688 - ورواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو.
إلا أن هذين الحديثين إنما يدلان على الفطر في موضع يكون الصوم مكروهاً؛ كإفراد يوم الجمعة, وسرد الصوم الذي يضعف به حقوق أهله, ونحو ذلك.
وأيضاً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في شهر رمضان هو وأصحابه وهو مسافر بعد أن أصبحوا صياماً لما كان جائزاً لهم ترك الصوم؛ فلن يجوز الفطر في صيام التطوع أولى وأحرى.
وأيضاً؛ فإنه إجماع ذكرناه عن سلمان وأبي الدرداء.
689 - وعن الحارث, عن علي؛ قال: «إذا أصبحت وأنت تريد الصيام؛ فأنت بالخيار: إن شئت صمت, وإن شئت أفطرت؛ إلا أن تفرض الصيام عليك من الليل».
[يعني والله أعلم بالنذر]
690 - وعن عبد الله: «متى أصبحت وأنت تريد الصوم؛ فأنت على خير النظرين: إن شئت صمت, وإن شئت أفطرت».
وفي رواية عنه؛ قال: «أحدكم بأخير الفطرين ما لم يأكل أو يشرب».
691 - وعن عكرمة, عن ابن عباس؛ قال: «الصائم بالخيار: إن شاء صام, وإن شاء أفطر».
692 - وعن عطاء, عن ابن عباس؛ قال: «إذا صام الرجل تطوعاً, ثم شاء أن يقطعه؛ قطعه, وإذا دخل في صلاة تطوعاً, ثم شاء أن يقطعها؛ قطعها, وإذا طاف بالبيت تطوعاً, ثم شاء أن يقطعه؛ قطعه, غير أنه لا ينصرف إلا على وتر خمساً أو ثلاثاً أو شوطاً, وإذا أخرج الرجل صدقة تطوعاً, ثم شاء أن يحبسها؛ حبسها».
693 - وعن ابن عمر: أنه أصبح صائماً, ثم أتى بطعام, فأكل, فقيل له: ألم تكن صائماً؟ فقال: «لا بأس به؛ ما لم يكن نذراً أو قضاء رمضان».
رواهن سعيد.
694 - وعن جابر: «أنه كان لا يرى [بالإِفطار] في صيام التطوع بأساً».
رواه الشافعي.
وأيضاً؛ فإن الرجل إذا أصبح صائماً؛ لم يوجد منه إلا مجرد النية والقصد, والنية المجردة لا يجب بها شيء.
695 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به».
يبقى الفرق بينه وبين الإِحرام وبين أن يتكلم بالنية أو لا يتكلم بها.
ولأنها عبادة يخرج منها بالإِفساد, فلم يجب قضاؤها إذا أفسدها؛ كالوضوء, وكما لو صام يعتقد أن عليه فرضاً؛ فإنه بخلافه, وعكسه الإِحرام؛ فإنه لا يخرج منه بالفساد....
ولأنه إذا كان له أن لا يفعل؛ كان له أن يخرج منه قبل الإِتمام....
وأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]؛ فإنه ما لم يتم فليس بعمل.
وأما الأحاديث التي فيها الأمر بالقضاء إن كانت صحيحة؛ فإنما هو أمر استحباب, وبيان أن الصوم لم يفت, وأن المفطر إذا صام يوماً مكان هذا اليوم؛ فقد عمل بدل ما ترك.
696 - وهذا كما قضت عائشة عمرة بدل العمرة التي أدخلت عليها الحج وصارت قارنة.
وكما قضى النبي صلى الله عليه وسلم اعتكافه حتى لا يعتقد المعتقد أن المتطوع إذا أفطر؛ فقد بطلت حسنته على وجه لا يمكن تلافيه؛ كالمفطر في رمضان ونحوه.
ويدل على ذلك أشياء:
أحدها أن الرواية المسندة قال فيها: «لا عليكما صوما مكانه يوماً», مع إخبارهما أنهما أكلتا بشهوة ولم يفطرا لعذر.
وبقوله: «لا عليكما»؛ أي: لا بأس عليكما, ولو كان الفطر حراماً والقضاء واجباً؛ لكان عليهما بأس.
ثانيهما: أن في رواية سفيان عن الزهري: أنهما لما أخبرتاه؛ تبسم النبي
صلى الله عليه وسلم, ولو كانتا قد أذنبتا؛ لغضب أو لبيَّن لهما أن هذا حراماً؛ لئلا يعودا إليه.
وأما قوله: «ولا تعودا»؛ فهي رواية مرسلة, ثم معناها – والله أعلم – لا تعودا إلى فطر تريدان قضاؤه؛ فإن إتمام الصيام أهون من التماس القضاء, وهذا لما رأى حزنهما على ما فوتاه من الصوم؛ قال: فلا تفعلاه شيئاً تحزنا عليه.
وثالثهما: أن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحيس: أنه قال: «إني آكل وأصوم يوماً مكانه», ولولا أن الخروج جائز والقضاء مستحب؛ لما أفطر.
ورابعهما: أن في حديث المدعو إلى طعام أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر وصم يوماً مكانه».
وفي رواية: «إن أحببت», ولو كان القضاء واجباً؛ لما قيل هذا.
وخامسها: أن ابن عمر وابن عباس قد أمرا بالقضاء, وصح عنهما جواز الإِفطار لغير عذر, فعلم أن ذلك أمر استحباب.
697 - فروى يوسف بن ماهك؛ قال: «وطئ ابن عباس جارية له وهو صائم, فقال: إنما هو تطوع وهي جارية اشتهيتها».
698 - وفي رواية عن سعيد بن جبير؛ قال: «دخلنا على ابن عباس صدر النهار فوجدناه صائماً, ثم دخلنا فوجدناه مفطراً, فقلنا: ألم تك صائماً؟ قال: بلى, ولكن جارية لي أتت عليَّ, فأعجبتني, فأصبتها, وإنما هو تطوع, وسأقضي يوماً مكانه, وسأزيدكم: إنها كانت بغيّاً فحصنتها, وإنه قد عزل عنها».
قال سعيد بن جبير: «فعلمنا أربعة أشياء في حديث واحد».
رواهما سعيد.
وأما حديث شداد بن أوس إن صح؛ فيشبه – والله أعلم – أن يكون ذلك فيمن يعتاد أبداً الصوم ثم تركه لشهوته؛ فإن هذا مكروه.
ويحتمل أن يكون تفسير الشهوة الخفية من جهة بعض الرواة مدرجاً في الحديث.
يدل على ذلك ثلاثة أشياء.
أحدها: أن الشهوة الخفية قد فسرها أبو داوود وغيره بأنها حب الرئاسة, ولو كان تفسيرها مرفوعا؛ لما أقدموا على ذلك.
الثاني: أن تفسيرها بحب الرئاسة أشبه؛ لأن حب الرئاسة يكون في الإِنسان, ويظهر الأعمال الصالحة ولا نعلم أن مقصوده درك الرئاسة.
الثالث: أن الأكل شهوة ظاهرة؛ فإنه إن لم تكن هي الشهوة الظاهرة؛ لم يكن لها شهوة ظاهرة.
الرابع: أن قرانه بالرياء دليل على أنه أراد ما هو من جنسه, والذي هو من جنسه هو حب الشرف لا أكل الطعام.
والله تعالى أعلم.
فصل:
في المواضع [التي يكره فيها الفطر أو يستحب أو يباح]
قال القاضي: يكره الخروج من الصوم والصلاة لغير عذر....
وقال في رواية أبي الحارث في رجل يصوم التطوع فيسأله أبواه أو أحدهما أن يفطر؛ قال:
699 - يروى عن الحسن: أنه يفطر, وله أجر البر وأجر الصوم إذا افطر.
وقال في رواية عبد الله: إذا نهاه أبوه عن الصوم؛ ما يعجبني أن يصوم إذا نهاه, ولا أحب لأبيه أن ينهاه؛ يعني: في التطوع.
وقال في رواية يوسف بن موسى: إذا أمره [أبواه]؛ لا يصلي إلا المكتوبة.
قال: يداريهما ويصلي.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: فإن دعاه والداه وهو في الصلاة؟
700 - قال: قد روى ابن المنكدر؛ قال: «إذا دعتك أمك وأنت في الصلاة؛ فأجبها, وإذا دعاك أبوك؛ فلا تجبه».
وفي موضع آخر: قلت: تدعوه أمه وهو في الصلاة.
قال: يروى عن ابن المنكدر أنه قال: «إن كان في التطوع؛ فليجبها».
فصل:
ومن تلبس بصيام رمضان أو بصلاة في أول وقتها أو بقضاء رمضان أو بقضاء الصلاة أو بصوم نذر أو كفارة؛ لزمه المضي فيه
, ولم يكن له الخروج منه؛ إلا عن عذر؛ بخلاف المتلبس بالصوم في السفر؛ فإن العذر المبيح للفطر قائم....
مسألة:
وكذلك سائر التطوع؛ إلا الحج والعمرة؛ فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما.
فيه مسألتان: أحدهما: أن سائر التطوعات من الصلاة والطواف والاعتكاف والهدي والأضحية والصدقة والعتق: إذا شرع فيه؛ [فالأولى] أن يتمه, وإن قطعه؛
جاز ولا قضاء عليه, وإن قضاه بعد قطعه؛ فهو أحسن.
هذا الذي عليه أصحابنا, وقد أفتى أبو عبد الله بما ذكره عن ابن المنكدر إذا دعته أمه وهو في الصلاة إن كان في التطوع؛ فليجبها.
وقال أحمد في رواية الأثرم وقد سئل عن الرجل يصبح صائماً متطوعاً: أيكون بالخيار؟ والرجل يدخل في الصلاة: أله أن يقطعها؟ فقال: الصلاة أشد لا يقطعها, فإن قطعها وقضاها؛ فليس فيه اختلاف.
قال القاضي: ظاهر هذا أنه لم يوجب القضاء, وإنما استحبه؛ لأنه يخرج من الخلاف.
وقال غير القاضي: هذه الرواية تقتضي الفرق بين الصلاة والصيام, وأن الصلاة تلزم بالشروع.
وهذا الفرق اختيار أبي إسحاق والجوزجاني.
لأن الصلاة ذات إحرام وإحلال, فلزمت بالشروع كالحج.
701 - ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم».
وهذا يعم جميع الصلوات, ويقتضي أنه ليس له أن يتحلل منها إلا بالتسليم؛ كما ليس له أن يفتتحها إلا بالطهور, ولا أن تحرم بها إلا بالتكبير.
ويؤيد الفرق: أنه لو أمره أحد أبويه بالفطر في صومه التطوع؛ أجابه, ولو دعاه أحدهما في صلاة التطوع؛ أجاب الأم ولم يجب الأب.... المسألة الثانية: إذا أحرم بحجة أو عمرة؛ لزمه المضي فيها, ولا يجوز له
أن يقصد الخروج منها, ولو نوى الخروج منها ورفضها؛ لم يخرج بذلك.
[ولو أفسدها؛ لزمه المضي فيها, وإتمام ما أفسده, وعليه قضاؤها من العام المقبل إن كانت] حجة, وعل الفور إن كانت..., حتى لو دخل فيها يعتقدها واجبة عليه بنذر أو قضاء ونحو ذلك, ثم تبين أنها ليست عليه؛ لزمه المضي فيها, ومتى أفسدها؛ كان عليه القضاء....
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].
702 - وفي حرف عبد الله: «إلى البيت».
وقد أجمع أهل التفسير إلى أنها نزلت عام الحديبية, لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحرم هو وأصحابه بالعمرة, وساقوا الهدي, فصده المشركون, فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمر فيها بإتمام الحج والعمرة, ويذكر شأن الإِحصار.
وهذا أمر بالإِتمام لمن دخل متطوعاً؛ لأن الحج لم يكن قد فرض بعد؛ فإن الآية نزلت سنة ست, والحج إنما فرض بعد فتح مكة.
ثم إن الله تعالى أمر بالإِتمام مطلقاً, فدخل فيه كل منشئ للحج والعمرة, بخلاف الآية التي فيها إتمام الصيام؛ فإنها تفارق هذه من وجهين:
أحدهما: أنه قال في أولها: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ...﴾, واللام هنا لتعريف الصيام المعهود الذي تقدم ذكره, وهو صيام رمضان, ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾, فعاد الكلام إلى الصيام المتقدم الذي كان الأكل والنكاح في ليلته محظوراً بعد النوم, ثم أبيح, وهذا صفة صيام الواجب.
نعم؛ سائر الصيام لا يتم إلا بذلك على سبيل التبع والإِلحاق.
الثاني: أن قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: أمر بأن يكون إتمام الصيام إلى الليل, وبيان لكون الصوم لا يتم إلا بالإِمساك إلى الليل, فتفيد الآية أن من أفطر قبل الليل؛ لم يتم الصيام, وهذا حكم شامل [يجمع] أنواع الصوم, ثم ما كان واجباً كان الإِتمام فيه إلى الليل واجباً, وما كان مستحبّاً كان مستحبّاً, وما كان مكروهاً كان مكروهاً, وما كان محرماً كان محرماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49], وهو أمر بأن يكون حكمه بما أنزل اتلله لا أمر بنفس الحكم؛ بخلاف آية الحج والعمرة؛ فإنه أمر بإتمامهما, فيكون نفس الإِتمام مأموراً به, وهنا الإِتمام إلى الليل هو المأمور به, وفرق بأن يكون الأمر بنفس الفعل أو بصفة في الفعل؛ فإنه لو قال: [صل] بوضوء, أو: صلِّ مستقبل القبلة, ونحو ذلك؛ كان أمراً بفعل هذا الشرط في الصلاة لا أمراً بنفس الصلاة.
والفرق بين الحج والعمرة من وجوه:
أحدها: أن الحج والعمرة يمضي في فاسدها ولا يخرج منهما بالإِفساد ولا بقطع النية, وغيرهما ليس كذلك.
فإن قيل: الصوم القضاء والمنذور والكفارة والصلاة في أول الوقت يخرج منها بالفساد مع وجوب إتمامها.
قيل: الصوم المتعيِّن مثل شهر رمضان والنذر المعين إذا أفطر لزمه المضي في فاسده, وأما غيره؛ فإنه حين إفساده يمكن إنشاؤه صحيحاً, فلم يكن حاجة إلى المضي في فاسده.
الثاني: أن الكفارة تجب في إفساد فرضهما ونفلهما بخلاف الصوم.
الثالث: أنه لو دخل فيهما معتقداً...
مسألة:
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين؛ يوم الفطر ويوم الأضحى.
703 - وذلك لما روى أو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر».
متفق عليه.
وفي لفظ لمسلم: «لا يصلح الصوم في يومين».
وفي لفظ للبخاري: «لا صوم في يومين: الفطر والأضحى».
704 - وعن ابن عمر نحوه.
متفق عليه.
705 - 706 - وعن عائشة وأبي هريرة نحوه.
رواهما مسلم.
707 - وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر؛ قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب؛ فقال: يا أيها الناس! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاكم عن صيام هذين العيدين».
وفي رواية: «اليومين الفطر والأضحى: أما أحدهما؛ فيوم فطركم من صيامكم, وأما الآخر؛ فيوم تأكلون فيه من نسككم».
رواه الجماعة.
708 - وعنه أيضاُ؛ قال: شهدت عليّاً وعثمان رضي الله عنهما في يوم الفطر والنحر يصليان ثم ينصرفان يذكران الناس.
قال: وسمعتهما يقولان: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين».
رواه أحمد والنسائي.
ولا يجوز صوم يومي العيدين عن كفارة ولا قضاء ولا نذر في الذمة.
فإن نذر صوم يوم أحد العيدين قصداً؛ انعقد نذره موجباً لكفارة يمين في إحدى الروايات.
نص عليه في رواية حنبل بناء على أنه نذر معصية, وموجب نذر المعصية كفارة يمين.
وفي الأخرى: عليه مع الكفارة قضاء يوم.
نص عليه في رواية أبي طالب, وهو...
مسألة:
ونهى عن صوم أيام التشريق إلا أنه أرخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي.
709 - الأصل في ذلك ما روي عن نبيشة الهذلي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى».
رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
710 - وروى كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق, فناديا: «أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن, وأيام منى أيام أكل وشرب».
رواه مسلم.
711 - وعن أبي مرة مولى أم هانئ: «أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص, فقرب إليهما طعاماً, فقال: كل.
قال: إني صائم.
فقال عمرو: كل؛ فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها ونهى عن صيامها».
قال مالك: وهي أيام التشريق.
رواه مالك في «الموطأ» وأبو داوود.
712 - وعن عمر ن سليم, عن [أمه]؛ قالت: بينما نحن بمنى, إذا علي بن أبي طالب يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الأيام أيام أكل وشرب؛ فلا يصومها أحد».
رواه أحمد والنسائي.
713 - وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي أن يركب راحلة أيام منى, فيصيح في الناس: «لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب».
رواه أحمد.
714 - وعن عبد تالله بن حذافة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيام التشريق أنها أيام أكل وشرب».
رواه النسائي والإِسماعيلي في «صحيحه».
واحتج به أحمد:
قال في رواية المروذي: أيام التشريق قد نُهي عن صيامها.
ويروى عن سليمان بن يسار, عن عبد الله بن حذافة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب».
فصل:
وأما المتمتع إذا لم يجد الهدي, ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر؛ فهل يصوم أيام التشريق؟
على روايتين.
إحداهما: يجب عليه صومها.
وهي اختيار الشيخ.
715 - لما روي عن ابن عمر وعائشة؛ قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن يجد الهدي».
رواه البخاري.
وفي رواية عن ابن عمر؛ قال: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة, فإن لم يجد هدياً ولم يصم؛ صام أيام منى».
وعن عائشة مثله.
رواه البخاري.
والثانية: لا يصومها.
قال ابن أبي موسى: وهي أظهرهما لعموم النهي, ولأنها أيام النهي, فلم تصم عن واجب ولا غيره؛ كيومي العيدين.
وذكر الخرقي والقاضي وأصحابه وغيرهم الروايتين في صومهما عن جميع الواجبات من النذر والقضاء والكفارات؛ كفارات الأيمان ونحوها, وكفارات الحج؛ كالمتمتع إذا لم يجد الهدي.
فصل:
ويكره صوم يوم الشك في حال الصحو.
رواية واحدة.
واختلف أصحابنا هل هي كراهة تنزيه أو تحريم على وجهين:
أحدهما: أنها كراهة تحريم.
قاله ابن البناء وغيره.
والثاني: كراهة تنزيه, وهو ظاهر قول القاضي.
وكذلك الإِمساك في نهاره, وسواء صامه عن رمضان أو صامه تطوعاً أو أطلق النية؛ إلا أن يوافق عادة مثل إن كانت عادته صوم يوم الاثنين نذراً [قال
القاضي] أو كان سرد الصوم؛ فلا يكره له....
فإن صام عن قضاء أو نذر أو كفارة:
فقال القاضي وابن البناء: لا يكره؛ كما لو وافق عادة, مثل ما قلنا في الجمعة, وكذلك يوم [الإِغمام] إذا قلنا: لا يصام من رمضان.
ذكره ابن الجوزي.
وقال بعض:... يكره صومه عن فرض غير رمضان الحاضر, ويحرم عن رمضان أو عن تطوع لم يوافق عادة.
وقال أبو حكيم: لا يجوز صوم يوم الشك تطوعاً, ولا عن فرض.
قال في رواية الأثرم إذا لم يكن علة؛ قال: يصبح عازماً عل الفطر.
وقال في روايته: ليس ينبغي أن يصبح صائماً إذا لم يحل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره.
وقال في رواية المروذي, وقد سئل عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك؟ فقال: هذا إذا كان صحواً؛ لم يصم, فأما إن كان في السماء غيم؛ صام.
ونقل عنه أبو داود الشك على ضربين:
فالذي لا يصام إذا لم يحل دون منظره سحاب ولا قتر, والذي يصام إذا حال دون منظره سحاب أو قتر.
وأما إذا وافق عادة؛ فأخذه أصحابنا من كراهة إفراد الجمعة.
فعلى هذا؛ لو نذر صوم السنة كلها؛ دخل فيه يوم الشك.
وقال ابن عقيل: لا يدخل فيه يوم الشك؛ كالأيام الخمسة.
وهذا يقتضي المنع منه مفرداً أو مجموعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك مطلقاً, ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين إلا أن يوافق عادة.
وقد روى أحمد بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه.
والشك إذا تقاعد الناس أو تشاغلوا عن رؤية الهلال أو شهد برؤيته فاسق؛ فأما مع عدم ذلك؛ فهو من شعبان.
قاله في «الخلاف».
وابن عقيل وأبو حكيم قال: لا يكون شكّاً مع الصحو؛ إلا أن [شهد] برؤيته فاسق, فترد شهادته, فيوقع في قلوب الناس شكّاً أو يتتارك الناس رؤية الهلال, فيصبحون لا يعلمون هل هو من رمضان أو شعبان.
وإذا كانت السماء مطبقة بالغيم بحيث لا يجوز رؤية الهلال, وقلنا: لا يصام؛ فهو يوم شك على ظاهر كلامه.
وذكر في «المجرد»: أنه شك أيضاً؛ لجواز أن يجيء الخبر بالرؤية من مكان آخر.
وقال ابن الجوزي: إذا كانت السماء مصحية؛ فشعبان موجود حقيقة وحكماً, ولم يوجد شك ولا شبهة.
وإذا تراءاه الناس فلم يروه:
فقال ابن الجوزي: لم يُسمِّ أحد ذلك يوم شك.
فعلى هذا يجوز صومه تطوعاً.
والصواب أنه يوم شك؛ لإِمكان الرؤية في مكان آخر.
وقال أبو محمد: ليس لهم صيام آخر يوم من شعبان مع الصحو بحال؛ إلا أن يوافق عادة, أو يكون صائماً قبله أياماً.
فصل:
ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين.
716 - لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «[لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين]؛ إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً؛ فليصمه».
رواه الجماعة.
فأما حديث عمران ومعاوية....
فأما استقباله بالثلاثة؛ فالمشهور في المذهب أنه لا بأس به.
وقال بعض أصحابنا: لا يستحب الصوم بعد منتصف شعبان إلا لمن قد صام قبله.
717 - لما روى العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان؛ فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان».
رواه الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن.
وقال النسائي: لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير العلاء.
وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث:
قال حرب: سمعت أحمد يقول في الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان؛ فلا صوم إلا رمضان»؛ قال: هذا حديث منكر.
قال: وسمعت أحمد يقول: لم يحدث (يعني: العلاء) حديثاً أنكر من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان؛ فلا صوم إلا رمضان», وأنكر أحمد هذا الحديث, وقال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث عن سهيل, ورواية محمد بن يحيى الكحال هذا الحديث ليس بمحفوظ, والمحفوظ الذي يروى عن أبي سلمة [عن أم سلمة]: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان ورمضان.
واعتمد في رواية عبد الله على حديث أبي هريرة المتقدم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين»؛ فإن مفهوم هذا الحديث يجوز التقدم بالثلاثة.
ولأنه إنما كره التقدم خشية أن يزاد في الشهر ويلحق به ما ليس منه, وهذا أكثر ما يقع في اليوم واليومين, فأما الثلاثة؛ فلا يقع فيها لبس.
والله أعلم.
فأما صيام اليوم واليومين قبل رمضان قضاء أو نذراً أو كفارة....
فصل:
ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم.
718 - لما روى محمد بن عباد بن جعفر؛ قال: «سألت جابر بن عبد الله: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم».
متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: «أن ينفرد بصومه».
719 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة؛ إلا وقبله يوم, أو بعده يوم».
رواه الجماعة إلا النسائي.
وفي رواية لمسلم: «لا تختصوا ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي, ولا
تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم».
وفي رواية لأحمد: «يوم الجمعة يوم عيد, ولا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم؛ إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
720 - وقد تقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل على جويرية يوم جمعة وهي صائمة, فقال لها: «أصمت أمس؟».
قالت: لا.
قال: «تصومين غداً؟».
قالت: لا.
قال: «فأفطري».
721 - وعن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده».
رواه أحمد.
واحتج به في رواية حنبل, فقال عكرمة عن ابن عباس: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده».
قال أبو عبد الله: ولا أحب لرجل أن يتعمد صيامه, فإن وافق نذراً؛ صامه؛ لأن هذا أسهل من العيدين, ولا يخصه رجل بصيام.
فأما يوم الفطر ويوم النحر؛ فهما مخصوصان بالنهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في صومهما, وقد استثنى في يوم الجمعة, فقال: «إلا رجل كلن يصوم صوماً فليصمه».
فأما إن لم يقصده بعينه, بل صام قبله يوماً [أو] بعده يوماً, أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ [فإنه يصوم] يوم الجمعة دون ما قبله وما بعده, لكن في جملة أيام, أو أراد أن يصوم يوم عرفة أو يوم عاشوراء, فكان يوم جمعة ونحو ذلك؛ لم يكره؛ فإن النهي إنما هو عن تعمده بعينه: كما قال في رواية حنبل.
وقال في رواية الأثرم, وقد سئل عن صيام يوم الجمعة, فذكر حديث النهي أن يفرد, ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه؛ فأما أن يفرد؛ فلا.
فقيل له: فإن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً, فوقع فطره يوم الخميس وصومه الجمعة وفطره السبت, فصام الجمعة مفرداً؟ فقال: هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة, وإنما كره أن يتعمد, وهذا لم يتعمد.
وقال أيضاً في رواية إبراهيم, وقد سأله عن صوم الجمعة, وهو يوم عرفة, ولا يتقدمه بيوم ولا يومين؟ فقال: لا يبالي, إنما أراد يوم عرفة, وإنما نهى عن صوم عرفة بعرفات.
وهذا لما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن في صومه إذا صام قبله أو بعده.
ولأنه جعل أفضل الصيام صيام داوود, ومعلوم أن من صام يوماً وأفطر يوماً؛ صام يوم الجمعة, وكذلك من صام يومين وأفطر يوماً, أو من صام يوماً وأفطر يومين.
وقد تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قلما كان يفطر يوم الجمعة».
لأنه كان يصوم الخميس فيصله بالجمعة.
ولا يكره صوم وحده عن فرض من قضاء أو نذر ونحو ذلك.
قاله القاضي.
فأما صومه بعينه؛ فينبغي أن يكون مكروهاً.
فإن صام معه يوماً من أيام الأسبوع, لا يليه, مثل الاثنين والأحد ونحو ذلك....
فصل:
ويكره إفراد يوم السبت بالصيام
عند أكثر أصحابنا.
قال الأثرم: قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به؛ فقد جاء فيه حديث الصماء, وكان يحيى بن سعيد يتقيه, وأبى أن يحدثني به, وسمعته من أبي عاصم.
وقال في رواية الأثرم, وقد سأله عن صيام يوم السبت بغير فرض؟ فقال: قد جاء فيه الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم».
وعنه ما لا يدل على أنه لا يكره.
قال في رواية الأثرم: قد جاء في صيام يوم السبت ذاك الحديث مفرد, حديث الصماء عن النبي صلى الله عليه وسلم, وكان يحيى يتقيه.
وهذا يدل على توقفه عن الأخذ به؛ لأن ظاهر الحديث خلاف الإِجماع.
ولذلك قال الأثرم في «مختلف الحديث»: جاء هذا الحديث ثم خالفته الأحاديث كلها, وذكر الأحاديث في صوم المحرم وشعبان, وفيهما السبت, والأحاديث في إتباع رمضان بست من شوال, وقد يكون فيها السبت, وأشياء كثيرة توافق هذه الأحاديث.
وقد روي عن السلف أنهم أنكروه: فروى أبو داود عن ابن شهاب: أنه كان إذا ذُكر له أنه نهي عن صيام يوم السبت؛ يقول ابن شهاب: هذا حديث حمصي.
وعن الأوزاعي؛ قال: ما زلت له كاتماً حتى رأيته انتشر (يعني: حديث ابن بسر في صوم يوم السبت).
قال أبو داود: قال: مالك: هذا [كذب].
وقال أبو داوود: هذا الحديث منسوخ.
ووجه الأول:
722 - ما روى ثور بن يزيد, عن خالد بن معدان, عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم, وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة (وفي لفظ: إلا لحاء عنب أو عود شجرة)؛ فليمصه».
رواه الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن.
..................
...................
..................
.................
....................
......................
.......................
.....................
وقد رواه أحمد والنسائي من وجوه أخرى عن خالد عن عبد الله بن بسر.
723 - ورواه أيضاً عن الصماء, عن عائشة.
وإسناده إسناد جيد.
وقول أبي داوود: وهو منسوخ: يدل على جودة إسناده.
724 - ورواه أحمد من حديث ابن لهيعة؛ قال: ثنا موسى بن وردان, عن عبيد الأعرج؛ [قال: حدثتني جدتي]: أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت وهو يتغدى, فقال: «تعالي فكلي».
فقالت: إني صائمة.
فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا.
قال: «كلي؛ فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك».
وإنما حُمل على الإِفراد؛ لأن في حديث جويرية وغيره: «أصمت أمس؟».
قالت: لا.
قال: «أتصومين غداً؟».
قالت: لا.
فعلم أن صومه مع الجمعة لا بأس به.