شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصيامصفحات 785-824

فعلى هذا: إن نذر اعتكاف عشرة أيام؛ تلزمه متتابعة كما يلزمه الصوم.
وقال ابن عقيل عن أحمد: الفرق بين الأيام والشهر, فأوجب التتابع في الشهر دون الأيام.
وزعم القاضي أنه لا فرق بين ثلاثين يوماً وعشرة أيام.
قال: ولعله سهو من الراوي.
وليس كما قال؛ لأن عدول الحالف عن لفظ (شهر) إلى لفظ (ثلاثين يوماً), مع أنه أصل, وهو خلاف المعتاد: دليل على أنه أراد معنى يختص به؛ بخلاف لفظ عشرة أيام؛ فإنه ليس لها إلا لفظ واحد, والمطلق في القرآن من الصوم محمول على التتابع؛ فكذلك في كلام الآدميين.
وإذا وجب التتابع؛ لزمه اعتكاف الليالي التي تتخلل الأيام, فأما ليلة أول يوم؛ فلا تلزمه؛ مثل أن يقول: لله عليَّ اعتكاف يومين.
فتجب الليلة التي بينهما دون التي قبلهما, هذا هو المشهور.
وعلى الرواية المذكورة.
قيل: تجب الليلة التي قبل.
قال ابن عقيل: ويتخرج وجوب يومين بلا ليلة أصلاً؛ كما لو أفرد؛ لأن ليلة اليوم الأول لما لم يلزم أن تدخل في اعتكافه؛ كذلك ليلة اليوم الثاني.
وأما إذا لم يجب التتابع؛ فإنما تجب عشرة أيام بلا ليال.
ذكره ابن عقيل وغيره.
كما لو قال: عليَّ أن أعتكف يوماً؛ فإن اليوم اسم لبياض النهار خاصة, وهذا كله عند الإِطلاق.
فإن نوى شيئاً أو شرطه بلفظه؛ عمل بمقتضاه قولاً واحداً....

فصل:

وإذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان؛

انعقد نذره؛ لأنه نذر قربة, يمكنه الوفاء ببعضها, كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان؛ فإن قدم ليلاً؛ لم يلزم النذر؛ لفوات الشرط, وإن قدم نهاراً؛ اعتكف ما بقي من النهار, ولم يلزمه قضاء ما مضى قبل قدومه؛ كما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف أمس.
وإن قدم والناذر عاجزاً عن الاعتكاف لمرض أو حبس أو نحو ذلك؛ فعليه مع الكفارة قضاء ما بقي من النهار دون ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه إلا اعتكاف ما بقي.
هذا قول القاضي وأصحابه وأبو محمد وغيرهم من المتأخرين.
[من شرط] الصوم؛ فإنه يلزمه القضاء, ولا يصح اعتكاف بعض يوم عن نذره؛ لعدم شرطه, وهو النذر.
وعلى الوجه الآخر؛ يجزيه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائماً.
واصل هذا أن عندهم مقتضى النذر في الصوم والاعتكاف الفعل فيما بقي من الزمان بعد القدوم, وأما ما وجد قبل القدوم؛ فليس بواجب عليه, لكن لما لم يمكن في الصوم أن يصام بعض يومه؛ لزمه صوم يوم كامل, حتى إذا كان قد أصبح صائماً متطوعاً؛ أجزأه تمام ما بقي من نذره.
وقال أبو بكر: إذا قدم في بعض النهار؛ كان عليه كفارة يمين والقضاء, ولا معنى لإِتمامه من يوم آخر.
وحكاه عن أحمد؛ كما قد نص أحمد في غير موضع في الصوم على مثل ذلك.

وهذا لأن لفظ الناذر اقتضى اعتكاف جميع اليوم كما اقتضى صوم جميع اليوم, وقد تعذر ذلك؛ فعليه القضاء في الاعتكاف, كما عليه قضاء الصوم والكفارة لفوات المعين....

مسألة:

ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرب واجتناب ما لا يعنيه من قول أو فعل.

فيه

فصل

ان: أحدهما: أن الذي ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالعبادات المحضة التي بينه وبين الله تعالى؛ مثل: القرآن, وذكر الله تعالى, والدعاء, والاستغفار, والصلاة والتفكر, ونحو ذلك.
فأما العبادات المتعلقة بالناس؛ مثل: إقراء القرآن, والتحديث, وتعليم العلم, وتدريسه, والمناظرة فيه, ومجالسة أهله: إذا قصد به وجه الله تعالى, لا المباهاة؛ فقال الآمدي: هل الأفضل للمعتكف أن يشتغل بإقراء القرآن والفقه أو يشتغل بنفسه؟ على روايتين: إحداهما: يشتغل بإقراء الفقه.
وهذا اختيار الآمدي وأبي الخطاب؛ لأن هذا يتعدَّى نفعه إلى الناس, وما تعدى نفعه من الأعمال أفضل مما اقتصر نفعه على صاحبه.

والثانية: لا يستحب له ذلك.
وهذا هو المشهور عنه, وعليه جمهور أصحابنا؛ مثل: أبي بكر, والقاضي, وغيرهما.
قال القاضي والشريف وغيرهما: يكره ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف؛ دخل معتكفه, واشتغل بنفسه, ولم يجالس أصحابه, ولم يحادثهم كما كان يفعل قبل الاعتكاف, ولو كان ذلك أفضل؛ لفعله, ولأن الاعتكاف هو من جنس الصلاة والطواف, ولهذا قرن الله تعالى بينهما في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: آية 125]. ولما كان في الصلاة والطواف شغل عن كلام الناس, وكذلك الاعتكاف, وذلك أنها عبادة شرع لها المسجد, فلا يستحب الإِقراء حين التلبس بها كالصلوات والطواف.
قال القاضي: لا خلاف أنه يكره أن يهدي القرآن وهو يصلي أو يطوف, كذلك الاعتكاف, ولأن العكوف على الشيء هو الإِقبال عليه على وجه المواظبة, ولا يحصل ذلك للعاكف إلا بالتبتل إلى الله سبحانه وترك الاشتغال بشيء آخر.
وأما كون النفع المتعدي أفضل؛ فعنه أجوبة: أحدها: أنه لا يلزم من كون الشيء أفضل أن يكون مشروعاً في كل عبادة, بل وضع الفاضل في غير موضعه يجعله مفضولاً, وبالعكس.
ولهذا؛ قراءة القرآن أفضل من التسبيح, وهي مكروهة في الركوع والسجود, ولهذا لا يشرع هذا في الصلاة والطواف, وإن كانا أفضل من الصلاة والطواف النافلتين.
الثاني: أن كونهما أفضل يقتضي الاشتغال بهما عن الاعتكاف.

قال الآمدي: لا تختلف الرواية أن من أراد أن يبتدئ الاعتكاف؛ فتشاغله بإقراء القرآن أفضل من تشاغله بالاعتكاف.
قال أحمد في رواية المروذي؛ وقد سئل عن رجل يقرئ في المسجد, ويريد أن يعتكف؟ فقال: إذا فعل هذا؛ كان لنفسه, وإذا قعد؛ كان له ولغيره, يقرئ أعجب إليَّ.
وفي لفظ: لا يتطيب المعتكف, ولا يقرئ في المسجد وهو معتكف, وله أن يختم في كل يوم, فإذا فعل ذلك؛ كان لنفسه, وإذا قعد في المسجد؛ كان له ولغيره, يقعد في المسجد يقرئ أحب إليَّ من أن يعتكف.
الثالث: أن النفع المتعدي ليس أفضل مطلقاً, بل ينبغي للإِنسان أن يكون له ساعات يناجي فيها ربه, ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها, ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم, ولهذا كان خلْوة الإِنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس....

فصل

: قال أحمد في رواية ابن حرب: المعتكف إذا أراد أن ينام؛ نام متربعاً؛ لئلا [تبطل] عليه الطهارة, فإذا كان نهاراً, وأراد أن ينام؛ فلا بأس أن يستند إلى سارية, ويكون ماء طهارته معلوماً؛ لئلا يقوم من نومه وليس معه ماء.
قال علي بن حرب: إنما أراد أحمد أن يكون ماؤه معلوماً, لا يكون يستيقظ يشتغل قلبه بالطلب.
قال أبو بكر: لا ينام إلا عن غلبة, ولا ينام مضطجعا, ويكون الماء منه

قريباً؛ لأن الله سمى العاكف قائماً, والقائم هو الواقف للشيء المراعي له, والنوم يضيع ذلك عليه, ولأن العكوف على الشيء هو القيام عليه على سبيل الدوام, وذلك لا يكون من النائم.
نعم؛ يفعل منه ما تدعو إليه الضرورة؛ كما يخرج من المسجد لضرورة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف العشر الأواخر؛ أحيا الليل كله, وشد المئزر.
فإن شق عليه النوم قاعداً: 851 - عن نافع, عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف؛ طرح له فراش, ويوضع له سريره وراء أسطوانة [التوبة]».
رواه ابن ماجه.
الفصل الثاني: أنهه ينبغي له اجتناب ما لا يعنيه من القول والعمل؛ فإن هذا مأمور به في كل وقت.

852 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
رواه أبو داود.

وقال أحمد في رواية المروذي: يجب على المعتكف أن يحفظ لسانه, ولا يؤويه إلا سقف المسجد, ولا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل.
قال أصحابنا: ولا يستحب له أن يتحدث بما أحب, وإن لم يكن مأثماً, ويكره لكل أحد السباب والجدال والقتال والخصومة, وذلك للمعتكف أشد كراهة.
853 - قال علي رضي الله عنه: «أيما رجل اعتكف؛ فلا يساب ولا يرفث في الحديث, ويأمر أهله بالحاجة (أي: وهو يمشي), ولا يجلس عندهم».
رواه أحمد.
قالوا: ويجوز الحديث ما لم يكن إثماً.
854 - لحديث صفية: أنها زارت النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً في معتكفه فحدثته.
قال أحمد في رواية الأثرم: لا بأس أن يقول للرجل: اشتر لي كذا, واصنع كذا.
وفي معنى ذلك ما يأمر به مما يحتاجه أو يأمر بمعروف من غير إطالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان معتكفاً؛ أطلع رأسه من القبة, وقال: «من كان اعتكف

معي؛ فليعتكف العشر الأواخر...» الحديث, وتحدث مع صفية بنت حُيي.
قالوا: فإن خالف وخاصم أو قاتل؛ لم يبطل اعتكافه؛ لأن ما لا يبطل العبادة مباحه لا يبطلها محظوره؛ كالنظر, وعكسه الجماع.
فأما الصمت عن كل كلام؛ فليس بمشروع في دين الإِسلام.
قال ابن عقيل: يكره الصمت إلى الليل.
وقال غيره من أصحابنا: بل يحرم مداومة الصمت.
والأشبه: أنه عن صمت عن كلام واجب – كأمر بمعروف ونهي عن منكر وتعين عليه ونحو ذلك -؛ حرم, وإن سكت عن مستحب أو فرض قام به غيره – كتعليم العلم والإِصلاح بين الناس ونحو ذلك -؛ فهو مكروه.
فإن أراد المعتكف أن يفعل ذلك؛ لم يستحب له ذلك, وهو مكروه أو محرم.
855 - وذلك لما روي عن علي رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «لا صمات يوم إلى الليل».
رواه أبو داوود.

856 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس, فقال: «منْ هذا؟».
قالوا: هذا أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم.
فقال: «مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه».
رواه البخاري.

857 - وعن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحداً؟ فقال: «لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في أو في شهر, وأما [أن] لا تكلم أحداً؛ فلعمري؛ لأن تكلم بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت».
رواه أحمد.
858 - وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: «دخل أبو بكر على امرأة من أحمس, فقال لها: زينب! فأبت أن تتكلم.
فقال: ما بال هذه؟ قالوا: حجت مصمتة.
فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل, هذا من عمل الجاهلية.
فتكلمت».
رواه البخاري.
فقد بينت الأخبار أن هذا منهي عنه في الصوم والإِحرام وفي غيرها.
ويتوجه أن يباح هذا للمعتكف؛ لأنه بمنزلة الطائف والمصلي؛ خلاف الصائم والمحرم.... وأما قول مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: رقم 26]؛ أي:

صمتاً؛ فذاك كان في شريعة من قبلنا, وقد نسخ ذلك في شرعنا.
قال ابن عقيل وغيره من أصحابنا: ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً عن الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما وضع له؛ فأشبه استعمال المصحف في التوسد والوزن ونحو ذلك.
859 - وقد جاء: «لا تناظر بكتاب الله».
قيل: معناه: لا تتكلم به عن الشيء تراه كأنك ترى رجلاً قد جاء في وقته, فتقول: لقد جئت على قدر يا موسى.
قال ابن عقيل: كان أبو إسحاق الخراز صالحاً, وكان من عادته الإِمساك عن الكلام في شهر رمضان, فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج, فيقول في إذنه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾, ويقول لابنه في عشية الصوم: ﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا﴾؛ آمراً له أن يشتري البقل.
فقلت له: هذا تعتقده عبادة وهو معصية.
فصعب عليه, فقلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام شرعية, فلا يستعمل في أعراض دنيوية, وما هذا إلا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف.
فهجرني ولم يصغ إلى الحجة.

فصل

: قال أحمد في رواية حنبل: يعود المريض, ولا يجلس, ويقضي الحاجة, ويعود إلى معتكفه, ولا يشتري ولا يبيع؛ إلا أن يشتري ما لا بد له منه؛ طعام أو نحو ذلك.
وقال في رواية المروذي: لا ينبغي له إذا اعتكف أن يخيط أو يعمل.
وقال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياطة وغيره؟ قال: ما يعجبني.
قلت: إن كان يحتاج؟ قال: إن كان يحتاج؛ فلا يعتكف.
قال أصحابنا: ولا يتجر, ولا يصنع صناعة؛ لسببين: أحدهما: أن التجارة والصناعة تشغل عن مقصود الاعتكاف, فلا يفعله في المسجد, ولا إذا خرج منه لحاجة.
والثاني: أن ذلك ممنوع منه في المسجد.
فأما البيع والشراء؛ فقال القاضي وابن عقيل: لا يجوز ذلك في المسجد, سواء في ذلك اليسير - مثل الثوب ونحوه - والكثير, وكذلك لا يجوز له فعل الخياطة فيه, سواء كان محتاجاً أو غيره, وسواء قل أو كثر؛ لأن في ذلك فعل معيشة في المسجد, وكذلك الرقوع ونحوه... فيمنع من البيع والشراء في المسجد مطلقاً, ويحتمل كلام أحمد.... فأما خارج المسجد؛ فيجوز له أن يشتري ما لا بدَّ منه.

فأما شراء خادم لأهله وكسوة ونحو ذلك مما لا يتكرر أو شراء طعام لهم.... وإذا خاط ثوبه أو رقعه أو فعل نحو ذلك مما لا يتكسب به؛ فقيل: يجوز اليسير منه.
[وإذا كان به حاجة إلى الاكتساب والاتجار؛ فلا يعتكف].
قال أصحابنا: وله أن يتزوج في المسجد, وأن يزوج غيره, وأن يشهد النكاح؛ لأنها عبادة لا تحرم الطيب, فلم تمنع النكاح والصيام, وعكسه الإِحرام أو العدة.... وإذا اتجر أو اكتسب في المسجد؟ فهل يبطل اعتكافه؟.... وإن فعل ذلك خروجاً لأمد قضاء الحاجة أو خروجاً يمتد للحيض والفتنة....

فصل:

ويجوز للمعتكف أن يغسل رأسه ويرجله حال الاعتكاف:

860 - لما روي عن عائشة رضي الله عنها: «أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض, وهو معتكف في المسجد, وهي في حجرتها, يناولها رأسه, وكان

لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان إذا كان معتكفاً».
متفق عليه.
وفي لفظ للبخاري: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد, فأرجله, وكان يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً».
وفي لفظ له: «كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف, فأغسله وأنا حائض».
قال ابن عقيل: ويجوز غسل جسده والتنظيف بأنواع التنظيف.
وفي معنى ذلك أخذ الشارب وتقليم الأظفار والاغتسال؛ لأن هذا من باب النظافة والطهارة, وهذا مما يستحب للمعتكف.
قال ابن عقيل: لأنها عبادة لا تحرم الطيب, والطيب أكثر من التنظيف, فكان من طريق الأولى أن لا يحرم الغسل والتنظيف.
وأما الطيب: فقال في رواية المروذي: لا يتطيب المعتكف, ولا يقرئ في المسجد وهو معتكف.
وكذلك ذكر أبو بكر.
ذكرها القاضي في بعض المواضع.
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: لا يحرم عليه الطيب؛ لأن الاعتكاف لا يحرم عقد النكاح فلا يحرم الطيب.
قالوا: والمستحب له أن لا يلبس الرفيع من الثياب, ولا يتطيب؛ لأنها

عبادة تختص بلبث في مكان مخصوص, فلم يكن الطيب والرفيع من الثياب فيها مشروعاً؛ كالحج.
فإن كان المعتكف قد حبس نفسه باعتكافه كما حبس المحرم نفسه بإحرامه, وهذا لأن الاعتكاف يحرم الوطء وما دونه, والطيب من دواعيه, فإذا لم يحرمه؛ فلا أقل من أن لا يستحب.
وأن يخرج إلى المصلى في ثياب اعتكافه, ولا يجدد ثياباً غيرها حتى يرجع إلى المصلى, ولا يحرم عليه شيء من اللباس المباح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف إلى أن مات, ولم ينقل عنه أنه تجرد لاعتكافه.
قالوا: وله أن يأكل ما شاء كالمحرم.
وقال أبو بكر: يمنع نفسه عن التلذذ بما هو مباح قبل الاعتكاف.

مسألة:

ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه؛ إلا أن يشترط.

وجملة ذلك أن الاعتكاف هو لزوم المسجد للعبادة, فمتى خرج منه لغير فائدة؛ بطل اعتكافه, سواء طال لبثه أو لم يطل؛ لأنه لم يبق عاكفاً في المسجد.
861 - وقد روت عائشة رضي الله عنها: «أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض, وهو معتكف في المسجد, وهي في حجرتها, يناولها رأسه, وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان إذا كان معتكفاً».
متفق عليه.

وفي لفظ للبخاري: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً.
862 - وقد تقدم قولها: «لا يخرج لحاجة؛ إلا لما لا بد له منه».
رواه أبو داوود.
فأما خروجه لما لا بد له منه مما يعتاد الاحتياج إليه, ولا يطول زمانه, وهو حاجة الإِنسان, وصلاة الجمعة؛ فيجوز, ولا يقطع عليه اعتكافه, ولا يبطله, ويكون في خروجه في حكم المعتكف بحيث لا يقطع عليه التتابع المشروع وجوباً واستحباباً.
ولا تجوز له المباشرة, ولا ينبغي أن يشتغل إلا بالقرب وما يعنيه؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: رقم 187]؛ فنهى عن المباشرة لمن اعتكف في المسجد, وإن كان في غيره؛ لأن المباشرة في نفس المسجد لا تحل للعاكف ولا غيره.
فعلم من هذا أن العاكف في المسجد قد يكون في حكم العاكف مع خروجه منه, حتى تحرم عليه المباشرة.
وقد ذكرت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان؛ تعني: الغائط والبول, كُني عنهما بالحاجة؛ لأن الإِنسان يحتاج إليهما لا محالة.
وتقدم الدليل على أن له أن يخرج للجمعة.
ومثل هذا المصلي صلاة الخوف إذا استدبر القبلة ومشى مشياً كثيراً؛ فإنه

لا يخرج عن حكم الصلاة – وإن كانت هذه الأفعال تنافي الصلاة – [لكنها] أبيحت للضرورة.
وكذلك؛ الطائف إذا صلى في أثناء صلاة مكتوبة أقيمت أو جنازة حضرت؛ فإنه طواف واحد, وإن تخلله هذا العمل المشروع.
وكذلك إذا قطع الموالاة في قراءة الفاتحة لاستماع قراءة الإِمام ونحو ذلك.
وفي معنى ذلك كل ما يحتاج إلى الخروج له, وهو ما يخاف من تركه ضرراً في دينه أو دنياه, فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب وترك محرم وإزالة ضرر؛ مثل: الحيض, والنفاس, وغسل الجنابة, وأداء شهادة تعينت عليه, وإطفاء حريق, ومرض شديد, وخوف على نفسه من فتنة وقعت, وجهاد تعين, وشهود جمعة, وسلطان أحضره, وحضور مجلس حكم, وقضاء عدم الوفاء, وغير ذلك؛ فإنه يجوز له الخروج لأجله, ولا يبطل اعتكافه, لكن منه ما يكون في حكم المعتكف إذا خرج بحيث يحسب له من مدة الاعتكاف ولا يقضيه – وهو ما لا يطول زمانه -, ومنه ما ليس كذلك – وهو ما يطول زمانه -؛ كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
ويدل على جواز الخروج لا يعرض من الحاجات, وإن لم يكن معتاداً, مع احتسابه من المدة: 863 - ما روى علي بن الحسين: أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان, فتحدثت عنده ساعة, ثم قامت تنقلب, فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها, حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة؛ مرَّ رجلان من الأنصار, فسلما عللا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما؛ إنها صفية بنت

حيي».
فقالا: سبحان الله! وكَبُر عليهما.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من الإِنسان مجرى الدم, وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئاً».
رواه الجماعة إلا الترمذي.
وفي رواية متفق عليها: وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد.
وفي لفظ للبخاري: كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عنده أزواجه, فرحن, فقال لصفية بنت حيي: «لا تعجلي حتى أنصرف معك», وكان بيتها في دار أسامة بن زيد, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معها, فلقيه رجلان... (وذكر الحديث).
وهذا صريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معها من المسجد, وأن قولها: «حتى بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة»؛ تعني: باباً غير الباب الذي خرج منه؛ فإن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت شرقي المسجد وقبلته, وكان للمسجد عدة أبواب, أظنها ستة, فيمر على الباب بعد الباب, والرجلان رأيا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المرأة خارج المسجد؛ فإنه لو كان في المسجد؛ لم يحتج إلى هذا الكلام.
وقوله: «لا تعجلي حتى أنصرف معك», وقيامه معها ليقلبها: دليل على أن مكانها كان بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلاً, وذلك والله أعلم قبل أن يتخذ حجرتها قريباً من المسجد, ولهذا قال: «كان

مسكنها في دار أسامة».
وهذا كله مبين لخروجه من المسجد؛ فإن خروجه إلى مجرد باب المسجد لا فائدة فيه, ولا خصوص لصفية فيه لو كان منزلها قريباً دون سائر أزواجه, فهذا خروج للخوف على أهله, فيلحق به كل حاجة.
ولا يجوز أن يقال: اعتكافه كان تطوعاً, وللمتطوع أن يدع الاعتكاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفظ اعتكافه مما ينقصه, ولهذا كان لا يدخله إلا لحاجة, ويصغي رأسه إلى عائشة لترجله, ولا يدخل.
ولأنه لو ترك الاعتكاف ساعة؛ لم يكن قد اعتكف العشر الأواخر, وهو صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر.
ثم إنه كان يقضي هذا الاعتكاف إذا فاته؛ فكيف يفسده أو يترك منه شيئاً؟! على أن أحداً من الناس لم يقل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان ترك اعتكافه بخروجه مع صفية؛ فإن العمدة في صفة الاعتكاف فرضه ونفله على اعتكافه صلى الله عليه وسلم, كيف وقد كان إذا عمل عملاً أثبته صلى الله عليه وسلم.

فصل:

وأما عيادة المريض وشهود الجنازة؛

ففيه روايتان منصوصتان: إحداهما: يجوز.
قال في رواية ابن الحكم: المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة.

864 - ويروى عن عاصم بن ضمرة, عن علي رضي الله عنه «المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة والجمعة».
وعاصم بن ضمرة عندي حجة.
وقال حرب: سل أحمد عن المعتكف يشهد الجنازة ويعود المريض ويأتي الجمعة؟ قال: نعم.
ويتطوع في مسجد الجامع؟ قال: نعم؛ أرجو أن لا يضره.
قيل: فيشترط المعتكف الغداء أو العشاء في منزله؟ فكره ذلك.
قيل: فيشترط الخياطة في المسجد؟ قال: لا أدري.
قيل: فهل يكون اعتكاف إلا بصيام؟ قال: قد اختلفوا فيه.
وكذلك نقل عن الأثرم: يخرج لصلاة الجنازة.
وقال في رواية حنبل: ويعود المريض, ولا يجلس, ويقضي الحاجة, ويعود إلى معتكفه, ولا يشتري, ولا يبيع؛ إلا أن يشتري ما لا بد له منه؛ طعام أو نحو ذلك, وأما التجارة والأخذ والعطاء؛ فلا يجوز شيء من ذلك.
والرواية الثانية: لا يجوز ذلك إلا بشرط.
قال في رواية المروذي في المعتكف: يشترط أن يعود المريض ويتبع الجنازة؟ قال: أرجو.
كأنه لم ير به بأساً.
ويشبه أن تكون هي الآخرة؛ لأن ابن الحكم قديم.
وهذه اختيار عامة أصحابنا: الخرقي, وأبي بكر, وابن أبي موسى, والقاضي, وأصحابه, وغيرهم.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان.
فعلم أن هذه سنة الاعتكاف, وفعله يفسر الاعتكاف المذكور في القرآن.

وقد تقدم حديث عائشة رضي الله عنها على المعتكف: «أن لا يعود مريضاً, ولا يشهد جنازة, ولا يمس امرأة, ولا يباشرها, ولا يخرج إلا لما لا بد منه».
865 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «إن كنت لأدخل البيت للحاجة, والمريض فيه, فما أسأل عنه إلا وأنا مارة».
متفق عليه.
866 - وعنها؛ قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف, فيمر كما هو, ولا يعرج يسأل عنه».
رواه أبو داوود, عن ليث بن أبي سليم, عن ابن القاسم, عن أبيه, عن عائشة.
وفي لفظ: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعود المريض وهو معتكف».
ولأنه خروج لما له منه بد, فلم يجز؛ كما لو خرج لزيارة والديه أو صديقه أو طلب العلم ونحو ذلك من القرب.

فعلى هذا: إذا خرج لحاجة؛ فله أن يسأل عن المريض في طريقه, ولا يجلس عنده, ولا يقف أيضاً, بل يسأل عنه مارّاً؛ لأنه [مقيم] لغير حاجة.
وقد ذكر عائشة مثل ذلك.
وقول أحمد: «يعود المريض ولا يجلس»: دليل على جواز الوقوف؛ إلا أن يحمل على الرواية الأخرى.
ووجه الرواية الأولى: ما احتج به أحمد, وهو ما رواه عاصم بن ضمرة, عن علي رضي الله عنه؛ قال: «إذا اعتكف الرجل؛ فليشهد الجمعة, وليحضر الجنازة, وليعد المريض, وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم».
867 - وعن عبد الله بن يسار: «أن عليّاً أعان ابن أخيه جعدة بن هبيرة بسبع مائة درهم من عطائه أن يشتري خادماً, فقال له: ما منعك أن تبتاع خادماً؟! فقال: إني كنت معتكفاً.
قال: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت؟!».
868 - وعن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه

الخصال, وهي له [و] إن لم يشترط: عيادة المريض, ولا يدخل سقفاً, ويأتي الجمعة, ويشهد الجنازة, ويخرج في الحاجة».
869 - قال: وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف المسجد».
رواهن سعيد.
870 - وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض».
رواه ابن ماجه, وراويه متروك الحديث.
وأيضاً؛ فإن هذا خروج لحاجة لا تتكرر في الغالب, فلم يخرج به عن كونه معتكفاً؛ كالواجبات.
وذلك أن عيادة المريض من الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم, وكذلك عيادة المريض...؛ فعلى هذه الرواية هل يقعد عنده؟.... وإن تعين عليه الصلاة على الجنازة, وأمكنه فعلها في المسجد؛ لم يجز الخروج إليها, وإن لم يمكنه؛ فله الخروج إليها.
وكذلك يخرج لتغسيل الميت وحمله ودفنه إذا تعيَّن عليه.

وأما إذا شرط ذلك؛ فيجوز في المنصوص المشهور كما تقدم.
وقال في رواية الأثرم: يشترط المعتكف أن يأكل في أهله, ويجوز الشرط في الاعتكاف.
وحكى الترمذي وابن المنذر عن أحمد.... 871 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني؛ فإن لك على ربك ما اشترطت».
عام, فإذا كان الإِحرام الذي هو ألزم العبادات بالشروع يجوز مخالفة موجبه بالشرط؛ فالاعتكاف أولى.
872 - [وعن إبراهيم؛ قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشترط هذه الخصال, وهي له إن لم يشترط: عيادة المريض, ولا يدخل سقفاً, ويأتي الجمعة, ويشهد الجنازة, ويخرج في الحاجة».] وكان إبراهيم يقول: «لا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة أو سقف المسجد».
رواه سعيد.

فصل

: قال أبو بكر: لا يقرأ القرآن, ولا يكتب الحديث, ولا يجالس العلماء,

ولا يتطيب, ولا يشهد جنازة, ولا يعود مريضاً؛ إلا أن يشترط في اعتكافه.
ذكر ابن حامد والقاضي وغيرهما: أن له أن يشترط كل ما في فعله قربة؛ مثل: العيادة, وزيارة بعض أهله, وقصد بعض العلماء.
وقسموا الخروج ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز بالشرط ودونه ولا يبطل الاعتكاف.
وهو الخروج لما لا بد منه من قضاء الحاجة والخوف والمرض ونحو ذلك مما تقدم.
والثاني: ما لا يجوز الخروج إليه إلا بشرط.
وهو عيادة المريض, وزيارة الوالدة, واتباع الجنازة.
والثالث: ما لا يجوز الخروج إليه بشرط وبغير شرط, ومتى خرج إليه؛ بطل اعتكافه.
وهو اشتراط ما لا قربة فيه؛ كالفرجة والنزهة والبيع في الأسواق.
وكذا لو شرط أن يجامع متى شاء.
قال بعض أصحابنا: وكذا إن شرط التجارة في المسجد أو التكسب بالصنعة فيه أو خارجاً منه.
وأما المنصوص عن أحمد, والذي ذكره قدماء وأصحابه؛ فهو اشتراط عيادة المريض واتباع الجنازة.
قال ابن عقيل: وزاد ابن حامد فقال: ولا بأس أن يشترط زيارة أهله لأنه لما كان له أن يشترط قطعه والخروج منه؛ كان له أن يشترط تحلل القربة له.
قال: والجواب عما ذكره ابن حامد: أنه ليس إذا ملك أن يقطع

الاعتكاف, يملك أن يشترط شيئاً يبطل مثله الاعتكاف مع عدم الشرط؛ كما أنه يجوز أن يشترط يوماً ويوماً لا, ولا يملك أن يطأ في اليوم الذي لم ينذر اعتكافه, ومع هذا لا يملك أن يطأ.
فأما اشتراط المباح؛ على ما ذكره القاضي: لا يجوز.
وقال بعض أصحابنا: يجوز شرط ما يحتاج إليه؛ كالأكل والمبيت في المنزل؛ لأن الاعتكاف يجب بعقده, فكان الشرط إليه فيه كالوقف.
ولأنه لا يختص بقدر, فإذا شرط الخروج؛ فكأنه نذر القدر الذي أقامه.
أما الأكل؛ ففيه عن أحمد روايتان؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما المبيت؛ فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟ قال: إذا اشترط؛ فنعم.
قيل له: وتجيز الشرط في الاعتكاف؟ قال: نعم.
قلت له: فيبيت في أهله؟ قال: إذا كان تطوعاً؛ جاز.
فأخذ بعض أصحابنا من هذا جواز شرط المبيت لجواز شرط الأكل, [و] ليس بجيد؛ فإن أحمد أجاز الأكل بالشرط مطلقاً, وأجاز المبيت في الأهل إذا كان متطوعاً, ولم يعلقه بشرط, فعلم أنه لا يجوز في النذر.
وليس هذا لأجل الشرط, بل لأن التطوع له تركه متى شاء؛ فإذا بات في أهله؛ كأنه يعتكف النهار دون الليل.
ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام يبيت بالليل عند أهله؛ يكون قد نذر اعتكاف الأيام دون الليالي, فيكون اعتكاف كل يوم اعتكافاً جديداً يحتاج إلى نية مستأنفة.
وإذا خرج بالليل؛ لم يكن معتكفاً, حتى لو جامع أهله فيه؛ كان له ذلك.

فأما جواز المبيت في أهله, مع كونه معتكفاً؛ فهذا إخراج للاعتكاف عن حقيقته....

فصل:

فإن قال: عليَّ أن أعتكف شهر رمضان إن لم أكن مريضاً أو مسافراً

, أو أصوم شعبان إن لم أكن مريضاً أو مسافراً, أو أتصدق بكذا إن لم يحتج إليه؛ جاز؛ لأن النذر عقد من العقود, يصح تعليقه بشرط؛ فلأن يصح الاستثناء فيه والاشتراط أولى وأحرى.
وإن قال: عليَّ أن أعتكف هذا الشهر على أني متى عرض لي ما يمنعني المقام خرجت؛ جاز ذلك؛ كما لو قال في الحج: إن حبسني حابس؛ فمحلي حيث حبستني, ويكون فائدة ذلك أنه لا يلزمه قضاء ولا كفارة.

مسألة:

ولا يباشر امرأة.

والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: رقم 187]. فلا يحل له في المسجد ولا خارجاً منه إذا خرج خروجاً لا يقطع الاعتكاف أن يباشرها بوطء ولا لمس ولا قبلة لشهوة, بل ذلك حرام عليه.
873 - قال قتادة في قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي

الْمَسَاجِدِ}؛ قال: «كان الناس إذا اعتكفوا يخرج أحدهم فيباشر أهله, ثم يرجع إلى المسجد, فنهاهم الله تعالى عن ذلك».
874 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «إذا جامع المعتكف؛ بطل اعتكافه, واستأنف الاعتكاف».
رواهما إسحاق بن راهوية.
875 - فأما إن مسها لغير شهوة, مثل أن يناولها حاجة أو تناوله؛ فلا بأس؛ لحديث عائشة.
والوطء يبطل الاعتكاف بإجماع أهل العلم.
ذكره ابن المنذر.
لأنها عبادة حرم فيها الوطء فأبطلها كالصوم والإِحرام.

فأما المباشرة دون الفرج؛ كالقبلة واللمس؛ فإنها لا تبطله فيما ذ كره القاضي ومن بعده من أصحابنا؛ كما لا يبطل الإِحرام والصيام؛ إلا أن يقترن بها الإِنزال؛ فإن أنزل؛ فسد الاعتكاف كما يفسد الصيام بالإِنزال, وكذلك الحج في رواية, وفي الرواية الأخرى الحج آكد في اللزوم؛ فإنه لا يخرج منه بالإِفساد؛ بخلاف الاعتكاف؛ فإنه لو خرج من المسجد أو جامع؛ خرج من الاعتكاف, ولو أراد الخروج من تطوعه؛ كان له ذلك.
ويبطل الاعتكاف بالوطء؛ سواء عامداً أو ناسياً أو عالماً أو جاهلاً عند أصحابنا, وهو ظاهر كلامه؛ كما قلنا في الإِحرام والصيام.
ويتخرج.... وإن باشر ناسياً فأنزل؛ فقياس المذهب أن ما كان منه ملحقاً بالوطء يستوي فيه عمده وسهوه, وهو جميع المباشرة في رواية, أو الوطء دون الفرج في رواية.
وما كان منه مفارقاً للجماع في وجوب الكفارة به في الصيام.
وإن خرج من المسجد ناسياً؛ ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل اعتكافه.
قاله القاضي في «المجرد»؛ لأن الاعتكاف منع من شيئين: المباشرة والخروج؛ كما منع الصوم والمباشرة والأكل, فلما كان أكل الصائم ناسياً لا يبطل صومه؛ بخلاف الجماع؛ فكذلك خروجه من المسجد, والجاهل بأنه محرم.... والثاني: يبطل اعتكافه.
قاله القاضي في «خلافه» والشريف وأبو جعفر

وأبو الخطاب وابن عقيل, حتى جعلوه أوكد من الجماع؛ لأن اللبث في المسجد من باب المأمور به, فيستوي في تركه العمد والخطأ؛ كترك أركان الصلاة وأركان الحج وواجباته؛ بخلاف الجماع؛ فإنه من المنهي عنه.
وسواء في ذلك إن نسي المسجد أو نسي أنه معتكف (...). فإن أكره على الخروج؛ لم يبطل اعتكافه, سواء أكره بحق؛ مثل إحضاره مجلس الحكم, أو بباطل؛ بأن يحمل أو يكره على الخروج لمصادرة أو تسخير.
فأما إن أمكنه الامتناع بأداء ما وجب عليه أو بغير ذلك, بأن يكون عليه حق, وهو قادر على وفائه, فيمتنع حتى يخرجه الخصم إلى مجلس الحكم؛ بطل اعتكافه.

فصل:

وإذا أبطل اعتكافاً لزمه قضاؤه؛ فهل عليه كفارة؟

على روايتين: إحداهما: لا كفارة عليه.
قال في رواية أبي داود: إذا جامع المعتكف؛ فلا كفارة عليه؛ لأنه لا نص في وجوب الكفارة ولا إجماع ولا قياس صحيح.
لأنها إن قيست على الصيام؛ فالصوم لا تجب الكفارة بالوطء فيه إلا نهار رمضان خاصة, ولهذا تجب على من وجب عليه الإِمساك, وإن لم يكن صائماً, فكانت الكفارة لحرمة الزمان لا لحرمة جنس الصوم.
وإن قيست على الحج؛ فالحج يلزم جنسه بالشروع, ثم الكفارة الواجبة فيه ليست من جنس كفارة الحج.

وأيضاً؛ فالحج والصيام عبادتان عظيمتان, يجب جنسهما بالشرع, ويدخل المال في جبرانهما؛ بخلاف الاعتكاف.
ثم ليس إلحاقه بالحج والصيام بأولى من إلحاقه بالطواف والصلاة والطهارة؛ فإنه لو نذر أن يبقى يوماً متطهراً, ثم أفسد طهارته؛ م تجب عليه كفارة.... والرواية الثانية: عليه الكفارة, وهي اختيار القاضي وأصحابه.
وحكى ابن أبي موسى وغيرهما هذه الرواية: أنه يلزمه كفارة الظهار, سواء وطئ ليلاً أو نهاراً, عامداً أو ساهياً.
قال ابن أبي موسى: وهو مذهب الزهري.
876 - وذكر إسحاق عن الزهري في الرجل يقع على امرأته وهو معتكف؟ قال: «لم يبلغنا في ذلك شيء, ولكنا نرى أن يعتق رقبة, مثل الذي يقع على أهله في رمضان».
877 - وعن الحسن: «إذا واقعها وهو معتكف؛ يحرر محرراً».
وذك لأنها عبادة مقصودة يحرم فيها الوطء ويفسدها, فوجب فيها كفارة

كالصيام والحج, ولا ينتقض بالطواف والصلاة؛ لأن الواطئ إنما يفسد الطهارة, وفساد الطهارة يفسد الصلاة والطواف.
والطهارة ليست عبادة مقصودة لنفسها, أو يقال: عبادة لا تشترط لها الطهارة, ويحرم الوطء, فأشبه الصيام والحج.
وهذا لأن العاكف قد منه نفسه من الخروج, كما منع الصائم نفسه عن الأكل والشرب والنكاح, ومنع المحرم نفسه عن اللباس والطيب والنكاح وغيرها.
878 - ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في العاكف: «هو يعكف الذنوب».
879 - كما قال في الصوم: «الصوم جنة».
ولهذا كره للصائم والعاكف والمحرم فضول القول والعمل منصوصاً في الكتاب والسنة, ولهذا قرن العكوف بالصيام: إما وجوباً, أو استحباباً مؤكداً, وجمع بينهما في آية واحدة, وقرن بالحج في قوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: 125]. ولفظ هذه الرواية فيما ذكره القاضي: قال في رواية حنبل: وذكر له قول ابن شهاب: «من أصاب في اعتكافه؛ فهو كهيئة المظاهر», فقال أبو عبد الله: وإذا كان نهاراً أوجبت عليه الكفارة.
وقال في موضع آخر في مسائل حنبل: إذا واقع المعتكف أهله؛ بطل اعتكافه, وكان عليه أيام مكان ما أفسده, ويستقبل ذلك, ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً وليس هو واجباً فتجب عليه الكفارة.

ولأصحابنا في تفسير هذا الكلام ثلاثة طرق: أحدها: أن قوله: «لا كفارة عليه إذا كان ليلاً, ليس هو واجباً عليه فتجب عليه الكفارة»: دليل على أن الكفارة تجب في الواجب وإن كان ليلاً.
وقوله في اللفظ الآخر: «وإذا كان نهاراً وجبت عليه الكفارة»: قصد به إذا كان الاعتكاف واجباً عليه أو لم يوجبه على نفسه ليلاً, فأما إذا وجب اعتكاف شهر متتابع أو أيام متتابعة؛ فإن الليل والنهار سواء في ذلك.
هذا تفسير القاضي.
الثانية: أنه في اللفظ أوجب كفارة الظهار بالوطء نهاراً فقط؛ لأنه يكون صائماً؛ فإن الصوم وجب في إحدى الروايتين, وهي رواية حنبل.
ومؤكداً الاستحباب في الأخرى, فيكون قد أفسد الصوم والاعتكاف كالواطئ في رمضان يهتك حرمة الإِمساك وحرمة الزمان, ويكون الصوم المقرون به الاعتكاف كالصوم في نهار رمضان؛ بخلاف الواطئ ليلاً؛ فإنه لم يفسد إلا مجرد الاعتكاف.
وفي اللفظ الثاني: أوجب الكفارة بالوطء ليلاً ونهاراً إذا كان واجباً.
فتكون المسألة على ثلاث روايات: وهذه طريقة ابن عقيل في «خلافه», ولم يذكر في الفصول إلا روايتين: إحداهما: وجوب الكفارة.
والثانية: لا تجب إلا إذا كان واجباً بالنذر, وكان الوطء نهاراً.
قال: ولعل الوطء في ليل المعتكف يوجب كفارة اليمين, فعلى هذا تكون الروايتان متفقة على أن النهار فيه كفارة الظهار, والليل فيه كفارة يمين.
الثالثة: أن احمد إنما سئل عن المعتكف في رمضان, وعلى هذا خرج

كلامه؛ فإن وطئ نهاراً؛ وجبت عليه كفارة الظهار لأجل رمضان, وإذا وطئ ليلاً وليس هو واجباً عليه؛ فلا كفارة عليه, وإن كان واجباً؛ وجبت عليه كفارة ترك النذر.
ويدل على أن هذا معنى كلامه قوله: «ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً وليس هو واجباً»؛ فهذا دليل على ثبوته إذا كان نهاراً, وإذا كان ليلاً وهو واجب, ودليل على أنه إذا كان واجباً؛ وجبت الكفارة لوجوبه, وهذه كفارة اليمين.
وكذلك قال أبو بكر.
والرجل إذا جامع في اعتكافه؛ بطل اعتكافه, ويستقبل؛ فإن كان نذراً؛ كان عليه كفارة يمين والقضاء لما أفسد.
وعلى هذه الطريقة فتكون المسألة رواية واحدة: أنه يجب عليه كفارة اليمين لترك النذر.
وذكر القاضي أبو الحسين وغيره في الكفارة الواجبة بالوطء في الاعتكاف؛ هل هي كفارة يمين أو ظهار؟ على روايتين: إحداهما: أنها كفارة يمين.
اختاره أبو بكر والقاضي في «الجامع الصغير».
والثانية: أنها كفارة ظهار.
اختاره القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى في «خلافه».
وهذا يقتضي أنه لا كفارة على الرواية الأخرى؛ لا كفارة جماع, ولا كفارة يمين.
وهذا غلط على المذهب؛ فإن الاعتكاف إذا كان منذوراً معيناً وأفسده؛

لزمته كفارة ترك المنذور بغير خلاف في المذهب؛ كما يلزمه كفارة لو خرج من المسجد.
وقول أحمد: «إذا جامع المعتكف؛ فلا كفارة عليه»؛ أي: لا كفارة عليه للجماع في الاعتكاف.
وهذا إنما تجب عليه الكفارة لتفويت النذر؛ كالخروج من المسجد وأولى.
نعم؛ مَنْ قال مِن أصحابنا عليه كفارة ظهار؛ فإنه يستغني بوجوبها عن كفارة اليمين, ومن لم يوجب عليه كفارة ظهار... وهو الذي يقتضيه كلام أحمد وقدماء أصحابه؛ فإنه لا بد في كفارة اليمين إذا كان النذر معيناً.
وأما إذا كان مطلقاً؛ فهل تجب كفارة اليمين؟ وإذا باشر دون الفرج فأنزل؛ فقال ابن عقيل: يتخرج في إيجاب الكفارة وجهان, على الروايتين في الصوم؛ لأن الاعتكاف عبادة تحرم الوطء ودواعيه؛ هو كالصيام والإِحرام.

فصل:

ويبطل الاعتكاف أيضاً بالردة؛

لأن الردة تبطل جميع العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والإِحرام؛ فكذلك الاعتكاف؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادات.
فإن عاد....

ويبطل أيضاً بالسكر؛ لأن السكران ممنوع من دخول المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: آية 43].... فأما إن زال عقله بغير النوم من جنون أو إغماء....

فصل:

وإذا ترك الاعتكاف بالخروج من المعتكف:

فإما أن يكون نذراً أو تطوعاً: أما النذر؛ فأربعة أقسام: أحدها: أن يكون نذراً معيناً, مثل أن يقول: لله عليَّ أن أعتكف هذا الشهر, أو هذا العشر, أو العشر الأواخر من رمضان... ونحو ذلك؛ ففيه روايتان, ويقال: وجهان مبنيان على روايتين منصوصتين في الصيام: أحدهما: يبطل ما مضى من اعتكافه, وعليه أن يبتدئ الاعتكاف, فيعتكف ما بقي من المدة, ويصله باعتكاف ما فوته منها؛ لأنه وجب عليه أن يعتكف تلك الأيام متتابعة, فإذا بطا الاعتكاف؛ قطع التتابع؛ فعليه أن يأتي به في القضاء متتابعاً؛ لأن القضاء يحكي الأداء, ووجب عليه أن يعتكف ما بقي من المدة لأجل التعيين, وهذا أولى من الصوم؛ لأن الصوم عبادات يتخللها [ما ينافيها, فإذا أفطر يوم؛ لم يلزم منه فطر يوم آخر؛ بخلاف] الاعتكاف؛ فإنه عبادة واحدة متواصلة, فإذا أبطل آخرها؛ بطل أولها؛ كالإِحرام وصوم اليوم الواحد والصلاة.

والرواية الثانية: لا يبطل ما مضى من اعتكافه, بل يبني عليه ويقضي ما تركه, وإن شاء قضاه متتابعاً, وإن شاء متفرقاً, وإن شاء وصله بالمدة المنذورة, وإن شاء فصله عنها؛ لأن التتابع إنما وجب تبعاً للتعيين في الوقت, فإذا فات التعيين؛ سقط التتابع لسقوطه؛ كمن أفطر يوماً من رمضان؛ فإنه يبني على ما صام منه, ويقضي يوماً مكان ما ترك, وعليه كفارة يمين لما فوته من التعيين في نذره رواية واحدة.
القسم الثاني: أن ينذر اعتكاف الوقت المعين متتابعاً, بأن يقول: عليَّ أن أعتكف هذا العشر متتابعاً, فإذا ترك بعضه؛ كان عليه استئناف الاعتكاف, فيعتكف ما بقي, ويصله بالقضاء.
الثالث: أن ينذر اعتكافاً متتابعاً غير معين؛ مثل أن يقول: عليَّ أن أعتكف عشرة أيام متتابعة أو شهراً متتابعاً, فإذا ترك بعضه؛ كان عليه أن يستأنف الاعتكاف في أي وقت كان, ولا كفارة عليه.
الرابع: أن ينذر اعتكافاً مطلقاً غير متتابع, مثل أن يقول: عليَّ اعتكاف عشرة أيام متفرقة, فإذا ترك اعتكاف بعضها؛ لم يبطل غير ذلك اليوم.... وأما إذا أبطله بالوطء والسكر ونحوهما: فقال ابن عقيل وكثير من متأخري أصحابنا: هو كما لو أبطله بالخروج من معتكفه.
فإن كان مشروطاً فيه التتابع؛ فعليه الاستئناف؛ رواية واحدة؛ لفوات التتابع المشروط فيه, لا لفساد ما مضى منه.
وإن لم يشترط فيه التتابع؛ فهل يبني أو يستأنف؟ على وجهين, مع

وجوب الكفارة فيهما.
ولفظ ابن عقيل: هل يبطل ما مضى منه.
على روايتين: إحداهما: يبطل.
لأنها عبادة واحدة, فيبطل لما مضى منها بالوطء فيما بقي؛ كالطواف.
والثانية: لا يبطل الماضي.
لأنه عبادة بنفسه؛ بدليل أنه يصح أن يفرد بالنذر والنفل, وإن لم يكن معيناً؛ فعليه القضاء والاستئناف.
وإن كان متتابعاً بغير كفارة.... والذي ذكره قدماء الأصحاب مثل الخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى وغيرهم أن عليه القضاء والاستئناف.
وهذا هو المنصوص عنه.
قال في رواية حنبل: إذا واقع المعتكف أهله؛ بطل اعتكافه, وكان عليه أيام مكان ما أفسده, ويستقبل ذلك, ولا كفارة عليه إذا كان الذي واقع ليلاً, وليس هو واجب فتجب عليه الكفارة.
وكذلك قال أيضاً: إذا وطئ المعتكف؛ بطل اعتكافه, وعليه الاعتكاف من قابل.
وهذا أجود؛ لأنه إذا نذر اعتكاف العشر, وجامع فيه؛ فإن الجماع يبطل اعتكافه, فيبطل ما مضى منه؛ لأن الاعتكاف المتتابع عبادة واحدة, فإذا طرأ عليها ما يبطلها؛ أبطل ما مضى منها؛ كالإِحرام والصيام.
وأيضاً؛ فإن مدة الوطء قليلة؛ فلو قيل: إن ما قبله صحيح, وما يفعل بعده صحيح؛ لم يبق معنى قولنا: يبطل اعتكافه؛ إلا وجوب قضاء ذلك الزمن اليسير, وهذا لا يصح.

وأيضاً... وكون ما قبل الوطء يصح إفراده بالنذر والفعل لا يلزم منه أن يكون عبادة إذا ضم إلى غيره؛ كما لو صلى أربع ركعات؛ فإنه إذا أحدث في آخر ركعة؛ بطل ما مضى, ولو خرج منه؛ لصح, وكذلك لو جامع المحرم في لحج بعد الطواف والسعي؛ بطل, وإن كان يصح إفراده ما مضى عمرة.
وإفساد العبادة يخالف تركها, والخروج من المسجد ترك محض.

فصل

: قال ابن أبي موسى: لو نذر اعتكاف العشر الأواخر من رمضان, ثم أفسده؛ لزمه أن يقضيه من قابل في مثل وقته.
وهذا أخذه من قول أحمد في رواية حنبل وابن منصور: إذا وقع المعتكف على امرأته؛ انتقض اعتكافه, وعليه الاعتكاف من قابل.
وهذا لأن الاعتكاف هذه الأيام أفضل من غيرها.
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختصها بالاعتكاف, ويوقظ فيه أهله, ويحيي الليل, ويشد المئزر, وفيها ليلة القدر, فلا يقوم مقامها إلا ما أشبهها,, وهو العشرين العام القابل؛ كما قلنا فيما إذا [عين] مكاناً مخصوصاً بالسفر إليه مثل المسجد الحرام؛ لم يجزه الاعتكاف إلا فيه, ولو أفسد الاعتكاف الواجب فيه؛ لم يجزه قضاؤه إلا فيه.
ولا يرد على هذا قضاء النبي صلى الله عليه وسلم لاعتكافه في شوال؛ لأنه لم يكن واجباً

جارٍ التحميل