شرح الأجرومية للأسمريصفحات 7-46

شرح الأجرومية للأسمري

  • عَلَم: صالح الأسمري
  • الكتاب: شرح الأجرومية
  • المؤلف: أبو مُحمَّدٍ، صالحُ بنُ مُحمَّدٍ بنِ حسنٍ آلُ عُمَيِّرٍ، الأسمريُّ، القحْطانيُّ [الكتاب مرقم آليا]

الحمد لله الذي رفع السماء بغير عماد، وخفض الأرض وقدر فيها أقواتها لنفع العباد، وثبَّتها بنصْب الرواسي والأوتاد، وجَزَمَ بوحدانيته أهل البغي والإلحاد، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه السالكين سبيل الرشاد، وعلى من ورد مشرعهم، وترسّم خطاهم إِلى يوم المعاد.
أما بعد … (فإن العلم فخرٌ يبقى على مرور الأحقاب، وذكرٌ يتوارثه الأعقاب بعد الأعقاب، وأول المجد وآخره، وباطن الشرف وظاهره، به يُترقى على كل المراتب، وبه يتوصل إِلى المآرب والمطالب، وهو الأربح مرعاه، وهو الأرفع مسعاه، يملأ العيون نوراً، القلوب سروراً، ويزيد الصدور انشراحاً، ويفيد الأمور انفساحاً،، وهو الغُنْم الأكبر، والحظ الأوفر، والبغية العظمى، والمنية الكبرى) 1 . ألا وإن من أجلّ العلوم وأعظمها، وأشرفها وأهمها: علم العربية إِذْ هي (خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إِذْ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين) 2 . كما أن (معرفتها ضرورية على أهل الشريعة؛ إِذْ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونَقَلَتُها من الصحابة والتابعين عرب، وشرحُ مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلِّقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة) 3 . قال عمر - رضي الله عنه -: ''تعلَّموا العربية فإنها تزيد في المروءة'' 4 .

ولقد كان الصدر الأول من الأمة المحمدية أهل سليقة عربية، وأصحاب مَلَكة لسانية (فكان اللسان العربي عندهم صحيحاً مَحْروساً لا يتَداخَلُه الخلل، ولا يتطرَّق إِلَيْهِ الزلل، إِلى أن فُتِحَت الأمصار، وخالط العربُ غير جنسهم من الروم والفرس والحبش والنَّبط، وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادهم، وأفاء عليهم أموالهم ورقابهم، فاختلطت الفرق، وامتزجت الألسن، وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلّموا من اللسان العربي ما لابدّ لهم في الخطاب منه، وحفظوا من اللغة ما لا غنىً لهم في المجاورة عنه، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة إِلَيْهِ وأهملوه لقلة الرغبة في الباحث عليه، فصار بعد كونه من أهم المعارف مطّرحاً مهجوراً، وبعد فرضيته اللازمة كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، وعادت الأيام والحالة هذه على ما فيها من التماسك والثبات، واستمرت على سنَنٍ من الاستقامة والصلاح، إِلى أن انقرض عصر الصحابة والشأن قريب، والقائم بواجب هذا الأمر لقلته غريب، وجاء التابعون له بإحسان فسلكوا سبيلهم لكنهم قلّوا في الإتقان عدداً واقتفوا هديهم وإن كان مدّوا في البيان يداً، فما انقضى زمانُهم على إحسانهم إلاّ واللسان العربي قد استحال أعجميّاً أَوْ كاد، فلا ترى المستقِلّ به والمحافظ عليه إلا الآحاد.
هذا والعصرُ ذلك العصرُ القديم، والعهدُ ذلك العهدُ الكريم، فجَهِل الناس من هذا المهمّ ما كان يلزمهم معرفتَهُ، وأخّروا منه ما كان يجب عليهم تَقْدِمَتُهُ، واتخذوه وراءهم ظِهْريّاً فصار نَسْياً منْسِياً، والمشتغل به عندهم بعيداً قصِيّاً، فلما أعضل الداء وعزَّ الدواء، ألهم الله - عز وجل - جماعة من أولى المعارف والنُّهى، وذوي البصائر والحِجى، أن صرفوا إِلى هذا الشأن طرَفاً من عنايتهم، وجانباً من رعايتهم، فشرَّعوا فيه للناس موارداً، ومهّدوا فيه لهم معاهداً، حراسةً لهذا العلم الشريف من الضياع، وحفظاً لهذا المهم العزيز من الاختلال) 1 . ولقد كان النحو والإعراب أهم علوم اللغة، إِذْ في جهله الإخلال بالتفاهم جملة.
يقول العلامة ابن خلدون - رحمه الله - ‘‘أن الأهم المقدّم منها هو النحو، إِذْ به تبيّنت أصول المقاصد بالدلالة، فيُعَرَّف الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر، ولولاه لَجُهِل أصل الإفادة’’ 2 . تعالى به قد طلابه وقوف خضوع على بابه.
يا حبَّذا النحو من مطلب كأن العلوم له عسكر.

ولما للنحو من أهميّة، ومكانة عظيمة عليّة، صنعت فيه التصانيف، وأُلِّفت فيه التآليف، فمن مُكثرٍ جعل كتابه أسفاراً، ومن متوسط غيْثُ فوائده أصبح مدراراً، ومن موجزٍ كان كتابه أوراقاً.
وكان من بين تلك المتون المختصرة، والكتب المحرّرة المشتهرة، كتاب: (الْمُقَدِّمَة الآجرُّومِيَّة) .

ومِن ثَمَّ طفِق العلماء إِلى شرحها وتدريسها، وكان من أنفس شروحاتها شرح شيخنا المفضل: صالح بن محمد بن حسن الأسمري - حفظه الله -، فلقد كان شرحاً كافياً وافياً في بابه، ومورداً صافياً لطلاّبه، غير مختصر اختصاراً يؤدي إِلى الإخلال، ولا مطنباً إطناباً يفضي إِلى الإملال، مشتملاً على الدرر الفرائد، والغرر من الفوائد الشوارد، يَحِلّ مبانيها، ويُوَضّح معانيها، ويُقَرّر قواعدها، ويُحرّر مقاصدها، ويؤيّد ذلك بالأدلة، ويسهِّله بالشواهد والأمثلة، ينتفع به المبتدئ، ولا يستغني عنه المنتهي، وهو مرحلة وسطى، تعقبه مرحلة علمية أخرى.
وثَمَّ أمورٌ يجب التنبيه عليها، ولا مندوحة للراغب عنها 1 أولها: في اسم هذا العلم، إِذْ إِنَّه يُسَمَّى باسمين اثنين.
أما الأول: فهو النحو.
وسبب التسمية هو ما اشتهر عند الإخباريين من أن الإمام علياً - رضي الله عنه - قال لأبي الأسود الدؤلي: ‘‘ نعم النحو الذي نحوت ’’ وذلك عندما كتب شيئاً في النحو بأمرٍ منه.
وأما الثاني: فالإعراب.
ومن معانيه التغير، يُقَال: أعربت الإبل إذا تغيرت بطونها بمرض، وكذلك الحال مع أواخر الكلمات العربية المعربة فإنها تتغير بحسب مواقعها.
ثانيها: أن الدارس لعلم النحو يدرس شيئين اثنين.
أما الأول: فالإعراب: وهو تغير أواخر الكلم باختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً.
وهذا هو الأصل؛ ولأجله صنع النحو ضبطاً له حتى لا يلحن فيه.
وأما الثاني: فهو البناء: وهو لزوم أواخر الكلمة حركة لا تتغير باختلاف العوامل الداخلية عليها.
ثالثها: هو أن علم النحو يبحث في حركة الأخير من الكلم سواء أظهرت أم قُدِّرت، وأكثر اللحن حصل في ذلك عند العرب ولذا كانت العناية به آكد.
رابعها: لكي يتفهَّم دارس النحو مسائله ويعرف مفرداته لابد أن يراعي أموراً: أولها:

حفظ التعاريف واستحضارها عند محاولة الإعراب لكلمة أو جملة لما لها من أثر.
ثانيها: الاشتغال بمعاني الكلام وجمله، والنظر في مدى انطباقه على القواعد المعروفة.
مثال ذلك: هو أن المفعول به يُعَرَّف بأنه: اسم منصوب وقع عليه فعل الفاعل، فلو قال قائل: (ضرب الأب ابنه تأديباً له) لَحُكم على كلمة (ابن) بأنها مفعول به؛ لأنه هو الذي وقع عليه فعل الفاعل.
ثالثها: هو استحضار التقاسيم والشروط المتعلقة بكل مسألةٍ وباب.
مثاله: ما قيل في الأسماء الخمسة، فإنها لا تأخذ إعرابها المشهور من الرفع بالواو، والنصْب بالألف، والخفض بالياء إلا بشروط؛ ككونها مكبرة، وعدم إضافتها لياء الْمُتَكَلِّم وما إلى ذلك.
فإذا قال قائل: (إن أبي ذو نسب شريف) لَعُلِم أن كلمة (أبي) لا تُعرَب إعراب الأسماء الستة أو الخمسة؛ لأنها مضافة إلى ياء الْمُتَكَلِّم.
خامسها: هو أن الدارس للنحو لن يستطيع أن يعرب الجمل كلها إلا إذا انتهى من دراسة كتب النحو كلها في مرحلة التأصيل، والمعتاد أن آخرها دراسة ألفية ابن مالك، فمن درس الآجرومية لا يتحصَّل على جميع أبواب النحو فضلاً عن جميع مسائله، فلابد من استكمال ذلك، وإنما ابتدئ بالآجرومية فغيرها إلى دراسة ألفية ابن مالك، مراعاةً للتدرج في التعلّم والبدء بالأولويات، والبعد عن وقوع قولة السلف: (من أراد العلم جملة ضيَّعه جملة) فيدرس طالب النحو أول ما يدرس: كبرى أبوابه ومسائله، وذلك من خلال [الآجرومية] ثُمَّ يدرس مجمل أبواب النحو ومسائله دون تعرض للخلاف في الجملة، وذلك من خلال كتاب [شرح قطر الندى] لابن هشام، ثُمَّ يدرس جميع مسائل النحو وتفصيلاته مع الاطلاع على المخالف وبعض الأعاريب وما إلى ذلك، وذلك من خلال [شرح الألفية] ، (شرح ابن عقيل) عليها ولَيْسَ بوافٍ، أو شرح ابن هشام الْمُسَمَّى بـ[أوضح المسالك] . سادسها:

أن إدراك علم النحو يكون من خلال فقه علومٍ لابد من اجتماعها.
أولها: مسائل النحو ومفرداته وهي الموجودة في [الآجرومية] و [شرح قطر الندى وبل الصدى] و [ألفية ابن مالك] . ثانيها: دراسة علم أصول النحو وهو كعلم أصول الفقه مع الفقه لابد منه، وفيه القواعد التي روعيت في الإعراب، وأدلة النحويين وأوجه الدلالة وما إلى ذلك، وفي ذلك كتاب يتيم ألَّفه الإمام السيوطي اسمه (أصول النحو) وعليه شروحات منها [شرح الأزهري] . ثالثها: دراسة علم تاريخ النحو ويشمل معرفة مذاهبه ونشأتها وأئمته وكتبه وما إلى ذلك، وفيه كتب أحسنها: ما صنَّفه محمد طنطاوي من علماء الأزهر واسمه [نشأة النحو] فقد حقق بأخَره.
ولقد كان أصل هذا الشرح المبارك دروساً ألقاها فضيلة شيخنا - حفظه الله - بجامع ابن عواض بالطائف عام 1419هـ، ثُمَّ كُتِبَت وعُرِضَ مواضع منها على الشيخ نفسه فاستحسنها، وأذن بطباعتها وإخراجها.
كما لا يفوتني أن أتقدَّم بالشكر أولاً وآخراً للمولى جلَّ وعلا على أن وفقنا لهذا العمل، وأعاننا على إخراجه، ثُمَّ أتوجّه بالشكر إِلى فضيلة شيخنا على ما أسداه إِلَيْنَا من علمه ونصحه، فجزاه الله عنّا خير الجزاء وأطال في عمره على طاعته ونفعنا بعلمه.
كما أتوجّه بالشكر إِلى كل من أعان على إخراج هذا الشرح فجزاهم الله خير الجزاء.
والله أسأل أن ينفع به، وأن يجزل الأجر والمثوبة لشيخنا، والله من وراء القصد وهو الهادي إِلى سواء السبيل.
وكتبه: متعب بن مسعود الجعيد

ببسم أما بعد حمد الله ذي الآلاء، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء، وآله وصحبه الأصفياء … فإن علم العربية يقع من نافع العلوم: موقع الرأس من الإنسان، واليتيمة من قلائد العِقْيان، فليس أحد من أرباب الحجى والعلم يخلو من أن يكون متعلقاً منه بسبب، وضارباً فيه بسهم.

وكان واسطة عقد العربية: علم النحو والإعراب، الذي ينبغي أن يتحلى به طالب العلم ومريده، بل قال العلامة: خالد الأزهري - رحمه الله -: ‘‘إن معرفة الإعراب من الواجبات التي لابد لكل طالب علم منها، ومن المهمات التي لا يستغني الفقيه عنها ’’.
ومن متونه المقدَّمة وأركانه المختصرة؛ متن موسوم بـ (مقدمة ابن آجرُّوم) ، عكف على ضبطه وفهمه الدارسون؛ لظهور نفعه، يقول العلامة ابن الحاج - رحمه الله - (صار غالب الناس أول ما يقرأ بعد القرآن العظيم؛ هذه المقدِّمة، فيحصل به النفع في أقرب مُدَّة) . ومِنْ ثَمَّ انعقد العزم على مدارسة تلك المقدِّمة الآجرومية؛ بحلّ مبانيها، وإيضاح معانيها، وتقرير قواعدها، وتحرير مسائلها، على وجه توسط وجِدَّة.
مقدِّماً بين يدي ذلك مقدَّمة ذات باب، وهذا أوان الشروع، ومن الله التوفيق والتسديد، وهو المستعان.

مُقَدِّمَةٌ وفيها فصلان: الأول: في تعريف موجز بابن آجروم - رحمه الله -، وذلك في مقاصد عدة: الأول: في اسمه ونسبه: هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصِّنهاجي، المعروف بـ (ابن آجروم) ، وهنا فائدتان: الأولى: أنه يُقَال لابن آجروم: (الصِّنْهاجي) نسبة إلى قبيلة صِنْهاجة بالمغرب.
قاله الحامدي - رحمه الله - في حاشية له على: [شرح الكفراوي للآجرومية] . الثانية: أن كلمة: (آجروم) لها معنى، وضبط.
فأما المعنى: فهو: الفقير الصوفي، وذلك بلغة البَرْبَر.
قال ابن عنقاء ‘‘هي كلمة أعجمية، بلغة البربر، معناها: الفقير الصوفي، على ما قيل.
لكني لم أجد البرابرة يعرفون ذلك’’ انتهى.
غير أن السيوطي وابن الحاج جزما بالمعنى السابق.
وأما الضبط: فعلى أوجه: الأول: بفتح الهمزة مع مدّ، وجيم مضمومة مُخَفَّفة، وراء مهملة مضمومة مع تشديد وتثقيل، هكذا: (آجُرُّوم) قاله ابن عنقاء، وبه قطع السيوطي في: [بغية الوعاة] .

الثاني: كالأول، غير أن الجيم تكون مفتوحة، هكذا: (آجَرُّوم) وهذا هو المنقول عن الجمال المطيب.
الثالث: بفتح الهمزة دون مَدٍّ، وجيم ساكنة، وراء مهملة مضمومة دون تشديد، هكذا (أَجْرُوم) وهو منقول عن ابن أجروم نفسه، قاله ابن الحاج في: [العقد الجوهري] . الرابع: ما حكاه السيوطي في [البغية] بقوله: ‘‘رأيت بخط ابن مكتوم في [تذكرته] ، قال: (محمد بن الصنهاجي أبو عبد الله، من أهل فاس، يعرف بـ أكروم …’’.
الخامس: ما حكاه ابن عنقاء بقوله: ‘‘وقد كثر حذف همزته - يعني آجروم - فلا أدري أهي لغة أم هي من تلعب الناس’’.
لطيفة: قال ابن عنقاء: ‘‘في قبيلة البربر قبيلة تُسَمَّى بني آجروم ’’.
الثاني: في مولده ووفاته.
فأما مولده: فيقول ابن الحاج: ‘‘ولد سنة اثنتين وسبعين وستمائة بمدينة فاس في السنة التي توفي فيها ابن مالك’’.
وبذلك جزم ابن العماد في [شذرات الذهب] . وأما وفاته: فيقول ابن الحاج: ‘‘توفي يوم الاثنين بعد الزوال لعشرة بقيت من صفر، سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة’’.
وبه قال الحلاوي وابن العماد وغيرها.
لطيفة: قال ابن الحاج: ‘‘توفي ابن آجروم وله إحدى وخمسون سنة، ودفن بباب الجيزيين، ويعرف الآن بباب الحمراء بفاس ’’.
الثالث: في مكانته العلمية.
قال السيوطي - رحمه الله -: ‘‘وصفه شرَّاح مقدمته كالمكودي والراعي وغيرهما، بالإمامة في النحو والبركة والصلاح، ويشهد بصلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته’’.
وقال ابن مكتوم عنه: ‘‘نحوي مقرئ، وله معلومات من فرائض وحساب وأدب بارع ’’.
الرابع: في مصنفاته: كان له - رحمه الله - مصنفات أشار إليها ابن مكتوم في: [تذكرته] بقوله: ‘‘وله مصنفات وأُجيز في القراءات وغيرها ’’، والمعروف من كتبه كتابان: الأول: هو مقدمته النحوية.
الثاني: هو فرائد المعاني في شرح حرز الأماني.
الثاني: في تعريف موجز بـ (المقدمة) ، وذلك حسب المقاصد التالية:

الأول: في اسمها لم يسمِّ الْمُصَنِّف - رحمه الله - كتابه هذا باسمٍ، إنما سُمِّيَ به فقيل: (الآجرومية) ، أو: (الجرّومية) وهذا من باب النسبة؛ لأن المركب الإضافي كالمبدوء بـ (ابن) ، وهو هنا كذلك، عند النسبة يُحذف صدره (ابن) وينسب إِلى عجزه (آجروم) وفيه يقول ابن مالك: رُكِّبَ مَزْجاً ولثانٍ تَمَّمَا أوْ ما لَهُ التَّعْريفُ بِالثَّاني وَجَبْ.
وانسُبْ لصدْرِ جُمْلةٍ وصدْرِ ما إضافةً مبْدوءةً بِابْنٍ أَوْ أبْ.

وربما قيل في التسمية: (مقدمة ابن آجروم) أو: (المقدمة الآجرومية) . ودال (المقدمة) فيهما تفتح وتكسر، والكسر أولى لما فيه من إشعار بتقدمها استحقاقاً أَوْ حقيقة؛ ولأن الفتح لغة قليلة.
قال بعض الشراح: ‘‘إنما سُمِّيَت الآجرومية بـ (المقدمة) ؛ لأنها توصل المشتغل بها إِلى المطولات من كتب النحو والإعراب، كمقدمة الجيش التي تتقدم أَمَامَه، لتهيئ له في المحل الذي ينْزله ما يحتاج إليه’’.
وهو معنى لطيف متَّجه.
الثاني: في وقت تصنيفها لم يذكر ابن آجروم ولا غيره من المترجمين والشراح زمن تصنيف الآجرومية، غير أن ابن مكتوم في: [تذكرته]- وهو عصري ابن آجروم - قال: ‘‘وهو إِلى الآن حي، وذلك في سنة تسع عشرة وسبعمائة’’، وذلك بعد أن أشار إِلى مصنفاته وكونه نحوياً مقرئاً.
الثالث: في مكان كتابتها ذكر الراعي وابن الحاج في [شرح الآجرومية] أن ابن آجروم ألَّف هذا المتن تجاه الكعبة الشريفة، وقال الحامدي في [حاشيته على شرح الكفراوي للآجرومية] : ‘‘حكي أنه ألَّفَ هذا المتن تجاه البيت الشريف’’.
الرابع: في منهج صاحبها فيها كان له في ذلك طريقة حَيْثُ: اقتصر فيها على كبرى أبواب النحو وأصوله، وقد أشار إِلى ذلك غير واحد ومنهم الأزهري في أول شرحه على الآجرومية.

واتبع الكوفيين في عباراتهم، يقول السيوطي في [بغية الوعاة] : ‘‘وهنا شيء آخر، وهو أنَّا استفدنا من مقدمته أنه كان على مذهب الكوفيين في النحو؛ لأنه عَبَّرَ بالخفض، وهو عبارتهم، وقال: الأمر مجزوم، وهو ظاهر في أنه معرب وهو رأيهم.
وذكر في الجوازم: كيفما، والجزم بها رأيهم، وأنكره البصريون، فتفطّن’’.
وأورد فيها الأبواب بإيجاز وترتيب بديع؛ حَيْثُ قدَّم الكلام وحقيقته على أقسامه، والأقسام على علامات كل قسم، وهَلُمَّ جراً، مما يأتي في الشرح التنويه إِلَيْهِ - إن شاء الله -. الخامس: في عناية الناس بها لقد اشتهرت الآجرومية بين الطلاب قديماً وحديثاً، وانتفع بها الدارسون.
يقول السيوطي: ‘‘يشهد بصلاحه - أَيْ: ابن آجروم - عموم نفع المبتدئين بمقدمته’’، ويقول ابن الحاج: ‘‘ويدُلُّكَ على صلاحه أن الله جعل الإقبال على كتابه؛ فصار غالب الناس أول ما يقرأ بعد القرآن العظيم هذه المقدمة؛ فيحصل له النفع في اقرب مُدَّة’’.
وقد تنوعت العناية بالآجرومية، فمنهم من نظمها كعبد السلام النبراوي، وإبراهيم الرياحي وعلاء الدين الآلوسي والعمريطي وغيرهم.
ومنهم من تَمَّمها كالحطاب، ومنهم من شرحها - وهم كثير، عَدَّ صاحب [كشف الظنون] منهم أكثر من عشرة - كالمكودي والراعي والأزهري والرَّمْلي.
لطيفة: قال الحامدي في حاشية له: ‘‘حُكي أَيْضاً أنه لما ألفه - يعني: ابن آجروم ومقدمته - ألقاه في البحر، وقال: إن كان خالصاً لله تعالى فلا يبل، فكان الأمر كذلك’’.

قال الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (ببسم) بدأ الْمُصَنِّف - رحمه الله - هذا المتن النحوي بـ (البسملة) ؛ وذلك منه اقتداء بكتاب الله؛ إِذْ هي أول آية على الصحيح، حَيْثُ افتتح الصحابة المصحف العثماني بها وتلوها وتَبِعَهم جميعُ من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، قاله الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في [فتح الباري] .

وكذلك اتباعاً لهدي النبي- صلى الله عليه وسلم - في مكاتباته ومراسلاته، ككتابته إِلى هرقل عظيم الروم كما جاء ذلك في حديث أبي سفيان في أول صحيح البخاري.
ولما استقرَّ عليه عمل الأئمة الْمُصَنِّفين، فقد قال الحافظ في [الفتح] : ‘‘وقد استقر عمل الأئمة الْمُصَنِّفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل’’.
ولعل الْمُصَنِّف - يرحمه الله - حَمِدَ وتَشهَّد نطقاً عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصاراً على البسملة؛ لأن القدر الذي يَجْمع الأمور الثلاثة: ذِكْر الله، وقد حَصَل بها.
قوله: (بسم) جار ومجرور، وهما متعلقان بمحذوف تقديره (أؤلف) أَوْ نحوه من المعاني الصحيحة السائغة.
والاسم من السُّمُو لغة على الصحيح، وهو ما كان لْمُسَمَّى، وسيأتي - بإذن الله - الكلام عنه في موضعه.
قوله: (الله) مخفوض على الإضافة، وهو مشتق من (أَلَهَ) ومنه قول رؤبة: لِلَّهِ دَرُّ الغانِيَات الْمُدَّهِ سبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي والتَّأَلُّه هو: التعبُّد.
قوله: (الرحمن الرحيم) نعت بعد نعت، هذا هو المشهور؛ لكن قال في [المغني] : ‘‘الرحمن: بدل لا نعت، والرحيم بعده: نعت له’’.
وهما اسمان لله يتضمنان صفة الرحمة، واخْتُلِفَ في التفريق بينهما، وأحسن ما قيل: إن الرحمن دالٌّ على الصفة القائمة بالذات، والرحيم دال على تعلُّقها بالمرحوم.
لطيفة: كثيراً ما يعزو الشراح بدء الْمُصَنِّف بالبسملة إِلى حديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو أقطع) ، والحديث أخرجه عبد القادر الرُّهَاوِي في كتابه [الأربعين] ؛ لكنه ضعيف لا يصح، وبذلك قطع أئمة، ومنهم: الحافظ ابن حجر، والسخاوي وآخرون، رحمة الله على الجميع.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله - ﴿الكلام هو: اللفظ المركب المفيد بالوضع﴾ فيه مباحث على ما يلي: الأول:

بدأ الْمُصَنِّف - يرحمه الله -بتعريف الكلام؛ لأنه موضوع النحو ومادته والتي يعمل فيها، وبه يقع التفاهم والتخاطب.
ومِنْ ثَمَّ يَبِينْ عناية الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بتقديم ما حقه التقديم على غيره، وهذا هو حقيقة التدرّج المحمود في التعليم.
الثاني: قوله: (الكلام) أَيْ في اصطلاح النحويين؛ لأن (ال) في (الكلام) إما أن تكون عوضاً عن مضاف إِلَيْهِ، أَوْ للعهد الذهني.
فعلى الأول إما أن يكون المضاف إِلَيْهِ المحذوف ضميراً أَوْ لا، فإن كان ضميراً يكون التقدير: كلامنا؛ أَيْ معشر النحاة.
وإن كان اسماً مظهراً فيكون التقدير: كلام النحويين، والْمُصَنِّف - يرحمه الله - منهم.
وعلى الثاني يكون المقصود: الكلام المعهود في الأذهان، وهو كلام النحويين؛ لأن المتن المبدوء به ذلك في النحو، ومصنفه من النحويين، بل من أئمتهم المشهورين.
الثالث: قوله (اللفظ) يتعلق به أشياء ثلاثة: الأول: معناه في اللُّغَة حَيْثُ إِنه: يدل على طرح الشيء، تقول: لفظتُ الشيء من فمي، إِذا طرحتَه.
الثاني: معناه في الاصطلاح حَيْثُ إِنه: الصوت المنقطع من الفم، المشتمل على بعض الحروف الهجائية تحقيقاً كـ (زيد) أَوْ تقديراً كالضمير المستتر.
الثالث: الاحتراز به حَيْثُ احترز بقَيْد (اللفظ) - في تعريف الكلام اصطلاحاً -: عن كل ما حصل به التفاهم وليس بلفظ، كالكتابة والإشارة ونحوهما.
وهي تُسَمَّى عند اللُّغَويين بـ (الدَّوالّ) لأنها تدل على معنى يَفْهَمه المخاطَب بها.
الرابع: قوله (المركّب) يتعلق به أشياء ثلاثة: الأول: معناه في اللُّغَة حَيْثُ إِنه: علوُّ شيءٍ شيئاً، تقول: ركبتُ الدَّابة إِذَا عَلَوْتها.
وكلمة (المركب) اسم مفعول من: ركب.
الثاني: معناه في الاصطلاح

حَيْثُ إِنه: ضمُّ كلمةٍ إِلى أخرى فأكثر.
سواء أكان الضم ظاهراً كـ (قام زيد) ، أم كان مُقَدَّراً كـ (قم) ، إِذْ التقدير: قُمْ أنت.
وليُعْلم أن التركيب يأتي على أنواع: ومنه: المركب الإسنادي؛ وهو المكوّن من مسنَدٍ ومسند إِلَيْهِ، كـ (زَيْدٌ قَائِمٌ، وقام زَيْدٌ) حَيْثُ إِن زيداً مسند إِلَيْهِ، والقيام مسند.
ومنه: التركيب المزجي كـ (بَعْلَبَك) . والتركيب الإضافي، كـ (غلام زيد) . والتركيب العددي، كـ (أربعة عشر) . الثالث: الاحتراز به قَيْد (التركيب) احترز به: عن المفرد، كـ (زيد) فقط، أَوْ (عمرو) فقط - أعني: لم يُضَمّ إليها شيء آخر -. الخامس: قوله (المفيد) يتعلق به أشياء ثلاثة: الأول: معناه في اللُّغَة حَيْثُ إِنه: ما ترتب عليه فائدة، ولها معانٍ منها: ما استفيد من علم أَوْ مال.
وكلمة (المفيد) اسم فاعل من: فَيَدَ.
الثاني: معناه في الاصطلاح؛ حَيْثُ إِنه: كل ما أفهم معنى يَحْسُنُ السكوت عليه كـ (قام زَيْدٌ) خلافاً لـ (إن قام زَيْدٌ) فلا يًحْسُنُ السكوت عليها.
ثم هل المراد سكوت الْمُتَكَلِّم عن التكَلُّم، أَوْ السامع عن طلب الازدياد، أَوْ هما؟ أقوال؛ أرجحها: الأول؛ لأن السكوت خلاف التكَلُّم، والثاني صفة الْمُتَكَلِّم اتفاقاً، فكذلك السكوت.
صفته: وهل يشترط إفادة المخاطب شيئاً يجهله؟ قولان: أحدهما: اشتراط ذلك، وبه جزم ابن مالك وآخرون.
والثاني: عدم اشتراطه، وصححه أبو حيان والصبان وآخرون.
وليُعْلم أن محل الخلاف السابق: إِذَا ابتدئ به؛ لا إِذَا كان في درج الكلام وثناياه.
ومثال البدء: قولك لعاقل: النار حارة تحرق.
خلافاً ما إِذَا كانت الجملة نفسها في درج حديث مفيد أوله.
الثالث: الاحتراز به قَيْد (المفيد) احترز به: عن كل لفظ مركب لا يفيد الفائدة الموصوفة آنفاً.
السادس: قوله: (بالوضع) يتعلق به أشياء ثلاثة:

الأول: معناه في اللُّغَة حَيْثُ إِنه: يدل على خفض الشيء وحطه، تقول: وضعت الكتاب على الأرض؛ إِذَا حططته.
وكلمة: (بالوضع) جار ومجرور متعلق بـ (المفيد) ، والباء في كلمة: (بالوضع) تحتمل معان، ومنها: المصاحبة، أي: الكلام هو اللفظ المركب المفيد إفادة مصحوبة بالوضع.
الثاني: معناه في الاصطلاح هو: جعل اللفظ دليلاً على معنى، وفق الاستعمال العربي.
وهذا الوضع العربي يشمل اللفظ على جهة الانفراد والنظم.
فأما الانفراد فتكون الكلمة المراد بها معنى ما قد استعملها العرب للمعنى نفسه.
كـ (زيد) ؛ فإنه لفظ عربي جعلته العرب دالاً على معنى، وهو ذات وضع عليها لفظ: (زيد) . وكذلك يُقَال في نظم الكلام وضم بعضه إِلى بعض؛ إِذْ لابد من صحة تركيبه وعَوْد ضمائره وما إِلى ذلك.
ثم هل الوضع يُرَاد به - أَيْضاً - القصد؛ أَيْ: أن يكون الكلام مقصوداً؟ قولان.
أحدهما: إثبات ذلك، وبه قطع ابن مالك وخلائق، وعليه جمهور شرَّاح المتن.
الثاني: نَفْيُ ذلك، ورجَّحه أبو حَيَّان.
ومِنْ ثَمَّ يكون لكلمة: (بالوضع) معنى يتضمّن شيئين: الأول: الوضع العربي.
والثاني: القصد، على الصحيح.
الثالث: الاحتراز به قَيْد (الوضع) - بمعنييه السابقين - احترز بالأول منهما: عن الكلام الموضوع وضعاً غير عربي، كالكلام الأعجمي.
واحترز بالثاني: عن كلام غير القاصد - ولو كان موضوعاً وضعاً عربياً -، كالمجنون.
السابع: في كون حَدّ الكلام اصطلاحاً يشتمل على قيود أربعة وهي: اللفظ، والتركيب، والإفادة، والوضع.
وهذا الْحَدّ بقيوده الأربعة ذكره جماعة قَبْل ابن آجروم - يرحمه الله -، ومنهم: الإمام الْجُزُولي - نسبة إِلى جُزُولة، بطن من بطون البربر بالمغرب -، قاله الأزهري.
الثامن: اعترض على حدّ الْمُصَنِّف للكلام باعتراضين: أحدهما:

أن قَيْد: (التركيب) و (الوضع) : يغني عنهما قَيْد: الإفادة؛ لأن المفيد الفائدة التي يحسن السكوت عليها؛ يستلزم أن يكون مركباً وموضوعاً.
ولكن أجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن دلالة اللزوم مهجورة في التعاريف عند أولى النظر؛ ولذا أَثْبت الْمُصَنِّف - يرحمه الله - قَيْد: التركيب والإفادة.
ثم إن المقصود من التعريف شرح الْمُعَرَّفِ بيان أجزائه وقيوده، فلا يكفي دلالة اللزوم.
الثاني: أن تعريف الشيء بذكر قيوده وأجزائه بعيداً عن دلالة اللزوم؛ هو المناسب للمبتدئين؛ إِذْ إِنَّهم غالباً لا يَعْقلون دلائل اللزوم، والمقدمة الآجرومية إنما كان للمبتدئين؛ فحصل التناسب.
الثاني: أن هناك قَيْداً لابد منه في التعريف، وهو: اتحاد الناطق، فلو اصطلح رجلان على أن يَذْكر أحدهما فعلاً، والآخر فاعلاً؛ لم يُسَمَّ ذلك كلاماً.
ومِنْ ثَمَّ تعيَّن إضافة قَيْد: (اتحاد الناطق) في التعريف.
ورُدَّ هذا الاعتراض بأن قَيْد: اتحاد الناطق مُخْتلَف فيه، بل صحَّحَ الأئمة كابن مالك وأبي حيان عدم كونه قَيْداً، إلحاقاً بحقيقة: (الْخَطّ) ؛ إِذْ يُسَمَّى الخط خطاً ولو اختلف الكاتب، فكذلك الكلام.
تمرين على ما شرح أ) لو تمثَّل عاقل فقال: يَكُنْ عنِ الزَّيفِ والتصْحِيفِ في حَرَمِ فَعِلْمُهُ عنْدَ أهْلَ العِلْمِ كالعَدَمِ.
مَنْ يأخُذِ العلْمَ عن شيخٍ مُشافهةً ومَنْ يكُنْ آخذاً لِلْعِلْمِ مِنْ صُحُفٍ.

لَعُدَّ كلامه عند النحاة كلاماً؛ لانطباق تعريف الكلام عندهم عليه، فقوله: (من يأخذ …) لفظ.
لأنه صوت مشتمل على حروف هجائية، أولها: الميم ثم النون وهلم جراً.
وهو كلام مُركَّب من كلمات بل من جمل.
وهو كذلك مفيد؛ حَيْثُ حسن سكوت الْمُتَكَلِّم عليه؛ ولم يكن السامع يدري من مبانيه ومعانيه - أعني: الأبيات المتمثل بها -. وهو موضوع وضعاً عربياً ومقصود، لكونه من عاقل.

ب) لو قال قائل من العقلاء: (قرأت كتاب: [الكتاب] لأبي بشر؛ فوجدته موسوعة عربية كبرى) . لما عَدَّه النحاة كلاماً؛ لأن كلمة: (موسوعة) غير عربية، فتأخر في هذا المثال قَيْد: الوضع.
لطيفة: لفظ (موسوعة) اصطلاح قريب العهد في أول القرن الثالث عشر.
وهو تصحيف.
قصته: أن إحدى مكتبات القسطنطينية كانت تدون فهرساً لمحتوياتها، فأملى أحد موظفيها اسم كتاب ‘‘لطاش كبرى زاده’’، عنوانه: موضوعات العلوم، أملاه بلسان الأعاجم، فسمعه الكاتب: موسوعات العلوم.
فوقف الأستاذ إبراهيم اليازجي على: موسوعات العلوم، فظَنَّ أن كلمة (موسوعات) تؤدي معنى (دائرة معارف) فأعلن ذلك في مجلته الْمُسَمَّاة بـ (الضياء) فسار به القراء.
ويستعاض عن كلمة (موسوعة) بالجمهرة أَوْ الْمَعْلَمَة، والأول عليه كثير من أئمة اللُّغَة.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله - (وأقسامه ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى) فيه مباحث على ما يلي: الأول: قوله (وأقسامه) يتعلق بها أشياء: الأول: في كون (الواو) في (وأقسامه) استئنافية، وقولنا: (استئنافية) مأخوذ من: الاستئناف وهو: الابتداء، تقول: استأنفت الأمر؛ إِذَا ابتدأته.
الثاني: في كون ضمير (الهاء) المتصل؛ عائداً على الكلام.
وهو في مَحَلّ خَفْضٍ على الإضافة.
الثالث: في معنى (الأقسام) لغة؛ حَيْثُ إِنها جَمْع قسْم، والقَسْم - بفتح القاف - مصدر قَسَمْت الشيء قَسْماً؛ إِذَا جزَّأته.
والقِسْم - بكسر القاف - النصيب.
الرابع: في معنى (الأقسام) في عبارة الْمُصَنِّف - يرحمه الله -، حَيْثُ عَنى أجزاء الكلام من جهة تركيبه لا حقيقته؛ لأنه سبق أن الكلام عند النحاة حقيقته مُركَّبةٌ من اللفظ المركب، والمفيد بالوضع.
فهذه القيود الأربعة هي أجزاء الكلام من جهة حقيقته.
وأما من جهة التركيب فثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى.
الثاني: قوله: (ثلاثة) يتعلق به شيئان:

أحدهما: أن تقسيم الكلام من جهة تركيبه إِلى أقسام ثلاثة، أمر مُجْمع عليه عن اللُّغَويين والنحاة؛ قاله الأزهري.
والثاني: في دليل القِسْمة.
حَيْثُ إِن دليل ذلك أمران: أحدهما: الاستقراء التام؛ حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة كأبي عمرو المازني والخليل وسيبويه - الكلام، فوجدوه لا يخرج عن كونه: اسماً، وفعلاً، وحرفاً جاء لمعنى.
والاستقراء التام حجَّة باتفاق.
والثاني: الدليل العقلي؛ إِذْ العقل لا يقبل غير تلك القِسْمة.
وبيانه: أن الكلمة لا تخلو: إما أن تدل على معنى في نفسها أَوْ لا، فالثاني: الحرف.
والأول: إما أن يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة أَوْ لا، فالثاني: الاسم.
والأول: الفعل.
الثالث: قوله: (اسم) ، يتعلَّق به أشياء أربعة: الأول: في تقديم الْمُصَنِّف - يرحمه الله - الاسمَ على الفعل والحرف؛ إِذْ هناك ما يُوجِب تقديمه، ومن ذلك: كون الاسم يأتي مسنداً ومسنداً إِلَيْهِ، خلافاً للفعل فلا يكون إلا مسنداً، وأما الحرف فلا يكون مسنداً ولا مسنداً إِلَيْهِ.
ومثال ذلك: (زَيْدٌ قَائِمٌ) ؛ وفيه أُسْنِدَ القيام لزيد، فكان (زيد) مسنداً إِلَيْهِ القيام، وكانت كلمة: (قائم) مسنداً؛ حَيْثُ أُسْنِدت لـ (زيد) ، وكلمة: (قائمٌ) اسم، بدلالة التنوين فيها، والتنوين - كما سيأتي إن شاء الله - من خواص الاسم وعلاماته.
فبان بالمثال السابق أن الاسم يأتي مُسْنَداً ومُسْنَداً إِلَيْهِ.
الثاني: في معناه لغة إِذْ هو: ما دَلَّ على مُسَمّى، واخْتُلِفَ في اشتقاقه هو مِن (السُّمُوّ) وهو: العلو، أم من (الوَسْم) وهو: العلامة؟؟ قولان: والصحيح: الأول، وعليه الأكثر.
ولا شك أن الاسم يعلو الْمُسَمَّى، ويعلو الفعل والحرف على ما سبق (أَيْ: من كونه مسنداً ومسنداً إِلَيْهِ) . الثالث: في معناه اصطلاحاً حَيْثُ يُعَرَّف بأنه: ما دَلَّ على معنى في نفسه ولم يقترن بزمان.

و (في) في التعريف للسَّبَبِيَّة، أَيْ: دَلَّتْ عَلَى معنى بسبب نفسه لا بغيره.
والمراد بالزمان في: (ولم يقترن بزمان) المعَبَّر عنه بـ (الماضي، والحال، والاستقبال) . الرابع: في أقسام الاسم حَيْثُ يقسم إِلى أقسام ثلاثة: الأول: الاسم المظهر، كـ (زيد) ، و (عمرو) ونحوهما.
ويضبط بأنه ما دَلَّ على مُسَمَّاهُ بلا قَيْد (أَيْ: من القيود الآتي ذكرها) . الثاني: الاسم المضمر، كـ (أنا، وأنت، وهو) ويضبط بأنه: ما دَلَّ على مُسَمَّاهُ بقَيْد (التكَلُّم، أَوْ الخطاب، أَوْ الغيبة) . وقَيْد التكَلُّم مثاله: أنا، فهو يدل على الْمُتَكَلِّم.
وقَيْد الخطاب مثاله: أنت، فهو يدل على مُخاطَب.
وقَيْد الغَيْبة مثاله: هو، فهو يدل على غائب.
وجميع هذه الأسماء بقيودها ضمائر؛ ولذا سُمِّيَت بـ (الأسماء الْمُضْمَرة) . الثالث: الاسم الْمُبْهَم؛ كـ (هذا والذي) ، ويُضبط بأنه ما دَلَّ على مُسَمَّاهُ بقَيْد: (الإشارة أَوْ الصِّلة) . وقَيْد الإشارة مثاله: هذا، فهو اسم إشارة.
وقَيْد الصلة مثاله: الذي، فهو اسم موصول.
واسم الإشارة والصِّلة كلاهما يدل علي مُبْهَم.
ولذا سُمِّيَا بـ (الأسماء الْمُبْهَمة) . وذهب جماعة من النحاة إِلى أن الاسم الْمُبْهَم من المضمر، ومِنْ ثَمَّ جعلوا الاسم قسمين: مُظْهر، ومُضْمر.
الرابع: قوله: (وفعل) يتعلق به أشياء أربعة: الأول: ثنى الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بالفعل، لكونه يتوسط الاسم والحرف مرتبة، وسبق تقرير ذلك.
و (الواو) في: (والفعل) عاطفة.
الثاني: في معناه لغة حَيْثُ إِنه يدل على إحداث شيء من عملٍ وغيره، تقول: فعلتُ كذا؛ إِذَا أحدثتَهُ.
الثالث: في معناه اصطلاحاً حَيْثُ إِنه: ما دَلَّ على معنى في نفسه واقترن بزمان.
و (في) في قولنا (معنى في نفسه) ؛ للسَّبَبِيَّة، أَيْ دَلَّتْ عَلَى معنى بسبب نفسه، لا بانضمام غيره إِلَيْهِ.

الرابع: في أقسامه حَيْثُ يقسَّم إِلى: فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر.
وسيأتي الكلام عنها - إن شاء الله -؛ حَيْثُ عقد الْمُصَنِّف - يرحمه الله -لها فصلاً.
الخامس: قوله: (وحرف جاء لمعنى) يتعلق به أشياء: الأول: أَخَّرَ الْمُصَنِّف - يرحمه الله -ذِكْر الحرف، لكون مرتبته متأخرة عن الاسم والفعل، وسبق تقرير ذلك.
و (الواو) في (وحرف) عاطفة.
الثاني:في معناه لغة حَيْثُ يدل على طرف الشيء وجانبه، تقول: سرت على حرف الوادي، أَيْ: على طرف الوادي وجانبه.
وللحرف معانٍ أُخَر.
الثالث: في معناه اصطلاحاً حَيْثُ إِنه: ما دَلَّ على معنى مع غيره ولم يقترن بزمان.
وقولنا: (مع غيره) يدل على أن الحرف لا يدل على معنى في نفسه كالاسم والفعل، بل يأخذ معنى عند انضمامه إِلى اسم أَوْ فعل.
الرابع: في معنى قوله: (جاء لمعنى) ؛ حَيْثُ إِنه قَيْد للحرف الذي هو ثالث أقسام الكلام من جهة التركيب، إِذْ إِنَّ الحروف نوعان.
أحدهما: حروف مباني؛ وهي التي تَنْبَنِي منها الكلمة كحرف: الزاي والياء والدال، التي تَنْبَنِي منها كلمة: زيد، ويُسَمِّيها بعضهم بحروف التَّهَجِّي.
الثاني: حروف معاني؛ وهي التي لها معنى مع غيرها كـ (حروف الجر، والجزم، وهل، وبل) وهي التي عناها الْمُصَنِّف - يرحمه الله - بقوله: (وحرف جاء لمعنى) ، و (جاء) فعل ماض، و (لمعنى) اللام حرف جر، و (معنى) اسم مجرور.
الخامس: في أقسامه مع الاسم والفعل حَيْثُ يُقَسَّم إِلى أقسام ثلاثة: الأول: ما يَدْخل على الأسماء والأفعال، كـ (هل) . الثاني: ما لا يَدْخل إلا على الأسماء، كـ (حروف الجر) . الثالث: ما لا يَدْخل إلا على الأفعال، كـ (حروف الجزم) . تمرين على ما شرح قال الإمام ابن قتيبة - رحمه الله - في مُقدِّمة [أدب الكاتب] :

‘‘ ونحنُ نستحِبُّ لمن قَبِلَ عنا، وائْتَمَّ بِكُتُبِنا: أنْ يُؤَدِّبَ نفْسَهُ قَبْلَ أنْ يؤَدِّبَ لسَانَه، ويُهذِّبَ أخْلاقَهُ قبْلَ أنْ يُهَذِّبَ ألْفاظَهُ، ويَصُون مروءته عن دَنَاءة الغيبة، وصناعته عن شَيْن الكذب، ويُجَانب - قبل مجانبته اللَّحْن، وخَطَل القول - شنيع الكلام، ورَفَثَ المزح ’’.
ففي هذه الْجُمَل أسماء وأفعال وحروف.
فمن الأسماء (نحن، كتب، نفس، لسان) . ………………………………… ………………………………… ………………………………… ………………………………… …………………………………………………………………… ……………………………………………………………………

يقول الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (والاسم يُعرف …… الخ) هذا شروع من الْمُصَنِّف - رحمه الله - في بيان علامات أقسام الكلام؛ للتمييز بين كل قسم وأخيه.
وقد ذهب بعض الشراح إلى أن الأَوْلى للمصنف - رحمه الله - أن يذكر حقيقة كل قسم وتعريفه قبل أن يذكر علاماته.
وأجيب: بأن ذكر العلامات أسهل على المبتدئ في التمييز بين أنواع الكلام وأقسامه، خلافاً لتعريف كل قسم وذكر حقيقته فقد ينبهم على المبتدئ.
وقد ابتدأ الْمُصَنِّف - رحمه الله - بذكر علامات الاسم لمعنى سبق - وهو تقدم الاسم على الفعل والحرف لكونه مسنداً ومسنداً إليه -. قوله: (فالاسم) يعني الذي هو أحد أقسام الكلام؛ إِذْ إِنَّ القاعدة اللُّغَوية البلاغية تقول: إن الكلمة إذا كانت معرفة أو نكرةً ثُمَّ أُعيدت معرفة فهي ذات الأولى.
يقول السيوطي في [عقود الْجُمَان] : إِذَا أتَتْ نكرةٌ مُكرَّرةْ توافَقا كذا الْمُعَرَّفانِ.
ثُمَّ مِنَ القواعد المشْتهرةْ تَغايَرتْ وإنْ يُعَرَّف ثانِ.

وقد ذكر الْمُصَنِّف - رحمه الله - بعضاً من علامات الاسم.
أولها: (قوله بالخفض) هو لغة: السُّفْل، تقول: (نزلت في مكان منخفض) أي في سُفْل ونزول.
أما في الاصطلاح: فهو تأثر الاسم بكونه مجروراً إما بحرف جر أو بالإضافة أو التبعية.

كل ذلك مجتمع في البسملة (ببسم) حَيْثُ إِن (بسم الله) كلمة (اسم) : مخفوضة بدخول حرف الجر عليها وهو الباء، وكلمة لفظ الجلالة (الله) : مخفوضة على الإضافة؛ إِذْ إِنَّ (اسم) مضاف ولفظ الجلالة (الله) مضاف إليه.
وكلمتي (الرحمن الرحيم) : مخفوضتان على التبعية، لأنهما يتبعان حكم ما قبلهما على خلاف بين اللُّغَويين.
فمنهم من يقول هما يدلان على لفظ الجلالة (الله) وهو الأصح، وهو اختيار السُّهيلي - رحمه الله -. ومنهم من يقول: هما وصفان للفظ الجلالة (الله) ، وذهب إليه الأكثر، وهو اختيار الزمخشري.
وليُعْلم أن المراد من هذه العلامة - وهي الخفض - لَيْسَ مجرد تقدُّم حرف الجر على الكلمة؛ إِذْ إِنَّ حرف الجر قد يدخل على بعض الكلمات غير الاسمية.
كقولك ‘‘ مِن أن ’’ في جملة ‘‘ مِن أن أعرف صاحباً وفياً ’’؛ إِذْ إِنَّ ‘‘ مِن ’’ هنا دخلت على غير اسم، وإنما المقصود هو تأثر الكلمة بالخفض والجر.
فائدة وليُعْلم أن لغة أهل الكوفة أنهم يعبِّرون عن ذلك بالخفض، خلافاً لأهل البصرة فهم يعبِّرون عن ذلك بالجر.
وقد ذكر الْمُصَنِّف - رَحِمَهُ الله - أحرف الخفض والجر، وذكر منها حروف القَسَم أَيْضاً، وهي داخلة في هذه العلامة التي هي الخفض؛ لأن حروف الجر أحد العوامل الثلاثة التي يتم بها الخفض على ما سبق.
وثانيها: هو ما عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف - رحمه الله - بـ (التنوين) وهو لغة: التصويت، تقول: نَوَّنَ الطائر.
إذا أحدث صوتاً.
وأما في الاصطلاح: نون ساكنة زائدة تلحق آخر الأسماء لفظاً لا خطاً، يُستعاض عنها في الكتابة بضمتين أو فتحتين أو كسرتين.
ككلمة (مُحَمَّد) في جملة: (جاء مُحَمَّدٌ، رأيت مُحَمَّداً، مررت بمُحَمَّدٍ) فقد لحقها التنوين في محالها الثلاث.
وليُعْلم أن التنوين أنواع: الأول: هو ما يُسَمَّى بتنوين التنكير:

وهو الذي يلحق آخر بعض الأسماء المبنية كـ (سيبويه) ، فإنه إذا لحقها وجب تنكيرها وعدم خصوصيتها لشخص مُعَيَّنٍ.
فكلمة (سيبويه) تطلق على رجل نحوي معروف عند اللُّغَويين وغيرهم، أما إذا قلت (سيبويهٍ) بالتنوين في آخره، فإنه لا يُقْصَدُ به ذاك الرجل بل كل من كان عارفاً بالنحو، ولذا سُمِّيَ بـ (تنوين التنكير) . والثاني: تنوين العوض: وهو إما أن يكون عوضاً عن جملةٍ، أو كلمةٍ، أو حرفٍ.
كـ (قاضٍ) هو عوض عن حرف الياء، إذ أصلها (قاضي) فحذفت الياء، واستُعِيض عنها بالتنوين لذا سُمِّيَت بـ (تنوين عوض) . والثالث: تنوين المقابلة: وهو الذي يلحق آخر الجمع المزيد بألف وتاء، الْمُسَمَّى عند بعض النحويين بـ (جمع المؤنث السالم) ، إِذْ إِنَّه في مقابل النون المثبتة في جمع المذكر السالم.
ومثاله: (مؤمناتٍ) فالتنوين الذي لحقها في مقابلة النون المثبتة في كلمة (مؤمنين) . وثالثها: هو ما عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف - رَحِمَهُ الله - بقوله: (ودخول الألف واللام) وهو يعني (ال) المعرِّفة، كقولك (الكتاب) فكلمة (كتاب) اسم لدخول (ال) عليها.
وليُعْلم أن قول الْمُصَنِّف (دخول الألف واللام) منتقدة؛ لأن القاعدة في ذلك: هي أن الكلمة إذا كانت مُكَوَّنَة من حرف واحد نُطق باسمها لا مُسَمَّاها، كحرف العين والصاد وغيرهما؛ فأصله حرف واحد، ولكن نُطق باسمه فقيل (عين وصاد) ، خلافاً للكلمة المُكَوَّنَة من أكثر من حرف، فإنه يُنطق بمُسَمَّاها لا باسمها، كنحو: (ال) فهي مُكَوَّنَة من حرفين، فلا يُقَال (الألف واللام) . وقد أثبت هذه القاعدة غير واحد من أئمة اللُّغَة، ومنهم ابن هشام - رحمه الله - في كتابه [مغني اللبيب] ، ولكن قد يُعتذر للمصنف - رحمه الله - بأن الْمُعرِّف لكلمة (ال) مختلف فيه.
فجمهور اللُّغَويين على أن الْمُعرِّف هي اللام، والهمزة زائدة.
وذهب المبرِّد إلى أن الهمزة هي الْمُعَرِّف فحسب.

وذهب الخليل وسيبويه إلى أن الْمُعَرِّف الهمزة واللام، غير أن الأول جعل الهمزة همزة قطع خُفِّفَتْ.
والثاني جعلها همزة وصل؛ ومِنْ ثَمَّ تحاشى الْمُصَنِّف - رحمه الله - أن يقول (ال) للخلاف المذكور.
واستحسن بعض اللُّغَويين أن يُعبِّر عن ذلك بـ (أداة التعريف) ليشمل الخلاف، وبعض اللهجات العربية كلهجة حمير؛ إِذْ إِنَّ أداة التعريف عندهم (أم) حَيْثُ يجعلون الميم عندهم مَحَلّ اللام.
تنبيه ما كل (ال) مُعَرِّفة؛ إِذْ إِنَّ (ال) الموصولية التي بمعنى (الذي) لَيْسَتْ علامة على الاسم، كنحو قول الفرزدق: (ما أنتَ بالْحَكَمِ التُرضَى حُكُومَتُهُ) أي: التي ترضى، وتُرضى فعل.
ومن العلامات التي أغفلها الْمُصَنِّف وهي أهمها (الإسناد إليه) أي تُسند للاسم فعلاً أو اسماً، كقولك: (جاء مُحَمَّدٌ، مُحَمَّدٌ قائمٌ) . ففي المثال الأول: أسند المجيء إلى مُحَمَّدٍ، وفي المثال الثاني: أسند القيام إلى مُحَمَّدٍ.
فدل على اسميته (محمد) ؛ ولذلك قطع اللُّغَويون باسمية تاء الفاعل، في نحو قولك (قلت) لأنه أُسند إليها معنى وهو القول هنا.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (والفعل يُعرف …… الخ) ذكر - رحمه الله - علاماتٍ للفعل يعرف بها: أولها: قوله: (قد) وهو يعني الحرفية، وهي تدخل على الفعل الماضي، وعلى الفعل المضارع.
فمع الماضي تفيد أحد معنيين: الأول: التحقيق، كقوله تعالى ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ أي تحقق فلاحهم.
والثاني: التقريب، كقول المؤذن: (قد قامت الصلاة) أي اقترب قيامها.
وإذا دخلت على المضارع تفيد أحد المعنيين: الأول: التكثير، نحو قولك (قد ينجح المجتهد) أي يكثر نجاحه.
والثاني: التقليل: نحو قولك (قد ينجح الكسول) أي يقل نجاحه.
وقد انتُقد على الْمُصَنِّف - رحمه الله - جعله (قد) من علامات الفعل؛ لأن (قد) عند اللُّغَويين نوعان: الأول: (قد) الحرفية وسبقت.

الثاني: (قد) الاسمية وهي بمعنى (حَسْب) ويمثل لها بـ (قد زيد درهم) أي: حسب زيد درهم.
فهي تدخل على الأسماء ولَيْسَتْ علامة على الأفعال.
وثانيها: قوله (السين وسوف) وهي تدخل على الفعل المضارع فحسب، ويسميان بـ (حرفي تنفيس) أي توسيع، ولذلك أنهما إذا دخلا على المضارع وسعا نفسه من الحاضر إلى المستقبل.
فقولك (يأكل الغلام رغيفاً) أي في الوقت الحاضر الذي هو زمن التكَلُّم، فإذا أُدخِل على هذه الجملة (السين أو سوف) مَحَّضا زمن المضارع للاستقبال.
فقولك (سوف يأكل الغلام رغيفاً) ، أو (سيأكل الغلام رغيفاً) أي: في المستقبل.
فائدة: ذهب جمهور اللُّغَويين من أهل البصرة وغيرهم إلى أن (سوف) أوسع تنفيساً من السين، وحجتهم في ذلك أن زيادة المبنى تورث زيادة المعنى، فمبنى كلمة (سوف) أكثر حروفاً من مبنى كلمة (حرف السين) - يعني حرف (س) -. وخُولِفُوا في ذلك إِذْ إِنَّ هذه القاعدة غير مطَّردة؛ قاله ابن هشام - رحمه الله - في [المغني] . وثالثها: قوله: (تاء التأنيث الساكنة) وهي التي تأتي في نحو قوله تعالى: ﴿قالتِ اخرج عليهن﴾ ، وهي قد تتحرك لالتقاء الساكنين: إما إلى الكسر، كالآية السابقة ﴿قالتِ اخرج عليهن﴾ أو إلى فتح، كقوله - عز وجل - ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ . أو إلى ضم، كقراءة ﴿قالتُ اخرج عليهن﴾ .

وهذه العلامة خاصة بالفعل الماضي، ومِنْ ثَمَّ يتبين أن الْمُصَنِّف - رحمه الله - ذكر علامة تختص بالفعل المضارع وهي - (السين وسوف) - وأخرى تختص بالفعل الماضي - وهي (تاء التأنيث الساكنة) -، وثالثة تدخل على النوعين المضارع والماضي - وهي (قد الحرفية) - وأهمل - رحمه الله - الفعل الأمر فلم يذكر له علامة، لأنه ذو مذهب كوفي، والأفعال عندهم مضارع وماضي فحسب، ويجعلون الأمر فرعاً من المضارع، ولذلك يُبنى على ما يُجزم به مضارعه.
ويأتي طرفٌ للكلام عن هذه المسألة - إن شاء الله -. ومن علامات فعل الأمر قبوله (ياء المخاطبة) نحو قولك: (قومي) . قال الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (والحرف …الخ) . أي: أن علامة الحرف علامة عدمية، فإذا انعدمت علامات الاسم وعلامات الفعل فهو حرف، وقد درج اللُّغَويون على ذلك - أي وضع علامة عدمية للحرف -. قوله: (لا دليل الاسم ولا دليل الفعل) الدليل: هو العلامة.
أي لا علامة الاسم ولا علامة الفعل.

باب الإعراب يقول الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (باب الإعراب) الإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً.
قوله (باب الإعراب) أي هذا باب الإعراب، وإنما قدرت كلمة (هذا) في صدر الجملة لمعنيين ذكرهما غير واحد من أئمة اللُّغَة: الأول: أن الأئمة في اللُّغَة وغيرها كانوا إذا صرحوا بالْمُقَدَّر في نحو هذه الجملة ذكروا كلمة (هذا) . الثاني: أن تقدير كلمة (هذا) أصلح من غيرها ففيها معنى الْمُشار والْمُشار إليه.
واعتُرض بأنه يجب ألا يُشار إلا بِمُشارٍ موجود عند الإشارة.
وأُجيب بأجوبة منها: الأول: أن الْمُشار إليه موجود في الذهن عند الإشارة.
الثاني:

أنه يسوغ الإشارة إلى غير الْمُشار إذا كان قريب الوقوع كنحو قوله تعالى ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ وهو لم يأت حقيقة وإنما قرب مجيئه بدلالة قوله ﴿فلا تستعجلوه﴾ قاله غير واحد من أهل التفسير والتأويل.
قوله: (باب) هو في اللُّغَة: المدخل إلى الشيء.
وأصل استعماله في الحسيات كباب الدار ونحوها إلا أنه هنا مقيس على المحسوس؛ بجامع كونه مدخلاً إلى شيء.
وفي الاصطلاح: هو اسم لجملة من العلوم فيُقَال (باب الإعراب، وباب المبتدأ والخبر، وباب المفعول به) وهلمَّ جراً من العلوم المذكورة لقبها.
قوله: (الإعراب) : فيه مقاصد: أولها: أنه في اللُّغَة: له معان عدة أوصلها السيوطي - رحمه الله - في (همع الهوامع) إلى عشرة معان غير أن المناسب منها هنا: التغيير.
كنحو قولك (أعرب الله معدة البعير) إذا غيَّرها قاله سيبويه وغيره.
ثانيها: أنه في الاصطلاح هو: تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً كما قاله الْمُصَنِّف - رحمه الله -. وهذا هو الذي عليه جماعات من اللُّغَويين وهو ما يُسَمَّى الإعراب المعنوي وهو يتعلق بأواخر الكلم لا بأوائلها ولا أواسطها؛ لأن من أقسام الإعراب: الجزم وحقيقته السكون، والعرب لا تبدأ بساكن البتة، وكذلك لو قيل بان محله الوسط - أي وسط الكلمة - لكان السكون مضاعفاً وكذلك الحركة؛ لأن الوسط لا يخلو منهما فيكون الوسط حينئذ مشتغل بسكون وسكون أو بحركة وحركة وهذا منتفي عند أرباب اللُّغَة وأئمتها.
ثالثها: قوله (لاختلاف العوامل الداخلة عليه) اللام في قوله (لاختلاف) تعليلية وقيل سببية أي أن سبب وعِلَّة تغيير أواخر الكلم هو اختلاف العوامل الداخلة عليها.

والعوامل جمع عامل، وهو فاعل الحركة ومسببها أي فاعل التسكين ومسببه كـ (إن مُحَمَّداً مجتهدٌ) ، فإن المبتدأ وهو مُحَمَّدٌ قد نُصِب هنا بحرف (إن الناصبة) . وكقولك: (ضرب زَيْدٌ عَمْراً) فإن الفاعل عمل في المفعول به النصْب وهكذا في أواخر الكلم تختلف باختلاف العوامل الداخلة عليها.
فكلمة (محمد) قد تكون مرفوعة أو منصوبة أو مخفوضة لاختلاف العوامل في نحو قولك: (جاء محمدٌ، رأيت مُحَمَّداً، مررت بمُحَمَّدٍٍ) . رابعها: قوله: (لفظاً أو تقديراً) لفظاً: أي أنه ملفوظ باللسان أي تلك الحركة بحيث تُسمع نحو قولك (جاء مُحَمَّدٌٌ) ونحوه فإن إعرابه ملفوظ غير مُقَدَّر.
وأما الْمُقَدَّر: وأما الْمُقَدَّر فهو عدم ظهور الحركة في اللسان بحيث تكون مسموعة، كنحو قولك: (جاء موسى) فكلمة (موسى) مرفوعة بالضمة الْمُقَدَّرَة على آخره.
وليُعْلم أن جميع المعربات ظاهرة الحركة سوى ما يلي: أولها: ما لحقته الألف المقصورة من الأسماء أو الأفعال فإن الحركة لا تظهر لمانع التعذر أي يتعذر النطق بالحركة.
فمثال الأسماء: موسى، عيسى، وغيرهما.
ومثال الأفعال: يخشى، يلقى، وغيرهما.
وهذا النوع تُقَدَّر معه جميع الحركات وهي: ﴿الضمة، الكسرة، الفتحة مع الاسم﴾ ، ﴿والضمة والفتحة مع الفعل﴾ . ثانيها: الاسم المنقوص مثل: القاضي، الداعي وغيرهما من الأسماء، أو ما كان آخره ياءً أو واواً من الأفعال مثل: يدعو، يقضي وغيرهما من الأفعال.
فتُقَدَّر عليها جميع الحركات سوى الفتحة في حالة النصْب فإنها تظهر.
ومانع ظهور الضمة والكسرة هو الثقل أي تقيل على اللسان النطق بها.
ثالثها:

ما لحقته ياء الْمُتَكَلِّم.
كقولك: (جاء غلامي) . فكلمة (غلامي) مُكَوَّنَة من شيئين: الأول: اسم (غلام) . والثاني (حرف الياء) وهذه الياء تُسَمَّى بياء الْمُتَكَلِّم، لأنها ترجع على الْمُتَكَلِّم فهذه تُقَدَّر معها جميع الحركات لمانع اشتغال المحل بالحركة المناسبة.
فقولك: (جاء غلامي، رأيت غلامي، مررت بغلامي) . الأولي: مرفوعة بالضمة الْمُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف والياء مضاف إليه.
والثانية: منصوبة بالفتحة الْمُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف والياء مضاف إليه.
والثالثة: مخفوضة بالكسرة الْمُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف والياء مضاف إليه.
خامسها: - أعني من المقاصد - الإعراب لا يدخل صنفين من الكلام: الأول: جميع الأفعال سوى الفعل المضارع الذي لم تلحقه نون التوكيد - يُبنى على الفتح - أو نون النسوة (نون الإناث) - يُبنى على السكون.
الثاني: الحروف فكلها مبنية.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (وأقسامه أربعة … وجزم) فيه مقاصد أولها: قوله: (وأقسامه) يعني الإعراب وإنما قيل أربعة نتيجة الحَصْر الاستقرائي التام فهي لا تخرج عنها البتة.
ثانيها:: قوله: (رَفْع) هو ضد الخفض لغةً أو هو العلو.
ثالثها: قوله: (نَصْب) النصْب في اللُّغَة له معان منها: شخوص الشيء ووضوحه.
تقول هذا منصوب أي شاخص.
رابعها: قوله: (وخفض) والخفض هو ضد العلو والارتفاع أو هو السُّفْل.
خامسها: قوله: (وجزم) الجزم هو القطع، تقول جزمت الشجرة إذا قطعتها.
قوله: (فللأسماء …… ولا خفض فيها) حاصله أن الاسم لا يُجرم لأن الجزم ثقيل والاسم خفيف فناسب كون الاسم غير مجزوم.

وكذلك الفعل لا خفض فيه لأن الفعل ثقيل حَيْثُ إِنه يدل على الحدث والزمن خلافاً للاسم فيه خفة للألسنة على معنى متجرداً عن الزمن فلم يناسب كون الفعل مخفوضاً.
قاعدة: إذا لحق الضمير الاسم فيكون مضافاً إليه، وإذا لحق الفعل فيكون فاعلاً أو مفعولاً به.
فليُعلم أن ضد الإعراب البناء ومعناه: هو لزوم آخر الكلمة حركة لا تتغير باختلاف العوامل الداخلة عليها وهو يكون في الأسماء والأفعال والحروف.
فالأصل في الأفعال: البناء، والأصل في الأسماء: الإعراب، وأمَّا الحروف فمبنيةٌ كلها.
فلا يُعرب من الأفعال سوى المضارع إذا لم تلحق آخره نون التوكيد أو نون النسوة ومثاله: يأكلُ، ويخرجُ ونحوهما.
فإنها تُرفع بالضمة وتُنصب بالفتحة وتُجزم بالسكون.
ولا يُبنى من الأسماء سوى ما أشبه الحرف وفي شبهه من الحرف أوجه تأتي إن شاء الله في المطولات.
ومنها: الشبه اللفظي أو الوضعي وهو أن يشبه الاسم الحرف في لفظه أو وضعه كأن يكون مكوناً من حرف أو حرفين؛ إذ هذا هو أصل تكوين الحروف.
ومثاله: (كم) الاستفهامية.
فهي من أسماء الاستفهام وهي مبنيةٌ اتفاقاً وسبب بنائها: هو الشبه الوضعي بحرف لم، وهل ونحوهما؛ إذ الجميع مكونٌ من حرفين.
وأما الحروف فجميعها مبنية اتفاقاً كحروف الجر والجزم وغيرهما.
وأما علامات البناء فقد تكون الفتح أو الكسر أو الضم أو السكون.
فمثال الفتح: الكاف في قولك (أولئكَ) . ومثال الكسر: الهمزة الأخيرة في قولك (أولاءِ) . ومثال الضم: حيثُ.
ومثال السكون ـ التسكين ـ: لم وكم وغيرهما.
غير أن الصحيح من أقوال أهل اللُّغَة أن الأصل في البناء: التسكين.
فائدة: لم يذكر الْمُصَنِّف - رحمه الله - البناء في مقدمته هذه لأنه قصد ذكر الإعراب وأبوابه ومسائله والبناء ضده.

باب معرفة علامات الإعراب هاهنا أمران: أولهما:

حاصل ما ذكره المصنف - يرحمه الله - في هذا الفصل المتعلِّق بعلامات الإعراب؛ لخصه في الفصل الذي يليه، وذكر تقسيماً نافعاً للمبتدئ؛ لذا سنكتفي بشرح الفصل التالي لهذا الفصل عن هذا الفصل؛ لأن المحتوى واحد.
والثاني: في ذِكْرِ المصنف لعلامات الإعراب، ثم تلخيصها في فصلٍ ثانٍ لها دلالةٌ على تنويع طرائق التعليم لإيصال المراد، وذلك لأهمية علامات الإعراب خصوصاً وأن المصنف - يرحمه الله - لم يذكر البناء.

(فصل: المعربات قسمان)

قال الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (المعربات قسمان … وقسمٌ يعرب بالحروف) هذا الفصل لخص فيه الْمُصَنِّف - رحمه الله - ما تقدمه من أبواب ومسائل تتعلق بالمعربات، وقدم الحركات على الحروف؛ لأنها الأصل والحروف تنوب عنها.
قال: (فالذي يعربُ بالحركات … والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء) . وحاصله: أن الإعراب بالحركات يدخل على ثلاثة أمور: الأول ... : المفرد من الأسماء.
الثاني ... : الجمع من الأسماء.
الثالث ... : الفعل المضارع.
فأما الاسم المفرد فله ثلاث صور: الأولى: هو أن يُشبه الحرف فيكون مبنياً لا معرباً وقد سبقت الإشارة إليه.
الثانية: أن يُشبه الفعل فيكون ممنوعاً من الصرف، والممنوع من الصرف له حكمان: الأول ... : أن يمنع من التنوين.
الثاني ... : ألا يخفض بالكسرة.
الثالثة: ألا يشبه الحرف ولا الفعل فيكون متمكناً في باب الاسمية حَيْثُ يُعرب في حالة الرفع بالضمة وفي حالة النصْب بالفتحة وفي حالة الخفض بالكسرة.
وأما الجمع من الأسماء فضربان: الأول: ما يُسَمَّى بجمع التكسير

وهو ما تكسر فيه بناء مفرده عند الجمع.
مثاله: رجال، كتب.
إذ مفرد الأول: رجل، ومفرد الثاني: كتاب.
فتغيرا عند الجمع بزيادة في الثاني ونقص في الثاني.
والتكسر في بناء المفرد عند جمعه إمَّا أن يكون بزيادة، وإمَّا أن يكون بنُقْصان، وإمَّا أن يكون بتغير الحركة كـ أَسَد (أُسد.
وهذا النوع من الجمع يكون مرفوعاً بالضمة ومنصوباً بالفتحة ومخفوضاً بالكسرة.
الثاني: جمع المؤنث السالم: وهو ما سلم فيه بناء مفرده عند الجمع كـ (زينبات، حبليات) إذ الأول جمع: زينب، والثاني جمع: حبلى.
غير أن بعض اللُّغَويين ذهبوا إلى تسمية هذا النوع من الجمع بالجمع المزيد بألف وتاء لوجود التكسر في بعض مفرداته عند الجمع كما في المثال السابق ‘‘الثاني’’ وهو (حبليات) حَيْثُ قلبت الألف المقصورة ياء عند الجمع.
وهذا الجمع يُعرب بالضمة عند الرفع، وبالكسرة عند النصْب والخفض.
مثال النصْب: قولك (قرأت آياتٍ من كتاب الله) ؛ إذ كلمة آيات جمع مزيد بالألف والتاء منصوبة بالكسرة الظاهرة على آخرها لأنها جمع مزيد بالألف والتاء.
ومثال الخفض: قولك: (سمعتُ خمس آياتٍ من القرآن) فكلمة آيات مخفوضة بالكسرة الظاهرة على آخرها؛ لأنها مضاف إليه.
وأما الأفعال: فلَيْسَتْ معربة إلا الفعل المضارع إذا لم يلحق آخره شيءٌ، وذلك إذا خلا من نون النسوة أو نون التوكيد أو أن يكون من الأمثلة السِّتة.
وهو مقصود الْمُصَنِّف في قوله: (والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء) ومثاله (يضربُ) : حَيْثُ إِنها لخالية من نون التوكيد، ومن نون الإناث ولَيْسَتْ على نسق الأمثلة السِّتة فتُعرب في حالة الرفع بالضمة وفي حالة النصْب بالفتحة وفي حالة الجزم بالسكون.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله - (وكلها تُرفع بالضمة … وتجزم بالسكون)

قوله (وكلها) : يعني مجموعها لا جميعها؛ إِذْ إِنَّ الأفعال لا تُخفض والأسماء لا تُجزم.
ولها استثناءات على ما ذكره الْمُصَنِّف بعد قوله (وخرج عن ذلك ثلاثة أشياء …… الخ.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله - (ويستثنى من ذلك الاسم الذي لا ينصرف) …… وذلك أن الاسم غير المنصرف هو الاسم الذي لا يُنَوَّن وسُمِّيَ بالاسم المتمكن غير الأمكن؛ إذا الاسم المعرب نوعان: الأول: متمكن أمكن وهو المنصرف.
الثاني: متمكن غير أمكن وهو غير المنصرف.
وإنما يمنع الاسم غير المنصرف من الصرف لأحد أمرين: الأول: عِلَّة تقوم مقام علتين وهي نوعان: الأول: ما كان آخره ألف مقصورة أو ألف ممدودة.
ومثال المقصورة: حبلى، ومثال الممدودة: صحراء.
الثاني: أن يكون على وزن مفاعل ومفاعيل كـ (مساجد، ومفاتيح) . الثاني: هو ما اجتمعت فيه علتان: عِلَّة تتعلق باللفظ وأخرى تتعلق بالمعنى، فالمتعلقة بالمعنى شيئان: الأول: العَلَمية.
الثاني: الوصفية.
وينضم إليها عللٌ لفظية.
فأما الوصفية فيقترن بها ثلاث عللٌ لفظية: الأولى: وزن الفعل، والمعنى أن يأتي الوصف على وزن الفعل أمر أو مضارع أو ماضي، كـ أحمر، أفضل ونحوهما.
الثانية: زيادة الألف والنون في نحو: شبعان، غضبان ونحوهما.
الثالثة: العدل ومعناه: أن يكون الوصف قد عُدِل به عن لفظ الأصل وهو نوعان: الأول: ما كان على وزن مفعل وفعال وهي العشر الأول من الأعداد كـ موحد، مثنى، ثلاث، رباع.
فهذه كلها معدول بها عن تكرار نفس العدد.
الثاني: أُخَر، فإنها معدول بها من آخِر على قول.
وأما العَلَمية فتأتي معها عللٌ لفظية: الأولى: العدل وسبق معناه.
مثاله: عُمر فهو عدل به عن عامر.
الثانية: زيادة الألف والنون كـ عفان، عثمان، ونحوهما.
الثالثة: أن يكون على وزن الفعل الماضي أو المضارع أو الأمر كـ أحمد وغيره.
الرابعة: أن يكون أعجمياً وله شرطان:

الأول: أن يُسَمَّى به في لغة العجم.
الثاني: أن يكون أربعة حروف فما فوق.
الخامسة: أن يكون مركباً تركيباً مزجياً كـ (بعلبك) ، إذ بعل: كلمة، وبكّاً: أخرى، فمُزِج بينهما فأصبحا كلمة واحدة.
وليُعْلم أن الممنوع من الصرف له حكمان: الأول: ألا ينون.
الثاني: أن يكون خفضه بالفتحة نيابة عن الكسرة - وقد سبق ذلك - فإذا دخلت عليه (ال) أو (الإضافة) فإنه يُخفض بالكسرة لا بالفتحة مثاله (دخلت على أفضل الناس خلقاً) . قال الْمُصَنِّف - رحمه الله - (والفعل المضارع المعتل الآخر يُجزم ……) حروف العِلَّة ثلاثة: الواو، الياء، الألف.
فإذا لحقت الفعل المضارع كان جزمه بحذف حرف العِلَّة.
مثاله: لم يخشَ، لم يقضِ، لم يدعُ.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله - (والذي يعرب بالحروف ……) إنما أخر الْمُصَنِّف - رحمه الله - ذكر المعربات بالحروف لأنها بدلٌ عن المعربات بالحركات والبدل يأتي بعد الْمُبْدَل.
وأول ذلك: الأسماء الخمسة: وهي (أبوك، أخوك، حموك، ذو مال، فوك) وهي تُعرب بالواو رَفْعاً وبالألف نصْباً وبالياء جراً.
إذا توفرت فيها الشروط التالية.
الأول: أن تكون مُكَبَّرة فإذا صُغِّرت أُعرِبت بالحركات مثل (جاء أبيُّك) . الثاني: أن تكون مضافة إلى غير ياء الْمُتَكَلِّم.
الثالث: ألا يكون جمعاً ولا مثنى (يكون مفرداً) . الرابع: أن يكون (فوك) غير ملحق به الميم.
الخامس: أن تكون ذو بمعنى صاحب.
ويُزاد على الأسماء الخمسة السابقة (هنوك) وهو اسم للفرج أو كناية عنه أو لما يُستقبح - قاله ابن هشام رحمه الله - غير أن الأصح فيه أن يُعرب بالحركات ويسوغ إعرابه إعراب الأسماء الخمسة.
ثانيها: الأفعال الخمسة:

وهي: (يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين) . حَيْثُ تُعرب بثبوت النون رَفْعاً، وبحذفها نصْباً وجزماً.
وذهب بعضٌ إلى أن الأحسن أن يُقَال عنها: الأمثلة، لا الأفعال؛ لأن: يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين لَيْسَتْ مقصودةً في ذاته كالأسماء الخمسة فكانت أمثلة.
وذهب ابن هشام - رحمه الله - إلى أن يُقَال: الأمثلة السِّتة؛ لأن تفعلان تأتي مع المذكر ومع المؤنث، وارتضاه الأزهري في (التصريح) . ثالثها: جمع المذكر السالم.
وهو كل اسم سلم بناء مفرده من التكسر عند الجمع بإضافة (ياء ونون) أو (واو ونون) إليه.
مثاله: مسلم (مسلمون.
زَيْدٌ (زيدون.
ونحوهما.
فهي تعرب بالواو رَفْعاً وبالياء نصْباً وجراً.
مثل: جاء المسلمون.
المسلمون: فاعل مرفوع وعلامة رَفْعه الواو نيابةً عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم.
والنون عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
يقول الْمُصَنِّف - رحمه الله - (فأما التثنية فترفع ……) قوله (التثنية) فيه مباحث على ما يلي: الأول: قوله التثنية: ويتعلق به شيئان: أولهما: تعريفه من حَيْثُ اللُّغَة إذ المثنى لغة: العطف، تقول ثنيت العود إذا عطفته.
وقوله (التثنية) هو صفة مصدرية قصد بها: الاسم المفعول وهو المثنى.
ثانيهما: تعريفه من حَيْثُ الاصطلاح: إذ هو كل اسم دلَّ على اثنين وأغنى عن متعاطفين بزيادة على مفرده.
فهذه قيودٌ ثلاثة: الأول: ‘‘ كل اسم دَلَّ على اثنين ’’ ليخرج ما دَلَّ على مفرد أو جمع.
ويدخل في ذلك كلمة (شفع، زوج) ونحوهما.
والثاني: ‘‘ وأغنى عن متعاطفين ’’ إذ كلمة كتابان أغنى عن اسمين متعاطفين هما كتاب وكتاب.
والثالث: ‘‘ وبزيادة على مفرده ’’ ليخرج ما دَلَّ على اثنين لا بزيادة على مفرده كـ (شفع، زوج) ونحوهما.
مثال ما ينطبق عليه التعريف:

جاء المدرسان، حَيْثُ إِن كلمة المدرسان مثنى فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة، والنون فيه عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد، فهي دَلَّتْ عَلَى اثنين وأغنت عن مدرس ومدرس، وجاءت فيها زيادة على مفردها وهي زيادة الألف والنون.
وكلمة (المدرسان، المدرس) اسم لَيْسَتْ بفعل ولا حرف إذ المثنى لا يكون إلا اسماً.
الثاني: قوله: (فترفع بالألف …… بالياء) ويتعلق به أشياء: الأول: أن المثنى يُعرب بالحروف لا بالحركات، ففي حالة الرفع يكون إعرابه بالألف، وفي حالة النصْب والخفض يكون إعرابه بالياء.
فالألف نيابة عن الضمة، والياء نيابة عن الفتحة والكسرة.
مثال حالة الرفع: (حضر الطالبان إلى المدرسة) . فكلمة (الطالبان) فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنها مثنى.
ومثال النصْب: (أعطيت المجتهدَيْنِ هديةً قيمةً) . فكلمة (المجتهدَيْنِ) مفعول به منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى.
ومثال الخفض: (أتيت بكتابَيْنِ نافعين) فكلمة (كتابَيْنِ) مثنى مخفوض بالياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى وهو هنا اسم مجرور بالياء.
الثاني: أن (النون) في المثنى يؤتي بها زيادة على المفرد، وفي حالة الإعراب يُقَال أنها عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
مثال ذلك (جاء الزيدان) . فكلمة الزيدان: فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى والنون فيه عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
الثالث: أن الإعراب السابق للمثنى له شروط: أولها: أن يكون الاسم مفرداً ليُثنى، فلا يُثنى المثنى ولا الجمع.
ثانيها: أن يكون الاسم نكرة لا معرفة عند تثنيته.
ثالثها: أن يكون مُعرباً فلا يكون مبنياً.
واستثنى من ذلك (هذان، هاتان، اللذان، اللتان) . فالأول: اسم إشارة، والثاني: من الأسماء الموصولة فهي ملحقة بالمثنى وإن كانت مبنية فتأخذ حكمه.

رابعها: أن يكون للاسم ثانٍ في الوجود، وشذَّ عن ذلك الشمسان والقمران فقد ثنيا من باب التغليب أو السماع.
خامسها: أن يتفقا لفظاً كـ (زَيْدٌ وزَيْدٌ) يُقَال (الزيدان) . سادسها: أن يتفقا معنى وخرجا عن ذلك (القلم أحد اللسانين) سابعها: ألا يستغنيا بتثنية غيره عن تثنيته كـ (بعض) فإنه لا يثنى لأنه اكتفي بجزء عنه فيُقَال: جزءان ولا يُقَال (بعضان) . ثامنها: أن يكون الاسم غير مركب وليستثنى من المركبات المركب الإضافي فإن صدره يثنى.
مثال ذلك: غلاما زَيْدٍ في قولك (جاء غلاما زَيْدٍ) إذ كلمة (غلاما زَيْدٍ) تُسَمَّى بتركيب إضافي حَيْثُ أضيف الغلامان إلى زَيْدٍ، فيتأثر الجزء الأول من هذا التركيب وهو كلمة (غلاما) فيثنى وإنما لم تثبت نون الغلامين للإضافة.
الرابع: أن هناك كلمات ملحقة بالمثنى منها: (كلا، كلتا) بشرط إضافة الضمير إليهما كـ (كلاهما، كلتاهما) . مثال ذلك: (جاءت الطالبتان كلتاهما) . فكلمة (كلتاهما) مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى.
قال الْمُصَنِّف - رحمه الله -: (وأما جمع المذكر السالم ……بالياء) فيه مباحث على ما يلي: الأول: في قوله (جمع المذكر السالم) وهو اصطلاحاً: كل اسم دَلَّ على أكثر من اثنين وأغنى عن متعاطفات بزيادة على مفرده.
إِذْ إِنَّه يُخالف جمع التكسير حَيْثُ إِنه ما سلم بناء مفرده عند جمعه.
ومثاله: كلمة (المؤمن) عندما يُجمع فيُقَال (المؤمنون) . الثاني: قوله (يرفع بالواو …… بالياء) فمثال الرفع: قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ فكلمة ﴿المؤمنون﴾ فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة.
ومثال النصْب قوله - سبحانه وتعالى - ﴿إن المؤمنين والمؤمنات﴾ فكلمة ﴿المؤمنين﴾ منصوب بالياء نيابة عن الفتحة اسم إن.
ومثال الخفض (التقيت بالمؤمنين حقاً) . فكلمة (المؤمنين) مخفوضة بالياء نيابة عن الكسرة ‘‘اسم مجرور’’.
الثالث:

أن النون في جمع المذكر السالم أُتي بها عوضاً عن التنوين في الاسم المفرد ولذلك يُقَال في إعراب (جاء الصالحون) يُقَال في كلمة (الصالحون) جمع مذكر سالم مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنها فاعل والنون عوضٌ عن التنوين في الاسم المفرد.
الرابع: أن ذلك الإعراب للجمع المذكر السالم له شروط هي شروط المثنى الثمانية وينضاف إلى ذلك ما يلي: أولها: أن يكون الاسم دالاً على عاقل، فكلمة (واشق) اسم لكلب و (واسق) اسم لفرس لا يصح جمعها؛ لأنها تدل على غير عاقل.
ثانيها: أن يكون الاسم دالاً على مذكر ليخرج المؤنث.
ثالثها: أن يكون الاسم خالياً من تاء التأنيث كـ (طلحة) و (علاَّمة) فإنهما لا يُجمعان.
رابعها: مما يُلحق بجمع المذكر السالم أمثلة ذكرها النحاة ومنها: أسماء العقود كـ (عشرين) فما فوق إلى (تسعين) فإنها ملحقة بجمع المذكر السالم، ويُذكر ذلك في إعرابها.
مثال ذلك: (دخل المسجد عشرون مصلياً) . فكلمة عشرون مرفوعة بالواو نيابة عن الضمة لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم (فاعل) .

باب الأفعال قوله: (باب الأفعال) سبق تعريف الفعل لغة واصطلاحاً، وأن أنواع الكلمة أضربٌ ثلاثة.
وذكر الْمُصَنِّف يرحمه الله - ما يتعلق بإعراب الأفعال، وإعراب الأسماء، وقدَّم الأفعال على الأسماء هنا لعلتين: الأولى: هو أنَّ الكلام على الأفعال أقل من الكلام على الأسماء فابتدأ به ليخلص من القليل إلى الكثير، ومن الباب إلى الأبواب، وهو مسلكٌ متبع عند الْمُصَنِّفين، قاله الأزهري في [التصريح] . الثانية: أن أصل الأسماء هو الأفعال عند الكوفيين، والْمُصَنِّف - يرحمه الله - معدودٌ منهم، ومِنْ ثَمَّ استحقت الأفعال التقديم.
وينضاف إلى تينك العلتين ما يذكره بعض الشُّراح من تعلق كثير من أبواب الأسماء الآتية بباب الأفعال الذي نحن بصدده فتعيَّن تقديمه.
قال الْمُصَنِّف -يرحمه الله -: (الأفعال ثلاثة …… يضرب وضرب واضرب)

وفيه مقاصد: أولها: قوله (الأفعال ثلاثة) ويتعلق به شيئان: أولهما: طريقة الْمُصَنِّف في حَصْر جنس الْمُتَكَلِّم فيه وهي الأفعال ثُمَّ اتباع ذلك بمعرباته وعلاماته وما إلى ذلك وهي طريقة مستحسنة في التعليم، قاله ابن هشام في [المغني] . ثانيهما: هو دليل ذلك الحَصْر إذ دَلَّ عليه دليلان: أولاً: دليل الاستقراء التام حَيْثُ استقرأ أئمة اللُّغَة أنواع الأفعال فوجدوها لا تخرج عن ثلاثة: ماض ومضارع وأمر.
وهذا أمرٌ مجمع عليه.
قاله السيوطي في (الأشباه والنظائر في النحو) . ثانياً: دليل النظر حَيْثُ سبق أن الفعل حدثٌ يتعلق بزمن، والأزمان ثلاثة حقيقة واستقراء بإجماع العقلاء.
فأولها: زمن الماضي، حَيْثُ إِن الفعل يتعلق به كـ (ضرب) . والثاني: زمن الحال، حَيْثُ إِن الفعل يتعلق به كـ (يضرب) . والثالث: زمن الاستقبال، حَيْثُ إِن الفعل يُطلب إيقاعه فيه كـ (اضرب) . ثانيها: قوله (ومضارع) حَيْثُ يتعلق به شيئان: أولهما: معناه في اللُّغَة؛ إِذْ إِنَّه بمعنى المتشابه.
قاله في [اللسان] ومِنْ ثَمَّ قيل للفعل المضارع أنه مضارع لشبهه بالاسم من حَيْثُ كونه معرباً في أكثر أحواله وما إلى ذلك.
والثاني: في زمنه؛ حَيْثُ ذهب جمهور النحاة، وبه جزم سيبويه: أن زمن المضارع يشمل زمن الحال وزمن الاستقبال فكلمة (يأكل) من جملة (يأكل مُحَمَّدٌٌ التفاحة) تتعلق بالزمن الحاضر، وهو عند إيقاع تلك الجملة وبعدها وهو زمن الاستقبال.
وثالثها: قوله: (وأمرٌ) إذ فيه دلالة على أنَّ فعل الأمر مستقل عن المضارع، وعليه أكثر نسخ المتن، قاله جمعٌ من الشُّراح كالرملي وغيره.
ورابعها: قوله (نحو ضرب ويضرب واضرب) إذ هي أمثلة، فالأول للفعل الماضي لتعلق الحدث بزمنه، والثاني للفعل المضارع لتعلق الحدث بزمنه، والثالث فعل الأمر لتعلقه بزمن الأمر.

قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (فالماضي مفتوح ……والأمر مجزوم أبداً) وفيه مقصدان: أولهما: في قوله: (فالماضي مفتوح الآخر أبداً) ويتعلق به شيئان: أولها: اختلاف عبارة الْمُصَنِّف في بعض النسخ حَيْثُ جاء فيها (فالماضي يُبنى على فتح الآخر) وهي بنحو الأولى إلا أن فيها تصريحاً بالبناء.
قاله الرملي في [شرحه] . ثانيها: في معنى الجملة السابقة إذ يُقْصَدُ بها: أنَّ الفعل الماضي يبنى على فتح آخره.
فكلمة (ضرب) هي فعل ماض مبنى على الفتح.
وعبارة الْمُصَنِّف تقتضي تقدير الفتح عند وجود العارض؛ إِذْ إِنَّ الماضي يعرض له شيئان يغيِّران حركته السابقة في الظاهر: أما الأول: فهو ضمير الرفع المتحرك.
ومثاله: تاء الفاعل من قولك (ضربْتُ) ، فاتصالها بالفعل الماضي يوجب تسكين آخره في الظاهر فعلى ظاهر عبارة الْمُصَنِّف تُعرب جملة (ضربتُ) كالتالي: ضرب: فعلٌ ماضي مبني على الفتح الْمُقَدَّر وسُكِّن لاتصاله بضمير الرفع المتحرك.
وتاء الفاعلية: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
وأمَّا الثاني: فهو الواو في نحو قولك (ضربوا) إِذْ إِنَّها توجب ضم آخر الفعل الماضي عند اتصالها به، ويكون الكلام عنها وفق ظاهر عبارة الْمُصَنِّف كالتالي: ضرب: فعل ماضي مبني على الفتح الْمُقَدَّر وضُمَّ آخره لاتصاله بالواو فكانت حركةً مناسبةً له (للواو) . والواو: ضمير متصل مبني على الضم في مَحَلّ رَفْع فاعل.
فحينئذ تكون حركة الفعل الماضي ظاهرة ومقَدَّرة.
فأما التقدير فيكون لعلتين: الأولى: الثقل؛ وذلك إذا اتصل بالفعل الماضي ضمير الرفع المتحرك.
ووجه هذه العِلَّة: هو استثقال العرب الجمع بين أربع حركات فأكثر فيما هو في الكلمة الواحدة.
فكلمة (ضربْتُ) أصلها عندهم (ضَرَبَتُ) بفتحات آخرها ضَمٌ، فهذه أربع حركات.
الأولى: فتحة على الضاد.
والثانية: فتحة على الراء.
والثالثة: فتحة على الباء.

والرابعة ضم التاء.
وكذلك يُقَال في الرباعي كـ (أخرجتُ) ، وإنما وقع التسكين على آخر الفعل المتصل به ضمير الرفع المتحرك لأنه الأنسب، فلو وضع التسكين على أول الفعل لما استُطيعَ النطق به، ولو وضع على وسطه لاختلف الوزن الصرفي، ولما عُرف وزن الفعل فناسب وضع التسكين على آخره.
وأمَّا العِلَّة الثانية: فهو انشغال المحل بالحركة المناسبة.
فكلمة (ضربوا) الأصل في البناء بناؤها على الفتح الظاهر فلما لحقتها الواو ناسب أن تُضَمَّ، لأن الواو لا يناسبه الفتح.
غير أنَّ سيبويه وجمهور البصريين على أن الفعل الماضي له ثلاث حالات في البناء: الأولى: بناؤه على الفتح نحو (ضربَ) وهو الأكثر والأشهر.
الثانية بناؤه على السكون كـ (ضربْتُ) وذلك عند اتصال ضمير الرفع المتحرك بالفعل الماضي.
الثالثة بناؤه على الضم كـ (ضربُوا) وذلك عند اتصاله بالواو.
مسألة: الفعل الماضي المقصور نحو (هدى، حمى) هل حركة البناء فيه مُقَدَّرة - وهي الفتح - أن أنه مبني على السكون؟ قولان: بالأول: قال جمهور أهل الكوفة والأخفش.
وبالثاني: قال جمهور أهل البصرة وسيبويه.
ثانيها: في قوله (والأمر مجزومٌ أبداً) : حَيْثُ يتعلق به شيئان: أولهما: اختلاف نسخ المتن في ذلك، فجاء في بعضها: (والأمر ساكن أبداً) ، وهو أصرح في البناء خلافاً لقوله (مجزومٌ أبداً) فإنه قد يفهم منه أن الأمر معرب ولَيْسَ مبنياً، لأن كلمة الجزم تستعمل مع المعربات خلافاً للمبنيات فلا تستعمل معها.
قاله الأزهري في [التصريح] . ثانيهما: في حكم فعل الأمر، حَيْثُ إِن ظاهر عبارة الْمُصَنِّف تفيد أنه على حالة واحدة وهي السكون كما في بعض النسخ.
غير أن الاستعمال العربي جاء على خلاف ذلك فمرة يكون الأمر مبنياً على حذف حرف العِلَّة أو النون كما في الأمثلة السِّتة إلى غير ذلك؛ ولذا فأحسن مذاهب أهل في ذلك أن يُقَال: الأمر يبنى على ما يجزم عليه مضارعه.

جارٍ التحميل