وعن فاطمة بنت حسين عن علي: أنه أجاز شهادة رجل على هلال رمضان وقال: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان».
رواه سعيد وحرب.
وذكر أحمد عن ابن عمر ونحوه.
ومثل هذا يشتهر ولم ينكر, فصار إجماعاً.
وما نقل عن عثمان؛ فهو مرسل, ولعله أراد هلال الفطر.
134 - وعن عبد الملك بن ميسرة؛ قال: «شهدت المدينة في عيد, فلم يشهد على الهلال إلا رجل واحد, فأمرهم ابن عمر أن يجيزوا شهادته».
رواه حرب.
وذكره أحمد, وقال: ابن عمر أجازه وحده أمره وأمر الناس بالصيام.
ولأنه إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق آدمي, فقبل فيها قول الواحد؛ كالإِخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكالإِخبار عن مواقيت الصلاة, وجهة الكعبة, وعكسه هلال الفطر والنحر؛ فإن يتعلق بها حق آدمي من إباحة الأكل والإِحلال من الإِحرام.
ولأنه خبر عما يلزم به عبادة؛ يستوي فيها المخبر, فقبل فيها قول الواحد
كالأصل.
ولأنه إنما اعتبر العدد في الشهادات خوف التهمة, وهي منتفية هنا, لأنه يلزمه من الصوم ما يلزم غيره.
ولأن قبول قوله هنا فيه احتياط وتحري فيجب اتباعه.
وعكسه هلال الفطر, وكذلك هلال النحر؛ فإنما يخاف مِنْ رد خبره ما يخاف في قبوله؛ لأن الوقوف له وقت واحد, ولأن المرئي بعيد لطيف, ونفس مطلعه غير معلوم لأكثر الناس, والأبصار مختلفة بين حديد وكليل.
وكل هذه الأسباب توجب جواز اختصاص بعض الناس برؤيته.
وحديث ابن عمر دليل على مَنْ رآه بين الناس, وهو وحديث ابن عباس دليل على حال الصحو؛ لأن عامة الرمضانات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الصيف, وقول عمر وعلي نص في قبول قول الواحد مطلقاً.
وتصلى التراويح ليلتئذٍ إذا صمنا, وإذا ثبت ذلك عند الإِمام؛ فقال القاضي: يلزم الصوم لكل أحد, سواء قلنا: يقبل فيه قول الواحد أو لا.
فأما سائر حقوق الآدميين من الآجال والإِجارات والطلاق والعتق المعلق ونحو ذلك؛ فإنه يثبت تبعاً على ما ذكره القاضي.
فصل:
ويقبل فيه شهادة الواحد
سواء كان حرّاً أو عبداً, أو سواء كان رجلاً أو امرأة, في المشهور عند أصحابنا, ذكره أبو بكر وغيره من أصحابنا, كما يقبل أخبارهم, ولا تقبل شهادة الفاسق ولا الكافر ولا الصبي.
قال القاضي: وهذا يدل على أنه خبر؛ لأن ما يطلع عليه الرجال لا تقبل فيه شهادة النساء.
فعلى هذا لا يعتبر لفظ الشهادة؛ لأنه خبر عن عبادة لا يتعلق بها حق آدمي, فكانت خبراً كالإخبار بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن أبي موسى: يجب الصوم على من رأى الهلال وعلى مَنْ لم يره بشهادة رجل عدل في إحدى الروايتين, والأخرى: لا يلزمه الصوم إلا أن يراه أو يشهد على رؤيته رجلان فصاعداً.
وفيه وجه آخر: أنه لا تقبل شهادة المرأة كالشهادة على هلال شوال, فعلى هذا يُعتبر لفظ الشهادة.
مسألة:
ولا يفطر إلا بشهادة عدلين:
قال الترمذي: «ولم يختلف أهل العم في الإِفطار أنه لا يُقبل فيه إلا شهادة رجلين».
وكذلك هلال ذي الحجة.
135 - لما روى حسين بن الحارث الجدلي - جديلة قيس -: أن أمير مكة خطب ثم قال: «عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية, فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشهادتهما».
فقيل للحسين بن الحارث: مَنْ أميرُ
مكة؟ فقال: الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب.
ثم قال الأمير: إن بكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي, وشهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأومأ بيده إلى رجل.
قال الحسين لشيخ إلى جنبي: مَنْ هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر, وصدق, كان أعلم بالله منه.
فقال: بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».
رواه أبو داوود والدارقطني, وقال: هذا إسناد متصل صحيح.
فهذا الحديث يدل بمنطوقه على قبول شهادة الاثنين بكل حال, سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة, ومفهومه مفهوم الشرط الذي هو أقوى المفاهيم, على أنه لا ينسك إلا شهادة شاهِدَيْ عدلٍ؛ لأن الحكم المعلق بشرط؛ معدوم عند عدمه, ولو كان الحكم يثبت بشاهد واحدٍ؛ لما احتاج إلى ذكر الاثنين, وإذا ثبت هذا في هلال النحر؛ فهلال الفطر أولى وأحرى, وقد تقدم قوله: «فإن شهد شاهدان؛ فصوموا وأفطروا»؛ فإن مفهومه أن الصوم والفطر لا يجتمعان إلا بشهادة اثنين, وهو كذلك.
ولا ينتقض هذا بقبول الواحد في الصوم لوجهين:
أحدهما: أن المفهوم عارضه نص, والمنطوق مقدم على المفهوم, فإن المفهوم أحسن أحواله أن يكون كالعام والخاص, وكالقياس مع النص, وهذا
يترك من غير نسخ, والنص يترك بناسخ.
الثاني: أن منطوقه ثبوت الصوم والفطر معاً بشهادة الاثنين, وتخصيص المنطوق بالذكر يقتضي أن المسكوت عنه يخالفه ولو من وجه.
فاقتضى ذلك أن الصوم والفطر لا يثبت إلا باثنين, وهذا صحيح, فإن الواحد لا يثبت به الفطر لا ضمناً ولا أصلاً كما سنذكره إن شاء الله.
ولم يتعرض الحديث للصوم بدون الفطر بأي شيء يثبت لا بمنطوق ولا بمفهوم.
وأيضاً؛ فإن الأهلة غير رمضان تتضمن حقوقاً للناس من إباحة الأكل والإِحلال, وربما يخاف من دخول التهمة, وليس في التقدم بها احتياط, فلا يقبل فيها قول الواحد.
ويثبت بشاهدين مع الصحو والغيم؛ لما تقدم من قوله: «فإن لم يره وشهد شاهدا عدل؛ نسكنا بشهادتهما», وقوله: «فإن شهد شاهدان؛ فصوموا وأفطروا».
136 - وعن ربعي بن حراش, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «اختلف الناس في آخر يوم من رمضان, فقدم أعرابيان, فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهلاَّ الهلال أمس عشية, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم».
رواه أحمد وأبو داوود والدارقطني, وقال: هذا صحيح.
........................
وقال أبو بكر: ولا تقبل شهادة رجل وامرأتين, ولا شهادة النساء المنفردات؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال, وليس بمال, ولا يقصد به المال, وتقبل شهادة العبيد.
مسألة:
(وإذا صاموا بشهادة اثنين وثلاثين يوماً؛ أفطروا, وإن كان بغيم أو قول واحد؛ لم يفطروا؛ إلا أن يروه أو يكملوا العدة).
أما إذا صاموا بشهادة اثنين ثم أكملوا العدة ولم يروا الهلال؛ أفطروا؛ لأن أكثر ما فيه الفطر بمضمون شهادة اثنين, وذلك جائز.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا» يقتضي ذلك, ولا يقال قد تبين غلطهما؛ لأن هلال التمام لا يخفى على الجميع؛ لأنه لو شهد اثنان أنهما رأياه وهو هلال تمام؛ قُبِل؛ فكذلك إذا تضمنت شهادتهما طلوعه.
وأما إذا صاموا لإِغمام الهلال لم يفطروا إذا صاموا ثلاثين يوماً حتى يروا الهلال؛ بأن يشهد به شاهدان أو يكملوا عدة شعبان ورمضان ثلاثين ثلاثين قولاً واحداً؛ لما تقدم من الحديث والأثر, ولأنه لم يثبت بذلك شهر, إنما صيم احتياطاً.
وأما إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يوماً؛ لم يفطروا حتى يروا الهلال؛ بأن يشهد به شاهدان أو يكملوا العدة عدة شعبان ورمضان سواءً أصحت السماء في أجزاء الشهر أو [أغامت] في أصح الوجهين كما ذكره الشيخ, وهو أشبه بكلامه.
وفي الآخر: يفطرون, وهو قول أبي بكر.
ولم يفرق بين أن تكون مصحية أو مغيمة؛ لأن الصوم إذا وجب؛ وجب الفطر لاستكمال العدة, وقد [ثبت] تبعاً ما لا يثبت أصلاً؛ كما يثبت النسب بشهادة النساء على الولادة الموجبة للنسب بشهادة النساء, وإن لم يثبت بها نفس النسب.
قال أبو بكر: لا يجب الإِفطار؛ إلا بأحد ثلاثة أوجه: إما برؤية, أو بشهادة شاهدين, أو بعدل على شهادة الواحد.
والأول أصح؛ لأن الصوم إنما يثبت بقول الواحد احتياطاً للصوم:
كما علل به علي رضي الله عنه لما قبل شهادة الواحد في الهلال وقال: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان».
فمن الاحتياط: أن لا نفطر بناءً على شهادته, ولأنه إن صحت السماء
لتمام الثلاثين, ولم يُر الهلال؛ كان ذلك أمارة على خطئه أو كذبه.
وإن غامت السماء, فكأنه قد أخبر أن تحت الغيم هلال, وهو لو أخبر بذلك صريحاً لم يقبل منه فلا يقبل منه تضمناً, وإنما يثبت الشيء تبعاً إذا كان....
فإن أخبرهم عدل بالهلال بعد أن أصبحوا مفطرين لزمهم القضاء بقوله, لم يجز لهم الفطر بناء على شهادته وجهاً واحداً, لأنهم لم يصوموا بقوله, فلم يثبت الفطر أصلاً ولا ضمناً.
وإن صاموا ثمانية وعشرين يوماً, وكانوا قد أكملوا عدة شعبان لإِصحاء السماء وكونهم لم يروه؛ فإنهم يقضون يوماً.
137 - قال أحمد عن الوليد بن عتبة: «صمنا على عهد علي ثمانية وعشرين يوماً, فأمرنا علي أن نقضي يوماً».
قال أبو عبد الله: العمل على هذا؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين؛ فمن صام هذا الصوم؛ قضى ولا كفارة عليه؛ لما روى الوليد بن عتبة الثقفي قال: «صمنا على عهد علي ثمانية وعشرين يوماً, فأمرنا فقضينا يوماً».
138 - وعن أبي إدريس الأزدي: أنهم صاموا على عهد علي بن أبي طالب, على رؤية الهلال, وأفطروا على رؤيته, فكان صومهم ثماني وعشرين, فقال علي عليه السلام: «إن هذين الشهرين تتابعا تسع وعشرين تسع وعشرين, وإن الشهر لا يكون أقل من تسع وعشرين, فأصبحوا بعد الفطر صياماً تقضون يوماً».
رواهما سعيد.
قال أبو بكر عبد العزيز في حديث علي: إنهم صاموا في عهده ثمانية وعشرين يوماً, فأمرهم بقضاء يوم, قال: يكون شعبان تسعةً وعشرين يوماً, ويكون صحواً, ولا يُرى الهلال, يصبحون مفطرين؛ لأن هكذا عليهم مع الصحو, ثم يتبين يوم الثلاثين من شعبان الذي أفطروه كان أول رمضان, ويكون أيضاً رمضان تسعة وعشرين يوماً, فيحصل صومهم ثمان وعشرين يوماً, فيؤمرون حينئذ بقضاء يوم.
فأما إن أكملوا العدة مع تغيم هلال رمضان وحده, وصاموا ثمانية وعشرين؛ فعليهم قضاء يوم أيضاً.
وإن صاموا تسعة وعشرين؛ فعليهم قضاء يوم الغيم, إذا قلنا بوجوب صومه أو يستحب.
وإن صاموا ثلاثين, ثم رأوا الهلال؛ لم يكن عليهم قضاء؛ لأنا تبينَّا أنه لم يكن تحت الغمام هلال؛ فإن الشهر لا يزيد على ثلاثين يوماً.
وإن تغيم هلال شعبان ورمضان, فأكملوها, وصاموا ثمانية وعشرين؛ فقال القاضي: يقضون هنا يومين.
وإذا رأى هلال الفطر وحده؛ لم يجز له أن يفطر.
نص عليه:
فقال في رواية صالح وابن منصور والأثرم: «من رأى هلال الفطر وحده يصوم ولا يفطر».
وقال في رواية صالح: «من رأى هلال رمضان وحده يصوم ولا يفطر, وأما شوال فلا, وأما رمضان؛ فيجوز شهادة رجل واحد».
وقال في روايته فيمن رأى هلال الصوم أو الفطر وحده: «أما الصوم؛ فأعجب إليَّ أن يصوم, وأما الفطر؛ فيتهم نفسه».
فقد نص على الفرق, وهذا قول أكثر أصحابه مثل الخرقي وابن حامد وأبي حفص والقاضي وأكثر أصحابه.
قال ابن أبي موسى: ولا يجوز الفطر لمن رآه وحده ولا لمن لم يره إلا بشهادة عدلين قولاً واحداً.
وقال أبو بكر... وكذلك ابن عقيل: إنه يفطر سرّاً.
وحمل كلام أحمد على أنه قصد النهي عن المظاهرة بالإِفطار لأجل التهمة والفتنة ومخالفة الإِمام والسواد الأعظم, وليس بجيد؛ لأن أحمد قال: يصوم ولا يفطر؛ فقد أمره بالصوم ونهاه عن الفطر؛ فكيف يقال: أراد أنه يفطر
سرّاً ولا يتظاهر بالفطر؛ لأنه يوم من شوال, فلم يجب صومه كسائر الأيام, [لأنه يوم] من شوال, فلم يجز صومه كسائر الأيام.
وهذا لأنه يتيقن أنه أول يوم من شوال أعظم مما يتيقنه لو شهد به شاهدان, وهو فيما بينه وبين الله مأمور بما يعمله, لكن لما كان إظهار الفطر فيه تعريض نفسه لسوء الظن وإثارة الفتنة؛ لأن الناس إنما يحكمون بما ظهر, ولأنه لا يجوز أن يمكن أحد من الفطر بما يدعيه من الرؤية؛ وجب عليه إخفاؤه, ولأنه ليس الاحتياط بالصوم في الوقت الواجب بأكثر من الاحتياط بالفطر في الوقت الواجب؛ فإن الفطر في رمضان كالصوم في العيد.
فعلى هذا يكفيه أن لا ينوي الصوم سواء أكل أو لم يأكل.
ووجه الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون».
رواه الترمذي.
139 - وعن أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ قال: «وفطركم يوم تفطرون, وأضحاكم يوم تضحون, وكل عرفة موقف, وكل منى منحر, وكل فجاج مكة منحر, وكل مزدلفة موقف».
رواه أبو داوود.
140 - وعن أبي قلابة: «أن رجلين قدما المدينة, وقد رأيا الهلال, وقد أصبح الناس صياماً, فأتيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فذكرا ذلك له, فقال لأحدهما: أصائم أنت أم مفطر؟ قال: مفطر.
قال: ما حملك على ذلك؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال.
وقال للآخر: فأنت؟ قال: إني صائم.
قال: ما حملك على أن تصوم وقد رأيت الهلال؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام.
فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا (يعني: الذي صام) لأوجعت رأسك.
ثم نودي في الناس أن اخرجوا».
رواه سعيد.
فبين عمر رضي الله عنه إنما دفع العقوبة عن الذي أفطر لأجل شهادة الآخر معه, وأنه لو أفطر برؤية نفسه فقط لضربه.
وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: «إنما الفطر يوم يفطر الإِمام وجماعة المسلمين».
رواه أبو حفص.
وعن مسروق ومالك: «أنهما دخلا على عائشة في اليوم الذي يُشك فيه, فقالت للجارية: خوضي لهما سويقاً فإني صائمة.
فقالا: إن الناس يرون أنه الأضحى.
فقالت: إنما الأضحى إذا أضحى الإِمام هو وعلم الناس».
رواه الفريابي.
وهذا يقتضي أن من رأى هلال النحر فإن له أن يصوم اليوم العاشر في رؤيته, ولأنه يجوز أن يكون غالطاً في الرؤية, ومخالفة عامة الناس له يقوي هذا الغلط, والفطر ليس مما يحتاط له, ولهذا لا تقبل إلا بشهادة اثنين؛ بخلاف الصوم؛ فلا ينبغي له أن يقدم على ذلك بمجرد رؤيته, ولأن يوم الفطر هو اليوم الذي يفطر فيه الناس, وإن كان الهلال قد رئي في غيره, فلو كان الهلال طالعاً, ولم يره من تقبل شهادته وحده؛ لم يكن في هذا الحكم يوم عيدٍ, فيجب صومه ولا يجب فطره.
وإذا رأى هلال شوال وحده في موضع لا يمكن أن يخبر به غيره, فقال القاضي وابن عقيل: يلزمه صيامه, ولا يجوز له الفطر برؤيته وحده؛ كما لو أخبر به فلم يحكم بقوله, والأشبه هنا....
ولو صام برؤية نفسه ثلاثين يوماً؛ لم يفطر إلا مع الإِمام والناس, فيصوم واحد وثلاثين؛ كما لو رأى شوال وحده على المشهور, وهو ظاهرها.
وقال أبو الخطاب: يحتمل أن يفطر هنا.
ولو كان عليه دين مؤجل أو علق عتق عبده أو طلاق امرأته بهلال شوال؛ فقال القاضي: لا يُعرف الرواية فيه.
فصل:
وإذا شهد بالرؤية واحد أو اثنان أو أكثر من ذلك عند بعض الناس ولم يثبت عند الإِمام:
إمَّا لكونهم لم يشهدوا عنده, أو لكونه لم يعرف عدالتهم, ونحو ذلك؛ فإنه يجب على مَنْ سمع خبرهم وعرف عدالتهم أن يصوم بخبرهم.
ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا, حتى لو كان المخبر [امرأةً أو عبداً]؛ كما تقدم.
وقال في رواية حنبل فيمن رأى هلال رمضان وحده: لا يصوم إلا في جماعة الناس, وكذلك لا يفطر حتى يفطر الإِمام.
فعلى هذا لا يصوم ولا يفطر إلا مع الإِمام.
وعلى الأول: إذا شهد بهلال الفطر اثنان, ولم يثبت عند الحاكم: إمَّا لعدم شهادتهما عنده, أو لردها لعدم معرفته بعدالتهما| جاز لمن سمع شهادتهما الفطر بقولهما, ولكل منهما الفطر بقولهما؛ بخلاف ما إذا لم يعرف أحدهما عدل صاحبه؛ لأن هذا إخبار ديني, فلا يعتبر الثبوت عند الحاكم, ورده للشهادة ليس بحكم, وإنما هو توقف عن ذلك لعدم علمه هذا قول....
لكن ينبغي أن يستسرَّ بالفطر إذا لم يثبت عند الإِمام.
والأشبه بنصه..., والإِمام الذي يصام بقوله....
مسألة:
وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير؛ تحرى وصام؛ فإن وافق الشهر أو بعده أجزأه, وإن وافق قبله لم يجزئه.
وجملة ذلك أن من عمي عليه الشهر مثل الأسير الذي في بلاد ليس يعلم من جهته؛ أن الهلال لأي شهر هو, ربما كان هذا لا يرى الأهلة ونحوه, ومن هو في بادية وطرف الإِسلام, والنائي عن الأمصار؛ فإنه يجتهد ويتحرى في معرفة عين الشهر ودخوله, كما يتحرى في معرفة وقت الصلاة, وجهة القبلة, وغير ذلك عند الاشتباه؛ لأنه لا يمكنه أداء العبادة إلا بالتحري والاجتهاد, فجاز له ذلك كما يجوز في الصلاة, فإن لم يغلب على ظنه شيء؛ فإنه يؤخر الصوم حتى يتيقن أن الشهر قد دخل؛ فإن صام مع الشك؛ لم يجزه, وإن تبين أنه أصاب, قاله بعض أصحابنا, وقد تقدم فيما إذا صام ليلة الشك بنية رمضان هل يجزيه على وجهين وإن غلب على ظنه بغير دلالة؛ فإنه يصوم.
وفي وجوب الإِعادة مع الإِصابة أو بقاء الجهل وجهان: أشبههما بكلام أحمد أنه لا قضاء عليه.
وإن غلب على ظنه بدلالة صام, ثم إن [لم يتبين] له شيء, فصومه صحيح؛ لأنه صام باجتهاد لم يتبين له خطؤه, فأجزأه كما يجزئ من اجتهد في الوقت والقبلة.
وإن تبين له أن صومه صادف الشهر أو صادف ما بعد الشهر؛ أجزأه.
نص عليه؛ لأن أكثر ما فيه أنه قضاء, وقد نواه أداء, وهذا يجوز في حال الاشتباه
كالصلاة, وإن تبين له أن القضاء كان في الرمضان الثاني أو بعده....
وإن تبين له أنه صام قبل الوقت؛ لم يجزه.
نص عليه؛ لأنها عبادة يصح قضاؤها في غير وقتها, فلم يجز فعلها قبل وقتها كالصلاة.
وعكسه الحج إذا وقف الناس يوم الثامن؛ فإنه يجزيهم؛ لأنه يخاف مع التأخير من التفويت ما يخاف مع التقديم, ولأن تفويت الحج فيه ضرر عام على الناس, ولهذا لو أخطأه نفر منهم لم يجزهم.
وإن تبين أنه صام بعضه في الشهر وبعضه قبله؛ أجزأ ما صام فيه دون ما صام قبله, ولا فرق بين أن يخطئ في رمضان واحدٍ أو في رمضانات, إذا تبين له الخطأ؛ فإنه يعيد ولا يحسب الرمضان الثاني عن قضاء الأول, لأنه إنما نوى به الرمضان الثاني, وإنما لامرئ ما نوى.
وقال أحمد في رواية مهنا في أسير في بلاد الروم مكث ثلاث سنين يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان, ثم علم: يعيد شهراً على إثر شهر كما يعيد الصلاة إذا فاتته.
فإن صام شوال وهو يرى أنه رمضان؛ يجزيه....
وعلى هذا؛ فعليه أن يبدأ بقضاء الأول....
فإن أطلق النية, ولم ينوه عن رمضان سنته....
فإن صام ثلاثين يوماً, وكان شهره تامّاً أو ناقصاً, أو صام تسعة وعشرين, وكان شهره ناقصاً؛ أجزأه.
وإن صام تسعة وعشرين من شهرين, وكان شهره تامّاً؛ فعليه صيام واحد.
فإن صام شهراً هلاليّاً ناقصاً؛ أجزأه عن الكامل في أحد الوجهين.
قاله القاضي.
وفي الآخر: لا يجزيه.
قاله أبو محمد؛ لأنه قد وجب في ذمته ثلاثون يوماَ, فوجب أن يقضيها بعدتها كالمريض والمسافر إذا أفطرا.
ولو عين اليوم الذي يصومه أو الشهر أو العام, وغلط في وقته, مثل أن يكون عليه رمضان سنة ست, فينويه يقصد به سنة خمس, أو يكون عليه يوم الاثنين, فيقصد ما عليه يعتقده يوم الأحد ونحو ذلك؛ أجزأه؛ لأنه قصد الواجب, وإنما أخطأ في وقته.
فصل:
وإذا رأى الهلال بعد زوال الشمس فهو لِلَّيلة المقبلة.
وعنه إن رئي قبل الزوال فكذلك في إحدى الروايات.
اختارها الخرقي, وفي الأخرى هو لليلة ماضية, فإن كانت الرؤية أول الشهر
أمسكوا وقضوا, وإن كانت آخر الشهر أفطروا وعيَّدوا, لأن وقت العيد باق, نقلها هارون بن عبد الله, وهذا اختيار أبي بكر وابن عقيل, وذكره أبو بكر عن ابن مسعود.
141 - وقد روي عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عتبة بن فرقد: «إذا رأيتم الهلال في آخر النهار؛ فأتموا صومكم؛ فإنه لليلة المقبلة, وإذا رأيتموه في أول النهار؛ فأفطروا؛ فإنه لليلة الماضية».
رواه
142 - وعن...؛ قال: «كتب عمر إلى سعد وإلى أهل جلولاء: أن إذا رأيتم الهلال في الصوم من آخر النهار؛ فلا تفطروا, وإذا رأيتموه في أول النهار؛ فأفطروا؛ فإنه كان بالأمس».
ذكره سيف في الفتوح.
ولأنه....
وفي الثالثة: إن رئي قبل الزوال في أول الشهر؛ فهو لليلة الماضية فيمسك ويقضي, وإن رئي كذلك في آخر الشهر؛ فهو للمقبلة, فيتم صومه احتياطاً للصوم في الطرفين.
نقلها الأثرم والميموني.
ولفظ الأثرم: «رؤية الهلال قبل أو بعد في الصوم يصومون هو أحوط, وأما في الفطر؛ فلا يفطرون».
وهذا يقتضي أنه إذا رئي بعد الزوال في أول الشهر يكون للماضية.
ونقل عنه حرب أيضاً أنه إذا رئي قبل الزوال في آخر الشهر لا يفطرون.
143 - لما روى أبو وائل؛ قال: «كنا مع عتبة بن فرقد في أناس بالجبل, فرأينا هلال شوال نهاراً فأفطرنا, فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب, فكتب عمر: الأهلة بعضها أعظم من بعض, فإذا أصبحتم صياماً؛ فلا تفطروا حتى تمسوا؛ إلا أن يشهد رجلان مسلمان؛ يشهد [أن] أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له أن محمداً عبده ورسوله: أنهما أهلاه بالأمس عشيّاً».
رواه إسحاق
................
ابن راهويه وسعيد وغير [هما] بإسناد صحيح.
وقال أحمد في رواية عبد الله عن أبي وائل: «أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين: أن الأهلة بعضها أعظم من بعض؛ فإذا رأيتم الهلال من أول النهار؛ فلا تفطروا, حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس».
144 - وعن القاسم بن عبد الرحمن: قال عبد الله: «إذا رأيتم الهلال
نهارا؛ فلا تفطروا؛ فإنما مجراه في السماء, ولعله أن يكون قد أهلّ ساعتئذٍ, وإنما الفطر الغد من يوم يرى الهلال».
145 - وعن ابن عمر؛ قال: «لا تفطروا حتى تروه من حيث يُرى».
وقد تقدم عن أنس: أنهم رأوا الهلال عند صلاة الظهر أو قريبا منها, فقال: «أنا متم صومي إلى الليل».
رواهن سعيد.
وعن ابن عباس....
قال إسحاق: «قد صح عن عمر أن الأهلة بعضها أعظم من بعض ظهوراً, فإذا أصبحتم صياماً؛ فما لم يشهد مسلمان أنهما أهلاَّه بالأمس عشياً فلا تفطروا».
فهذا الحق إن شاء الله, وهو الذي نعتمد عليه, وهو أكثر في الروايات.
فهذه الآثار في آخر الشهر, ولأن صوم يوم الثلاثين قد دخلوا فيه, والهلال يجوز أن يكون هلال الليلة التي قبله وهلال الليلة التي بعده؛ فلا يجوز الفطر مع الشك؛ بخلاف ما إذا رئي في أول الشهر؛ فإنه يصام احتياطاً؛ كما يصام بقول واحد, ويصام مع الغيم, ولأن الهلال المرئي قبل الزوال يجوز أن يكون للماضية, ويجوز أن يكون للمستقبلة؛ كما يجوز أن يكون....
ووجه الأول: ما علل به عمر رضي الله عنه من قوله: «إن الأهلة بعضها أعظم من بعض», وما علل به ابن مسعود من قوله: «لعله أن يكون قد أهل ساعتئذٍ».
فإن هذا يعم أول الشهر وآخره, ولأن ما لا يكون هلالاً في آخر الشهر لا يكون هلالاً في [أوله]؛ كما لو رئي بعد الزوال, ولأن التفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعده لا يستند إلى كتاب ولا سنة ولا عادة مطردة, ولأن رؤيته نهاراً بمنزلة رؤيته في الليل [كثيراً]؛ فإن ما يُرى نهاراً كبيراً, وما يرى كبيراً هو الذي يرى نهاراً, ولا يجوز الاستدلال بكبره على أنه ابن ليلتين؛ فلا يجوز الاستدلال
بظهوره نهارا على انه ابن الليلة الماضية.
146 - لما روى طلحة بن أبي حدرد؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة أن يروا الهلال يقولون: ابن ليلتين».
رواه البخاري في «تاريخه».
147 - وعن أبي هريرة؛ قال: «من أشراط الساعة أن يُرى الهلال الليلة, فيقول القائل: إنه لابن ليلتين».
رواه سعيد الأشج.
ولأن هلاله....
فعلى هذا إذا رئي قبل الزوال يكون يوم شك فيكره صومه.
وإذا رأى الهلال ودام إلى مغيب الشفق؛ فهل يستبين بذلك أنه ابن ليلتين فيقضي اليوم الذي قبله؟....
وإذا رأى آخر الليل, ثم أخبر مخبر في المستقبلة أنه رآه؛ علم كذبه.
فصل:
وإذا رأى الهلال أهل بلد؛ لزم سائر البلدان الصوم, وإن لم يروه.
قال أصحابنا: سواء كان البلدين متقاربين لا يختلف مطالع الهلال فيهما أو متباعدين يختلف.
قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا رأى أهل المصر الهلال, ولم نره نحن, ولم يكن سحابة في السماء, فصاموا أولئك وأفطرنا؛ نقضي يوماً, والنبي صلى الله عليه وسلم قَبِل أولئك الذين جاؤوه وقالوا رأيناه, ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم رآه.
148 - وذلك لما احتج به أحمد, وهو ما روى أبو عمير بن أنس؛ قال:
أخبرني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قالوا: «غُمِّ علينا هلال شوال, فأصبحنا صياماً, فجاء ركب من آخر النهار, فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم رأوا الهلال بالأمس, فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا ثم يخرجوا لِعيدهم من الغد».
رواه الخمسة إلا الترمذي, وقد تقدم عن ربعي بن حراش
عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء قوم قد رأوا الهلال في غير المدينة, وبينهم وبينها نحو من يومين؛ لأن شهادتهم كانت آخر النهار, والمطالع قد تختلف في الأمكنة المتقاربة, ولأن حكم البلدين في هذه الرؤية حكم البلد الواحد؛ بدليل انقضاء الأجل وحلول الدين وغير ذلك؛ فلذلك يجب أن يكون في باب الصوم, ولأنه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحداً؛ لكان يجب أن يجد ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط, وليس في ذلك حد مضبوط؛ لأن رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان, وتارة لصفاء الهواء, وتارة لزوال المانع, وتارة لِحدَّةِ البصر, ثم ذلك أمر يحتاج
إلى حساب, ونحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب, فوجب أن نجعل الرؤية واحدة.
فإن قيل: طلوع الهلال يختلف باختلاف الأمكنة, فوجب أن يكون لكل قوم حكم أنفسهم؛ كطلوع الشمس وغروبها.
قيل: طلوع الشمس وغروبها يتكرر في كل يوم, ويشق مراعاته, ويلحق المشقة في اعتبار طلوعه وغروبه؛ بخلاف الهلال, ولهذا يختلف ذلك بارتفاع المكان وانخفاضه, حتى يفطر من يكون في الوادي, وإن لم يفطر م نْ هو في أعلى الجبل, والهلال بخلافه... ولأنه مطالعه تختلف إما با....
وقد قال ابن عبد البر في البلاد المتباعدة جدّاً....
149 - فإن قيل: قد روى كريب مولى ابن عباس: «أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام.
قال: فقدمت الشام, فقضيت حاجتي, واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام, فرأيت الهلال يوم الجمعة, ثم قدمت بالمدينة في آخر الشهر, فسألني عبد الله بن عباس, ثم ذكر الهلال, فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة.
فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم, ورآه الناس, وصاموا, وصام معاوية.
فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت, فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه.
فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا؛ هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم».
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
قيل: ابن عباس أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن لا يفطروا في مثل هذه الواقعة, ولم يذكر لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد يكون ذلك لأن كريباً هو الذي أخبرهم بالرؤية المتقدمة وحده, وقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا بشهادة اثنين؛ لأنهم لو علموا بخبره؛ لأفطروا وليس فيه تعرض لقضاء ذلك اليوم, وشهادة الواحد إنما تقبل في الهلال إذا اقتضت الصوم أداءً أو قضاءً, فأما إذا اقتضت الفطر؛ فلا.
ويجوز أن يكون ذك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته, ولا يفطروا حتى يروه ويكملوا العدة؛ كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسراً, فاعتقد ابن عباس أن أهل كل بلد يصومون حتى يروه أو يكملوا العدة وقد تقدم عنه صلى الله عليه وسلم ما يبين أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأن الخطاب لهم, وهذا عمل برؤية قوم في غير مصره.
يوضح ذلك....
150 - فإن قيل: فقد روى ابن المظفر عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلفت أعيادهم, فضحى أهل كل بلد خلاف هذا البلد, وأهل هذا البلد خلاف أهل هذا البلد».
قال: «يا عائشة! عيد كل قوم يوم يعيدون».
قيل: قوله: «عيد كل قوم يوم يعيدون»؛ كقوله: «صومكم يوم تصومون, وفطركم يوم تفطرون, وأضحاكم يوم تضحون», وذلك لا يمنع وقوع الخطأ في الهلال؛ فإنه قد يفطر الناس بعد الرؤية بيوم أو قبلها إذا شهد به شاهد, وإنما المقصود به أن الحكم مبني على ما ظهر, وأن العيد هو الاجتماع للصلاة والنسك؛ ففي أي يوم حصل هذا؛ فهو يوم عيد, واليوم الذي يخلو عن هذا ليس يوم عيد, وإن كان عاشر الشهر.
فيفيد هذا أن أهل مكة إذا اخطؤوا فوقفوا في الثامن أو العاشر؛ صح نسكهم, وأما سائر الأمصار إذا رأى الهلال أهل بلد, ولم يره الآخرون إلا بعد يوم؛ فأكثر ما فيه أنهم أخروا التضحية إلى ثاني النحر, وذلك جائز, والحديث لم يجئ إلا في عيد النحر, ثم لو عيد قوم اليوم, وآخرون غداً؛ لم يكن فيه إلا صوم يوم خطأ, وذلك لا محذور فيه؛ بخلاف الخطأ في فطر يوم؛ فإنه يوجب القضاء.
فصل:
ولا يصح الصوم إلا بنية كسائر العبادات؛
لقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
151 - وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».
152 - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له؛ إلا الصوم؛ فإنه لي, وأنا
أجزي به, يدع طعامه وشهوته من أجلي».
فمن لم يذر طعامه وشهوته لله؛ فليس بصائم.
والنية....
وفيها مسألتان: تبييت النية وتعيينها.
أما تبيت النية: فإن الصوم الواجب الذي وجب الإمساك فيه من أول النهار لا يصح إلا بنية من الليل, سواء في ذلك ما تعين زمانه كأداء رمضان والنذر المعين, وما لم يتعين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق.
قال أحمد في رواية أبي طالب: الفرض والقضاء والنذر يجمع عليه من الليل, فإن لم يجمع عليه من الليل؛ فلا صوم.
وقال في رواية الميموني: ويحتاج في رمضان أن يبيت الصيام من الليل, فلو أن رجلاً حمق, فقال: لا أصوم غداً, ثم أصبح, فقال: أصوم! لا يجزيه عندي.
وسواء ترك التبييت لغير عذر كالمستحمق أو لعذر مثل أن يغمى عليه أو يجهل ن ذلك اليوم من رمضان.
قال في رواية الأثرم: إذا لم يعزموا الصيام في أول الشهر, فأصبحوا على غير صوم, م تبين لهم أنه من رمضان, فصاموا بقية يومهم, فيقضون يوماً مكانه, وإن كانوا لم يأكلوا؛ لأنه لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل.
وهذا إنما هو في الفرض, وابن عمر إنما أصبح صائماً حين حال دون منظره, ويعتد به ويجزيه, وإذا لم يكن علة؛ قال: يصبح عازماً على الفطر.
وقال في الأسير إذا صام في أرض الحرب وهو لا يعلم أنه شهر رمضان ينوي به التطوع: لا يجزيه من شهر رمضان إلا بعزيمة أنه من رمضان.
وهؤلاء يقولون: يجزيه, وكيف يجزيه وهو لا يجزيه في يوم الشك إذا أصبح ولم يأكل, ولا يجزيه يوم الشك إلا بعزيمة من الليل؟! وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن يجمع الصيام من الليل قبل الفجر الزهري عن سالم عن ابن عمر عن حفصة.
153 - وذلك لما روى يحيى بن أيوب, وغيره عن عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه, عن حفصة, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر؛ فلا صيام له».
رواه الخمسة.
وفي لفظ للنسائي: «من لم يبيت الصيام».
وفي لفظ لعبد الله بن أحمد وابن ماجه والدارقطني: «لا صيام لمن لم يفرضه من الليل».
وفي لفظ لهم: «لمن يورضه».
قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه, وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله, وهو أصح.
وقال الدارقطني: رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري, وهو من الرفعاء.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث مُرِّض في إسناده, ولكنه أحسن ما روي مرفوعاً في هذا الباب اهـ.
وقد رواه النسائي من حديث ابن جريج عن الزهري مرفوعاً كذلك.
ورواه حرب من حديث إسماعيل, عن الزهري, عن حمزة بن عبد الله ابن الزبير, عن حفصة رضي الله عنها؛ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(لا صيام لمن لم يوجبه بالليل».
ورواه أيضاً من حديث عبيد الله بن عمر, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه, عن حفصة: أنها كانت تقول موقوفاً.
ورواه أيضاً من حديث معمر بن [راشد و] يونس وابن عيينة, عن الزهري, عن حمزة بن عبيد الله بن عمر, عن أبيه, عن حفصة موقوفاً.
ورواه مالك, عن الزهري, عن عائشة وحفصة قولها.
.......................
.........................
...........................
ورواه مالك وعبيد الله بن عمر, عن نافع, عن ابن عمر: أنه كان يقول: «لا يصوم إلا من اجمع الصيام قبل الفجر».
والذي يقوي رفعه أشياء:
أحدها أن الذي رفعه عن الزهري رجل جليل القدر سمع منه قديماَ, وقد تابعه وغيره, والذين وقفوه سمعوه منه بعد ذلك, ومعلوم أن رفعه زيادة, والزيادة من الثقة مقبولة, لا سيما وسماع صاحب الزيادة متقدم, فعلم أن الزهري ترك رفعه في آخر عمره, إما نسياناَ أو شكاَ أو غير ذلك.
ومنها: أن هذا الحديث كان عند الزهري عن عائشة وعن حفصة, حمزة عن ابن عمر, ولهذا ليس بغريب من الزهري؛ فإن الحديث كان يكون عنده من عدة جهات, يرويه كل وقت عن بعض شيوخه, وإذا كان كذلك؛ أمكن أن يكون عنده مرفوعاً وموقوفاَ.
ومنها: أن احتجاج أحمد به يدل على صحة رفعه عنده.
قال أبو بكر عبد العزيز: صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام الليل».
ومنها: أنه قول عائشة وحفصة وابن عمر ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة.