يقول المصنف -رحمه الله تعالى-:
(( وَقُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَزِيرَاهُ قِدْماً ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ ))
(( وَرَابِعُهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بَعْدَهُمْ عَلِيٌّ حَلِيفُ الْخَيْرِ بِالْخَيْرِ مُنْجِحُ ))
(( وَإِنَّهُمُ وَالرَّهْطُ لا رَيْبَ فِيهِمُ عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ فِي الْخُلْدِ تَسْرَحُ ))
(( سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةٌ وَعَامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ ))
(( وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ وَلا تَكُ طَعَّاناً تَعِيبُ وَتَجْرَحُ ))
(( فَقَدْ نَطَقَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِفَضْلِهِمْ وَفِي الْفَتْحِ آيٌ فِي الصَّحَابَةِ تَمْدَحُ ))
هذا ما ذكره في باب الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-.
فقال -رحمه الله-: (( وَقُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ )) -صلى الله عليه وسلم- (( وَزِيرَاهُ قِدْماً ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ )).
الوزيران هما الشيخان: أبو بكر وعمر، ويطلق عليهما الوزيران، ويطلق عليهما الشيخان، ويطلق عليهما أيضاً العمران؛ لأن العرب من عادتها أنه إذا كان هناك شيئان متقابلان يطلقون على كليهما الاسم الأسهل في النطق، مثل الشمس والقمر تجد في أشعار العرب وكلامهم يقولون: "القمران"، وهما يقصدان الشمس والقمر.
كذلك هنا أبو بكر وعمر قد تجد "العمران" أو "العمرين"، وهنا يقصدان الشيخين أبا بكر وعمر.
وأبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- هو أفضل من عمر، هو خير البرية بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي بعده عمر، ثم يأتي بعده عثمان، ثم يأتي بعده علي -رضي الله تعالى عن الجميع-.
في القرون الثلاثة الأولى مسألة التفضيل أو الطعن في أبي بكر وعمر لم تكن دارجة، الخلاف كان في عثمان وعلي -رضي الله تعالى عنهما-.
عندما تسمع مثلاً عن عالم من علماء السلف يقال: "كان متشيعاً"، التشيع بلفظ التشيع السلفي القديم هو مجرد تفضيل علي على عثمان، والبعض يذهب دماغه لبعيد ويظن أنه التشيع بالمعنى الحالي، لا؛ التشيع القديم هو مجرد تفضيل علي على عثمان.
وأكيد أن هذا الأمر خاطئ لكنه لا يرقى لدرجة التبديع أو التضليل، ويبين للمخطئ وانتهى الأمر.
ومن بين العلماء الأجلاء والفضلاء الذين كان عندهم هذا النوع من التشيع: سفيان الثوري -رحمة الله عليه- بحكم أنه نشأ في الكوفة، والكوفة كان فيها كلام حول عثمان -رضي الله تعالى عنه-، فهو بحكم النشأة كان يفضل علياً على عثمان، ثم بعدها رجع -رحمه الله تعالى ورضي عنه-.
قد يتساءل البعض: لماذا عندنا مسألة الصحابة هي أصل من أصول أهل السنة والجماعة بحيث يبدع أو يضلل المخالف في هذا الأصل؟ ببساطة: سنتكلم عقلاً؛ تخيل أن الله سبحانه وتعالى بعث نبياً وأوحى إليه بوحي وكان معه صحابة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان أمياً، هؤلاء الصحابة يكتبون الوحي ويرسلهم إلى الأمصار ويولي بعضهم ويستأمنهم على بعض الأمور (أمور الدولة وأمور الدين)، ثم بعدما يموت نصير نطعن في كل هؤلاء الذين كان النبي يستأمنهم؟ إذن هذا الطعن يعود على الدين بالإبطال! هؤلاء استأمنهم النبي، ولما مات النبي -صلى الله عليه وسلم- من أين نأخذ الدين؟ نأخذ من هؤلاء الذين علمهم من تلاميذه، فإذا كان هؤلاء فساقاً وليسوا عدولاً -حاشاهم-، إذن الدين خلاص مات بموت النبي -صلى الله عليه وسلم-! لذلك مسألة الصحابة هي من أهم المسائل وأصل من أصول أهل السنة والجماعة.
وكانت عندي سلسلة رمضانية اسمها "تدبرات ورود"، كنت آتي فيها على بعض الآيات واستنبط منها بعض الاستنباطات، فكان من بين الاستنباطات في سورة البقرة قول الله سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ } [البقرة: 13].
شوف أن الله سبحانه وتعالى ماذا قال لهم: { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ }، لو قال سبحانه "آمنوا كما أردتكم" فالمعنى صحيح، لكن ماذا قال؟ { كَمَا آمَنَ النَّاسُ }، من هم "الناس" المقصودون في هذه الآية؟ هم الصحابة.
وهنا الله سبحانه وتعالى يخاطب المنافقين: { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ } الذين ترونهم (الصحابة)، فماذا قال المنافقون؟ { أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ }، فقال ربنا تبارك وتعالى مدافعاً عن الصحابة: { أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ }.
اليوم كل الضلالات -أي ضلالة تسمعها أو أي شخص ضال من أي طائفة- الشيء المشترك بين كل هؤلاء الضلال أنهم يطعنون في الصحابة بدرجات متفاوته طبعاً؛ هناك من يكفر الصحابة، وهناك من يلمزهم، وهناك من يقول "سفهاء" -حاشاهم-، ولكن الشيء المشترك موقفهم السيئ من الصحابة، لذلك هذه الآية ترد عليهم.
مثلاً تجد الأشاعرة، وإن لم يكن لجميعهم الجرأة أن يصرحوا بموقفهم من الصحابة، لكن هناك من صرح مثل العز بن عبد السلام، لما ألزمه الناس بمسألة أن الصحابة كانوا يثبتون الصفات في مبحث الأسماء والصفات، قال: "والله النبي أقر الصحابة على التجسيم، وقال لك النبي خاطب الصحابة على حسب عقولهم"! كذلك تجد العلمانيين اليوم، ما من علماني إلا ويستنقص من الصحابة بشكل من الأشكال، هناك من يعتبرهم دراويش وهناك من يعتبرهم غير ذلك، لكن الشيء المشترك بينهم هو الاستنقاص من الصحابة.
هذا لا تجده عند أهل السنة، والله لا تجده عند أهل السنة البتة.
إذا تكلمت عن صحابي في حضرة أصغر سني والله ستنتفخ أوداجه وتحمر عيناه وكأنك تكلمت عن أبيه أو عن أمه، جربها! التعظيم شديد عند أهل السنة للصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-.
يقول -رحمه الله تعالى-: (( وَإِنَّهُمُ وَالرَّهْطُ لا رَيْبَ فِيهِمُ )).
"الرهط" هنا يقصد بها باقي المبشرين بالجنة، والرهط تطلق على الجماعة من الناس ما بين ثلاثة وتسعة إلى عشرة.
(( عَلَى نُجُبِ الْفِرْدَوْسِ فِي الْخُلْدِ تَسْرَحُ سَعِيدٌ وَسَعْدٌ وَابْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةٌ وَعَامِرُ فِهْرٍ وَالزُّبَيْرُ الْمُمَدَّحُ )).
ثم هنا ذكرهم:
-
سعيد: هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هذا كان صهر عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- (كان متزوجاً بأخت عمر)، ويقال إنه كانت له أحوال عجيبة وكان مجاب الدعوة -رضي الله عنه-، وفي آخر حياته حصلت له امور وكان ولياً من أولياء الله.
-
سعد: سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه-، الذي كان تقياً خفياً، حتى لما حصلت الفتنة في زمن الصحابة كان من الناس الذين اعتزلوا، ولما جاؤوه وقالوا له أنت أولى بالخلافة ولماذا لا تخرج تقاتل، قال لهم: "لا أقاتل حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول لي هذا كافر وهذا مؤمن، فأقتل الكافر وأترك المؤمن".
وكان لما يحدثه ابنه بأنه أحق بالخلافة، ذكر له حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: « إن الله يحب العبد التقي الخفي النقي ». -
ابن عوف: هو عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه-، كان من الأوائل الذين أسلموا، وكان شديد الخوف من الآخرة، حتى يروى عنه أنه مرة ذبحت بهيمة فأتوه بشيء من اللحم فجلس يبكي، قالوا له: "ما يبكيك يا عبد الرحمن؟"، فقال لهم: "قُتل حمزة وهو خير مني، وقُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وإني أخاف أن يكون هذا من النعيم المعجل"! شوية لحم أكلها خاف أن تكون من النعيم الذي عُجل له به! وتخيل أن هذا مبشر بالجنة!
-
طلحة: طلحة بن عبيد الله -رضي الله تعالى عنه-، الرجل الذي دافع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وشُلَّت يده لما رماها حتى لا تصيب النبي وأصيبت بسهم.
ويروى عنه أنه مرة فاتته صلاة (أظن صلاة العصر) وكان مشتغلاً بقطعة أرض يعمل فيها، فشغلته عن الصلاة، فجعلها وقفاً للمسلمين؛ ذهب عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له هذه الأرض وقف.
وهذه سبحان الله أحوال الأنبياء، هذا الفعل فعل قبله سليمان -عليه الصلاة والسلام- لما شغلته الخيل عن الصلاة. -
عامر فهر: هو أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله تعالى عنه- أمين هذه الأمة كما وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لما جُرح النبي ودخلت الخوذة في رأسه، حاول أبو عبيدة أن يقتلعها بثنيتيه (الأسنان الأمامية) فكُسرت ثنيتاه في سبيل أن يخرج تلك الخوذة من رأس النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي معركة بدر كان والده في جيش الكفار، فتقاتل هو ووالده فقتل والده. -
الزبير: الزبير بن العوام -رضي الله عنه- حواري النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأول من سل سيفاً في الإسلام.
أسلم صغيراً، وسل سيفه لما سمع أن هناك رجلاً أراد أن يقتل النبي، فحمل سيفه وذهب لينتقم لرسول الله قبل أن يُشرع الجهاد للمسلمين.
ثم قال ابن أبي داود:
(( وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ وَلا تَكُ طَعَّاناً تَعِيبُ وَتَجْرَحُ ))
(( فَقَدْ نَطَقَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِفَضْلِهِمْ وَفِي الْفَتْحِ آيٌ فِي الصَّحَابَةِ تَمْدَحُ ))
نجيء الآن للآيات والأحاديث التي تتكلم عن فضل الصحابة:
-
من بينها ما جاء في سورة التوبة: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100].
-
وقال سبحانه: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً... } [الفتح: 29].
-
وقال تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ... } [الفتح: 18].
-
وقال سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ... } [الأنفال: 72].
ومن الأحاديث:
-
ما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ».
-
وجاء عند الشيخين عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ».
-
وجاء في مسلم عن أبي موسى الأشعري: « النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ».
فمن أصول أهل السنة والجماعة أن تكون صدورنا سليمة لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وألسنتنا كذلك، فلا نتكلم عنهم.
هؤلاء قوم مدحهم الله ومدحهم رسوله والعقل يقتضي أن لا نتكلم فيهم، حتى في الفتنة التي وقعت بينهم كما قال القحطاني في نونيته: "فقاتلهم منهم وقتيلهم لهم".
أنت مطالب أصلاً بأن تستغفر للهؤلاء الصحابة: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ... } [الحشر: 10].
كذلك ينبغي أن تعلم أن الصحابة متفاضلون في المرتبة: الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم المبشرون بالجنة، وغيرهم.
البعض يرى تعظيمنا للصحابة فيقول: أليس هذا مبالغة أو إعطاء قدسية؟ المسألة ليست قدسية كما يتوهم هؤلاء، المسألة مسألة دين.
حفظ جناب الصحابة حفظ للدين لأنهم هم نقلة الدين والطعن في الناقل طعن في المنقول.