شرح الحائية لابن أبي داود (شرح عادل بن عزوز)المجلس الثاني

المجلس الثاني

قيد المراجعة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

إخواني، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نستكمل في هذا المجلس -باذن الله سبحانه وتعالى- شرحنا على القصيدة الحائية للإمام ابن أبي داود -رحمة الله عليه-.

هذا الدرس لن يكون طويلاً، سنحاول أن نجعل نصيبه قصيراً قدر المستطاع، بسبب مرض أخينا "أبي علي"، دعواتكم له بالشفاء، فلا نريد أن نثقل عليه.

طيب، كنا قد توقفنا في الدرس الماضي عند كلام المصنف:

(( وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا ... بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرَّحُ ))

(( رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ ... فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُ ))

هناك كنا نتكلم عن الرؤية، اليوم نبدأ عند البيت العاشر، يقول رحمه الله تعالى:

(( وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ أَيْضاً يَمِينَهُ ... وَكِلْتَا يَدَيْهِ بِالفَوَاضِلِ تَنْفَحُ ))

في هذا البيت، يثبت رحمه الله تعالى صفة اليدين للمولى عز وجل، وهي صفة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة.

وجاءت الآيات صريحة في إثبات هذه الصفة، فمنها قوله تعالى ردّاً على اليهود الذين قالوا إن يد الله مغلولة: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [المائدة: 64].

ويقول في آية أخرى سبحانه وتعالى: { يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75].

وقال أيضاً: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10].

وقال: { وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر: 67].

وقال أيضاً: { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } [الملك: 1].

ويقول أيضاً تبارك وتعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [يس: 71].

ويقول أيضاً: { وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } [الحديد: 29].

مناقشة الشبهات والرد عليها

أولاً: من الأمور التي نصادفها في الجدالات العقدية بخصوص هذه الصفة، أنه يأتيك الجهمي الذي يعطل هذه الصفة ويقول لك: "طيب، ما معنى اليد هنا؟ ما معنى اليد؟" هو يريد إلزامك أنك إذا أثبتّ له معنى، فيقول لك: "أنت تشبه الله بمخلوقاته".

طبعاً، الكثير من الإخوة يقول: "أنا لا أحب طريقة عرض أقوال المخالفين في الرد"، لكن هذه أيضاً طريقة علمية في التأصيل عن طريق عرض أقوال المخالفين، حتى لو جئنا لعقائد السلف، سنجد أن عدداً من عقائدهم التي كانوا يستخدمونها لتأصيل أو لعرض عقائد أهل السنة والجماعة، كانوا يستخدمون فيها هذا الأسلوب؛ فالمهم أن تحقق الفائدة في الأخير.

يقول لك الجهمي: "أنا سلمت لك أنه يد الله وكذا وهذه الآيات وغيرها، ما معنى اليد؟"

هنا الجهمي حكّمنا لأصل من أصوله، وهو اصل فلسفي كنا قد تطرقنا إلى جانب منه في الدرس الماضي، وهو أن الأشياء لا تعرف إلا بحد، والحد هنا يقصد به التعريف.

والحد عنده عدة معانٍ: قد يكون الشيء الفاصل بين مخلوقين أو بين شيئين قائمين بذاتيهما؛ فالله سبحانه وتعالى جاءت بعض العبارات عن السلف أنه قالوا: "الله سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه بائن من خلقه"، وهذه "بائن من خلقه" عبر عنها آخرون بـ "بحد"، والحد هو الحد الفاصل بين الله وبين مخلوقاته لأن الله لا يختلط بمخلوقاته، فهذا معنى من معاني الحد.

وهنالك الحد بالمعنى الذي نقصد هنا في هذا المقام، وهو التعريف.

فهو يقول لك: "الأشياء لا تعرف إلا بتعريف"، وهذا قول يؤدي بنا إلى التسلسل، لأنه مثلاً إذا قلت لك: "عرف لي الإنسان"، ستقول لي: "حيوان ناطق".
طيب نأتي لكلمة حيوان ونأتي لناطق، أقول لك: "عرف لي ناطق"، تقول لي: "هو كذا"، "عرف لي هذا الكذا الذي عرفته به؟" تقول لي: "كذا"، "عرف لي الكذا..."، نأتي لحيوان أقول لك: "عرف الحيوان"، تقول لي: "الحيوان هو هذا الذي أمامك وكذا"... طيب، الإنسان أقرب إليك من الأمور التي هي خارجة عنك!

فالأمور كثيرة منها تُعرف معانيها، معانيها معروفة؛ أي إنسان عاقل يعرف معنى اليد، أي إنسان عاقل يعرف معنى الوجه، أي إنسان عاقل يعرف معنى كذا... فلا نحتاج لتعريف، ففكرة أن كل الأمور تحتاج في معرفتها إلى حد، هذا قول فيه سفسطة، وقد رد عليه شيخ الإسلام في كتابه "الرد على المنطقيين".

فهذا الأصل: ما معنى اليد؟ اليد معروفة، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم".

عندما تقول لي: "يد الله"، "وجه الله"، "رحمة الله"، "كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا؟"... هذه الأمور معروفة ومعلومة، معناها معلوم، كيفيتها مجهولة لا نعرفها.
فإذا قلت لي: "يد الله"، إن كنت تسأل عن الكيفية فالكيفية لا أعرفها، وإن كنت تسأل عن معنى اليد، فهو ذلك المعنى الذي ينقدح في الذهن عندما نقول: "يد".

وتختلف كيفية هذا المعنى عندما ننظر إليه في الخارج؛ فمثلاً عندما نقول: "يد الباب" ليست كيد عادل، ليست كيد أحمد، ليست كيد فلان... فمعنى اليد معنى واضح في الذهن كمعنى كلي، لكن المعنى الجزئي يختلف باختلاف المضافات؛ إذا أضفنا اليد إلى أحمد لا تكون ضرورة كالتي أضفناها إلى علي، لا تكون كالتي أضفناها إلى موجود آخر.

فمعنى اليد واضح، المعنى هو الذي يتبادر إلى الذهن؛ يعني مثلاً عندما يقول الله سبحانه وتعالى ويبشر عباده المؤمنين أن لهم جنات من أعناب ونخل وزيتون وفواكه وكذا... نحن نجزم يقيناً وقطعا أن الأمور التي يبشرنا الله بها في الجنة هي ليست كالتي في الدنيا؛ تفاح الجنة ليس كالذي في الدنيا، خمر الجنة ليس كالذي في الدنيا، عسل الجنة ليس كالذي في الدنيا... فإن كان هذا في المخلوقات، فهو في حق الخالق تبارك وتعالى أولى وأحق.
إن كنا نجزم يقيناً أن التشابه بين ما في الدنيا وما وعدنا الله به في الجنة هو فقط في الأسماء -كما جاء في أثر ابن عباس عند الطبري وغيره- فهذا في حق الله سبحانه وتعالى أحق وأولى.

أيضاً من الشبهات التي يطرحها بعض الجهمية، أو حتى هذه الشبهة التي سنتكلم عنها الآن لا يتكلم عنها الجهمية فقط ولا يستعملها الجهمية فقط، بل حتى بعض أهل السنة وإن كانوا يثبتون الصفات وكذا، لكن تجد عندهم هذه العبارة: يقول لك مثلاً: "هذه الصفة توهم التجسم"، مثلاً إذا قلنا عين الله، أو يد الله، أو وجه الله تبارك وتعالى، يقول لك: "هذه الصفات توهم التجسم".

لا يوجد شيء اسمه أن صفة من صفات الله الثابتة في القرآن أو في السنة توهم التجسم! هذا القول لا ينبغي أن يقوله مسلم، وناهيك عن أن يقوله سني من الأساس!

الكلام في لغة العرب لا يفهم مجرداً عن سياقه؛ فإذا قلنا "عين"، لا نستطيع الجزم أن هذه العين نقصد بها العين التي في الرأس، أو العين التي ينبع منها الماء، أو العين بمعنى الجاسوس؛ لأن الجاسوس يطلق عليه عين أحياناً في اللغة.

فكيف نعرف؟ نعرف من خلال السياق؛ فمثلاً إذا قرأتُ: "قبضنا اليوم على عينٍ من عيون العدو"، فهنا أقول إن العين هنا مقصود بها الجاسوس.
وإذا قلتُ مثلاً: "ماء هذه العين عذبٌ"، فأنا هنا أقصد العين التي يسيل منها الماء.
وإذا قلتُ مثلاً: "فلان صاحب العيون الجميلة"، فأنا هنا أقصد العيون التي في الرأس.

فبماذا تعرف الكلمة؟ تعرف الكلمة بسياقها، فلا تأتي وتقول لي: "يد توهم التجسم"، أنت لم تعرف كيفية هذه اليد!

فاليد المذكورة لا توهم شيئاً، ولا العين توهم شيئاً، ولا صفة الغضب، ولا... فعندما ننظر للسياق يزول هذا الإشكال.
فينبغي أن تفهم أن كلام العرب يفهم من خلال سياقه؛ فإذا قلنا: "يد الله"، لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهنك يد المخلوق، لا! يد الله... أضفتها إلى الله سبحانه وتعالى، فهنا سيتغير مدلولها وكيفيتها بناءً على المضاف.

الشبهة اللغوية في جمع وتثنية الصفة

يقول البعض مثلاً في الآيات التي ذكرناها: يقول تبارك وتعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة: 64]، ياتي ويقول أحدهم: "طيب يا عادل، هذه الآية هنا واضح معناها أن تدل على الكرم، أن الله سبحانه وتعالى هنا يريد أن يرد على اليهود الذين نسبوا لله سبحانه وتعالى البخل -تعالى الله عن ذلك- فقال لهم: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، فلماذا لا يكون معنى اليد هنا الكرم ولا يقصد بها يداً حقيقة؟"

أولاً: ينبغي أن تعلم أن الجماعة الذين ينكرون صفة اليد هم يكفرون من أثبتها؛ يعني إذا جئت أنت وقلت له: "نحن معاشر أهل السنة والجماعة نثبت اليد كما أثبتها الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ولا نشبهها بيد المخلوقات، والله ليس كمثله شيء، وهذه اليد نعرف المعنى الكلي ولا نعرف كيفيتها ونجزم أنها لا تشابه المخلوقات"، الجهمي إذا قلت له هذا الكلام: أنت كافر!

إذاً، كيف لله سبحانه وتعالى أن ينسب له اليهود اليد -بل يداه قالوا: يد الله مغلولة- كيف لم يرد عليهم؟ نسبوا لله سبحانه وتعالى اليد وجسموه -تعالى الله- حسب منطق الجهمي، يعني اليهود جسموا الله سبحانه وتعالى ونسبوا له اليدين ونسبوا له البخل، وهو رد عليهم عن البخل فقط وأثبت لنفسه اليدين! إذا كانت اليد تجسيماً، لماذا لم يرد الله سبحانه وتعالى على اليهود هنا؟ لماذا لم ينفِ عن نفسه اليدين مثلما نفى عن نفسه البخل؟

ثانياً: لا تعارض بين أن نثبت لله الكرم من خلال هذه الآية: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، وأن نثبت أن لله يدين تليقان به.
نحن معاشر أهل السنة والجماعة الذين نثبت لله سبحانه وتعالى يدين تليقان به كما ذكر هو في كتابه وذكر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم، نحن لا ننكر أن هذه الآية { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } تدل على كرم الله، لكن أيضاً نثبت اليد الحقيقية.

ثالثاً: الجهمي يلجأ لمبحث في تأويله فيقول لك: "هذه المعاني مجازية، الله سبحانه وتعالى عبر عن اليد هنا وهذا معنى مجازي وهو يقصد الكرم ويقصد القوة ويقصد النعمة وكذا".

طيب، عندما نأتي للمجاز: أركان المجاز أربعة: المشبه، والمشبه به، ووجه الشبه، والقرينة (تختلف الألفاظ لكن لكي نبسط المعنى).

نعطيكم مثالاً لكي نفهم الصورة: مثلاً أقول لك: "رأيت أسداً حاملاً سيفه فوق الحصان في المعركة".

هنا عندنا: "أسد" (اللفظ الظاهر)، "حامل سيفه فوق حصان"... نحن في الحقيقة شبهنا الفارس بالأسد.
ما هو وجه الشبه بينهما؟ وجه الشبه بين الفارس والأسد هو الشجاعة.

ما هي القرينة التي جعلتنا ننتقل من الأسد إلى الفارس؟ أننا عرفنا صفات الأسد وعرفنا صفات الفارس، وأيقنّا أن الأسد لا يمكنه أن يكون فوق حصان حاملاً سيفاً في معركة؛ فهذه هي القرينة التي جعلتنا ننتقل من المعنى الظاهر (اللي هو الأسد فوق حصان) إلى المعنى المراد (اللي هو الفارس).

طيب، ماذا لو طبقنا هذا على صفات الله سبحانه وتعالى؟ { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، قرأنا صفة اليد، ثم قلنا إن هذه لا يمكن أن تكون يداً لله سبحانه وتعالى، إذاً ماذا نفعل؟ إذاً سنقول إن هذه النعمة أو القدرة أو القوة أو كذا... طيب! أنت أصلاً لم تعرف حقيقة هذه الصفة: "اليد"، لا تعرف لا كيفيتها ولا شيء، فكيف جزمت أن هذا المعنى يجب أن ننتقل منه إلى معنى آخر؟!

يعني مثلاً في مثال الأسد: نحن لما عرفنا كيفية الأسد وكيف هو هذا الأسد، أيقنّا أنه يستحيل أن يكون فوق حصانه حاملاً سيفه.
طيب أنت كيف انتقلت من صفة اليد وحملتها على النعمة؟ (يعني قلت اليد معناها نعمة)، أنت لا تعرف كيفية هذه الصفة!

يعني من شروط المجاز وتطبيقه أن نكون نعرف كيفية المشبه والمشبه به، فيستحيل تطبيق المجاز على صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غيبية لا نعرف كيفيتها.

لو تقرأ في نصوص اليد، تارة يثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه يداً، وتارة يثبت لنفسه يدين، وتارة ترد اليد بصيغة الجمع.
وهذا الكلام من يثبت صفة اليد لا يطرد عليه هذا الإشكال؛ لأننا نحن البشر عندنا يدان وأحياناً نعبر عن أيدينا بصيغة المفرد وأحياناً بصيغة المثنى وأحياناً بصيغة الجمع، فهذا ما عندنا إشكال فيه.

لكن الجهمي ياتي ويقول لك: "سلمنا لك يا أيها السني أنك ستثبت صفة اليد لله سبحانه وتعالى"، يقول لك: الله في موضع يقول: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، وفي موضع آخر يقول: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }، وفي موضع آخر يقول: { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا }، فكم يداً لله سبحانه وتعالى وردت بصيغة المفرد والمثنى والجمع؟

أولاً: هنالك قاعدة لغوية ذكرها ابن جرير الطبري وغيره: "أن التثنية نص في العدد".
يعني إذا قلت لك مثلاً: "أنا أحب الدرهم"، "أنا أحب الدينار"، هنا لا يفهم من كلامي أني أحب ديناراً واحداً، لا! أنا أحب جنس الدنانير فقلت "دينار".
كذلك إذا قلت: "دنانير"، إذا قلت: "عندي دنانير"، لا يمكن أيضاً الجزم كم عندي من دينار، المهم أن عندي من اثنين فما فوق.
لكن إذا قلت: "معي ديناران"، فهذا نص أي أن معي دينارين.

لذلك في صفة اليد: يقول: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ }، قوله: "يداه" هذا نص في العدد؛ هنا نجزم أن لله سبحانه وتعالى يدين اثنتين، حتى لو وردت في آيات أخرى معنى اليد مثلاً { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }، ووردت في آية أخرى { مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } بالجمع، العبرة بالتثنية، إذا وردت مثنى فهو الأصل، وهذا بديهي.

وأيضاً مما يمكن الرد به عليهم: أن الله سبحانه وتعالى يقول هنا: "أيدينا"، ويقول: { خَلَقْنَا }، والله سبحانه وتعالى واحد تبارك وتعالى وهو الخالق، لكن قال "خلقنا" من باب التعظيم، فقد تُحمل "أيدينا" على التعظيم أيضاً (يعني صيغة الجمع قد تحمل على التعظيم).

وأخيراً كي نختم بخصوص صفة اليد: الأشاعرة المتقدمون مثل أبي الحسن الأشعري، والباقلاني، وابن فورك (ابن فورك والله لا أدري، لكن الأشعري والباقلاني وغيرهما) كانوا يثبتون هذه الصفات؛ يعني يثبتون صفة اليد، ويثبتون الصفات الخبرية التي تسمى خبرية (هو عنده ضلالات الباقلاني هذا؛ يعني يرى إيمان فرعون وكذا، لكن نحن نتكلم عن هذا المبحث: مبحث الصفات الخبرية).
الباقلاني أشعري ويثبت هذه الصفات.

لكن جاء الجويني وأنكر هذه الصفات ورد في أحد كتبه قال في معنى كلامه: "وإن كان الأوائل يثبتون هذه الصفات إلا أن الحق أحق بالاتباع" وكذا... ولا أدري أي حق يتبع الجويني! لكن المهم أن الأشعرية الأوائل كانوا يثبتون هذه الصفات الخبرية، عندهم شوية خلط؟ نعم عندهم شوية خلط في هذه الصفات، لكن من باب إلزام القوم؛ يعني مثلاً إذا جادلك أشعري في هذه الصفات وقال لك: "أنتم مجسمة" وكذا، قل له: "طيب، أئمتكم الأوائل باعتراف الجويني -اللي هو إمام عندكم أيضاً- يقولون إن الأشاعرة الأوائل كانوا يثبتون الصفات الخبرية هذه التي تنكرها علينا وتنكر علينا إثباتها".

نُزولُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

يقول بعدها المصنف:

(( وَيَنْزِلُ الجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ... بِلاَ كَيْفٍ جَلَّ الوَاحِدُ المَتَمَدَّحُ ))

(( إِلَى طَبَقِ الدُّنْيَا يَمُنُّ بِفَضْلِهِ ... فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ ))

(( يَقُولُ ألاَ مُسْتَغْفِرٌ يَلْقَى غَافِراً ... وَمُسْتَمْنِحٌ خَيْراً وَرِزْقاً فَيُمْنَحُ ))

(( رَوَى ذَاكَ قَوْمٌ لاَ يُرَدُّ حَدِيثُهُمْ ... ألاَ خَابَ قَوْمٌ كَذَّبُوهُمْ وَقُبِّحُوا ))

هنا يتكلم رحمه الله تعالى عن نزول الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.
والحديث المعروف، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».

هذا الحديث فيه جانب عقدي: أنه يجب أن تؤمن أن الله سبحانه وتعالى ينزل، وهذا بحد ذاته مطلب شرعي.
وكذلك هنالك جانب مسلكي يا جماعة الخير: تخيل هذا الفضل العظيم! أن ينزل رب الخلائق إلى السماء الدنيا ويقول لك: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"!

يعني أنت لو جاءك مسؤول، وأنت تعرف أن هذا المسؤول مثلاً فاسد وكذا، لكنك مع هذا تطمع أنك ربما تنال منه شيئاً وأنت في أزمة أو عندك مشكلة تطمع أن ينفعك هذا المسؤول، إذا جاء مثلاً لمدينتكم أو كذا فتذهب وتكلمه... فما بالك بالله سبحانه وتعالى الذي ينزل وهو يقول لك -تبارك وتعالى- وهو يقول لك: "ادعني أستجب لك، سلني أعطك، استغفرني أغفر لك"!

يعني أنت كم ذنب تفعله في اليوم؟ الذنوب التي أنت تتداركها، تقترافها بإدراكك، دعنا من الذنوب التي تفعلها وأنت غير مبالٍ بها... فأنت عندما تنام في هذه الفترة وكأنك تقول: "أنا لست محتاجاً، أنا لا أحتاج لمغفرة ولا أحتاج لكذا"! هذا فضل عظيم يا جماعة الخير، هذا فضل عظيم!

الناس تجدها اهتمامها على ليلة القدر وكذا، طبعاً ليلة القدر ليلة عظيمة جداً، لكن أنت عندك كل ليلة كنز! أنت ما عندك هموم؟ ما عندك مشاكل؟ ما عندك صراعات دينية تصارع نفسك من أجل الثبات، من أجل التوبة؟

ثم عندما ينتكس يقول لك: "والله انتكست! والله أنا لا أدري ما الذي حصل لي!"، والله الذي حصل لك أنك كنت قاعداً تعمل "Scroll" في الثلث الآخر حين ينزل الرب تبارك وتعالى! الله الله في أنفسكم يا إخوان.
نسأل الله أن يهديننا ويثبتنا.

طبعاً صفة النزول يا إخوان هذه من الصفات التي هي من خصائص أهل السنة والجماعة؛ لم يشرك طائفة من الطوائف المنتسبة للملة عموماً في إثبات هذه الصفة (أقصد الطوائف الكلامية، لا يوجد).
يعني تجد مثلاً الأشعرية يقول لك: "له الحياة والكلام والبصر، سمع وإرادة وعلم واقتدر"، وهم هذه الصفات السبعة لا يثبتونها على وجهها الحقيقي (يعني الكلام عندهم الله سبحانه وتعالى تكلم أزلاً وهو الآن... عندهم خلط، هو يثبت الكلام لكن مفهوم الكلام ليس كالكلام الذي يثبته أهل السنة).
لكن هو على الأقل يثبت يقول لك: "أنا أثبت صفة الكلام".

هذه الصفة -صفة النزول- لا يوجد من الطوائف من أثبتها.
هنا يظهر من يتبع النبي صلى الله عليه وسلم بحق: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [آل عمران: 31].

النزول بهذا اللفظ، بهذه... بهذا التبيان: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، هذا ورد في الحديث فقط؛ لذلك هم... طبعاً عندها دلالات في القرآن أن الله ينزل وكذا، وحتى جاء في بعض المناظرات التي كانت تصير قديماً، قال أحدهم له: "هذا عنده شاهد في القرآن"، فقال له: "هذا الشاهد الذي تقصده في القرآن يوم القيامة وليس الآن، يعني الله ينزل يوم القيامة ولا ينزل الآن كل ليلة وكذا"، فقال له: "من ينزل يوم القيامة، من يمنعه من النزول الآن؟"

فهنا يظهر من يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيا كثر التحريفات لهذا الحديث! ما أكثر التحريفات لهذا الحديث سبحان الله! فهنا يظهر من يتبع النبي، من هم أهل الحديث حقاً، من هم من اتّبعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً.
فهذا يا إخوان من خصائص أهل السنة إثبات نزول الله سبحانه وتعالى.

وخلاصة مذهبنا في النزول -حتى لا نطيل-: أن الله سبحانه وتعالى ينزل نزولاً حقيقياً يقوم بذاته باختياره (يعني هذا فعل اختياري، ينزل الله متى شاء كيفما شاء)، نزولاً يليق به تبارك وتعالى.
كيف هذا النزول يا عادل؟ لا نعرف كيفية نزوله.

والنزول الذي ثبت عنده أصناف -إن صح التعبير-: الله سبحانه وتعالى ينزل كل ليلة، وينزل عشية عرفة حين يباهي الله ملائكته بأهل عرفة، وكذلك نص عدد من أهل العلم أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان، والنزول يوم القيامة للفصل بين عباده.

نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا الأجر والثواب، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

نكتفي بهذا القدر حتى لا نطيل على إخواننا، ونستكمل بإذن الله سبحانه وتعالى في المجلس القادم، والسلام عليكم.

جارٍ التحميل