[مقدمة المجلس]
ابدأ الشيخ جزاك الله خيراً.
خب، بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
إخواني، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل.
نشكر الإخوة جزاهم الله خيراً على حسن ظنهم بأخيهم، ويعني على هذه الثقة التي جعلوها فينا، وإلا فهنالك الكثير من الإخوة جزاهم الله خيراً ممن هم أقدر منا على –يعني– استيفاء المطلوب، فنشكرهم على حسن ظنهم بأخيهم.
يعني في بداية كل مجلس علمي أو دورة علمية، ينبغي –يعني قبل دخولك لهذه الدورة– أن تعلم ما الذي ستجنيه في نهاية هذه الدورة، وفي نهاية هذا الدرس والمجلس.
في درسنا هذا –يعني عندما ننهي هذا المتن– هدفي أنا الذي وضعته أن أجعلك متمكناً من أمرين:
-
أولاً: عندما تسمع «الحائية» مرة أخرى، تكون عندك... تكون تفهم ما يقصده ابن أبي داود رحمه الله عليه من كلامه؛ لأن الكثير يعني صار يسمع هذه المتون العلمية طرباً، وهو يفهم... يعني يسمع: «تمسك بحبل الله واتبع الهدى... ولا تك بدعياً...» وهو يعني عنده طرب المسألة، وهذا في الأصل متن علمي ليس هذا الغرض منه، فهذا هو –يعني– الهدف الأول من هذا الشرح.
-
الهدف الثاني: أنك تتعرف على المسائل التي جاء بها ابن أبي داود رحمه الله عليه؛ لن تخرج يعني مؤصَّلاً 100%، ولكن ستكون عندك القاعدة الأساسية التي من خلالها تستطيع على الأقل التفريق بين –مثلاً– القول في خلق القرآن، تعرف مداخل الخلل عند القائلين بهذا القول، في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى، مثلاً في مسألة الصحابة، في مسألة القدر... يعني كل المسائل التي تطرق إليها ابن أبي داود رحمه الله عليه، بعد هذه الدروس بإذن الله سبحانه وتعالى ستكون إن شاء الله تعالى قادراً على معرفة وضبط قول ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه الأبواب، وتكون قادراً أيضاً على معرفة المخالفين وأصولهم، وما هي الأسباب التي دفعتهم للقول بكذا، وما هي الأسباب التي دفعتهم لمخالفة أهل السنة.
[مقدمات عامة في طلب العلم والنية]
طيب، إذا عرفنا هذا، دعونا نقدم يعني ببعض المقدمات العامة في طلب العلم؛ لأنه اليوم مهم جداً في هذا الوقت الذي نعيش فيه، وفي هذا النمط الحياتي الذي نعيش فيه، أن تعيد برمجة نفسك على النمط الإسلامي؛ لأنه كما تعلمون، اليوم جل طلبة العلم هم –خصوصاً في البيئات التي لا يكثر فيها هذا الطلب، والبيئات التي خرجت من استعمار طويل وكذا– يغيب عنهم يعني نمط الحياة الإسلامي... يعني نمط الحياة العربي ناهيك عن الإسلامي.
هم يعني نشأنا نشأة علمانية، فبالتالي عندما ندخل لميدان طلب العلم، ندخل بتلك العقلية العلمانية؛ عقلية حب التميز، عقلية محاولة فرض النفس على الأقران، عقلية العجب والكبر التي يعني تشربناها من كتب التنمية الذاتية، عقلية الصراعات، عقلية كذا، عقلية عدم إرادة الحق والانتصار للنفس.
فدعونا نقدم بهذه المقدمات التي أنا يعني سأنتفع بهذه المقدمات أكثر منكم، يعني هي من باب التذكير لي، وربما من باب التذكير لبعض إخواني، أو من باب يعني أيضاً التأصيل.
أولاً: ينبغي أن تسأل نفسك بارك الله فيك: لماذا تطلب العلم؟ يعني أنت جئت الآن واقتطعت شيئاً من وقتك لتدرس هذه الحائية، لماذا؟ يعني لماذا أتيت هنا؟ هل تبتغي وجه الله سبحانه وتعالى بهذا الدرس؟ يعني أنت عندما أتيت إلى هنا، إلى هذا الدرس، هل يعني أتيت وأنت تقول في نفسك: "أنا أريد أن أرفع الجهل عن نفسي وأعبد الله على بصيرة، وأعتقد ما يعتقده أهل السنة والجماعة، وإن تطلب الأمر أُنافح عن هذه العقيدة وكذا"؟ هل هذا هو مقصدك؟ إن كان هذا مقصدك فخير.
وإن كان مقصدك أنك لا... أنك تريد الاستكثار من المعلومات لأنك ترى والله الساحة مليئة بالجدل، وتريد أن تتميز وأن تعرف هذه المسائل وكذا حتى تكون أنت أيضاً لك كلمة بينهم، فهنا عليك أن تحذر وأن تعيد يعني مراجعة نيتك... تعيد مراجعة نيتك.
ثانياً: بارك الله فيك، من المسائل المهمة جداً في هذا الباب، أنك يعني في باب العلم الشرعي عموماً، العلم أبوابه كثيرة، وتختلف... يعني منها ما هو مهم يحتل المراتب العليا من حيث الأهمية، ومنها ما هو دون ذلك.
فأنت ينبغي أن تتعلم العلوم التي ينبني عليها عمل، والتي تكون مهمة لك في آخرتك.
يعني أنا لا أقول مثلاً إنك لا تتعلم كل... يعني تتعلم هذه العلوم وكفى، لا! ولكن أن تعرف أن العلوم هذه درجات، وينبغي لطالب العلم أن يبدأ بالمهم فالمهم.
هنالك يعني أثر في هذا الباب، أن رجلاً كتب إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له: "اكتب إليّ بالعلم كله" –يعني يريد أن يطلب العلم ويتعلم دينه وكذا– فكتب إليه عمر: "إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم؛ فافعل".
طبعاً موضع الشاهد ليس هذه الأمور التي ذكرها عمر، وإنما موضع الشاهد أنه ذكر له أن العلم كثير، وأن العلم هذا أبوابه متشعبة، فأنت احرص على أهم هذه الأبواب وما ينفعك في آخرتك.
يعني الكثير من الناس اليوم يهتم بأمور وإن كانت هي نافعة، وكانت يعني تعتبر آلات من علوم الآلة في فهم نصوص الكتاب والسنة، إلا أنه يوغل فيها بحيث يضيع المطلوب منه حقيقةً وما طُلب منه أصالةً، فينبغي يعني الانتباه لهذه المسألة.
أيضاً، العلم بارك الله فيكم ليس مجرد معلومات... يعني العلم ليس مجرد استكثار من المعلومات؛ لأنه لو ألقينا نظرةً على حال الصحابة، الكثير ممن يحضر مجلسنا اليوم هو أعلم –من حيث كم المعلومات– هو أعلم من عدد كبير من الصحابة.
تمام؟ يعني أبو بكر الصديق لما دعا... لما كان يدعو في بداية الإسلام، أظن أن أغلبكم الآن أو كلكم يعني من حيث المعلومات كان أعلم وكانت عنده حصيلة معلومات أكثر مما كان عند الصديق رضي الله عنه.
لكن هل يبلغ... هل يستطيع أحد منا أن يبلغ مكانة الصديق؟ كلا! إذاً التفاضل بإيش؟ التفاضل ليس بالمعلومات، التفاضل بالعمل... التفاضل يكون بالعمل.
فأنت هذا العلم الذي تتعلمه، إن لم ينبنِ عليه عمل، فلا فائدة من علمك، وليتك ما طلبت العلم.
[ترجمة المصنف]
طيب، ندخل للدرس مباشرةً.
طبعاً عندنا هنا «حائية ابن أبي داود» للإمام أبي بكر، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، ومشهور بـ "ابن أبي داود"، ولد سنة (230 هـ)، وتوفي سنة (316 هـ).
وهنا يعني ذكر الشيخ عادل الحمدان مقتطفات من ثناء العلماء عليه، يقول:
"قال الخليلي: الحافظ الإمام ببغداد في وقته، عالم متفق عليه، إمام ابن إمام، شارك أباه بمصر والشام في شيوخه، سمع الأئمة بمصر وجميع الشام وبغداد وأصفهان وسجستان وشيراز وخراسان.
واحتج به من صنف في الصحيح: أبو علي الحافظ النيسابوري، وابن حمزة، وكذا وغيرهم... وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد: ابن أبي داود ببغداد، وابن خزيمة بنيسابور، وابن أبي حاتم بالري (ابن أبي حاتم الرازي)".
وطبعاً ابن أبي داود، أبو داود هذا والده صاحب «السنن» (سنن أبي داود) المعروف.
هذا يعني جزء من ترجمته رحمه الله عليه.
وكان يعني من الأمور العجيبة التي تذكر في حفظه رحمه الله، أنه ذهب مرةً إلى سجستان –سجستان أو خراسان لا أذكر بالضبط– فقالوا له: "حدثنا"، فقال لهم: "ليس معي اصل" –أي ليس معي كتاب– فقالوا له: "ابن أبي داود وأصل؟!" –يعني أنت ابن أبي داود وتطلب أصل؟!– فأثاروه، فحدثهم بـ (30,000) حديث!
فلما عاد إلى بغداد، أهل بغداد يعني استشكلوا وقالوا: "لعله أخطأ، ولعله كذا..." يعني شكوا في الأمر؛ كيف 30,000 حديث هكذا وهو في البداية طالب بالأصل؟! فكتبوا إلى أهل سجستان أن أرسلوا فوجاً واكتبوا لنا الأحاديث التي رواها لكم ابن أبي داود.
فكتبوا لهم الأحاديث، فإذا به من أصل (30,000) حديث أخطأ في سبعة! ثم لما راجع ما كُتب عند أهل سجستان، وجد أنهم هم المخطئون، وأنه أخطأ في حديثين فقط، وخمسة من السبعة التي زعموا أنه أخطأ فيها هي أحاديث صحيحة لم يخطئ فيها!
فتخيل أنه من أصل 30,000 حديث يخطئ في حديثين! والله المستعان.
فيأتي البعض اليوم –تخيل أن هذه النسبة التي لا تكاد تذكر يستغلها النكرانيون ومنكرو السنة في الطعن في السنة النبوية– هذا الأمر ينبغي أن يجعلنا نؤمن بالسنة ونطمئن لنقلة هذه السنة النبوية لا أن نشك فيها.
يعني من أصل 30,000 حديث هنالك حديثان فقط فيهما إشكال! والأمر عجيب، وهذان الحديثان ربما تجد لهما شواهد أخرى، لكن ربما الأخطاء في الإسناد، أخطأ في رجل، أخطأ في كلمة، أخطأ في حرف... هذا الأمر يتشدد فيه المحدثون.
يعني لا تظن أن الخطأ هذا مما يُغيَّر به الدين، لا، هو ربما أخطأ في رجل، أخطأ في كلمة، أخطأ في حرف، هذه الأخطاء اليسيرة جداً ومع هذا كان المحدثون يتشددون فيها.
[شرح أبيات الحائية]
طيب، نبدأ على بركة الله.
يقول رحمه الله تعالى:
(( تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الهُدَى ... وَلاَ تَكُ بِدْعِيّاً لَعَلَّكَ تُفْلِحُ ))
التمسك عندما نقول: "تمسك بحبل الله" –الذي هو دين الله– التمسك هنا فيه مبالغة في التعلق والتشبث بهذا الحبل.
وهذا فيه معنى جميل جداً، وهو أنك عندما ستتبع دين الله، ستأتي الأهواء يميناً وشمالاً تتخطفك عن هذا الدين، فماذا عليك أن تفعل؟ عليك أن تمسك وتتشبث وتتعلق بحبل الله.
لأن التمسك هو المبالغة في التشبث كما سبق وذكرنا.
وسبحان الله، كما ذكرنا في ترجمة ابن أبي داود أنه عاش في القرن الثالث، ومع هذا كان يوصي الناس بالتمسك! زمانه هو كان الشرع قائماً، شرع الله قائم، الجهاد قائم، المسلمون أعزة، الخبائث والرذائل التي نراها اليوم لم تكن موجودةً البتة، ومع هذا أمرك بأن تتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى.
يعني قديماً في زمانه هم اكتووا بنار الجهمية فقط، ومع هذا أُمر الناس بالتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى.
فما بالك اليوم اكتوينا بنار الجهمية والحداثيين من علمانيين ولبراليين ونسويات، وكل الأصناف وكل الشرور موجودة في هذا الزمان! ابتلينا بقوم لوط، وابتلينا بأن كل الرذائل أصبحت فضيلةً الآن! فنحن الآن أحوج لهذه النصيحة بأن نتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى منهم.
جاء عند البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن أناساً جاؤوا إلى أنس يشتكون إليه الحجاج، فقال أنس رضي الله عنه: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
يعني: ما من عام إلا والذي بعده شر منه؛ من حيث الفتن، من حيث المصائب، من حيث التحديات التي يواجهها المسلم.
فإذا كان هذا الكلام قيل في القرن الثالث، فما بالك الآن في القرن الخامس عشر الذي نحن فيه اليوم؟! يعني تخيل أنت بعملية حسابية تقريبية هكذا شوف حجم الكوارث التي نعيشها اليوم، وكم نحن بحاجة لأن نأخذ بنصيحة ابن أبي داود رحمه الله عليه!
يقول: (( تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الهُدَى ... وَلاَ تَكُ بِدْعِيّاً لَعَلَّكَ تُفْلِحُ )).
حبل الله هو دين الله.
«واتبع الهدى»، الهدى هو العلم النافع.
يعني تمسك بحبل الله واتبع الهدى؛ اتباعك للهدى هو الذي سيعينك على التمسك بدين الله... العلم النافع هو الذي يعينك على التمسك بدين الله.
وهذا موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى، يقول تبارك وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. فأمرنا هنا بأن نتمسك بحبله سبحانه وتعالى الذي هو دينه.
وهنا في هذه الآية لفتة لجماعة "نتفق فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"؛ هذه الآية فيها رد عليهم.
الناس عندما نتكلم عن هذا الأمر، تظن أن هذه الطوائف كلها ولا واحدة منها على حق، أو كلهم على حق! كلا، يعني لازم قولهم عندما تأتي وتقول لي: "يجب علينا أن نجتمع وكل الطوائف –اللي يسب الصحابة، واللي يعبد علي، واللي يطوف بالقبور، واللي يحرف الصفات وكذا– كلنا يجب أن نجتمع"، أنت هنا يا إما إنك تعتقد أن كلهم على باطل، ويا إما إنك تعتقد أنهم كلهم على صواب.
لا! أنت إذا اعتقدت أن هذا الدين محفوظ، يجب عليك أن تؤمن ضرورةً أنه هنالك من كل هذه الطوائف طائفة على الحق... أن هنالك طائفةً على الحق؛ لأنك إذا قلت إن كل الطوائف متساوية في الضلال وفي الهدى وأن كلهم يجب أن نتفق، فأنت أقررت أن دين الله سبحانه وتعالى لم يُحفظ؛ لأنه ولا واحد مطبقه! لأنك بهذا أقررت أن دين الله خلاص اندثر وصرنا مثل النصارى.
يعني أنا لو جاءني نصراني وقال: "والله يجب أن تجتمع الطوائف الكاثوليكية والشرقية والبروتستانتية وكذا"، هو دينه باطل، هم معندهمش... لم يستطيعوا الترجيح بين هذه الفرق.
لكن أنت عندك كتاب وسنة والطوائف المخالفة ضلالها واضح وغيره من الأمور، ثم تأتي وتطالب بهذه الدعاوى! فهذا الكلام خطير وخطير جداً.
هو كلام جميل عاطفي "نتحد وكذا"، لكن الاتحاد المحمود هو اتحاد الأديان، الاجتماع المحمود هو اجتماع الأديان لا اجتماع الأبدان.
يعني عندما نجتمع كلنا مع زنادقة ومبتدعة ونجتمع، إيش الفائدة؟! هذا أصلاً مذموم في القرآن الكريم، ذم الله سبحانه وتعالى هذا الاجتماع الذي لا يكون على حبل الله سبحانه وتعالى.
فنحن أكثر الناس دعوةً لأن تجتمع الأمة، ولكن على ماذا تجتمع؟ الاجتماع يكون على شيء، ما هو؟ تريد أن نجتمع على حبل الله سبحانه وتعالى؟ تعال نتناقش، وإذا عندك أدلة قدمها، إذا ما عندك أدلة والله أنت حر.
لكن أن تجعل الاجتماع هو الغاية لذاته لكي نحقق نصراً اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً، فلا! فهذا الاجتماع مآلاته خطيرة جداً وتعود على الدين بالهدم.
يقول: (( وَلاَ تَكُ بِدْعِيّاً لَعَلَّكَ تُفْلِحُ )).
ومما يكذبهم أيضاً أن ابن أبي داود يقول هنا: (( وَلاَ تَكُ بِدْعِيّاً لَعَلَّكَ تُفْلِحُ ))، يعني المبتدع لا يفلح... من اجتنب البدعة هو المفلح.
ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد؛ هذا الذي عمله مردود، كيف تريد أن تجتمع معه وكيف تريد أن ترى الفلاح وأنت مجتمع معه؟!
يقول رحمه الله:
(( وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُ وَتَرْبَحُ ))
طبعاً هذا فيه تأكيد على ما ذُكر سابقاً: (( وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي )).
«السنن» جمع سنة، والسنة عندها إطلاقات عديدة جداً.
لو تتذكرون لما بدأ طوفان الأقصى، خرج أحد المشايخ وقال لأحد أعضاء المقاومة: "جاهد بالسنن" –الحادثة معروفة– فالناس ظنت أن السنن المقصود بها هي المستحبات، فقالوا له: "الجهاد فرض وأنت تتكلم عن السنن؟! وكيف يترك الفرض ويجاهد بالسنن؟!" وهذا نابع عن جهلهم بمعنى السنن.
السنن جمع سنة، وقد تطلق على ما يقابل الواجب كما ذكروا؛ نقول: هذا واجب وهذا سنة مستحب، فهذا إطلاق من إطلاقها.
وقد تطلق أيضاً فيما يقابل البدع؛ نقول: هذه سنة وهذه بدعة، هنالك مبتدع وهنالك من اتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
كذلك عمل الصحابي حتى لو لم يرد في الكتاب والسنة لكنه... والصحابي الذي لم ينكر عليه أحد والمسألة ليست فيها... هذا أيضاً يعتبر سنة.
وهنالك اصطلاح عند الأصوليين وهنالك اصطلاح عند المحدثين؛ فمثلاً المحدث عنده السنة هي كل ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من صفة أو تقریر أو فعل أو أمر، كلها عند المحدثين سنة.
عند الأصوليين السنة هي ما يمكن استخراج الأحكام منه وغيره من الأمور.
فإطلاقات السنة تختلف.
هنا «السنة» التي يقصدها ابن أبي داود هي الاتباع... هي اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
الآن يقول رحمه الله:
(( وَقُلْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَلاَمُ مَلِيكِنَا ... بِذَلِكَ دَانَ الأَتْقِيَاءُ وَأَفْصَحُوا ))
(( وَلاَ تَكُ فِي القُرْآنِ بِالوَقْفِ قَائِلاً ... كَمَا قَالَ أَتْبَاعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا ))
(( وَلاَ تَقُلِ القُرْآنُ خَلْقٌ قَرَأْتُهُ ... فَإِنَّ كَلاَمَ اللهِ بِاللَّفْظِ يُوضَحُ ))
هذه الأبيات الثلاثة تتكلم عن مذهب أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم، وماذا يقول أهل السنة في مذهبهم في القرآن الكريم.
ينبغي أن تعلم بارك الله فيك أن القول في القرآن –هل هو مخلوق؟ هل هو كذا؟– هو فرع عن قولنا في صفة الكلام.
يعني القرآن كلام الله، قولنا في صفة الكلام هو الذي يحدد قولك في القرآن.
لكن قبل هذا، قبل أن نخوض في مسألة الصفات عموماً والقرآن التي وردت في هذه القصيدة، سنتكلم عن هذا الخلاف في الأسماء والصفات.
اليوم الكثير من الناس يظن المسألة بسيطة، يظن أن مسألة الخلاف في أسماء الله وصفاته هي مسألة يسيرة جداً: "والله الأمة اختلفت في القرآن الكريم هل هو مخلوق أم لا؟" تقول له: نعم.
يقول لك: "والله القرآن شيء، والله خالق كل شيء، إذاً القرآن مخلوق!".
طيب، يأتي مثلاً لصفة اليد: "اليد هذه إذا قلنا إن لله يداً فستكون هذه اليد كذا، وهذه الصفات تستشنع وتوهم التشبيه والتجسيم وكذا"، ويظن أن المسألة يسيرة هكذا.
يظن أن هؤلاء الذين قالوا إن القرآن مخلوق وأنكروا صفات الله سبحانه وتعالى أنهم قرؤوا القرآن وقرؤوا السنة وقرؤوا إثبات الله سبحانه وتعالى ورسوله لهذه الصفات، فقالوا إن هذه الصفات توهم التجسيم وتوهم التشبيه فأنكروها! المسألة أعمق من هذا... المسألة أعمق من هذا! لكن اليوم سبحان الله ابتلينا بأناس يعني لا درس ولا فهم منطلقات القوم والمعطلة هؤلاء ولا فهم أصولهم، ثم يأتي وهكذا بالفهلوة! لا يا حبيبنا.
المسألة أن هنالك علماً اسمه «علم الكلام».
قديماً كان الناس على مذهب واحد في أسماء الله وصفاته؛ يقرؤون صفات الله سبحانه وتعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، {يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وغيرها من صفات الله سبحانه وتعالى... صفة الحكمة، صفة الرحمة وكذا، يقرؤونها ويمرونها كما جاءت؛ يثبتون المعنى الوجودي الذي تشترك فيه جميع المخلوقات، ثم بعدها والكيفية لا يعرفونها؛ عندما تقول له: "كيف استوى؟" يقول لك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة"، حتى السؤال لم يكونوا يسألونه.
لما دخلت كتب اليونان وتوسعت الفتوحات وبدأت كتب اليونان تدخل، الناس أخذوا من اليونان علومهم النافعة؛ أخذوا من اليونان العمران، والإدارة، وبعض الفنون التي تساعد على العسكرية وكذا.
واليونان أيضاً كان عندهم جانب الإلهيات، فلما أخذوا تلك العلوم النافعة الدنيوية أخذوا أيضاً كتب الإلهيات وترجموها.
فصار بعض الناس يقرؤون هذه الكتب –كتب الإلهيات– وإلهيات اليونان نقصد بها تصور اليونان عن الإله والقواعد التي وضعوها ليحكموا تصورهم عن الإله.
فلما ترجمت هذه الكتب، صار البعض يتربى عليها كما يحدث اليوم؛ الغرب عنده تطور والعلمانيون عندهم كذا، إذاً نحن ماذا نأخذ؟ نأخذ الانفلات والزنا وغيرها من الأمور.
فهؤلاء أيضاً اليونان متطورين واستفدنا منهم في كذا وكذا، إذاً نأخذ أيضاً تصورهم عن الإله! فأخذوا تلك التصورات وبنوا عليها قواعد سميت فيما بعد بـ «علم الكلام».
يعني علم الكلام هو فلسفة يونانية مطورة!
صار هؤلاء الذين يسمى بالمتكلمين يأخذون هذه القواعد ويفهمون على ضوئها نصوص الصفات: تقول له "الله في السماء" يقول لك "لا! إذا كان في السماء فهذا يلزم عنه كذا ويلزم عنه كذا... إذاً الله ليس في السماء، الله في كل مكان!".
تقول له "الله يفعل أفعالاً اختيارية" يقول لك "لا! اله لا يتحرك ولا ينبغي أن يكون متحركاً بل هو محرك..." فبُنِيَت عقيدتهم على هذه الأمور.
هذه القواعد التي ذكرناها ألزمتهم بأن ينكروا صفات المولى عز وجل وأن يعطلوا صفات المولى عز وجل.
كذلك من بين الأمور التي ساهمت في إدخال هذه الفلسفات الفاسدة: رضوخ البعض لسطوة بعض الطوائف الكافرة.
مثلاً: الجهم بن صفوان، عندما نأتي للجهم بن صفوان الذي هو أكثر شخص مفسد في هذه الأمور، الذي هو بث في الأمة بدعة التجهيم حتى صارت بدعة تعطيل الصفات تنسب إليه، فيقال عن فلان جهمي إذا عطل الصفات.
كيف بدأ معه الأمر؟ كان يحاور طائفة ملحدة اسمها "السمنية"، فألزموه ببعض الإلزامات فلم يستطع الرد وانقطع.
ماذا فعل بعدها؟ ذهب 40 يوماً قرأ في كتب الفلاسفة –اليونان وكذا– ثم أتى بقواعد من خلالها أنكر الصفات!
فلذلك، ماذا نستفيد من قصة الجهم لماذا ذكرتها؟ اليوم يقول لك البعض: "يجب أن نجتمع مع الأشعرية للرد على الملاحدة وغيرها من الأمور".
طيب، أصل التجهيم هذا الذي عند الطوائف الكلامية هذه أصله بدأ لأنهم أرادوا الرد على الملاحدة فتبنوا هذا المنهج! فلا ترضخ، نصوص الكتاب والسنة كافية... القواعد المستلة من الكتاب والسنة وبالتفكير العقلي السليم كافية في الرد على كل مخطئ.
الناس اليوم تخلط؛ شفت البارحة مقطعاً لأحدهم يقول: "من تمنطق فقد تزندق، هذه العبارة خاطئة ولا يقصد التفكير وكذا..." الناس لا أدري كيف أُشرِبوا هذا الكلام؛ أن المنطق يساوي التفكير السليم! المنطق شيء –المنطق الأرسطي هذا الذي يتكلمون عنه الان– شيء، والتفكير العقلي السليم شيء آخر تماماً.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل أن يولد أرسطو كان عنده تفكير عقلي سليم وحاجج النمرود أو الملك الذي كان في عهده بأسلوب عقلي سليم ولم يحتج للمنطق! فالناس اليوم عندما تقول له: "المنطق والرد عليه، وابن تيمية رد على المناطقة..." يستشكل: "كيف؟! كيف سنفكر؟!" لا يا حبيبنا، المنطق شيء –الذي هو قواعد يعصم مراعاتها الذهن من الوقوع في الخطأ على حد تعريفهم– والتفكير العقلي السليم شيء آخر تماماً.
ماذا يقول أهل السنة والجماعة في صفة الكلام... في كلام الله سبحانه وتعالى؟
نؤمن نحن معاشر أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى يتكلم متى شاء، كيفما شاء، كلاماً يُسمع، وهو بحرف وصوت.
يعني كلاماً يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب... كلام يُسمع.
الله يتكلم متى شاء، كيفما شاء، بكلام يُسمع وهو بحرف وصوت.
طبعاً قولنا "بحرف وصوت" تغني عن قولنا "يُسمع"، ولكن هي للتاكيد.
من أدلتنا على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى ما جاء في كتاب الله في سورة التوبة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، يعني: حتى تتلو عليه كلام الله.
كيف سيسمع كلام الله؟ حتى تتلوه عليه، أي كلام الله.
كذلك من الأدلة قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا} [النساء: 164]. ومن الأدلة العقلية: أن المتكلم أكمل من الذي لا يتكلم، وكل صفة في المخلوق تكون كمالاً من كل وجه فالله أحق بها.
كيف تكون كمالاً من كل وجه؟ يعني الإنسان المخلوق يولد ينجب أطفالاً، هذا كمال، لكن كمال من وجه واحد فقط! وإلا هو من وجه آخر نقص، فالإنسان يحتاج للولد، وطريقة إنجاب هذا الولد أصلاً فيها نقص وكذا.
فهذا ليس كمالاً من كل وجه.
نحن ما هي الكمالات التي تكون في المخلوق والله أحق بها؟ هي الكمالات التي تكون كمالاً من كل وجه.
نحن عندنا في المخلوقات الذي يتكلم ويفصح عما يريد قوله يكون أكمل من الأخرس أو من الذي لا يستطيع الكلام.
فلذلك هذه الصفة ربنا تبارك وتعالى أحق بها.
أما القرآن فنقول: إنه كلام الله سبحانه وتعالى –أو بعض كلام الله سبحانه وتعالى– منه بدأ وإليه يعود.
"منه بدأ" أي هو تكلم به، "وإليه يعود" أي كلامه إليه يعود، وإليه يعود تحتمل أيضاً أنه سيرفع في آخر الزمان.
فتحتمل معنيين كلاهما صحيح، وهذا قول من أقوال السلف... هذا من كلام السلف: "القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود".
بخصوص الصفات، هنا مسألة مهمة لن نخوض فيها لأنها مسألة طويلة جداً ولكن سأعطيكم الخلاصة.
بخصوص صفات الله الفعلية: صفة الكلام، صفة الخلق، صفة الرزق وكذا... هذه الصفات الفعلية نقول عنها إنها: قديمة النوع حادثة الآحاد، أو أزلية النوع (أو الجنس) حادثة الآحاد.
يعني: لا نستطيع أن نأتي لصفة الكلام ونقول إن الله سبحانه وتعالى تكلم أول ما تكلم في الموضع الفلاني، أو نقول هذا أول كلام لله سبحانه وتعالى، لا نستطيع! لأن الله سبحانه وتعالى أزلي، فلا نستطيع أن نحصر صفاته ونقول هذا أول كلام تكلم به.
القدرة موجودة والزمن موجود، إذاً لا نستطيع أن نقول هذا أول كلام تكلم به.
فهذا من حيث الأزلية، فصفات الله سبحانه وتعالى من حيث اصلها وجنسها ونوعها كلها أزلية، لكن من حيث الآحاد هي تتجدد.
يعني الله... لا نستطيع أن نقول هذا أول كلام تكلم به الله، لكن صفة الكلام تتجدد؛ فالله تكلم بالقرآن وتكلم بغيره.
فهذا معنى إذا سمعت مسألة «تسلسل الحوادث» فهذه هي خلاصتها، وإلا فموضوعها فيه بعض التفاصيل.
كذلك من الأدلة على أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]، ففرق هنا بين الخلق والأمر.
وهذا من حجج الإمام أحمد وتلميذه المروذي رحمه الله عليهما؛ لأن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82].
وجاء عند الترمذي وأحمد من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ» [صحيح الترمذي]، الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى.
قال بعدها الإمام ابن أبي داود:
(( وَلاَ تَكُ فِي القُرْآنِ بِالوَقْفِ قَائِلاً ... كَمَا قَالَ أَتْبَاعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا ))
«الواقفة» هم طائفة لما رأوا شدة ردود أهل السنة والجماعة على الجهمية القائلين بخلق القرآن، ماذا فعلوا؟ قالوا: "نحن سنمسك العصا من الوسط، لا تقل لي مخلوق ولا تقل لي غير مخلوق، أنا لن أقول هل هو مخلوق أم ليس بمخلوق، أنا أقول هو كلام الله وانتهى الأمر".
هؤلاء السلف تكلموا فيهم بكلام شديد جداً.
الان هذا المذهب محمود جداً في هذه الأيام، يقول لك: "أنا والله كافي خيري شري، أنا لن أقول كذا ولن أقول كذا".
هذا المذهب مذهب خبيث جداً؛ لأنك لا تعرف هذا الشخص هل هو فعلاً يقول بخلق القرآن؟ هل هو لا يقول بخلق القرآن ولكنه خاف من سطوة الجهمية الذين صار عندهم مناصب في زمن الدولة العباسية في زمن الإمام أحمد أو بعده؟ يعني أنت لا تفهم ما الذي يريده بالضبط، وهؤلاء لا شك أنهم مبتدعة، فهم أمسكوا العصا من الوسط.
كذلك هنالك مذهب «اللفظية».
من هم اللفظية؟ اللفظية هم الذين يقولون: "لفظي بالقرآن مخلوق".
لفظي بالقرآن مخلوق يعني هو توسع لا فائدة منه، خلاص القرآن إيش هو؟ كلام الله.
هذه "لفظي بالقرآن مخلوق" ما الفائدة منها؟! فهؤلاء أيضاً تكلم فيهم السلف بكلام شديد جداً؛ لأن كيف "لفظي بالقرآن مخلوق"؟! القرآن هو كلام الله –يعني هذا الكلام الذي نقرؤه ونتعبد الله سبحانه وتعالى بتلاوته– كلام الله.
أصواتنا والأحبال الصوتية وحركة اللسان هذه مخلوقة، فبأن تقول "لفظي بالقرآن مخلوق" فهذا الأمر يحتمل أن تكون قاصداً به الكلام، ويحتمل أن تكون تقصد به حركة اللسان والصوت والأحبال الصوتية وغيرها.
إذاً هذا قول خبيث يُراد من خلاله أن يُمرَّر القول بخلق القرآن.
وفي بيان هذا يقول ابن القيم في «النونية»:
فَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَصْدَراً وَهُوَ فِعْلُنا ... كَتَلَفُّظٍ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ
وَكَذَاكَ يَصْلُحُ نَفْسَ مَلْفُوظٍ بِهِ ... وَهُوَ القُرْآنُ فَذَاكَ مُحْتَمَلانِ
فَلِذَاكَ أَنْكَرَ أَحْمَدُ الإِطْلاقَ فِي ... نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ بِلا فُرْقَانِ
يعني اللفظ هذا (قولي لفظي بالقرآن مخلوق) يحتمل أن تكون قاصداً به حركات لسانك وكذا، ويمكن أن تكون قاصداً به الملفوظ الذي هو الكلام (كلام الله).
فلذلك هذا مذهب من أخبث المذاهب.
وهذا معنى قوله في القصيدة:
(( وَلاَ تَقُلِ القُرْآنُ خَلْقٌ قَرَأْتُهُ ... فَإِنَّ كَلاَمَ اللهِ بِاللَّفْظِ يُوضَحُ ))
[مسألة رؤية الله تعالى]
نأتي الآن لمسألة الرؤية... رؤية الله سبحانه وتعالى.
يقول رحمه الله:
(( وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً ... كَمَا البَدْرُ لاَ يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ ))
(( وَلَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ ... وَلَيْسَ لَهُ شِبْهٌ تَعَالَى المُسَبَّحُ ))
(( وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا ... بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ ))
(( رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ ... فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُ ))
كل الأبيات هنا –ما عدا البيت السابع (وليس بمولود...)– كل الأبيات هنا عندها معنى واحد.
(( وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا )) أي قد ينكر الرؤية، (( وَعِنْدَنَا بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ * رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَقَالِ مُحَمَّدٍ * فَقُلْ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُ )).
الحديث هو الحديث المعروف: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» [صحيح البخاري].
قوله: (( وَقُلْ يَتَجَلَّى اللهُ لِلْخَلْقِ جَهْرَةً ... كَمَا البَدْرُ لاَ يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ )).
"يتجلى" بمعنى يظهر، من الظهور والبيان... التجلي.
"كما البدر لا يخفى وربك أوضح"، وهذا هنا ليس فيه تشبيه المرئي بالمرئي، هو لا يشبه الله بالبدر، وإنما يشبه الرؤية بالرؤية.
يعني أنكم كما ترون القمر واضحاً في السماء، فإنكم سترون ربكم بنفس درجة الوضوح التي ترون بها البدر.
فهنا تشبيه للرؤية بالرؤية.
المذاهب المنتسبة للملة في رؤية الله سبحانه وتعالى:
-
هنالك من قال باستحالة رؤية الله؛ يعني قال الله لا يُرى، وعاندوا النصوص الكثيرة في إثبات هذه الصفة وقضية الرؤية (وهو قول المعتزلة والجهمية الأوائل والإباضية اليوم).
-
وهنالك من قال بإمكان الرؤية ولكن سفسط، وقوله فيه سفسطة وهم الأشاعرة.
فالأشاعرة يقولون: الله يُرى.
طيب يُرى بأعين الرأس؟ لا! يقول لك: "يُرى لا في جهة"! فقولهم هذا أن الله سبحانه وتعالى يُرى كنوع من المكاشفة؛ أن الله سبحانه وتعالى يقذف في القلوب معنى فترى الله سبحانه وتعالى انطلاقاً من ذلك المعنى.
القول الأول باستحالة الرؤية واضح البطلان، ومن أدلتهم عبارات يشنعون بها على أهل السنة، فقالوا مثلاً: "الرؤية مستحيلة؛ لأن كل ما أمكنت رؤيته فلا بد أن يكون في جهة، وكل ما كان في جهة هو جسم، إذاً الله تعالى لا يُرى!".
دعونا نفكك هذه العبارة: "كل ما يُرى لا بد أن يكون في جهة"، نعم كل ما يُرى بأعين الرأس التي عندنا هذه لا بد أن يكون في جهة.
قال لك: "وكل ما كان في جهة هو جسم".
نأتي للفظ "الجهة" هذا؛ هم دائماً يحاولون الترويع! تركوا قول الله سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [طه: 5]، تركوا الآيات التي إن نطقنا بها نعتبر عندهم مجسمة، وذهب يشنع عليك بألفاظ كلامية (الجهة، الجسم... وكذا!).
الجهة ليست شيئاً وجودياً يحيط بالموجود؛ هو يصور لك أن هذه الجهة إذا قلنا إن فلاناً في جهة فلا بد أن تكون هذه الجهة شيئاً وجودياً محيطاً به.
كلا! الجهة هي شيء اعتباري ذهني.
يعني ما من موجود –إذا أثبتنا أن هنالك شيئاً موجوداً وقائماً بذاته– فلا بد أن يكون في جهة.
يعني المسألة مش أن هنالك جهة وأنت ادخل في الجهة التي تريدها وكأن هذه الجهة هي حيز أو صندوق أنت تدخل فيه وتخرج متى شئت، لا! وجودك مرتبط بهذه الجهة أو بهذا المكان، إذا لم تكن في جهة فأنت لست موجوداً، أو لست موجوداً قائماً بذاتك.
فلذلك نحن نلزمهم بأن نقول إن الله سبحانه وتعالى عندهم هو معنى من المعاني! نسبة المكان لله سبحانه وتعالى ليست نقصاً –بعيداً عن أن النصوص جاءت لإثباتها– لكن هي في ذاتها ليست نقصاً في حق الله سبحانه وتعالى؛ لأن الموجود القائم بذاته لا بد أن يكون في مكان.
فهو يقول: "إذا كان في جهة سيتكلف..." نعم عن الجهة.
الآن "الجسم"، الجسم تدري ما هو الجسم عندهم؟ تدري لماذا يشنعون: "الجسم! الجسم! أنتم مجسمة! أنتم..."؟ هم عندهم كل من اتصف بالصفات يُعد جائساً (جسمياً)! يعني أي... عندما نقول إن الله سبحانه وتعالى صفاته متجددة، أن الله يعلم... أن الله مثلاً علم أني قلت هذه الكلمة، مثلاً الله سبحانه وتعالى علم أني قلت (ألف) ثم علم أني قلت (باء) –يعني علم هذا العلم ثم علم بعده علماً آخر– هذا التجدد في علم الله سبحانه وتعالى بتجدد أفعالنا نحن، هذا يعتبرونه تجسيماً! فلكي ترى المسألة أين وصلت معهم... يعني المسألة مش مسألة "والله أنتم أثبتم اليد، أنتم أثبتم الوجه، أنتم أثبتم الساق..." لا، المسألة خطيرة جداً وعندها أبعاد واسعة.
فهم عندهم الجسم: كل من اتصف بصفة يعد جسماً.
فنحن لا نقول إن الله... هذا اللفظ لم يرد لا في كتاب ولا في سنة، نحن لا نقول إن الله جسم، ولكن نقول إن لله سبحانه وتعالى صفات.
كذلك من الآيات والنصوص التي استدلوا بها قوله تعالى: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]. طبعاً عندما نتكلم عن الجهمية والطوائف الكلامية، هي لا ترفع بالنصوص رأساً، يعني هو أصلاً لا يكترث لهذه النصوص؛ هو يعتقد ثم يبحث في النصوص عما يعضد اعتقاده.
يعني هو لا تهمه هذه الآية {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}، لو جئنا للآيات والنصوص المخالفة لمذهبهم هي كثيرة جداً ولكنهم لا يأبهون لها، هو إذا وجد ما فيه شبهة هكذا تخدم مذهبه يستدل بالنص، وإلا فهو لا يهمه النص.
يقولون: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، وهذا من أهم استدلالاتهم في مسألة الصفات.
الإدراك هنا منشأ خطئهم في جعلهم الإدراك معناه الرؤية، وهذا خطأ.
الإدراك عندما نقول عن فلان أدرك، يعني أحاط بالشيء.
فالإدراك قدر زائد على مجرد الرؤية.
عندما أقول لك مثلاً: "أنت لا تستطيع إدراك ناطحة السحاب الفلانية"، هل هذا يعني أنك لا تستطيع رؤيتها؟ كلا! أنت تستطيع رؤيتها، ولكنك من حيث الإدراك والإحاطة بها ككل لا تستطيع.
فهنالك فرق بين مسألة الرؤية ومسألة الإدراك.
وهنالك نص جميل لابن حزم –وإن كان ابن حزم أبعد في الضلال من المعتزلة يعني قوله شديد جداً لكن عنده كلام جميل في «الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِحَل» (على فكرة تضبط الفِصَل في كتابه هذا، رأيت الكثير من الناس يقول الفَصل في الملل والأهواء والنحل، هي الفِصَل في الملل والأهواء والنحل والله تعالى أعلم).
سأنقل لكم النص، يقول ابن حزم:
"واحتجت المعتزلة بقوله عز وجل: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر وهو معنى الإحاطة، ليس هذا المعنى في النظر والرؤية، فالإدراك منفي عن الله على كل حال في الدنيا والآخرة.
برهان ذلك في قوله: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 61-62]. ففرق الله بين الإدراك والرؤية تفريقاً جلياً؛ لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ} أي حصلت الرؤية، وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضاً فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل، ونفى الله الإدراك بقول موسى لهم: {كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}".
يعني: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، هنا الجمعان تراءيا، أي رأى بعضهم بعضاً، ولكن هل أدرك بعضهم بعضاً من حيث الإحاطة وكذا؟ لا، لم يدرك بعضهم بعضاً.
فهذا فرق بين الرؤية وبين الإدراك.
كذلك من الأمور التي يُلزم بها القائلون بقول الأشاعرة (يقولون الله يُرى لا في مكان): هم أصلاً عندما أتوا لإثبات الرؤية، قالوا للمعتزلة: "والله هنالك نصوص تثبت الرؤية، هنالك حديث للنبي، هنالك آيات: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23]، وغيرها من النصوص التي تثبت الرؤية".
ومن العجيب أنك تراهم ينفون صفاتٍ فيها نصوص أكثر من صفة الرؤية! يعني ينفون علو الله سبحانه وتعالى، وفي علو الله نصوص أكثر وأوضح وأبين من النصوص التي وردت في الرؤية! ولكن ماذا نفعل مع الهوى؟!
هم أثبتوها عن طريق هذا الحديث ولكن قالوا إن الله لا يُرى في جهة.
قولهم هذا أن الله لا يُرى في جهة يبطله الحديث نفسه؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ»، فهنا شبه الرؤية بالرؤية.
هل البدر هذا نراه مكاشفةً؟ (يعني الله يقذف في قلوبنا شيئاً فنرى به البدر) أم أننا نراه بأعين رؤوسنا؟ أم أن أعيننا هي التي تراه؟ كلا، أعيننا هي التي تراه.
فالحديث الذي استدلوا به على رؤية الله يبطل مذهبهم الفاسد بأنهم قالوا إن الله يُرى لا في جهة.
مسألة الرؤية... هنالك أخ دائماً في التعليقات على مقاطعي في مواقع التواصل كان يعلق لي بتعليق جميل جداً: "أراك الله وجهه".
صراحةً هذا التعليق تعليق عجيب جداً، ويحرك فيك شيئاً، أنك ترى الله سبحانه وتعالى! يعني أنت ربما تعرف صديقاً ولم تره في مواقع التواصل ولم تره أبداً، وتتفقان أن يلتقي أحدكما الآخر في مكان ما، فتكون متشوقاً لرؤيته، وقد تكون رأيته في الصور ولكن تريد أن تراه على الحقيقة.
فما بالك بالله سبحانه وتعالى الذي لم نره، وقلوبنا نجد فيها فطرةً هكذا وغريزةً أنها تحب رؤية المولى عز وجل؟!
يقول الله تبارك وتعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
هذه «الزيادة» يقول ابن كثير إن أبا بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، وجماعة من علماء السلف والخلف، قالوا: "إن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى".
وجاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئاً أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» [صحيح مسلم].
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ» [سنن النسائي].
نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا لذة النظر إلى وجهه.
نكتفي بهذا القدر اليوم، ونكمل الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.