813 - وقد روى ابن أبي مليكة؛ قال: اعتكفت عائشة بين حراء وثيبر, فكنا نأتيها هناك وعبداً لها يؤمها».
رواه حرب.
وليس هناك مسجد تقام فيه الجماعة.
وقال القاضي في «خلافه»: كل موضع لا يصح اعتكاف الرجل فيه لا يصح اعتكاف المرأة فيه.
وكذلك الخرقي وابن أبي موسى وغيرهما اشترطوا للاعتكاف مسجداً يجمع فيه, ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة.
وقال أحمد في رواية ابن منصور: الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الصلاة, ولم يفرق....
وهذا ظاهر ما تقدم ذكره عن الصحابة؛ فإنهم لم يفرقوا, لا سيما حديث ابن عباس؛ فإنه سئل عن اعتكاف المرأة؟ فقال: «لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة», وحديث عائشة أيضاً؛ فإن اعتكاف النساء لا بد أن يدخل في عموم كلامهما.
وأما اعتكافها في مسجد حراء؛ فقد كان يؤمها فيه عبدها, وهذا يؤيد أنه لا بد في الاعتكاف من مسجد جماعة.
وأيضاً؛ فإن المقصود من المسجد إقامة الصلاة فيه؛ فاعتكافها في مسجد
لا جماعة فيه كاعتكافها في بيتها, والجماعة إن لم تكن واجبة عليها في الأصل, لكن إذا أرادت الاعتكاف, فجاز أن يجب عليها ما لم يكن واجباً قبل ذلك؛ كما لو أرادت الجمعة والجماعة؛ وجب عليها ما يجب على المأموم, وإن لم يجب بدون ذلك.
وإذا كان الاعتكاف يوجب الاحتباس في المسجد, مع أنه غير مقصود لنفسه, بل لغيره؛ فلأن يوجب الجماعة التي [هي] أفضل العبادات الأولى, ولأن ذلك لو لم يكن واجباً....
ولا يكره الاعتكاف للعجوز التي لا يكره لها شهود الجمعة والجماعة.
وهل يكره للشابة؟
المنصوص عنه الرخصة مطلقاً.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل النساء: يعتكفن؟ قال: نعم؛ قد اعتكف النساء.
فعمَّ, ولم يخص الشابة من غيرها, وقد تقدم نحو ذلك في رواية أبي داوود.
وقال القاضي: قياس قوله أنه يكره للشابة؛ لأنه قد نص على ذلك في خروجها لصلاة العيدين, وأنه مكروه.
وهذا اختيار القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنقض قباب أزواجه لما أردن الاعتكاف معه.
814 - وقالت عائشة رضي الله عنها: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء؛ لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل.
ولأنه خروج من البيت لغير حاجة, فكره للشابة؛ كالخروج للجمعة والجماعة.
قال القاضي: وكذلك يكره لها الطواف نهاراً.
والصحيح المنصوص....
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة وحفصة أن يعتكفا معه, وكانتا شابتين.
815 - وقد اعتكف معه امرأة من أزواجه كانت ترى الدم, وقد جاء مفسراً أنها أم سلمة رضي الله عنها, ولم تكن عجوزاً.
وإنما أمرهن بتقويض الأبنية لما خافه عليهن من المنافسة والغيرة, ولهذا قال: «آلبر يردن؟».
ولأن مريم عليها السلام قد اخبر الله سبحانه أنها جعلت محررة له, وكانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب, وأنها انتبذت من أهلها مكاناً شرقيّاً, فاتخذت من دونهم حجاباً, وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه, وشرع ما قبلنا شرع لنا, ما لم يرد شرعنا بنسخه, ولأن هذه العبادة لا تفعل إلا في المسجد, فلو كرهت لها؛ للزم تفويتها بالكلية, ونحن لا ننهى عن العبادة بالكلية؛ لجواز أن يفتتن بها إنسان, مع أن الظاهر خلافه.
ولهذا لا يكره لها الخروج لمصلحة متعينة من عيادة أهلها ونحو ذلك؛ بخلاف خروجها في الجنائز؛ فإنه لا فائدة فيه, وفيه مفاسد ظاهرة.
ولهذا لا يكره لها حج النافلة, بل هو جهادها, مع أن خوف الفتنة به أشد ما لم يكن فعله إلا كذلك.
وأما خروجها للجمعة والجماعة إن سلم؛ فلها مندوحة عن ذلك بأن تصلي في بيتها, وكذلك الطواف إن سلم؛ فإن لها في الطواف بالليل مندوحة عن النهار.
فعلى هذا لا يستحب الاعتكاف للنساء, ولا يكون الأولى بتركه, بل الأولى فعله, إذا لم يكن فيه مفسدة.
كما قال في رواية أبي داوود, وذكر النساء يعتكفن في المسجد ويضرب لهن فيه الخيم: وقد ذهب هذا من الناس, ويستحب لها أن تستتر من الرجال بخباء ونحوه.
نص عليه اقتداء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء السلف كما ذكره أحمد, ولأن المسجد يحضره الرجال, والأفضل للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهم الرجال.
ويضرب الخباء في موضع لا يصلي فيه الرجال؛ لئلا تقطع صفوفهم وتضيق عليهم.
ولا بأس أن يستتر الرجل أيضاً, بل هو أفضل.
816 - فإن عائشة؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف؛ صلى الصبح, ثم دخل معتكفه, وإنه أمر بخباء فضرب».
وفي لفظ للبخاري: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان, فكنت أضرب له خباء, فيصلي الصبح, ثم يدخله».
817 - وعن أبي سعيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان, ثم اعتكف العشر الأوسط, في قبة تركية, على سدتها حصير».
قال: «فأخذ الحصير بيده, فنحاها في ناحية القبة, ثم أطلع رأسه, فكلم الناس, فدنوا منه».
رواه مسلم بهذا اللفظ, وهو في «الصحيحين», قد تقدم.
وقد تقدم في الصلاة: أنه اتخذ حجرة من حصير في رمضان, فصلى فيها ليالي, فصلى بصلاته ناس.
وينبغي أن يكون استتار المعتكف مستحبّاً؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم, وليجمع له فضل الصلاة في المسجد, وفضل إخفاء العمل, وليجمع عليه قلبه بذلك, فلا يشتغل برؤية الناس وسماع كلامهم, ولينقطع الناس عنه فلا يجالسونه ويخاطبونه.
الفصل الخامس: أن الاعتكاف في المسجد الجامع الذي تقام فيه
الجمعة والجماعة أفضل؛ لأنه إذا اعتكف في غيره؛ لم يجز له ترك الجمعة, فيجب عليه الخروج من معتكفه, وقد كان يمكنه الاحتراز عن هذا الخروج بالاعتكاف في المسجد الأعظم, وهذا إنما يكون في اعتكاف تتخلله جمعة.
فأما إن لم تتخلله جمعة؛ فإن اعتكف في غير مسجد الجمعة, وخرج للجمعة؛ جاز؛ لما تقدم من الحديث المرفوع وأقاويل الصحابة: أن الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة, لا سيما والاعتكاف الغالب إنما يكون في العشر الأواخر من رمضان, ولا بد أن يكون فيها جمعة.
818 - وقد روي ذلك صريحاً عن علي رضي الله عنه؛ قال: «إذا اعتكف الرجل؛ فليشهد الجمعة, وليحضر الجنازة, وليعد المريض, وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم».
رواه سعيد.
ولم يستثنوا ذلك.
فأما قول الزهري المتقدم؛ فليس هو متصلاً, وهو من صغار التابعين, ويشبه أن يكون محمولاً على الاستحباب.
وأيضاً؛ فإن الخروج للجمعة خروج لحاجة لا تتكرر, فلم يقطع الاعتكاف؛ كالخروج للحيض.
وأيضاً؛ فإن من أصلنا أن قطع التتابع في الصيام والاعتكاف لعذر لا يمنع البناء, وإن أمكن الاحتراز منه؛ كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
وأيضاً؛ فإن اعتكاف العشر الأواخر سنة, وتكليف الناس يعتكفوا في المسجد الأعظم فيه مشقة عظيمة, وربما لم يتهيأ ذلك لكثير من الناس, فعفي عن الخروج للجمعة كما عفي عن الخروج لحاجة الإِنسان.
وأيضاً؛ فإن من أصلنا أنه يجوز له اشتراط الخروج لما له منه بد؛ فالخروج الذي يقع مستثنى بالشرع أولى وأحرى, سواء كان الاعتكاف واجباً أو مستحبّاً تطوعاً, وسواء كان نذراً متتابعاً أو نذراً مطلقاً, وسواء كان الاعتكاف قليلاً يمكن فعله في غير يوم الجمعة أو لا بد من تخلل يوم الجمعة له.
وركن الاعتكاف شيئان:
أحدهما: لزوم المسجد, فلو خرج منه لغير حاجة؛ بطل اعتكافه؛ كما نبين إن شاء الله تعالى.
الثاني: النية؛ فلا يصح الاعتكاف حتى يقصد لزوم المسجد لعبادة الله, فلو لزم المسجد من غير قصد؛ لم يكن معتكفاً؛ ولو قصد القعود فيه لعبادة يعملها؛ كصلاة مكتوبة, أو تعلم علم أو تعليمه.
[و] إذا قطع النية بأن نوى ترك الاعتكاف؛ بطل في قياس قول أصحابنا؛ كما قلنا في الصوم والصلاة والطواف ونحوها.
ويتخرج على قول ابن حامد.
فأما الصوم؛ فإن السنة للمعتكف أن يكون صائماً؛ لأن الله سبحانه ذكر آية الاعتكاف في ضمن آية الصوم, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاعتكاف بفعله, وإنما
كان يعتكف في شهر رمضان وهو صائم.
وقد أجمع الناس على استحباب الصوم للمعتكف, ولأن الصوم أعون له على كف النفس على الفضول؛ فإنه مفتاح العبادة, فيجتمع له حبس النفس عن الخروج, وحبسها عن الشهوات, فيتم مقصود الاعتكاف.
فإن اعتكف بدون الصوم؛ فهل يصح؟ على روايتين:
إحداهما: لا يصح.
819 - لما روى عبد الرحمن بن إسحاق, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً, ولا يشهد جنازة, ولا يمس امرأة, ولا يباشرها, ولا يخرج لحاجة؛ إلا لما لا بد منه, ولا اعتكاف إلا بصوم, ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع».
رواه أبو داوود, وقال: غير ابن إسحاق, لا يقول فيه: قالت: السنة.
جعله قول عائشة.
820 - ورواه الدارقطني من حديث ابن جريج, عن ابن شهاب, عن سعيد وعروة, عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان, وأن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإِنسان, ولا يتبع جنازة, ولا يعود مريضاً, ولا يمس امرأة, ولا يباشرها, ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة, ويأمر من اعتكف أن يصوم».
وقال الدارقطني: يقال: إن قوله: «إن السنة للمعتكف...» إلى آخره: ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنه من كلام الزهري, ومَنْ أدرجه في الحديث فقد وهم.
821 - 823 - وعن ابن عمر وابن عباس وعائشة: أنهم قالوا: «لا اعتكاف إلا بصوم».
رواه سعيد.
ولأن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص, فلم يكن قربة, حتى ينضم إليه قربة أخرى؛ كالوقوف بعرفة ومزدلفة, لا يكون قربة حتى ينضم إليه الإِحرام, ولأن المعتكف ممنوع مما يمنع منه الصائم من القبلة ونحوها؛ فلأن يمنع مما منعه الصائم كالأكل والشرب أولى.
فعلى هذه الرواية: لا يصح إفراده بالزمان الذي لا يصح صومه؛ كليلة مفردة, ويوم العيد, وأيام التشريق.
ولو نذر اعتكافاً؛ لزمه الصوم.
فأما إن اعتكف يوم العيد ويوماً آخر معه؛ فإنه يصح على ظاهر ما قالوه.
وهل يصح اعتكاف بعض يوم أو ليلة وبعض يوم إذا صام اليوم كله؟ فيه
وجهان:
أحدهما": لا يجزيه.
قاله القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب في «الهداية».
والثاني: يجزيه.
ولو نذر على هذا أن يعتكف, ولم يسم شيئاً؛ لزمه أن يصوم مع اعتكافه.
وهل يجزيه صوم يوم أو بعض يوم؟....
وإن اعتكف تطوعاً:
فقال في رواية حنبل, وقد سئل عن الاعتكاف في غير شهر رمضان؟ فقال: لا يكون إلا في شهر رمضان؛ إلا النذر, فإن كان نذراً؛ فلا بأس, وإنما الاعتكاف في شهر رمضان؛ لأنه لا اعتكاف إلا بصوم.
وظاهره أنه لا اعتكاف إلا بصوم واجب, وربما يكون وجهه أن الاعتكاف يلزم بالشروع, وصوم التطوع لا يلزم بالشروع, فإذا اعتكف في غير رمضان صائماً متطوعاً؛ كان مخيراً في ترك الصوم دون الاعتكاف.
ويحتمل أن يكون كلامه يُخَرَّج على عادة الناس....
وقال القاضي: إذا قلنا: من شرطه الصوم؛ فلا بد أن يكون صائماً في الجملة تطوعاً أو رمضان أو قضاء رمضان أو نذراً....
والرواية الثانية: يصح بغير صوم, والاستحباب له أن يصوم.
وهذا اختيار
أصحابنا؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: آية 125], وقال تعالى في موضع: وَالْقَائِمِينَ} [الحج: آية 26].
فعلم أن المقام في بيت الله هو العكوف فيه من غير شرط, وأنه عبادة بنفسه؛ كما كان الطواف والركوع والسجود عبادة بنفسه.
ولأن العكوف في اللغة: الإِقبال على الشيء على وجه المواظبة, وهذا يحصل من الصائم والمفطر, وهو لفظ معروف, ولا إجمال فيه.
ولأن العاكفين على الأصنام ولَهاً سمُّوا بذلك بمجرد احتباسهم عليها, وإن لم يصوموا؛ فالمحتبس لله في بيته عاكف له, وإن لم يكن صائماً.
ولأن الله سبحانه أطلق قوله: ﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187], ولم يخصص به صائماً من غيره.
نعم؛ لما أباح المباشرة للصائم بالليل, وقد يكون معتكفاً؛ نهاه أن يباشر في حال عكوفه؛ ليتبين أن كل واحد من الصوم والعكوف [مانع] من المباشرة.
824 - وأيضاً؛ ما روى ابن عمر: أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام.
قال: «فأوف بنذرك».
رواه الجماعة إلا أبا داود.
825 - وفي لفظ للبخاري: «أوف بنذرك, اعتكف ليلة».
فاعتكف ليلة.
..............
..............
ولو كان الصوم شرطاً في صحته؛ لما جاز اعتكاف ليلة؛ لأن الليل لا صوم فيه....
فإن قيل: معنى الحديث: نذرت أن أعتكف ليلة بيومها؛ فإن العرب تذكر الليالي وتدخل الأيام فيها تبعاً:
بدليل ما روي عن ابن عمر عن عمر: أنه جعل على نفسه يوماً يعتكفه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوف بنذرك».
وفي رواية في الصحيح لهما أو لأحدهما: أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة, بعد أن رجع من الطائف, فقال: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام؛ فكيف ترى؟ قال: «اذهب؛
فاعتكف يوماً».
رواه مسلم.
قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه جارية من الخمس, فلما أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا الناس.
فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها».
826 - وأيضاً؛ عن عبد الله بن بديل, عن عمرو بن دينار, عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يومها عند الكعبة, فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «اعتكف وصم».
قال: فبينما هو معتكف؛ إذ كبر الناس, فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قال: سبي هوزان, أعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال.
وتلك الجارية فأرسلها معهم.
رواه أبو داوود.
فهذا نص في أنه أمره بالصيام, ودليل على أن الاعتكاف كان نهاراً؛ لأن
تكبير الناس وانتشارهم في أمورهم وظهور عتق السبي إنما كان بالنهار.
قال عبد الله بن عمر: بعثت بجاريتي إلى أخوالي في بني جمح ليصلحوا لي منها, حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم إذا فرغت, فخرجت من المسجد, فإذا الناس يشتدون, فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا.
فقلت: دونكم صاحبتكم؛ فهي في بني جمح.
فانطلقوا فأخذوها.
827 - وأيضاً؛ فقد روى إسحاق بن راهوية عن ابن عمر: أنه قال: «لا اعتكاف أقل من يوم وليلة».
827 - وقد روى عن سعيد: أنه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم».
فلو كان يروى عن عمر أنه اعتكف ليلة مفردة؛ لما قال هذا ولا هذا.
فقد أجاب أصحابنا عن الأول:
بجواز أن يكونا واقعتين.
وبجواز أن يكون عنى باليوم والليلة؛ لأن رواية البخاري صريحة بأنه اعتكف ليلة, وأما الرواية الأخرى؛ فقال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو ن دينار لم يذكروه, منهم: ابن جريج, وابن عيينة, وحماد بن سلمة, وحماد بن زيد, وابن بديل ضعيف.
829 - وأيضاً؛ تقدم في حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان, فتركه, واعتكف في العشر الأول من شوال».
وفي لفظ: «فلما أفطر؛ اعتكف عشراً من شوال».
وفي لفظ: «فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال».
رواهن البخاري.
فقد بينت عائشة أنه اعتكف العشر الأول من شوال, وهذا إنما يكون إذا اعتكف يوم العيد, لا سيما ومقصوده عشر مكان عشر, وكان يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر اليوم الأول من العشر؛ فلذلك ينبغي أن يكون قد دخل معتكفه بعد صلاة العيد.
وقولها: «حتى اعتكف في العشر»؛ يعني - والله أعلم - في آخر عشر رمضان؛ يعني: في منسلخه ومنقضاه, وهذا يقتضي أن اعتكافه في أول يوم من شوال؛ كما دلت عليه بقية الروايات, لكن يحتمل أنه لم يحتسب بيوم الفطر, بل بالليلة التي تليه؛ إلا أن يكون دخل ليلة العيد, ويحتمل أن يصح اعتكاف يوم العيد مع أيام أخر.
وأيضاً؛ فإنه عبادة من العبادات, فلم يكن الصوم شرطاً في صحتها كسائر العبادات.
ولأنه ليس فيه اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح, والحكم إنما يثبت بواحدة من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإِيجاب.
وأما حديث عائشة؛ فقد ذكر أبو داوود وغيره أن المشهور أنه من قولها.
وكذلك قول الزهري: «السنة»: عنى به السنة في اعتقاده؛ كما يقول الفقيه: حكم الله في هذه المسألة كذا وكذا, والسنة أن يفعل كذا, وحكم الشريعة كذا؛ يعني به: فيما [علمته] وأدركته.
والذي يبين أن الزهري لم يكن عنده بذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم:
830 - ما رواه سعيد, عن الدراوردي, عن أبي سهيل؛ قال: «كان على امرأة من أهلي اعتكاف, فسألت عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ليس عليها صيام؛ إلا أن تجعله على نفسها.
وقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم.
فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا.
قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا.
قال: فعن عمر؟ قال: لا.
وأظنه قال: عن عثمان؟ قال: لا.
قال أبو سهيل: فخرجت من عنده, فلقيت طاووساً وعطاء, فسألتهما, فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها».
831 - وروي بهذا الإِسناد عن طاووس, عن ابن عباس؛ قال: «ليس على المعتكف صيام؛ إلا أن يجعله على نفسه».
832 - ورواه الدارقطني مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وقال: رفعه السوسي, وغيره لا يرفعه.
833 - وعن مقسم: أن عليّاً وابن مسعود قالا: «إن شاء الله المعتكف صام, وإن شاء لم يصم».
834 - وقال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: «لا اعتكاف إلا بصوم».
رواهما سعيد.
وأما اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم صائماً؛ فلأنه كان يتحرى أفضل الأحوال في اعتكافه, ولهذا كان يعتكف العشر الأواخر, مع أن اعتكاف غيرها جائز, وكان يعتكف عشراً, ولو اعتكف أقل جاز.
وأما قياسه على الوقوف؛ فينقلب عليهم بأن يقال: فلم يكن الصوم شرطاً في صحته كالأصل, وهذا أجود؛ لأنه قد صرح فيه بالحكم, ثم القرينة المتضمنة إلى الوقوف هي الإِحرام, وهي تنعقد بالنية, ومثله في الاعتكاف لا بد من النية.
وأما اشتراط زيادة على النية؛ فإنه وإن وجب في الأصل, لكنه يصح بدونه.
ثم الفرق بين المسجد والمعرِّف ظاهر؛ فإن المسجد لدخوله مزية على
غيره في كل وقت, وعلى كل حال, ولهذا يجب صونه عن أشياء كثيرة, والمعرّف لا يمتاز المكث فيه إلا في يوم مخصوص على وجه مخصوص؛ فكيف يقاس بهذا؟!
فعلى هذا يصح اعتكافه ليلة مفردة ويومي العيدين وأيام التشريق مفردات.
ولو نذر اعتكافاً؛ لم يلزمه الصوم؛ إلا أن ينذره.
فعلى هذا لا بد من اللبث فيه, فلو اجتاز في المسجد, ولم يلبث فيه؛ لم يكن عاكفاً عند أصحابنا؛ بخلاف الوقوف بعرفة؛ فإن الواجب فيه الكون في ذلك المكان؛ لأن العكوف هو الاحتباس والمقام كما تقدم, وذلك لا يحصل إلا بنوع لبث.
فعلى هذا: إذا نذر اعتكافاً مطلقاً, وقلنا: الصوم واجب فيه:
فقال القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب: أقله يوم واحد.
وإن قلنا: ليس الصوم شرطاً فيه على ظاهر المذهب؛ لم يكن لأقله حد, فيجزيه ما يقع عليه الاسم؛ كما قلنا في الصلاة والصوم والصدقة.
قال القاضي وابن عقيل: ولسنا نريد بقولنا: أقل ما يقع عليه الاسم أن يجلس أقل ما يقع عليه اسم الجلوس, بل ما يُسمى به معتكفاً لابثاً, وإنما يحصل هذا باستقرار ما وقع عليه اسم لبثه.
فأما أن يوقع عقيب ما وقع عليه اسم لبث؛ فلا.
قالوا: والمستحب له أن لا ينقص من يوم وليلة.
وقال بعض أصحابنا: يلزمه ما يُسمى به معتكفاً, [ولو ساعة من نهار؛
فاللحظة وما لا يسمى به معتكفاً]؛ لا يجزيه.
فأما إذا مر في المسجد, ولم يقف؛ فليس بمعتكف قولاً واحداً.
وإذا نذر أن يعتكف صائماً أو وهو صائم؛ لزمه ذلك, ولم يجز له أن يفرد الصوم عن الاعتكاف في المشهور من المذهب؛ لأن الصوم في الاعتكاف صفة مقصودة كالتتابع, فوجب الوفاء به, فلو ترك ذلك؛ لزمه أن يستأنف الصوم والاعتكاف معاً, وليس له أن يقضي كل منهما مفرداً.
وقيل:....
ولو نذر أن يعتكف صائماً؛ فكذلك على أحد الوجهين.
ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف وأصوم.
فقال القاضي: هو بالخيار بين الإِفراد والمقارنة.
ولو نذر أن يعتكف مصلياً؛ فقيل: هو على أحد الوجهين.
وقيل: لا يجب الجمع هنا, وإن وجب في الأولى.
ولو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم؛ فله أن يفرد ويقرن؛ لأن أحدهما ليس شعاراً للآخر....
وإذا أفطر في اعتكافه, وقلنا: الصوم شرط فيه, أو كان قد نذره في اعتكافه؛ بطل اعتكافه؛ كما يبطل بالوطء والخروج.
فإذا كان متتابعاً؛ كان عليه الاستئناف.
وإن كان معيناً؛ ففيه الوجهان.
وقال ابن أبي موسى: من صام في اعتكافه, إذا أفطر فيه عامداً, وقلنا: الصوم من شرطه؛ استأنفه, وإذا قلنا: ليس الصوم شرطاً فيه؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يكون أوجب الاعتكاف بالصوم, فيلزمه قضاء ما أفطر فيه من الاعتكاف بالصوم في أحد الوجهين, وفي الآخر يلزمه استئنافه.
ولعل وجه هذا أن الصوم إذا كان شرطاً فيه؛ كان الفطر مبطلاً له؛ كالجماع, فيبطل كله؛ لأنه عبادة واحدة, يطرأ الفساد عليها, فأبطلها كلها كسائر العبادات.
وأما إذا أوجب الصوم على نفسه, ولم يكن شرطاً لصحته؛ لم يكن الفطر مبطلاً للاعتكاف, وإنما يكون فيه ترك الوفاء بالنذر, وذلك ينجبر بالقضاء والكفارة؛ كما لو نذر صوم أيام متتابعة فأفطر بعضها.
مسألة: ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد؛ فله فعل ذلك في غيره؛ إلا المساجد الثلاثة, فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام؛ لزمه, وإذا نذره في مسجد المدينة؛ فله فعله في المسجد الحرام وحده, وإن نذره في المسجد الأقصى؛ فله فعله فيهما.
في هذا الكلام مسائل:
المسألة الأولى: إذا نذر الصلاة والاعتكاف في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة؛ فله فعل ذلك فيه وفي غيره من المساجد.
وكذلك لو نذر فعل ذلك بزاوية من المسجد؛ فله فعله في زاوية أخرى.
فإن اعتكف في مسجد؛ لم يجز له الخروج منه إلى غيره؛ لأنه خروج لما له منه بد.
فإن خرج لحاجة, فأتم اعتكافه في مسجد مرَّ به؛ جاز, وإن كان أبعد من حاجته؛ لم يجز فيما ذكره أصحابنا؛ لأنه لا يجب بالنذر إلا ما كان قربة قبل النذر.
835 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».
وليس قصد مسجد بعينه دون غيره طاعة؛ إلا المساجد الثلاثة.
وإن كان الصفة التي يمتاز بها مسجد عن مسجد أمراً مباحاً؛ لم يجب الوفاء.
لكن إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عينه؛ فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين.
ولو اعتكف في غير مسجد, مثل السوق ونحوه؛ لم يجزه؛ لأن المساجد لها مزية على سائر البقاع.
ولو صلى في بيته؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يجزيه؛ لأنه قد عادل فضل الصلاة في المسجد فضل النافلة في البيت.
836 - وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة».
والثاني: لا يجزيه؛ لأن المسجد أفضل من غيره, وإنما فضلت الصلاة في البيت لأجل الإِخفاء.
قال القاضي: وإذا أخفى النافلة في المسجد وفي بيته؛ كانت التي أخفاها في المسجد أفضل من التي أخفاها في بيته.
فإن كان المسجد المنذور فيه عتيقاً؛ ففيه وجهان....
وسواء كان أبعد عن داره أو لم يكن؛ كما لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى وهو بالمدينة؛ أجزأته الصلاة في مسجد المدينة.
وإن نذره في المسجد الجامع؛ فقال القاضي: يجوز أن يعتكف في غيره.
وإن نذر أن يصلي المكتوبة في جماعة؛ لزمه ذلك.
فإن صلى منفرداً؛ صحت صلاته, وبقي عليه إثم النذر.
ذكره القاضي, فيجب عليه.
وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن رجل نذر أن يصلي في بيت المقدس, ثم خرج إلى مكة أو المدينة؛ أجزأته الصلاة؟ قال: نعم.
قلت: ولا يخرج إلى بيت المقدس؟ قال: نعم؛ حديث ابن عمر: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاء النذور», وقال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإِنسان: آية 7].
قلت: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صل ههنا» للذي نذر أن يصلي في بيت المقدس.
قال: نعم.
738 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».
فإنما أمره النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أفضل من بيت المقدس, وما كان سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة؛ لم يجزه إلا الوفاء به.
وظاهر....
المسألة الثانية: أنه إذا نذر الصلاة والاعتكاف في المسجد الحرام؛ لم يجزه إلا فيه, وإن نذره في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يجزه إلا فيه أو في المسجد الحرام, وإن نذره في المسجد الأقصى؛ لم يجزه إلا في أحد الثلاثة.
نص أحمد على ذلك كله.
838 - لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رجلاً قال يوم الفتح: يا رسول الله! إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس.
فقال: «صل ههنا».
فسأله, فقال: «صل ههنا».
فسأله فقال: «فشأنك إذاً».
رواه أحمد وأبو داوود.
واحتج به أحمد.
839 - عن رجل من الأنصار: أن رجلاً جاء يوم الفتح, فقال: يا نبي الله! إني نذرت لأن فتح الله للنبي والمؤمنين مكة لأصلين في بيت المقدس.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ههنا فصل».
فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات, كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ههنا فصل».
ثم قال في الرابعة مقالته هذه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب فصلِّ فيه, فوالذي بعث محمداً بالحق؛ لو صليت ههنا؛ لقضى ذلك كل صلاة في بيت المقدس».
رواه أحمد.
وإنما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في المسجد الحرام لفضله, وأن الصلاة فيه تقضي عنه الصلاة في بيت المقدس؛ كما بين ذلك, وكما فهمه عنه أصحابه.
840 - فروى ابن عباس أن امرأة شكت شكوى, فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس, فبرأت, ثم تجهزت تريد الخروج, فجاءت ميمونة تسلم عليها, وأخبرتها بذلك, فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة».
رواه أحمد ومسلم.
وأيضاً فإن أفضل المساجد المسجد الحرام, ثم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم, ثم المسجد الأقصى.
841 - لما روى أبو هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».
رواه الجماعة إلا أبا داوود.
842 - وعن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام».
رواه مسلم وغيره.
وقد تقدم عن ميمونة مثله.
843 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام, وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه».
رواه أحمد وابن ماجه من حديث عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر.
844 - وعن عبد الله بن الزبير, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام, وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في هذا».
رواه أحمد.
وقال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك.
845 - وعن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل الصلاة في
المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة, وفي مسجدي ألف صلاة, وفي بيت المقدس خمس مئة صلاة».
رواه البزار وقال: هذا حديث حسن.
وإذا كان كذلك؛ فمن نذر الصلاة في المسجد الحرام مثلاً؛ فقد نذر مائة ألف صلاة, فلا يجزئ عنها صلاة أو خمس مئة صلاة أو ألف صلاة.
ومن نذر في المسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام؛ فقد أتى بأفضل من المنذور من جنسه.
وأيضاً؛ فإن كل ما كان مرغباً في فعله؛ وجب بالنذر؛ كالحج والعمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».
846 - وهذا مرغب فيه؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام, ومسجدي هذا, والمسجد الأقصى».
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «إنما يسافر إلى ثلاث مساجد».
847 - وعن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم: نحو الأول.
رواه البخاري.
والمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد زيد فيهما في عهد الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس.
فإذا صلى في المزيد....
فصل:
وإذا نذر المشي إلى بيت المقدس أو إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛
انعقد نذره, ولزمه ذلك, وكان موجبه الصلاة فيه.
قال أحمد: إذا نذر المشي إلى بيت المقدس: هو مثل المشي إلى بيت الله الحرام.
فصل:
فأما إن نذر الصوم بمكان بعينه؛
أجزأه الصوم بكل مكان.
قاله أصحابنا.
وهل يلزمه كفارة لفوات التعيين؟
وإن نذر الذبح أو الصدقة بمكان بعينه....
فصل:
فأما الأزمنة:
إذا نذر صوماً في وقت بعينه؛ تعين كما تقدم.
وإن نذر الصلاة في وقت بعينه....
وإن نذر الاعتكاف في وقت بعينه....
فصل:
وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر أو شهر رمضان ونحو ذلك؛ فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلة؛
لأنه لا يكون معتكفاً جميع العشر أو جميع الشهر إلا باعتكاف أول ليلة منه, لا سيما هي إحدى الليالي التي يلتمس فيها ليلة القدر.
قال أبو عبد الله في رواية الأثرم: وقيل له: متى يدخل معتكفه؟ فقد كنت أحب له أن يدخل معتكفه بالليل حتى يبيت في معتكفه, ولكن حديث
عمرة عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل إذا صلى الغداة.
[وذكر حنبل] مثل حديث عمرة عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل الاعتكاف إذا صلى الغداة».
فيدخل المعتكف قبل غروب الشمس, فيكون يبتدئ ليلة ويخرج منه إلى المصلى.
وقال في رواية أبي طالب: إذا أراد أن يعتكف؛ دخل من صلاة المغرب, فيعتكف اليوم والليلة.
قلت: ما تقول أنت؟ قال: إن قال: أيام؛ اعتكف من صلاة الفجر, إنما ذكر الأيام, وإن كان يريد الشهر؛ فمن صلاة المغرب من أول الشهر, إنما هو زيادة خير.
قال أبو بكر: وبهذا أقول.
848 - ويدل على ذلك ما روى أبو سعيد؛ قال: اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان, فخرجنا صبيحة عشرين.
قال: فخطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عشرين, فقال: «إني رأيت ليلة القدر, وإني أنسيتها, فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر؛ فإني رأيت إني أسجد في ماء وطين, ومن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليرجع».
فرجع الناس إلى المسجد, وما نرى في السماء قزعة.
قال: فجاءت سحابة, فمطرت, وأقيمت الصلاة, فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطين والماء, حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته.
رواه البخاري.
وفي لفظ له: «من كان اعتكف معي؛ فليعتكف العشر الأواخر؛ فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها».
وقد بين صلى الله عليه وسلم أن من اعتكف العشر الأواخر؛ فإنه يعتكف ليلة إحدى وعشرين.
وعنه: فيمن يعتكف العشر: أنه يدخل بعد صلاة الصبح أو قبل طلوع الفجر على الروايتين في اليوم.
وقد ذكر ابن أبي موسى رواية فيمن أراد اعتكاف شهر: أنه يدخل قبل طلوع الفجر من أوله.
وسيأتي إن شاء الله.
849 - فإن قيل: فقد روي عن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف؛ صلى الفجر, ثم دخل معتكفه, وأنه أمر بخبائه, فضرب, ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان».
متفق عليه.
قلنا: قد أجيب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يعتكف الأيام لا الليالي, ويشبه والله أعلم أن يكون دخوله معتكفه صبيحة العشرين قبل الليلة الحادية والعشرين؛ فإنه ليس في حديث عائشة أنه كان يدخل معتكفه صبيحة إحدى وعشرين, وإنما ذكرت أنه كان يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر, مع قولها: «إنه أمر بخبائه فضرب, ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر».
والعشر صفة لليالي لا للأيام؛ فمحال أن يريد الاعتكاف في الليالي العشر وقد مضت ليلة منها, وإنما كون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف, وقد ذكرت أنه اعتكف عشراً قضاء للعشر التي تركها, وإنما يقضي عشراً من كان يريد أن يعتكف عشراً.
وفي حديث أبي سعيد: «أنه لما كان صبيحة عشرين؛ أمر الناس بالرجوع إلى المسجد»؛ فقد علم من عادته أنه يدخل المعتكف نهاراً, يستقبل العشر الذي يعتكفه, ويؤيد ذلك أنه لم يكن يدخل معتكفه إلا بعد صلاة الفجر, وقد مضى من النهار جزء, مع أنه لم يكن يخرج من منزله إلى المسجد حتى يصلي ركعتي الفجر في بيته, وهذا لا يكون مستوعباً للنهار أيضاً.
وذكر القاضي فقال: يحتمل أنه كان يفعل ذلك في اليوم العشرين استظهاراً ببياض يوم زيادة قبل دخول العشر الأواخر, وقد نقل عن هذا عنه.
850 - فروت عمرة عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجاور صبيحة عشرين من رمضان».
فثبت أن المر على ما تأولنا.
فصل:
ومن نذر اعتكاف ليلة؛ لم يلزمه يومها.
وإن نذر اعتكاف يوم؛ لم تلزمه ليلته.
قال في رواية علي بن سعيد: وقيل له: مالك يقول: إذا نذر أن يعتكف ليلة؛ فعليه أن يعتكف يوماً وليلته.
فقال أحمد: هذا خلاف ما أوجبه على نفسه.
وعليه أن يعتكف يوماً متصلاً أو ليلة متصلة, وليس له أن يفرق الاعتكاف في ساعات من أيام؛ لأن اليوم المطلق عبارة عن بياض نهار متصل, وكذلك
الليلة المطلقة عبارة عن سواد ليلة متصلة.
فإن قال: عليَّ أن أعتكف يوماً من وقتي هذا, وكان في بعض نهار؛ لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله, ويدخل فيه الليل؛ لأنه من نذره, وإنما لزمه بعض يومين لتعيينه.
فإن كان المنذور ليلة؛ دخل معتكفه قبل الغروب, أو خرج منه بعد طلوع الفجر الثاني.
وإن كان يوماً؛ لزمه – إذا قلنا: ليس من شرط الاعتكاف الصوم- أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر, ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لأن اليوم والليلة يتعاقبان, وآخر الليلة طلوع الفجر, فهو أول اليوم.
هذا هو المشهور من المذهب.
وروي عنه: يدخل معتكفه وقت صلاة الفجر, ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لحديث عائشة المتقدم, ولأن اليوم محقق إنما هو من طلوع الشمس, وقبل ذلك مشترك بين اليوم والليلة؛ فقد يتبع هذا تارة ويتبع هذا تارة.
وإن نذر اعتكاف شهر بعينه؛ دخل معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلة في الشهر, فإذا طلع هلال الشهر الثاني؛ خرج من معتكفه, فإن طلع الهلال نهاراً؛ لم يخرج من الاعتكاف في المشهور عنه, بناء على الاحتياط في الهلال المرئي نهاراً, وعلى أنه للمستقبلة بكل حال, وإن قلنا: هو للماضية؛ خرج.
هذا هو المنصوص عنه المشهور عند أصحابه.
قال ابن أبي موسى: وقيل عنه فيمن أراد اعتكاف شهر: أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله, ويخرج منه بعد غروب الشمس من آخره.
ووجه هذا من حديث عائشة: [أنه بنى] على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم, وإنما يصح في الليل تبعاً للنهار, أو أول ليلة من الشهر, ليس بصيام,
فلا يبتدئ الاعتكاف في وقت لا يصلح للصوم.
وإن قيل: إن الصوم فيه مستحب؛ فقد يقال: يحمل القصد والنذر على الوجه الأحسن الأكمل, وهو ما فيه صوم, وإن كان شهراً مطلقاً....
وإن نذر اعتكاف عشرة أيام متتابعة إما مطلقة أو معينة:
فذكر أبو بكر وابن عقيل فيها روايتين:
إحداهما: وهي الصريحة: أنه لا يدخل فيه الليلة الأولى؛ كما نقله أبو طالب, وهي اختيار أبي بكر وابن عقيل والقاضي أخيراً.
وفرق أحمد وأبو بكر بين الأيام والشهر, سواء كانت الأيام معينة أو مطلقة.
والرواية الثانية: يدخل أول ليلة على وجه التبع؛ لأن الأيام تذكر ويدخل فيها الليالي, وليست صريحة.
وذكر القاضي عن أصحابنا طريقين:
أحدهما: لا تدخل الليلة الأولى لا في المطلقة ولا في المعينة.
على رواية أبي طالب والأثرم, وهذا اختياره في «خلافه».
والثانية: (تدخل).
وهي قوله في «المجرد».
وقال القاضي في «المجرد» وابن عقيل: إن عيَّن أياماً من الشهر, مثل أن يقول: أعتكف العشر الأواخر من رمضان, أو [عيَّن] نذراً نذره أو تطوع به؛ فهذا يلزمه أن يدخل ليلة الحادي والعشرين؛ لأن الليلة تابعة ليومها, فلزمه أن يأتي بالتابع كالليالي التي تتخلل الأيام؛ فههنا هو عبارة عن أول اليوم.
قال: وعلى هذا يحمل كلامه في رواية أبي طالب والأثرم.
وإن قال: عليَّ أن أعتكف هذه العشر أو العشر الأواخر من رمضان؛ فعلى ما ذكره القاضي: هو مثل أن يقال: هذه الأيام.
حتى قال في «خلافه»: لو نذر اعتكاف عشر بعينه, كالعشر الأواخر من رمضان؛ لم يدخل ليلة العشر فيه.
وغيره: تدخل الليلة هنا, وإن لم يدخل في لفظ الأيام.
وإذا نذر اعتكاف العشر؛ لم يكن له أن يخرج إلى هلال شوال.
ذكره القاضي.
وإن كان العشر عبارة عن الليالي؛ لأن بياض نهار كل يوم يدخل في ليلته, ويجزيه, سواء كان الشهر تامّاً أو ناقصاً؛ لأنه إذا أطلق العشر؛ فإنما يفهم منه ما بين العشر الأوسط وهلال شوال.
ولو نذر اعتكاف عشر مطلق أو عشرة أيام؛ لم يجزه إلا عشرة تامة, فإذا اعتكف العشر الآخر من رمضان, وكان ناقصاً؛ لزمه أن يعتكف يوم العيد.
وإذا نذر عشراً مطلقاً, أو عشر ليال؛ فهل يلزمه بياض اليوم الذي يلي آخر ليلة؟....
فصل:
وإذا نذر اعتكاف شهر مطلق؛
أجزأه ما بين الهلالين إن كان ناقصاً.
وإن كان شرع في أثناء شهر؛ لزمه استيفاء ثلاثين يوماً, فإن شرع في أثناء يوم....
وإن قال: ثلاثين يوماً؛ لم يجزه إلا ثلاثين, فإذا كان ناقصاً؛ فعليه يوم آخر.
وإذا نذر اعتكاف شهر؛ لزمه أن يعتكف شهراً متتابعاً, سواء قلنا فيمن نذر صوم شهر يلزمه التتابع أم لا.
قاله القاضي وأصحابه.
لأن الاعتكاف يصح بالليل والنهار, فاقتضى التتابع؛ كمدة الإِيلاء والعِنَّة.
وإذا حلف لا يكلمه شهر وعليه الصوم....
ومن أصحابنا من خرج في هذه المسألة وجهين؛ قياساً على مَن نذر أن يصوم شهراً: هل يلزمه التتابع أو يجوز له التفريق؟ على روايتين.
لأنها عبادة يجوز فعلها متتابعة ومفرقة, فأشبهت الصوم, والأول أجود؛ لأنه لو نذر اعتكاف عشر؛ لزمه متتابعاً, وإن جاز تفريقه؛ فكذلك الشهر.
وإذا نذر اعتكاف ثلاثين يوماً؛ فقال القاضي: يلزمه التتابع كما يلزمه في الشهر؛ كما لو حلف لا يكلمه عشرة أيام.
فعلى هذا إن نذر اعتكاف ليلتين:
فقال: يحتمل أن يلزمه ليلتان ويوم.
وقال أبو الخطاب: يجوز أن يفرقهما, وإن أوجبنا التتابع في لفظ الشهر؛ لأن أحمد فرق بين اللفظين في نذر الصيام:
فقال في رواية ابن الحكم في رجل قال: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيام: يصومها متتابعاً.
وإذا قال: شهراً؛ فهو متتابع, وإذا قال: ثلاثين يوماً؛ فله أن يفرق.