شرح الأجرومية للأسمريصفحات 47-51

مثال ذلك: اضرب المجرم.
فكلمة (اضرب) فعل أمر مبني على السكون، لأن المضارع منه (يضرب) إذا جُزم سُكِّن فيُقَال (لم يضربْ) فكذلك يكون الأمر في حركة البناء.
مثال آخر: (ارم السلاح) . فكلمة (ارم) فعل أمر مبني على حذف حرف العِلَّة؛ لأن مضارعه (يرمي) إذا جُزِم جُزِم على حذف حرف العِلَّة كما في قولك (لم يرم السلاح) . فائدة: ذكر جماعة من النحاة قَيْدين في حكم فعل الأمر المختار: أما الأول: فهو أن يكون المضارع غير مبني، أي يكون قابلاً للجزم، ويخرج عن ذلك شيئان: الأول: إذا كان المضارع متصلاً به نون التوكيد المباشرة.
الثاني: فهو قولهم: يُبنى على ما يجزم عليه مضارعه، ويكون مبدوءاً بالتاء يعنون المضارع عند جزمه؛ لأن الغالب أن التاء أنسب من الياء في كونها صالحة لجميع الكلمات.
قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله -: (المضارع ما كان …… جازم) فيه مقاصد: أولها: قوله (ما كان في أوله إحدى الزوائد الأربع) حَيْثُ يتعلق به شيئان: أحدها: سبب التسمية، حَيْثُ سُمِّيَت بالزوائد؛ لأنها زائدة على الفعل الماضي.
فكلمة (أضرب المجرم) الهمزة في (أضرب) زائدة على الماضي منه؛ إِذْ إِنَّ ماضي (أضرب) : ضرب.
والثاني: هو أنها أربعة أحرف: الهمزة، والنون، والياء، والتاء.
ودلَّ على ذلك الاستقراء التام، قاله السيوطي في [الأشباه] . ثانيها:قوله (يجمعها قولك: أنيت) حَيْثُ يتعلق به أشياء ثلاثة: الأول: أنه من عادة الْمُصَنِّفين تسهيلاً أن يجمعوا المتناثر في كلمة أو جملة، لأنه أدعى لحفظه، وعدم تفلته، ومِنْ ثَمَّ جمع الْمُصَنِّف الأحرف الأربعة الزائدة في المضارع في كلمة (أنيت) . الثاني: في معنى كلمة (أنيت) حَيْثُ يُقْصَدُ بها: أدركت.
قاله صاحب [القاموس] وغيره.
الثالث:

في أن النحويين جمعوا الأحرف الأربعة الزائدة في المضارع في أكثر من كلمة (أنيت، نأتي، يأتن، نأيت: أي ابتعدت) . غير أن الْمُصَنِّف - يرحمه الله - اقتصر على (أنيت) تفاؤلاً بإدراك الطالب بغيته من هذا المتن المبارك.
قاله بعض الشراح.
ثالثها: في قوله (وهو مرفوع أبداً) حَيْثُ يتعلق به أشياء: الأول: أن الأصل في المضارع أنه مرفوعٌ أبداً سواءٌ أكان رَفْعه بالضمة الظاهرة أو الْمُقَدَّرَة أو بثبوت النون كما في الأمثلة السِّتة وغير ذلك.
الثاني: أن عِلَّة رَفْع المضارع هو تجرده عن الناصب والجازم.
وبيانه: أن علل الإعراب نوعان: الأول: عللٌ لفظية كحرف الجر مع الاسم المجرور وهي الأكثر.
والثاني: عللٌ معنوية وهي شيئان: الأولى: الابتداء حَيْثُ إِن الاسم المبدوء به يُسَمَّى مبتدأً، وعِلَّة رَفْعه معنوية تُسَمَّى الابتداء.
الثانية: فهي التجرد عن الناصب والجازم في الفعل المضارع.
قوله: (فالنواصب عشرة) النواصب واحدها ناصب، وسبق الكلام عنه.
قوله: (عشرة) لها توجيهان: التوجيه الأول: أنها عشرة عند الكوفيين.
التوجيه الثاني: أنها عشرة، فمنها ما ينصب بنفسه، ومنها ما ينصب بإضمار (إن) قبله.
والنواصب التي ذكرها الْمُصَنِّف نوعان: أما النوع الأول: فما ينصب بنفسه.
وأما النوع الثاني: فما ينصب بإضمار (إن) قبله.
أما ما ينصب بنفسه فأربعة أشياء: الأول: (أن) ، ولها شرطان: أما الشرط الأول: فهو أن تكون مصدرية لا موصولية ونحو ذلك.
ومعنى كونها مصدرية أي أنها مع الفعل التي تدخل عليه بمصدر.
كقولك: (أن تقول) أي: (قولك) لأنَّ (تقول) : فعل مضارع من: قال يقول قولاً - التصريف الثالث للفعل الذي يُسَمَّى مصدراً -؛ ولذلك قيل (قولك) . وأما الشرط الثاني: ألا تكون مسبوقة بعلم يقيني بل يكون ما قبلها أحد شيئين:

الأول: الظن والرجحان كما في قوله - سبحانه وتعالى - ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾ . أحسب: أي أظن أن يقولوا: أصلها: يقولون، فهو فعل مضارع منصوب بحذف النون لأنه من الأمثلة الستة.
والثاني: أن يكون خالياً من الظن واليقين كقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ . فالطمع لا علاقة له باليقين ولا بالرجحان؛ ولذلك عملت (أن) في الفعل الداخلة عليه نصْباً.
والثاني: (لن) وهي حرف نَصْب ونفي واستقبال، أما كونها حرف نَصْب فظاهر، وأما كونها حرف نفي؛ فلأنها تنفي ما دخلت عليه، وأما كونها حرف استقبال؛ فلأنها تجرد ما بعدها للمستقبل كقولك: (لن أدخل البيت) أي في المستقبل.
وهي إذا دخلت على الفعل المضارع نصبته.
والثالث: (إذن) . وهو حرف نَصْب وجواب وجزاء، أما كونه حرف نَصْب فظاهر، وأما كونه حرف جواب؛ فلأنه يأتي في صدر الجواب، وأما كونه حرف جزاء؛ فلأنه يؤتى به جزاء الشيء.
مثال كونه كذلك: (إذن أُكْرِمَك يا مُحَمَّدُ) جواباً وجزاءً لقوله: (سآتيك يا زَيْدُ في بيتك) . وحتى تكون (إذن) ناصبة فلابد من شروط: أولها: أن تكون في أول الجواب.
ثانيها: أن تكون للاستقبال كما في المثال السابق، فلو أن شخصاً تلا عليك حديثاً وعرفت صدقه فقلت إقراراً: (إذن تصدق) ، فلا تنصب الفعل المضارع بعدها؛ لأنه يتعلق بالحال.
ثالثها: ألا يفصل بين (إذن) والفعل بفاصل سوى القسم، واخْتُلِفَ في النداء، والجار والمجرور على قولين: فإذا قلت في المثال السابق: (إذن يا مُحَمَّدُ أُكرمك) فعلى قولٍ ترفع الفعل، لأنه فُصِلَ بين (إذن) والفعل (أكرمك) بالنداء، خلافاً ما إذا قلت: (إذن والله أكرمك) فتنصب (أُكرمك) ، لأنه فصل بين (إذن) والفعل بقسم.
والرابع: (كي) .

وهي تعمل النصْب إذا كانت بمنْزلة (أن) المصدرية، لكن لابد من وجود (لام كي) معها إما ظاهراً أو تقديراً كما في قوله تعالى ﴿لكيلا تأسَوا﴾ ، فـ (تأسَوا) : منصوبة.
وكذلك: ﴿كي لا يكونَ دُولَةً﴾ ، (لا يكون) : منصوبة، وتقديرها كما في قولك (كي آخذ الكتاب) أي لكي.
ولكي تنصب (كي) الفعل دون وجود لام كي ظاهرة فلابد من شرطين: الشرط الأول: أن تكون لام (كي) مَنْوِيَّة.
الشرط الثاني: أن تكون بمنزلة أن المصدرية.
وأما غير هذه النواصب الأربعة فلا تنصب بنفسها وإنما بـ (أن) مضمرة قبلها وهي على نوعين: النوع الأول: ما أُضمرت (أن) قبله جوازاً، وهو حرف واحد عَبَّرَ عنه الْمُصَنِّف بقوله: (ولام كي) يعني (لام التعليل) . كقولك: (أتيت المكتبة لآخذ الكتاب) . فآخذ: منصوب.
أو (لأكتب كذا وكذا) فهو أَيْضاً لدخول لام كي عليه.
والأصل أن يُقَال: منصوب بـ (أن) مضمرة أو مُقَدَّرة جوازاً.
والنوع الثاني: ما أضمرت (أن) قبله وجوباً، وهي بقية الأحرف التي ذكرها الْمُصَنِّف.
ولها شروط وقيود تأتي في المطولات - إن شاء الله تعالى -. قوله: (والجوازم ثمانية عشر) والجوازم واحدها جازم - وسبق تعريفه - وهو يعني هنا جوازم الفعل المضارع.
قوله: (ثمانية عشر) هذا عددها على سبيل التفصيل، على ما عَدّها الْمُصَنِّف بعدُ.
وجوازم المضارع قسمان: أما القسم الأول: فجوازم تجزم فعلاً واحداً وهي ستة جوازم: أولاها: لم.
ثانيها: لَمَّا.
ثالثها: ألم.
رابعها: ألَمَّا.
خامسها: (لام) الطلب.
سادسها: (لا) الطلب.
فأما (ألم، ألَمَّا) فهما (لم، لَمَّا) لكن بإضافة همزة التقرير.
و (لم ولّمَّا) يشتركان في أمور: أولها: خصوصيتهما بالمضارع، فلا يدخلان على غير الفعل المضارع.
ثانيها: كونها للنفي فهي تنفي ما دخلت عليه.
مثال ذلك: (لم يدخل زَيْدٌ المسجد) . حَيْثُ نفي الدخول إلى المسجد من قبل زَيْدٍ.

ثالثها: القلب حَيْثُ يقلب المضارع إلى الماضي معنى وزمناً.
ففي مثال: (لم يدخل زَيْدٌ المسجد) تعلق نفي الدخول بزمن ماض مع أن كلمة (يدخل) فعل مضارع فانقلب الزمن إلى ماضٍ بدخول (لم) عليها، وكذلك قل في (لَمَّا) وما إليها.
رابعها: الحرفية، حَيْثُ إِنَّ (لم ولَمَّا وألم وألَمَّا) حروف باتفاق النحاة.
وآخرها: كونها جازمة، أي تجزم الفعل المضارع إذا دخلت عليه.
وأما لام الطلب فنوعان: الأول: لام الأمر.
ومثالها: (لتأخذْ دين الله بقوة يا زَيْدُ) . فـ (تأخذ) : فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، حَيْثُ أمرت زيداً بذلك.
والثاني: لام الدعاء.
كقوله تعالى حكايةً ﴿ليقضِ علينا ربك﴾ . فـ (يقضِ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
وأما (لا) الطلب فنوعان: الأول: (لا) النهي.
كقوله: ﴿لا تدعُ مع أحداً﴾ . فـ (تدعُ) فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العِلَّة.
والثاني: (لا) الدعاء.
كقوله حكاية: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ . فـ (تؤاخذنا) فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الدعاء.
فائدة: لام الدعاء، ولا الدعاء هي: (لام) أمر، و (لا) أمر، ولكن فُرِّق بينهما فقيل (لام) أمر، و (لام) دعاء، وقيل (لا) نهي، و (لا) دعاء؛ تأدباً مع المدعو وهو الله - عز وجل -. وأما القسم الثاني: فما يجزم فعلين، الأول: يُسَمَّى بـ (فعل الشرط) ، والثاني: يُسَمَّى بـ (جواب وجزاء الشرط) ، وتُسَمَّى أدواته بـ (أدوات الشرط) ، وهي بقية الأدوات التي ذكرها الْمُصَنِّف بقوله: (وإن … الخ) . وهي على أربعة أنواع: الأول: ما هو حرف باتفاق وهو (إن) . مثاله: (إن تقُمْ يا زَيْدُ أقُمْ) فـ (تقم) فعل مضارع مجزوم بـ (إن) ؛ لأنه فعل الشرط، جزاؤه وجوابه (أقم) ، فكلمة (أقم) فعل مجزوم؛ لأنه جواب وجزاء فعل الشرط في (إن تقم) . والثاني: ما هو حرفٌ على الراجح وهو (إذما) .

كقول بعضهم في جملة: (إذما تدخل إلى المسجد أدخل) . فـ (إذما) حرف لا مَحَلّ له من الإعراب.
(تدخلْ) فعل الشرط مجزوم.
(أدخل) جواب وجزاء فعل الشرط في (إذما تدخل) وهو مجزوم كذلك.
والثالث: ما هو اسم على الصحيح وهو (مهما) . كما قال امرؤ القيس في معلقته الشهيرة: أغرَّكِ مني أنَّ حبكِ قاتلي وأنكِ مهما تأمري القلب يفعلِ (مهما) :اسم تعمل الجزم فيما دخلت عليه.
(تأمري) : فعل مجزوم بـ (مهما) . (يفعل) : جوابه وجزاؤه مجزوم.
والرابع: ما هو اسم باتفاق، وهو بقية الأدوات.
كـ (أيان، ومتى …الخ) .

جارٍ التحميل