليلة سبع وعشرين».
رواهن أحمد.
وروى حنبل, عن عارم, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: كانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها ليلة السابعة من العشر الأواخر؛ فمن كان متحريها؛ فليتحرها ليلة السابعة في العشر الأواخر».
ورواه معمر, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إني رأيت في المنام ليلة القدر, كأنها ليلة سابعة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أرى رؤياكم قد تواطأت (يعني: ليلة سابعة)؛ فمن كان منكم متحريها؛ فليتحرها ليلة سابعة».
قال معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيباً.
وفي رواية من هذا الوجه: إني رأيت رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين؛ فمن كان منكم يريد أن يقوم الشهر؛ فليقم ليلة ثلاث وعشرين.

الجزء: 2 - الصفحة: 672

732 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان, ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان».
متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».
733 - وعن أبي سلمة, عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان, ثم اعتكف العشر الأوسط, في قبة تركية على سدتها حصير, فأخذ الحصير بيده, فنحاها في ناحية القبلة, ثم أطلع رأسه, فكلم الناس, فدنوا منه, فقال: «إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة, ثم إني اعتكفت العشر الأوسط, ثم أتيت فقيل: إنها في العشر الأواخر؛ فمن أحب منكم أن يعتكف؛ فليعتكف».
فاعتكف الناس معه.
قال: «وإني أريتها ليلة وتر, وأني أسجد في صبيحتها في طين وماء».
فأصبح من ليلة إحدى وعشرين, وقد قام إلى الصبح, فمطرت السماء, فوكف المسجد, فأبصرت الطين والماء, فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيها الطين والماء, وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر».
رواه الجماعة إلا الترمذي, وهذا لفظ مسلم وغيره.

الحديث: 732 - الجزء: 2 - الصفحة: 673

وفي رواية متفق عليها: «فابتغوها في العشر الأواخر, وابتغوها في كل وتر».
وعن أبي نضرة, عن أبي سعيد؛ قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبان له, فلما انقضين؛ أمر بالبناء فقوض, ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر, فأمر بالبناء فأعيد, ثم خرج على الناس, فقال: «يا أيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر, وإني خرجت لأخبركم بها, فجاء رجلان يحتقَّان, معهما الشيطان, فنسيتها, فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان, التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».
قال: قلت: يا أبا سعيد! إنكم بالعدد أعلم منا.
قال: أجل؛ نحن أحق بذلك منكم.
قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون؛ فالتي تليها اثنتان وعشرون؛ فهي التاسعة, وإذا مضى ثلاث وعشرون؛ فالتي تليها السابعة, وإذا مضى خمس وعشرون؛ فالتي تليها الخامسة.
رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
734 - وعن انس, عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ليخبرنا بليلة القدر, [فتلاحى رجلان من المسلمين, فقال: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر] , فتلاحى فلان وفلان, فرفعت, وعسى أن يكون

الحديث: 734 - الجزء: 2 - الصفحة: 674

خيراً لكم؛ فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».
رواه أحمد والبخاري والنسائي.
وفي رواية أحمد عن عبادة؛ قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر, فقال: هي في شهر رمضان؛ فالتمسوها في العشر الأواخر؛ فإنها وتر؛ ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو آخر ليلة من رمضان, من قامها احتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
735 - وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت ليلة القدر, ثم أيقظني بعض أهلي, فنسيتها, فالتمسوها في العشر الغوابر».
رواه النسائي من حديث يونس وشعيب عن الزهري عن أبي سلمة عنه.
736 - وعن الصنابجي في ليلة القدر؛ قال: «أخبرني مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنها في السبع في العشر الأواخر».
رواه البخاري.

الحديث: 735 - الجزء: 2 - الصفحة: 675

737 - وفي رواية عن الصنابجي, عن بلال؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة السابع وعشرين».
رواه علي بن حرب.
837 - وعن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر».
رواه أحمد.
739 - وعن ابن عباس؛ قال: قال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان منكم ملتمساً ليلة القدر؛ فليلتمسها في العشر الأواخر وتراً».
رواه أحمد.

الحديث: 737 - الجزء: 2 - الصفحة: 676

740 - وعن أبي بكرة؛ قال: ما أن بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر؛ فإني سمعته يقول: «التمسوها في تسع بقين, أو سبع بقين, أو خمس بقين, أو ثلاث بقين, أو آخر ليلة».
قال: فكان أبو بكرة يصلي من العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة, فإذا دخل العشر؛ اجتهد.
رواه أحمد والنسائي والترمذي, وقال: حديث حسن صحيح.
وأيضاً؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر ويجتهد في العبادة فيه ما لا يجتهد في سائر الشهر, ويشد المئزر, ويعتزل أهله, ويوقظهم فيه, وهذا كله يقتضي اختصاصه بما لا يشركه فيه سائر ليالي الشهر, وأنه أفضل الأعشار؛ فلا يجوز أن تكون ليلة القدر في غيره؛ لأن عشرها أفضل الأعشار.

الحديث: 740 - الجزء: 2 - الصفحة: 677

فهذه النصوص من النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنها العشر الأواخر, وأن السبع الأواخر أرجى هذا العشر, وأن أرجاها ليالي الوتر.
ثم الوتر باعتبار ما بقي لا باعتبار ما مضى.
وكذلك ذكره أحمد.
وفي بعضها: أنه باعتبار ما مضى.
فإذا كان باعتبار ما مضى؛ فليالي الوتر إحدى وعشرين, وليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.
وإن كان باعتبار ما بقي, وكان الشهر ثلاثين؛ فتاسعة تبقى ليلة اثنين وعشرين, وسابعة تبقى ليلة أربع وعشرين, وخامسة تبقى ليلة ت وعشرين, وثالثة تبقى ليلة ثمان وعشرين, وواحدة تبقى آخر ليلة.
وهكذا في حديث أبي بكرة المرفوع, وتفسير أبي سعيد.
وإن كان الشهر تسعاً وعشرين؛ فتاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين.
ويستوي على هذا التقدير الوتر باعتبار ما مضى وما بقي.
وقد يكون قوله: «لثلاث بقين أو خمس بقين أو سبع بقين»؛ يعني: من الليالي التزام الكوامل.
فإذا كان الشهر تامّاً أيضاً؛ كان الأوتار مما مضى هي الأوتار مما بقي؛ فليلة إحدى وعشرين قد بقي تسع كوامل.
741 - فإن قيل: قد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها ليلة سبع [عشرة] من رمضان, وليلة إحدى

الحديث: 741 - الجزء: 2 - الصفحة: 678

وعشرين, وليلة ثلاث وعشرين» , ثم سكت.
رواه أبو داوود.
742 - وروى عبد الرزاق عن علي ونحوه.
743 - وروى سعيد عن [أبي] نحوه.

الحديث: 742 - الجزء: 2 - الصفحة: 679

744 - وعن موسى بن عقبة, عن أبي إسحاق, عن سعيد بن جبير, عن عبد الله بن عمر؛ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: «هي في كل رمضان».
رواه أبو داود وقال: رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفاً على ابن عمر لم يرفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
745 - وعن أبي العالية: أن أعرابيّاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي, فقال له: متى ليلة القدر؟ فقال: «اطلبوها في أول ليلة, وآخر ليلة, والوتر من الليالي».
رواه أبو داوود في «مراسيله».
قيل: أما حديث عبد الله وأبي العالية إن صح؛ فإنه – والله أعلم- كان قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنها في العشر الأواخر؛ كما فسره أبو سعيد؛ فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحراها في العشر الأوسط, ثم أعلم أنها في الأواخر, وأمر

الحديث: 744 - الجزء: 2 - الصفحة: 680

أصحابه بتحريها في العشر البواقي.
وكذلك [حديث] ابن عمر وغيره يدل على أن العلم بتعيينها في العشر الأواخر كان متجدداً, فإذا وقع التردد بين الأوسط والآخر؛ علم أن الشك قبل العلم.
وأما حديث ابن عمر؛ فمعناه – والله أعلم – أنها في جميع الرمضانات لا تختص ببعض الرمضانات الموجودة على عهد الأنبياء عليهم السلام؛ فإن ابن عمر قد صح عنه أنه أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها في العشر الأواخر.
وذلك أن بعض الناس توهم أنها رفعت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فتلاحى فلان وفلان فرفعت» , وإنما رُفع علمها ومعرفتها في ذلك العام؛ لأنه خرج ليخبركم بها, فأنسيها.
ومن هذا الباب رفع القرآن ونحوه.
ويدل على ذلك قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: رقم 216] , [وقوله: «وعسى أن يكون خيراً»].
وارتفاع بركة ليلة القدر لا خير فيه للأمة؛ بخلاف نسيانها؛ فإنه قد يكون فيه خير للاجتهاد في العشر كله.
وقوله بعد ذلك: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» , ولولا أنها موجودة بعد هذا الرفع؛ لم تلتمس.

الجزء: 2 - الصفحة: 681

746 - فقد روى عبد الرزاق, عن يزيد بن عبد الله بن الهاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ليلة القدر, فقيل له: قد كانت [مع النبيين] ثم رفعت حين قبضوا أو في كل سنة؟ قال: «بل في كل سنة».
747 - وعن ابن عباس؛ قال: «ليلة القدر في كل رمضان تأتي».
وإجماع الصحابة على طلبها والتماسها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع على ذلك.
قال كثير من أصحابنا: تلتمس في جميع العشر, وآكده ليالي الوتر, وآكده ليلة سبع وعشرين؛ لأن أحمد رضي الله عنه قال: أصحها حديث ابن عمر, وفي حديث ابن عمر أنها ليلة سبع وعشرين.
وهو قول القاضي في «الخلاف» , وعامة أصحابه.
وقال القاضي في «المجرد»: أوكد ليالي الوتر لثلاث بقين وسبع بقين وتسع بقين, والظاهر أنها إحدى هذه الليالي الثلاث.
748 - وعن قتادة: أنه سمع مطرفاً, عن معاوية بن أبي سفيان, عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر؛ قال: «ليلة سبع وعشرين».
رواه أبو داود.

الحديث: 746 - الجزء: 2 - الصفحة: 682

749 - وعن ابن عباس: أن رجلاً أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! إني شيخ كبير عليل, يشق عليَّ القيام, فأمرني بليلة, لعل الله يوفقني بها لليلة القدر.
قال: «عليك بالسابعة».
رواه أحمد.
750 - وعن أبي عقرب الأسدي؛ قال: أتيت عبد الله بن مسعود, فوجدته على إيجار له (يعني: سطحاً) , فسمعته يقول: صدق الله ورسوله, صدق الله ورسوله.
فصعدت إليه, فقلت: يا أبا عبد الرحمن! ما لك قلت: صدق الله ورسوله صدق الله ورسوله؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأنا أن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر؛ أن الشمس تطلع صبيحتها ليس لها شعاع.
قال: فصعدت, فنظرت إليها, فقلت: صدق الله ورسوله, صدق الله ورسوله».
رواه أحمد وسعيد.

الحديث: 749 - الجزء: 2 - الصفحة: 683

751 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: متى ليلة القدر؟ قال: «من يذكر منكم ليلة الصهباوات؟».
قال عبد الله: أنا بأبي أنت وأمي.
وإن في يدي لتمرات أتسحر بهن مستتراً بمؤخرة رحلي من الفجر, وذلك حين طلع القمر.
رواه أحمد.

752 - وعن زر بن حُبيش؛ قال: «سمعت أبي بن كعب يقول: وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة؛ أصاب ليلة القدر.
فقال أبي بن كعب: والله الذي لا إله إلا هو؛ إنها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) , ووالله؛ إني لأعلم أي ليلة هي, هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها ليلة سبع وعشرين, وأمارتها تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها».

الحديث: 751 - الجزء: 2 - الصفحة: 684

وفي رواية: «سألت ابن كعب, فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول؛ يصب ليلة القدر.
فقال: رحمه الله؛ أراد ألا يتّكل الناس, أما إنه قد علم أنها في رمضان, وأنها في العشر الأواخر.
ثم حلف لا يستثني: إنها ليلة سبع وعشرين.
فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة (أو: بالآية) التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها».
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه, قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي رواية: قلت: وما تلك الآية؟ قال: أن تصبح الشمس يومئذ بيضاء لا شعاع لها حتى ترتفع كأنها الطست.
753 - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ قال: «قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول, ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل, ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح, وكنا ندعو السحر: الفلاح, فأما نحن؛ فنقول: ليلة السابعة, ليلة سبع وعشرين, وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة؛ فمن أصوب؟! نحن أو أنتم».
رواه أحمد والنسائي.
ويلي هذه الليلة سابعة تبقى؛ كما ذكره الإِمام أحمد.

الحديث: 753 - الجزء: 2 - الصفحة: 685

قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في سبع بقين» , وقالوا: «في ثلاث بقين» , وهي على هذا التقدير إما ليلة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين, وهي أول السبع البواقي التي خصت في حديث ابن عمر ومؤذن النبي صلى الله عليه وسلم, وقد جاء ذلك منصوصاً في حديث بلال وغيره.
754 - وعن الحسن: أنه كان يقول: «ليلة سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين».
755 - وهو كذلك في الحديث المرفوع عن أبي بكرة.
وقد تقدم تفسير أبي سعيد أن ليلة سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين, ثم قد اختصها دون سائر الليالي.
756 - فروي عن أبي نضرة, عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين».
رواه الطيالسي في «مسنده» بإسناد جيد.

الحديث: 754 - الجزء: 2 - الصفحة: 686

............... .

الجزء: 2 - الصفحة: 687

757 - ورواه هدبة بن خالد, عن أبي سعيد موقوفاً؛ قال: ليلة القدر هي ليلة أربع وعشرين, نحن أعلم بالحساب منكم, هي ليلة أربع وعشرين السابعة, وليلة ثلاث وعشرين ثامنة تبقى.
ويؤيد ذلك أنه قد روي أن القرآن نزل فيها.
ومنهم من يفسرها بليلة ثلاث وعشرين؛ كما تقدم عن أيوب وغيره.
758 - عن أبي المليح, عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: «أنزل الله صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من شهر رمضان, وأنزل

الحديث: 757 - الجزء: 2 - الصفحة: 688

الإِنجيل على عيسى عليه السلام في ثمان عشرة ليلة من شهر رمضان, وأنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان».
رواه هشام بن عمار وأبو حفص بن شاهين عن علي بن عاصم عن عبد الله بن سعيد بن يحيى عن عبيد الله بن أبي حميد عنه.
759 - ورواه أبو حفص بن شاهين عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً.

الحديث: 759 - الجزء: 2 - الصفحة: 689

............... .

الجزء: 2 - الصفحة: 690

760 - وعن إسماعيل بن عياش, عن عبد الله بن دينار؛ قوله.
وقد تفسر بليلة ثلاث وعشرين؛ كما تقدم عن أيوب.
761 - وذلك لما روى بشر بن سعيد, عن عبد الله بن أنيس الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت ليلة القدر ثم أنسيتها, وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين».
قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين, فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه, وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين.
رواه أحمد ومسلم.
762 - وعن محمد بن إبراهيم, عن [ابن] عبد الله بن أنيس, عن أبيه؛ قال: قلت: يا رسول الله! إن لي بادية أكون فيها, وأنا أصلي فيها بحمد الله؛ فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد.
فقال: «انزل في ليلة ثلاث

الحديث: 760 - الجزء: 2 - الصفحة: 691

وعشرين».
فقيل لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر, فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح, فإذا صلى الصبح؛ وجد دابته على باب المسجد, فجلس عليها فلحق بباديته.
رواه أبو داوود.
763 - [و] [عن الزهري] , عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس, عن أبيه؛ [قال: كنت في مجلس بني سلمة, وأنا أصغرهم] , فقالوا: من يسأل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان, فخرجت, فوافيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب, ثم قمت بباب بيته, فمرَّ بي, فقال: «ادخل».
فدخلت, فأتي بعشائه, فرأيتني أكف عنه من قلته, فلما فرغ؛ قال: «[ناولني] نعلي».
فقام وقمت معه, فقال: «كأنَّ لك حاجة».
قلت: أجل؛ أرسلني إليك رهط [من] بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر؟ فقال: «كم الليلة؟».
[فقلت:] اثنان وعشرون.
قال: «هي الليلة».
ثم رجع فقال: «أو القابلة»؛ يريد: ليلة ثلاث وعشرين.
رواه أبو داوود والنسائي.

الحديث: 763 - الجزء: 2 - الصفحة: 692

764 - وعن معاذ بن عبد الله بن حبيب؛ قال: قالوا لعبد الله بن أنيس الجهني: يا أبا يحيى! حدثنا كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في ليلة القدر المباركة؟ فقال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مسجد جهينة, فقلنا: يا رسول الله! متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «التمسوها [هذه] الليلة».
فقال رجل: يا رسول الله! لثامنة تبقى؟ فقال: «ولكن لسابعة تبقى, إن الشهر لا يتم».
رواه هدبة بن خالد وحسن والليث.

الحديث: 764 - الجزء: 2 - الصفحة: 693

765 - وعن ابن عباس؛ قال: «أتيت وأنا نائم في رمضان, فقيل لي: إن الليلة ليلة القدر.
فقمت وأنا ناعس, فتعلقت ببعض أطناب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي».
فقال ابن عباس: «فنظرت في الليلة؛ فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين».
فقال ابن عباس: «إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم؛ إلا ليلة القدر؛ فإنها تطلع يومئذ لا شعاع لها».
رواه سعيد.
والذي يبين أن السابعة أرجى الليالي, وأنها سابعة تمضي أو تبقى: 766 - ما رواه أحمد, ثنا عبد الرزاق, ثنا معمر, عن قتادة وعاصم, أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: «دعا عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسألهم عن ليلة القدر؟ فأجمعوا أنها في العشر الأواخر.
فقلت لعمر رضي الله عنه: إني لأعلم (أو: إني لأظن) أي ليلة هي.
قال: وأي ليلة هي؟ قال: قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر.
قال: ومن أين تعلم؟ قال: خلق

الحديث: 765 - الجزء: 2 - الصفحة: 694

الله سبع سماوات وسبع أرضين وسبعة أيام, وإن الدهر يدور في سبع, وخلق الإِنسان ويأكل ويسجد على سبع, والطواف سبع, والجمار سبع.
فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنّا له».
767 - وعن عاصم بن كليب, عن أبيه, عن خاله؛ قال: سأل عمر ابن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان يسألني معهم, مع الأكابر منهم, ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا.
فقال: علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «اطلبوها في العشر الأواخر وتراً»؛ ففي أي الوتر ترون؟ قال: فأكثر القوم في الوتر.
فقال: ما لك لا تتكلم يا ابن عباس؟ قال: قلت: إن شئت تكلمت برأيي.
قال: عن رأيك أسألك.
قال: قلت: رأيت الله تعالى أكثر ذكر السبع في القرآن, فذكر السماوات سبعاً, والأرضين سبعاً, والطواف سبعاً, والجمار سبعاً, وما شاء الله في ذلك, وخلق الإِنسان في سبعة, وجعل رزقه في

الحديث: 767 - الجزء: 2 - الصفحة: 695

سبعة.
فقال: كل ما ذكرت عرفت؛ فما قولك: خلق الإِنسان من سبعة وجعل رزقه في سبعة؟ قال: خلق الإِنسان من سلالة من طين, ثم جعله نطفة في قرار مكين.
. . إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: آية 14] , ثم قرأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا.
. .﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبًّا﴾ [عبس: آية 25 - 31] , والأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس؛ فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين.
قال عمر: غلبتموني, لا تأتوا بإجابة [كإجابة] هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه».
رواه المحاملي.
ورواه أحمد في «مسنده» المرفوع عنه, عن الدورقي, عن ابن إدريس, عنه.
وقد تقدم حديث أبي سعيد في ليلة الحادي والعشرين, ونبه عليه أحمد

الجزء: 2 - الصفحة: 696

بقوله: «تسع تبقى».
وهذه الأحاديث كلها تقتضي أنها تكون في هذه الليالي كلها, وقد كانت في عام من الأعوام في إحدى هذه الليالي, فتكون متنقلة في الليالي العشر.
وحكى هذا عن أحمد نفسه, وهو مقتضى ما ذكره القاضي وغير من أصحابنا.
ومن أصحابنا من قال: إنها ليلة واحدة في كل سنة لا تتغير, وزعم أنه مقتضى كلام أحمد, وليس بصحيح.
وبكل حال؛ فلا نجزم لليلة بعينها أنها ليلة القدر على الإِطلاق, بل هي مبهمة في العشر؛ كما دلت عليه النصوص.
وينبني على ذلك: أنه لو نذر قيام ليلة القدر؛ لزمه, ولم يجزه في غيرها, فيلزمه قيام ليالي العشر كلها؛ كمن نذر ونسى صلاة من يوم لا يعلم عينها, ولو علق عتاقاً أو طلاقاً بليلة القدر قبل دخول العشر؛ حكم به إذا انقضى العشر, إن كان في أثناء العشر؛ حكم به في مثل تلك الليلة من العام المقبل؛ إن قيل: لا تنتقل, وإن قيل: تنتقل؛ لم يحكم به حتى ينصرم العشر من العام القابل, وهو الصواب.
والله أعلم.

* فصل:

وعلامتها

ما تقدم أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها, كأنها الطست حتى ترتفع, ذكر معنى ذلك مرفوعاً في حديث أبي وابن مسعود, وجاء عن ابن عباس أيضاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 697

768 - وعن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية [بلجة] , كأن فيها قمراً ساطعاً, ساكنة ساجية, لا برد فيها ولا حر, ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح, وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر, لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ».
رواه أحمد.
769 - وعن حماد بن سلمة, عن حميد, عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر؛ التاسعة, والسابعة, والخامسة, وآخر ليلة, هي ليلة بلجة, لا حارة ولا باردة, ولا يرمى فيها بنجم, ولا ينبح فيها كلب».
رواه هدبة بن خالد عنه.
770 - وعن عبيد بن عمير؛ قال: «كنت ليلة السابع والعشرين في

الحديث: 768 - الجزء: 2 - الصفحة: 698

البحر.
فأخذت من مائه, فوجدته عذباً سلساً.
. .».

* فصل:

ويستحب الاجتهاد في العشر مطلقاً.

771 - لما روي عن عائشة؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر؛ أحيا الليل, وأيقظ أهله, وشد المئزر».
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «وجدَّ وشدَّ المئزر».
وفي رواية له: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.

الحديث: 771 - الجزء: 2 - الصفحة: 699

772 - وعن علي؛ قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان».
رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

الحديث: 772 - الجزء: 2 - الصفحة: 700

ورواه عبد الله بن أحمد, ولفظه: «إذا دخل العشر الأواخر؛ شد المئزر».
وفي لفظ: «رفع المئزر, وأيقظ نساءه».
قيل لأبي بكر بن عياش: ما رفع المئزر؟ قال: اعتزل النساء.
773 - وعن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة [القدر] ما أقول؟ قال: «[تقولين:] اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
رواه الخمسة إلى أبا داود, وصححه الترمذي, ولفظه: قلت: يا رسول الله! إن علمت أي ليلة القدر؛ ما أقول؟ قال: قولي: (فذكره).

الحديث: 773 - الجزء: 2 - الصفحة: 701

.............. .

الجزء: 2 - الصفحة: 702

774 - ويحصل النصيب منها؛ لحديث أبي [ذر]؛ [فإنه] يقتضي أن قيامها يحصل بالقيام مع الإِمام.
775 - وعن مالك: أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول: «من شهد العشاء ليلة القدر؛ فقد أخذ بحظه».

الحديث: 774 - الجزء: 2 - الصفحة: 703

776 - وعن الضحاك: «أنه قيل له: أرأيت النفساء والحائض والنائم والمسافر؛ هل لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم؛ كل من تقبَّل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر لا يخيبه أبداً».


الحديث: 776 - الجزء: 2 - الصفحة: 704

فصول الكتاب · 5 فصل
جارٍ التحميل