بَاب الصَّلَاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- نووي الجاوي
- الكتاب
- نهاية الزين في إرشاد المبتدئين
- المؤلف
- محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (المتوفى: 1316هـ)
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فِي حَال الإِمَام فَإِن كَانَ فِي سَرِيَّة فَلَا ضَرَر وَإِن كَانَ فِي جهرية وَأسر الإِمَام تَابعه الْمَأْمُوم وَوَجَب عَلَيْهِ الْبَحْث عَن حَاله بعد السَّلَام فَإِن تبين أَنه غير قارىء أعَاد وَإِن تبين أَنه قارىء وَلَو بقوله نسيت الْجَهْر أَو أسررت لكَونه جَائِزا وَصدق الْمَأْمُوم لم يعد وَإِن لم يتَبَيَّن حَاله كَأَن تعذر عَلَيْهِ الْبَحْث أَو بحث مَعَه فَلم يجبهُ قيل تجب الْإِعَادَة وَقيل لَا وَلَو طَرَأَ للْإِمَام الْعَجز فِي أثْنَاء صلَاته كخرسه لزم الْمَأْمُوم مُفَارقَته فَإِن لم يعلم بِحَالهِ إِلَّا بعد السَّلَام لَزِمته الْإِعَادَة لِأَن ذَلِك نَادِر فَإِن كَانَ اللّحن لَا يُغير الْمَعْنى كضم هَاء لله وَكسر بَاء نعْبد أَو فتحهَا وَضم صَاد الصِّرَاط لَا يضر فِي صِحَة الصَّلَاة وَلَا الْقدْوَة وَإِن كَانَ الْمُتَعَمد لذَلِك آثِما وَالْحَاصِل أَن اللّحن حرَام على الْعَامِد الْعَالم الْقَادِر مُطلقًا ثمَّ إِن كَانَ يُغير الْمَعْنى فَإِن كَانَ قَادِرًا على الصَّوَاب أَو أمكنه التَّعَلُّم فَسدتْ صلَاته والقدوة بِهِ مُطلقًا وَإِلَّا فَصلَاته صَحِيحَة وقدوة مثله بِهِ صَحِيحَة دون غير مثله هَذَا بِالنِّسْبَةِ للفاتحة وَمثلهَا بدلهَا أما تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَإِن كَانَ يخل بِهِ مَعَ الْقُدْرَة وائتم بِهِ غَيره فَإِن دخل فِي الصَّلَاة عَالما بِأَن إِمَامه يخل بِالتَّكْبِيرِ لم تَنْعَقِد وَإِن لم يعلم إِلَّا بعد فرَاغ الصَّلَاة وَجَبت الْإِعَادَة وَإِن علم فِي الْأَثْنَاء وَجب الِاسْتِئْنَاف وَلَا تَنْفَعهُ نِيَّة الْمُفَارقَة وَأما مَعَ الْعَجز فَلَا ضَرَر وَأما الْإِخْلَال فِي التَّشَهُّد فَإِن دخل الْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة مَعَه عَالما بذلك لم تَنْعَقِد صلَاته فَإِن لم يعلم إِلَّا بعد أَن سلم لَا إِعَادَة وَإِن كَانَ قبل سَلَامه سجد للسَّهْو وَسلم وَلَا إِعَادَة أَيْضا وَإِن كَانَ فِي أثْنَاء التَّشَهُّد انتظره لَعَلَّه يُعِيدهُ على الصَّوَاب فَإِذا سلم وَلم يعده سجد الْمَأْمُوم للسَّهْو وَسلم وَإِنَّمَا سجد للسَّهْو حملا على أَنه أخل بذلك سَهوا وَمَا يبطل عمده يسن السُّجُود لسَهْوه وَحكم السَّلَام كالتشهد وَجَمِيع مَا تقرر إِنَّمَا هُوَ فِي إِبْدَال حرف بآخر أَو لحن يُغير الْمَعْنى أما مَا لَا يُغير الْمَعْنى فَلَا يضر فِي صِحَة الصَّلَاة وَلَا الْقدْوَة وَبحث الْأَذْرَعِيّ صِحَة اقْتِدَاء من يحسن نَحْو التَّكْبِير أَو التَّشَهُّد بِالْعَرَبِيَّةِ بِمن لَا يحسنها بهَا وَوَجهه أَن هَذِه لَا مدْخل لتحمل الإِمَام فِيهَا فَلم ينظر لعَجزه عَنْهَا وَأما السُّورَة فَإِن كَانَ اللّحن لَا يُغير الْمَعْنى صحت صلَاته والقدوة بِهِ لكنه مَعَ التعمد وَالْعلم حرَام وَإِن كَانَ يُغير الْمَعْنى فَإِن عجز عَن التَّعَلُّم أَو كَانَ نَاسِيا أَو جَاهِلا صحت صلَاته والقدوة بِهِ مُطلقًا مَعَ الْكَرَاهَة وَلَو قيل بِحرْمَة قِرَاءَة غير الْفَاتِحَة على مثل هَذَا لم يكن بَعيدا لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى ذَلِك فَإِن كَانَ قَادِرًا على التَّعَلُّم وَكَانَ عَامِدًا عَالما لَا تصح صلَاته وَلَا الْقدْوَة بِهِ للْعَالم بِحَالهِ وَلَا يَصح اقْتِدَاء من يحسن الْفَاتِحَة بِمن لَا يحسن إِلَّا بدلهَا والعاشر أَن لَا يكون الإِمَام أنقص من الْمَأْمُوم بِصفة ذاتية فَلَا يجوز أَن يَقْتَدِي ذكر بأنثى أَو خُنْثَى وَلَا خُنْثَى بأنثى أَو خُنْثَى لاحْتِمَال أَن يكون الْخُنْثَى الإِمَام أُنْثَى وَالْخُنْثَى الْمَأْمُوم ذكرا فَهَذِهِ أَربع بَاطِلَة وَيصِح اقْتِدَاء أُنْثَى بأنثى وبخنثى كَمَا يَصح اقْتِدَاء أُنْثَى بِذكر وَخُنْثَى بِذكر وَذكر بِذكر وَهَذِه خمس صَحِيحَة فالمجموع تسع صور أَربع بَاطِلَة وَخمْس صَحِيحَة كَمَا سَمِعت وَالْحَادِي عشر أَن لَا يَقْتَدِي بِمن تلْزمهُ الْإِعَادَة كالمتيمم للبرد أَو لفقد المَاء بِمحل يغلب فِيهِ وجود المَاء وفاقد الطهُورَيْنِ وَلَو كَانَ الْمَأْمُوم مثله فِي ذَلِك لَكِن مَحل ذَلِك إِن علم الْمَأْمُوم بِحَالهِ وَلَو نسي
بعد ذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا لم يعلم بِحَالهِ إِلَّا بعد فرَاغ الْقدْوَة فَإِنَّهُ لَا يضر لِأَن غَايَة مَا فِيهِ أَن الإِمَام إِمَّا مُحدث أَو بِمَنْزِلَتِهِ وَتبين حدث الإِمَام بعد الصَّلَاة لَا يُوجب الْإِعَادَة وَالثَّانِي عشر توَافق نظم صَلَاة الإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء مَعَ اختلافه كمكتوبة وكسوف أَو جَنَازَة لتعذر الْمُتَابَعَة حِينَئِذٍ وَيصِح اقْتِدَاء مؤد بقاض ومفترض بمتنفل وَفِي طَوِيلَة بقصيرة كَظهر بصبح وبالعكوس وَلَا يضر اخْتِلَاف نِيَّة الإِمَام وَالْمَأْمُوم بِمثل ذَلِك والمقتدى فِي نَحْو ظهر بصبح أَو مغرب كمسبوق فَيتم صلَاته بعد سَلام إِمَامه وَالْأَفْضَل مُتَابَعَته فِي قنوت الصُّبْح وَفِي تشهد آخر الْمغرب وَله فِرَاقه بِالنِّيَّةِ إِذا اشْتغل بهما والمقتدى فِي صبح أَو مغرب بِنَحْوِ ظهر إِذا أتم صلَاته لَهُ مُفَارقَة الإِمَام بِالنِّيَّةِ وَالْأَفْضَل انْتِظَاره فِي الصُّبْح ليسلم مَعَه بِخِلَافِهِ فِي الْمغرب لَيْسَ لَهُ انْتِظَاره لِأَنَّهُ يحدث جُلُوس تشهد لم يَفْعَله الإِمَام وَله أَن يقنت فِي الصُّبْح إِن أمكنه الْقُنُوت بِأَن كَانَ يدْرك الإِمَام قبل هويه للسجدة الثَّانِيَة وَإِلَّا تَركه وجوبا إِن لم ينْو الْمُفَارقَة وَلَا سُجُود عَلَيْهِ لتحمل الإِمَام لَهُ وَنِيَّة الْمُفَارقَة فِي ذَلِك لعذر فَلَا تفوت فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَتجوز صَلَاة الْعشَاء خلف من يُصَلِّي التَّرَاوِيح فَإِذا سلم الإِمَام من الرَّكْعَتَيْنِ قَامَ الْمَأْمُوم إِلَى بَاقِي صلَاته وأتمها مُنْفَردا وَيصِح الِاقْتِدَاء فِي الْفَرْض خلف صَلَاة الْعِيد أَو الاسْتِسْقَاء وَإِذا أَتَى الإِمَام بتكبيرات الْعِيد ندب للْمَأْمُوم أَن لَا يُتَابِعه فِيهَا فَإِن تَابعه فِيهَا لَا يضر وَمَا عدا هَذِه الاثْنَي عشر مِمَّا يذكرُونَهُ فِي الشُّرُوط إِمَّا دَاخل فِيمَا ذكر أَو جَار على مَرْجُوح وَكره الِاقْتِدَاء فِي أثْنَاء صلَاته وَلَا تحصل لَهُ فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَيتبع الإِمَام فِيمَا هُوَ فِيهِ فَإِن فرغ إِمَامه أَولا فَهُوَ كمسبوق أَو فرغ هُوَ أَولا فانتظاره أفضل من مُفَارقَته ليسلم مَعَه مَا لم يحدث جُلُوسًا لم يَفْعَله الإِمَام كَأَن نوى الِاقْتِدَاء فِي رَابِعَة الرّبَاعِيّة بِإِمَام فِي أَولهَا فتتعين عَلَيْهِ نِيَّة الْمُفَارقَة حِينَئِذٍ قبل رفع رَأسه من السَّجْدَة الثَّانِيَة بل لَو نوى الِاقْتِدَاء وَهُوَ فِي السَّجْدَة الثَّانِيَة من الرَّكْعَة الْأَخِيرَة بِإِمَام فِي الْقيام لم يجز لَهُ رفع رَأسه مِنْهَا بل ينتظره فِيهَا أَو يَنْوِي الْمُفَارقَة وَكَذَا لَو كَانَ فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَنوى الِاقْتِدَاء بِإِمَام فِي الْقيام لم يجز مُتَابَعَته بل ينتظره أَو يَنْوِي الْمُفَارقَة وَلَا يضر الِانْتِظَار فِي هَذَا الْجُلُوس وَإِن كَانَ لم يَفْعَله الإِمَام لِأَن هَذَا لَيْسَ إِحْدَاث جُلُوس بل دَوَامه وَيغْتَفر فِي الدَّوَام مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء وَنِيَّة الْمُفَارقَة بِلَا عذر مَكْرُوهَة مفوتة لفضيلة الْجَمَاعَة فَلَا يحرم عَلَيْهِ قطع الْقدْوَة بنية الْمُفَارقَة وَإِن قُلْنَا إِن الْجَمَاعَة فرض كِفَايَة لِأَن فرض الْكِفَايَة لَا يلْزم بِالشُّرُوعِ فِيهِ إِلَّا فِي الْجِهَاد وَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْحج وَالْعمْرَة وَمحل جَوَاز ذَلِك مَا لم يَتَرَتَّب على ذَلِك تَعْطِيل الْجَمَاعَة كَأَن لم يكن هُنَاكَ إِلَّا إِمَام ومأموم وَإِلَّا حرم لِأَن فرض الْكِفَايَة إِذا انحصر تعين فَإِن كَانَت الْمُفَارقَة لعذر كَمَرَض وَتَطْوِيل إِمَام وَتَركه سنة مَقْصُودَة وَهِي مَا جبر بسجود السَّهْو أَو قوي الْخلاف فِي وُجُوبهَا أَو وَردت الْأَدِلَّة بعظيم فَضلهَا فَلَا كَرَاهَة وَلَا تَفْوِيت وَمِمَّا وَردت الْأَدِلَّة بعظيم فَضلهَا التسبيحات خُصُوصا وَقد نقل عَن الإِمَام أَحْمد بطلَان الصَّلَاة بِتَرْكِهَا عمدا وَوُجُوب سُجُود السَّهْو بِتَرْكِهَا نِسْيَانا بِخِلَاف تَكْبِير الِانْتِقَالَات وجلسة الاسْتِرَاحَة
وَرفع الْيَدَيْنِ من قيام التَّشَهُّد الأول لِأَنَّهُ لَا يفوت على الْمَأْمُوم بترك الإِمَام لَهَا شَيْء لِأَنَّهُ يُمكنهُ الْإِتْيَان بِهِ وَإِن تَركه إِمَامه وتنقطع الْقدْوَة بِخُرُوج إِمَامه من صلابة بِحَدَث أَو غَيره كموت أَو وُقُوع نَجَاسَة عَلَيْهِ وَلم يزلها حَالا وَإِذا انْقَطَعت الْقدْوَة بذلك صَار الْمَأْمُوم مُسْتقِلّا فَلهُ أَن يَقْتَدِي بِغَيْر هَذَا وَلغيره أَن يَقْتَدِي بِهِ وَإِذا حصل مِنْهُ سَهْو بعد انقطاعها وَلم يقتد بِغَيْرِهِ لَا يتحمله عَنهُ أحد بِخِلَاف السَّهْو الْحَاصِل مِنْهُ قبل انقطاعها وَقد تجب نِيَّة الْمُفَارقَة مَعَ انْقِطَاع الْقدْوَة لوُجُود الْمُتَابَعَة الصورية بِبَقَاء الإِمَام على صُورَة الْمُصَلِّين أما لَو ترك الصَّلَاة وَانْصَرف أَو جلس على غير هَيْئَة الْمُصَلِّين أَو مَاتَ فَلَا يحْتَاج لنِيَّة الْمُفَارقَة وَالْجَمَاعَة فِي الْجُمُعَة ثمَّ صبح الْجُمُعَة ثمَّ صبح غَيرهَا ثمَّ الْعشَاء ثمَّ الْعَصْر أفضل ثمَّ الظّهْر وَالْمغْرب (وَلَو اقْتدى مِمَّن ظَنّه أَهلا) أَي متصفا بِصفة الْإِمَامَة (فَبَان) بعد الصَّلَاة كَون الإِمَام (خِلَافه) أَي على خلاف ظَنّه (أعَاد) صلَاته لتَقْصِيره بترك الْبَحْث إِذْ أَمارَة الْمُبْطل من أنوثة أَو كفر ظَاهِرَة لَا تخفى وَالْخُنْثَى ينتشر أمره غَالِبا وَالْمرَاد بِالظَّنِّ مَا قَابل الْعلم فَيدْخل فِيهِ من جهل إِسْلَامه أَو قِرَاءَته فَتَصِح الْقدْوَة بِهِ حَيْثُ لم يتَبَيَّن بِهِ نقص يُوجب الْإِعَادَة وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَو لم يظنّ ذكورته وَلَا إِسْلَامه لم تصح الْقدْوَة بِهِ لِأَنَّهُ قد يُقَال جهل الْإِسْلَام يُفِيد الظَّن بِالنّظرِ للْغَالِب على من يُصَلِّي أَنه مُسلم وَالْحَاصِل أَنه لَو بَان إِمَامه كَافِرًا وَلَو مخفيا كفره كزنديق أَو خُنْثَى أَو مَجْنُونا أَو أُمِّيا قَادِرًا على التَّعَلُّم أَو تَارِكًا للفاتحة أَو الْبَسْمَلَة فِي الجهرية أَو تجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة أَو سَاجِدا على كمه الَّذِي يَتَحَرَّك بحركته أَو تَارِكًا تَكْبِيرَة الْإِحْرَام أَو قَادِرًا على الْقيام أَو الستْرَة وَكَانَ يُصَلِّي من قعُود أَو عَارِيا وَجَبت الْإِعَادَة إِن بَان بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة فَإِن بَان فِي أَثْنَائِهَا وَجب استئنافها لكَون الإِمَام لَيْسَ من أهل الْإِمَامَة فِي ذَاته (لَا) إِن بَان إِمَامه (ذَا حدث) وَلَو أكبر (أَو خبث) أَي ذَا نَجَاسَة خُفْيَة وَهِي الْحكمِيَّة الَّتِي لَا يدْرك لَهَا طعم وَلَا لون وَلَا ريح وَمثل ذَلِك كل مَا يخفى على الْمَأْمُوم عَادَة كَعَدم النِّيَّة وكتيممه بِمحل يغلب فِيهِ وجود المَاء وَكَونه تَارِكًا للفاتحة أَو للبسملة فِي السّريَّة أَو للتَّشَهُّد مُطلقًا وَلَو أحرم الْمَأْمُوم بِإِحْرَام الإِمَام ثمَّ كبر الإِمَام ثَانِيًا بنية سرا لكَونه شكّ فِي التَّكْبِير الأول لَا يضر فِي صِحَة صَلَاة الْمَأْمُوم لِأَن هَذَا مِمَّا يخفى وَلَا أَمارَة عَلَيْهِ أما لَو بَان إِمَامه ذَا نَجَاسَة ظَاهِرَة وَهِي العينية فَإِنَّهُ تلْزمهُ الْإِعَادَة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْقَرِيب والبعيد وَلَا بَين الْقَائِم والقاعد وَلَا بَين الْأَعْمَى والبصير وَلَا بَين بَاطِن الثَّوْب وَظَاهره نظرا للشأن (وَصَحَّ اقْتِدَاء سليم بسلس) وطاهر بمستحاضة غير متحيرة وحافظ قُرْآن بحافظ القاتحة فَقَط وكامل اللبَاس بساتر عَوْرَته فَقَط وَلَو بالطين ومتوضىء بالجامع بَين التُّرَاب وَالْمَاء ولابس بِمن عجز عَن الستْرَة ومتوضىء بماسح الْخُف أَو الْجَبِيرَة حَيْثُ لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة وبالمتيمم الَّذِي لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة وَيصِح اقْتِدَاء الْبَالِغ بِالصَّبِيِّ وَالْحر بِمن فِيهِ رق نعم الْبَالِغ أولى من الصَّبِي وَالْحر أولى من الرَّقِيق وَيصِح اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعد وبالمضطجع وَإِن كَانَ موميا حَيْثُ كَانَ يَأْتِي بالأركان فَأَما من يُشِير إِلَيْهَا بجفنه أَو يجْرِي أَفعَال الصَّلَاة على قلبه فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ لعدم الْعلم بانتقالاته كَمَا مر نعم يَصح اقْتِدَاء
الْقَائِم بالمستلقي وَلَو موميا حَيْثُ علم بانتقالات الإِمَام وَلَو بطرِيق الْكَشْف لِأَن الْمدَار على علمه بذلك وَهُوَ مَوْجُود فِيهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَإِنَّمَا اغتفر ذَلِك فِي حَقه لعلمه بِحَقِيقَة الْحَال وَمحل كَون الخوارق لَا يعْتد بهَا قبل وُقُوعهَا أما بعد وُقُوعهَا فيعتد بهَا فِي حق من قَامَت بِهِ كَذَا قَالَ الشبراملسي (وَكره) الِاقْتِدَاء (بفاسق ومبتدع) لَا يكفر ببدعته وبالتأتاء والفأفاء والوأواء وَمن تغلب على الْإِمَامَة وَلَا يَسْتَحِقهَا وَمن لَا يحْتَرز عَن النَّجَاسَة أَو يمحق هيئات الصَّلَاة أَو يتعاطى معيشة مذمومة أَو يعاشر أهل الْفسق وَنَحْوهم أَو لاحن بِمَا لَا يُغير الْمَعْنى أَو يكرههُ أَكثر الْقَوْم لأمر مَذْمُوم فِيهِ كإكثار الضحك والحكايات المضحكة تصنعا لَا طبعا فَإِن كرهه كلهم حرمت إِمَامَته وإمامة ولد الزِّنَا وَولد الْمُلَاعنَة وَمن لَا يعرف لَهُ أَب خلاف الأولى وَالْأَعْمَى والبصير فِي الْإِمَامَة سَوَاء كَعبد أفقه وحر غير أفقه ثمَّ إِذا اجْتمع جمَاعَة مِمَّن فِيهِ أَهْلِيَّة الْإِمَامَة يقدم مِنْهُم الأفقه فِي الصَّلَاة فَالْأَصَحّ قِرَاءَة فالأكثر قُرْآنًا فالأزهد فالأورع فالمهاجر فالأقدم هِجْرَة فالأسن فِي الْإِسْلَام فالأشرف نسبا فَالْأَحْسَن ذكرا فالأنظف ثوبا فبدنا فصنعة أَي كسبا فَيقدم الزَّارِع والتاجر على غَيرهمَا فَالْأَحْسَن صَوتا فَالْأَحْسَن خلقا بِفَتْح الْخَاء بِأَن يكون سليم الْأَعْضَاء من الآفة مُسْتَقِيمًا فَالْأَحْسَن وَجها أَي الأجمل صُورَة فَهُوَ غير الْأَحْسَن خلقا كَمَا سَمِعت فَالْأَحْسَن زَوْجَة فالأبيض ثوبا فَيقدم على لابس غير الْأَبْيَض وَيقدم الْأَبْيَض وَجها على غَيره فَإِن اسْتَويَا وتشاحا أَقرع بَينهمَا هَذَا كُله إِن لم يكن هُنَاكَ إِمَام راتب وَلَا إِمَام أعظم وَلَا نَائِبه وَلَا رب منزل وَإِلَّا قدم الْوَالِي فِي مَحل ولَايَته على غَيره وَلَو على رب الْمنزل وَالْإِمَام الرَّاتِب وَإِن اخْتصَّ ذَلِك الْغَيْر بِصِفَات مرجحة من فقه وَغَيره وَيقدم من الْوُلَاة الْأَعْلَى فالأعلى فَيقدم السُّلْطَان على غَيره والباشا على القَاضِي وَنَحْو ذَلِك وَبعده الإِمَام الرَّاتِب وَهُوَ من ولاه النَّاظر تَوْلِيَة صَحِيحَة أَو كَانَ بِشَرْط الْوَاقِف فَإِن لم يحضر اسْتحبَّ أَن يبْعَث إِلَيْهِ ليحضر فَإِن خيف فَوَات الْوَقْت اسْتحبَّ أَن يتَقَدَّم غَيره إِلَّا أَن يخَاف فتْنَة فيصلوا فُرَادَى وَيقدم السَّاكِن بِحَق وَلَو غير مَالك على غَيره وَلَو مَالِكًا فَيقدم الْمُسْتَأْجر على الْمُؤَجّر وَيقدم الْمُوصى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ على مَالك الْعين نعم لَا يقدم الْمُسْتَعِير على الْمُعير وَلَا غير الْمكَاتب على سَيّده الَّذِي أذن لَهُ فِي السُّكْنَى بل يقدم سَيّده عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا الْإِذْن إِعَارَة لِأَن الْإِعَارَة تَقْتَضِي ملك الِانْتِفَاع وَالرَّقِيق لَا يملك وَلَو بِتَمْلِيك سَيّده أما الْمكَاتب إِذا كَانَ سَاكِنا بِحقِّهِ فَلَا يقدم عَلَيْهِ سَيّده بل الْمكَاتب هُوَ الْمُقدم لاستقلاله فَإِذا أذن لسَيِّده فِي دُخُوله دَارا اشْتَرَاهَا مثلا فَهُوَ الْمُقدم لَا سَيّده فَإِن كَانَ سَيّده هُوَ الْمُعير لَهُ الدَّار فالسيد هُوَ الْمُقدم وَيُؤْخَذ مِمَّا تقدم بِالْأولَى عدم تَقْدِيمه على قنه الْمبعض فِيمَا ملكه بِبَعْضِه الْحر فَإِن لم يكن السَّاكِن أَهلا للْإِمَامَة كامرأة قدم من هُوَ أهل وَينْدب فِي الْجَمَاعَة أَشْيَاء مِنْهَا أَنه يسن للْإِمَام التَّخْفِيف مَعَ فعل الأبعاض والهيئات إِلَّا أَن يُرْضِي المحصورون بتطويله وَيسن لَهُ نِيَّة الْجَمَاعَة فِي غير الْجُمُعَة وَتَصِح مِنْهُ نِيَّة الْإِمَامَة وَإِن لم
يكن إِمَامًا فِي الْحَال لِأَنَّهُ سيصير إِمَامًا وَإِذا لم يحضر عِنْده فِي هَذِه الْحَالة أحد لَكِن وثق بِالْجَمَاعَة صحت مِنْهُ نِيَّة الْإِمَامَة فَلَو فرغ من صلَاته وَلم يَأْتِ أحد فَصلَاته صَحِيحَة وَلَو أَتَى بِهَذِهِ النِّيَّة فِي أثْنَاء صلَاته جَازَ وَحَازَ الْفَضِيلَة من حِين النِّيَّة وَلَا تنعطف نِيَّته على مَا قبلهَا وَفهم مِمَّا تقدم أَنه لَو نوى الْمَأْمُوم الْجَمَاعَة وَلم ينوها الإِمَام حصلت الْفَضِيلَة للْمَأْمُوم دون الإِمَام وَثَبت لَهُ أَحْكَام الْقدْوَة كتحمل سَهْوه وفاتحته وَنَحْو ذَلِك وَيسن للْإِمَام أَن يقف قُدَّام الْمقَام عِنْد الْكَعْبَة بِحَيْثُ يكون الْمقَام بَينه وَبَين الْكَعْبَة وَأَن يستدير المأمومون حولهَا وَلَا يضر كَونهم أقرب إِلَيْهَا فِي غير جِهَة الإِمَام مِنْهُ إِلَيْهَا فِي جِهَته كَمَا لَو وَقفا فِي الْكَعْبَة وَاخْتلفَا جِهَة فَإِنَّهُ إِذا اجْتمعَا فِيهَا يجوز أَن يكون وَجهه إِلَى وَجه الإِمَام أَو جنبه وَأَن يكون ظَهره إِلَى ظهر الإِمَام أَو جنبه وَلَا يجوز أَن يكون ظَهره إِلَى وَجه الإِمَام لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَقَدم عَلَيْهِ فِي جِهَته وَلَو وقف الإِمَام فِيهَا وَالْمَأْمُوم خَارِجهَا جَازَ وَله التَّوَجُّه إِلَى أَي جِهَة شَاءَ وَلَو وَقفا بِالْعَكْسِ جَازَ أَيْضا لَكِن لَا يتَوَجَّه الْمَأْمُوم إِلَى الْجِهَة الَّتِي توجه إِلَيْهَا الإِمَام بِحَيْثُ يكون ظَهره فِي وَجه الإِمَام لتقدمه عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فِي جِهَته وَلَو وقف الإِمَام فِي ركن من أَرْكَانهَا فجهته مَجْمُوع جهتي جانبيه مَعَ الرُّكْنَيْنِ المتصلين بهما فَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ الْمَأْمُوم فِي ذَلِك وَحَاصِل مَا ذكر صور أَربع لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يَكُونَا دَاخل الْكَعْبَة أَو خَارِجهَا أَو أَحدهمَا داخلها وَالْآخر خَارِجهَا وَقد علمت أَحْكَامهَا وَيسن تَسْوِيَة الصُّفُوف وَأَن لَا يزِيد مَا بَين كل صفّين أَو شَخْصَيْنِ على ثَلَاثَة أَذْرع وَإِلَّا فَاتَ ثَوَاب الْجَمَاعَة من تَأَخّر بذلك وَيكرهُ فِيهَا أُمُور مِنْهَا أَنه يكره للْإِمَام التَّطْوِيل وَلَو ليلحق آخَرُونَ وَلَو كَانَ من عَادَتهم الْحُضُور نعم لَو أحس فِي رُكُوع غير ثَان من صَلَاة الْكُسُوف أَو فِي تشهد أخير بداخل مَحل الصَّلَاة يَقْتَدِي بِهِ سنّ لَهُ انْتِظَاره لله تَعَالَى إِن لم يُبَالغ فِي الِانْتِظَار وَلم يُمَيّز بَين الداخلين وَإِلَّا كره وَحَاصِل هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه يسن للْإِمَام انْتِظَار من يُرِيد الِاقْتِدَاء بِهِ بِشُرُوط تِسْعَة أَن يكون ذَلِك الِانْتِظَار فِي رُكُوع غير ثَان من صَلَاة الْكُسُوف أَو فِي تشهد أخير وَأَن لَا يخْشَى فَوت الْوَقْت وَأَن يكون الَّذِي ينتظره دَاخل مَحل الصَّلَاة دون من هُوَ خَارجه وَأَن ينتظره لله تَعَالَى لَا لتودد وَإِلَّا كره وَأَن لَا يُبَالغ فِي الِانْتِظَار وَلَو بِضَم انْتِظَار مَأْمُوم إِلَى آخر وَإِلَّا كره وَأَن لَا يُمَيّز بَين الداخلين فينتظر بَعْضًا دون بعض وَأَن يظنّ أَن يَقْتَدِي بِهِ ذَلِك الدَّاخِل وَأَن يظنّ أَنه يرى إِدْرَاك الرَّكْعَة بِالرُّكُوعِ وَأَن يظنّ أَنه يَأْتِي بِالْإِحْرَامِ على الْوَجْه الْمَطْلُوب من كَونه فِي الْقيام وَالْإِمَام لَيْسَ بِقَيْد بل مثله الْمُنْفَرد وَإِن كَانَ لَا يَأْتِي فِيهِ جَمِيع الشُّرُوط وَيكرهُ ارْتِفَاع الْمَأْمُوم على إِمَامه وَعَكسه حَيْثُ أمكن وقوفهما على مستو إِلَّا لحَاجَة كتعليم الإِمَام الْمَأْمُومين صفة الصَّلَاة وكتبليغ الْمَأْمُوم تَكْبِيرَة الإِمَام فَيسنّ ارتفاعهما لذَلِك وَحَيْثُ لم تكن حَاجَة ثبتَتْ الْكَرَاهَة وفاتت فَضِيلَة الْجَمَاعَة مَا لم يكن وضع الْمَكَان مُشْتَمِلًا على انخفاض وارتفاع وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَة
وَلَو تعَارض عَلَيْهِ إِكْمَال الصَّفّ الأول لَكِن مَعَ ارْتِفَاع أَو انخفاض وَالْوُقُوف فِي الصَّفّ الثَّانِي بِدُونِ ذَلِك وقف فِي الصَّفّ الثَّانِي وَترك تَكْمِيل الأول لِأَن كَرَاهَة الأول أَشد فَإِنَّهَا تفوت فَضِيلَة الْجَمَاعَة اتِّفَاقًا بِخِلَاف تقطيع الصُّفُوف فَفِيهِ خلاف كَمَا تقدم تَتِمَّة وَرخّص فِي ترك الْجَمَاعَة بِعُذْر عَام أَو خَاص كمشقة مطر وَمثله تقاطر السقوف على المارين بعد فرَاغ الْمَطَر وَشدَّة ريح بلَيْل أَو وَقت صبح وَمثل الرّيح الشَّدِيدَة الظلمَة الشَّدِيدَة وَالرِّيح الْبَارِدَة وَشدَّة وَحل وَشدَّة حر وَشدَّة برد وَشدَّة جوع وَشدَّة عَطش بِحَضْرَة طَعَام مَأْكُول أَو مشروب وَمَا قرب حُضُوره كالحاضر ومشقة مرض ومدافعة حدث وَخَوف على مَعْصُوم من نفس أَو عُضْو أَو مَنْفَعَة أَو مَال كخبز فِي تنور أَو قدر على نَار لَو ذهب للْجَمَاعَة وَتَركه تلف وَخَوف من غَرِيم لَهُ وبالخائف إعسار يعسر عَلَيْهِ إثْبَاته وَخَوف من عُقُوبَة يَرْجُو الْخَائِف الْعَفو بغيبته وَخَوف من تخلف عَن رفْقَة وفقد لِبَاس لَائِق وَأكل ذِي ريح كريهة تعسر إِزَالَتهَا لَا بِقصد إِسْقَاط الْجَمَاعَة وَإِلَّا لم يكن عذرا وَحُضُور مَرِيض بِلَا متعهد سواهُ أَو كَانَ لَهُ متعهد لَكِن كَانَ الْمَرِيض نَحْو قريب محتضر الرّوح أَي ويأنس بِهِ وَمن الْأَعْذَار زَلْزَلَة وَغَلَبَة نُعَاس وَسمن مفرط وسعي فِي اسْتِرْدَاد مَال يَرْجُو حُصُوله لَهُ أَو لغيره وعمى حَيْثُ كَانَ الْأَعْمَى لَا يجد قائدا وَلَو بِأُجْرَة مثل قدر عَلَيْهَا وَلَا أثر لإحسانه الْمَشْي بالعصا والاشتغال بتجهيز ميت وَحمله وَدَفنه وَوُجُود من يُؤْذِيه فِي طَرِيقه بشتم أَو نَحوه مَا لم يُمكن دَفعه من غير مشقة وَالنِّسْيَان وَالْإِكْرَاه وَتَطْوِيل الإِمَام فَوق الْمَشْرُوع وَتَركه سنة مَقْصُودَة وَكَون الإِمَام مِمَّن يكره الِاقْتِدَاء بِهِ أَو كَانَ يخْشَى من الافتتان بِجَمَال أَمْرَد أَو كَانَ هُوَ مِمَّن يخْشَى الافتتان بِهِ وَمعنى كَون هَذِه أعذارا سُقُوط الطّلب بِسَبَبِهَا لَا حُصُول فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَجزم الرَّوْيَانِيّ بِأَنَّهُ يكون محصلا لثواب الْجَمَاعَة إِذا صلى مُنْفَردا وَكَانَ قَصده الْجَمَاعَة لَوْلَا الْعذر وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد بِشَرْط أَن يكون ملازما لَهَا قبل الْعذر وَلم يتعاط السَّبَب بِاخْتِيَارِهِ وَلم يتأت لَهُ إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي بَيته لَكِن الْفَضِيلَة الَّتِي تحصل لَهُ دون فَضِيلَة من فعلهَا تَكْمِيل اعْلَم أَن الصَّلَوَات الْخمس بِالنِّسْبَةِ للقصر وَالْجمع ثَلَاثَة أَقسَام قسم يجوز فِيهِ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الرباعيات الثَّلَاث وَقسم يجوز فِيهِ الْجمع دون الْقصر وَهُوَ الْمغرب وَقسم لَا يجوز فِيهِ هَذَا وَلَا هَذَا وَهُوَ الصُّبْح وَيجوز للْمُسَافِر قصر الصَّلَاة بِأَن يُصليهَا رَكْعَتَيْنِ بِشُرُوط اثنى عشر أَن تكون الصَّلَاة ربَاعِية مَكْتُوبَة أَصَالَة مُؤَدَّاة أَو فَائِتَة سفر قصر كالظهر وَالْعصر وَالْعشَاء وَأَن يكون الْمُسَافِر فِي سفر طَوِيل وَهُوَ سِتَّة عشر فرسخا وَهِي مرحلتان وَأَن لَا يكون عَاصِيا بِالسَّفرِ وَأَن يكون سَفَره لغَرَض صَحِيح ديني أَو دُنْيَوِيّ وَأَن يقْصد محلا مَعْلُوما فِي أول سَفَره
وَلَو بالجهة وَأَن لَا يرْبط صلَاته بِمن جهل سَفَره أَو بمتم وَلَو فِي نفس الْأَمر وَلَو فِي جُزْء من صلَاته وَلَو فِي صبح وَأَن يَنْوِي الْقصر مَعَ التَّحَرُّم كَأَن يَقُول مَقْصُورَة أَو رَكْعَتَيْنِ أَو صَلَاة السّفر وَأَن يتحرز عَن منافي نِيَّة الْقصر فِي دوَام الصَّلَاة ودوام السّفر فِي جَمِيع الصَّلَاة يَقِينا وَأَن يعلم بِجَوَاز الْقصر وَأَن يعلم الْكَيْفِيَّة وَأَن يُجَاوز مَحل الْإِقَامَة ويصل إِلَى مَحل يعد فِيهِ مُسَافِرًا وَيجوز للْمُسَافِر السّفر الْمَذْكُور أَن يجمع بَين الظّهْر وَالْعصر أَو بَين الْمغرب وَالْعشَاء فِي وَقت أَيهمَا شَاءَ تَقْدِيمًا فِي وَقت الأولى مِنْهُمَا أَو تَأْخِيرا فِي وَقت الثَّانِيَة مِنْهُمَا وَالْجُمُعَة كالظهر فِي جمع التَّقْدِيم فَقَط وَيشْتَرط لجمع التَّقْدِيم سِتَّة شُرُوط الأول التَّرْتِيب بِأَن يبْدَأ بصاحبة الْوَقْت لِأَن الْوَقْت لَهَا فَلَو عكس التَّرْتِيب صحت صَاحِبَة الْوَقْت فَقَط الثَّانِي نِيَّة الْجمع فِي الأولى وَلَو مَعَ التَّحَلُّل مِنْهَا الثَّالِث الْوَلَاء بَين الصَّلَاتَيْنِ بِأَن لَا يَتَخَلَّل بَين الصَّلَاتَيْنِ زمن يسع رَكْعَتَيْنِ بأخف مُمكن وَحِينَئِذٍ لَا يجوز أَن يُصَلِّي الرَّاتِبَة بَينهمَا الرَّابِع دوَام السّفر إِلَى عقد الثَّانِيَة وَإِن أَقَامَ فِي أَثْنَائِهَا وَلَا يشْتَرط وجود السّفر عِنْد عقد الأولى الْخَامِس بَقَاء وَقت الأولى يَقِينا إِلَى تَمام الثَّانِيَة فَيبْطل الْجمع وَالصَّلَاة إِذا خرج الْوَقْت فِي أثْنَاء الثَّانِيَة أَو شكّ فِي خُرُوجه السَّادِس ظن صِحَة الأولى لتخرج الْمُتَحَيِّرَة فَلَيْسَ لَهَا جمع التَّقْدِيم وَكَذَا لَو كَانَت الأولى جُمُعَة فِي مَكَان تعدّدت فِيهِ لغير حَاجَة وَشك فِي السَّبق والمعية وَمثل ذَلِك كل من تلْزمهُ الْإِعَادَة كفاقد الطهُورَيْنِ والمتيمم للبرد أَو لفقد المَاء بِمحل يغلب فِيهِ الْوُجُود أَو نَحْو ذَلِك وَيشْتَرط لجمع التَّأْخِير شَرْطَانِ الأول نِيَّة التَّأْخِير فِي وَقت الأولى مَا بَقِي مِنْهُ قدر يَسعهَا تَامَّة أَو مَقْصُورَة إِن أَرَادَ قصرهَا فَإِن لم ينْو التَّأْخِير أصلا أَو نَوَاه وَالْبَاقِي من الْوَقْت قدر لَا يَسعهَا عصى وَكَانَت قَضَاء مَا لم يُوقع مِنْهَا رَكْعَة أَو أَكثر فِي وَقتهَا وَإِلَّا فأداء مَعَ الْحُرْمَة الثَّانِي دوَام السّفر إِلَى تَمام الصَّلَاتَيْنِ فَلَو أَقَامَ قبل ذَلِك صَارَت الَّتِي نوى تَأْخِيرهَا قَضَاء سَوَاء رتب بَين الصَّلَاتَيْنِ أَولا لَكِن لَا إِثْم فِيهِ وَلَو كَانَ انْتِهَاء السّفر فِي أثْنَاء الظّهْر الَّتِي نوى تَأْخِيرهَا فَائِتَة حضر فَلَا يجوز قصرهَا وَترك الْجمع أفضل وَإِذا أَرَادَ الْجمع فَإِن كَانَ نازلا فِي وَقت الأولى سائرا فِي وَقت الثَّانِيَة فَالْأَفْضَل جمع التَّقْدِيم وَإِن كَانَ نازلا فيهمَا أَو سائرا فيهمَا أَو سائرا فِي الأولى نازلا فِي الثَّانِيَة فَالْأَفْضَل جمع التَّأْخِير وَيجوز للمقيم أَن يجمع مَا يجمع بِالسَّفرِ وَلَو عصرا مَعَ الْجُمُعَة تَقْدِيمًا فِي وَقت الأولى بِسَبَب الْمَطَر وَلَو كَانَ الْمَطَر قَلِيلا لَكِن كَانَ يبل الثَّوْب وَمثل الْمَطَر ثلج وَبرد ذائبان وشفان بِفَتْح الشين وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ ريح بَارِدَة يصحبها مطر قَلِيل وَلَا بُد أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا يبل الثَّوْب وَلِهَذَا الْجمع شُرُوط ثَمَانِيَة أَن يُوجد نَحْو الْمَطَر عِنْد تحرمه بهما وَعند تحلله من الأولى ليتصل بِأول الثَّانِيَة وَيُؤْخَذ من ذَلِك اعْتِبَار امتداده بَينهمَا وَهُوَ الْمُعْتَمد وَلَا يضر انْقِطَاعه فِي أثْنَاء الأولى أَو الثَّانِيَة أَو بعدهمَا وَالتَّرْتِيب وَالْوَلَاء وَنِيَّة الْجمع كَمَا تقدم وَأَن تصلى الثَّانِيَة جمَاعَة وَإِن انفردوا قبل تَمام ركعتها الأولى وَلَو قبل ركوعها وَإِن لم يحصل ثَوَاب الْجَمَاعَة كَأَن كَانَت مَكْرُوهَة وَلَا بُد من نِيَّة الْجَمَاعَة أَو الْإِمَامَة وَإِلَّا لم تَنْعَقِد صلَاته وَلَا صلَاتهم
إِن علمُوا بذلك وَأَن يفعل ذَلِك بمصلى بعيد عرفا بِحَيْثُ يأتونه بِمَشَقَّة فِي طريقهم إِلَيْهِ لَكِن يجوز للْإِمَام الرَّاتِب أَن يجمع بالمأمومين وَإِن لم يتأذ بالمطر وَكَذَا من يلْزم من عدم إِمَامَته تَعْطِيل الْجَمَاعَة وَلمن اتّفق لَهُ وجود الْمَطَر وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ أَن يجمع وَإِلَّا لاحتاج إِلَى صَلَاة الْعَصْر أَو الْعشَاء فِي جمَاعَة وَفِيه مشقة فِي رُجُوعه إِلَى بَيته ثمَّ عوده أَو فِي إِقَامَته وَإِذا تخلف شَرط من ذَلِك امْتنع الْجمع الْمَذْكُور تَنْبِيه قد علم مِمَّا مر أَنه لَا يجمع بِغَيْر سفر وَنَحْو الْمَطَر كَمَرَض وريح وظلمة وَخَوف ووحل وَهُوَ الْمَشْهُور لِأَنَّهُ لم ينْقل وَحكى فِي الْمَجْمُوع عَن جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة جَوَازه بالمذكورات وَهُوَ قوي جدا فِي الْمَرَض والوحل وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بمحاسن الشَّرِيعَة وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ الْحَج 22 الْآيَة 78 وعَلى ذَلِك فَيسنّ للْمَرِيض أَن يُرَاعِي الأرفق بِنَفسِهِ فَمن يحم فِي وَقت الثَّانِيَة يقدمهَا بشرائط جمع التَّقْدِيم بِالسَّفرِ أَو فِي وَقت الأولى يؤخرها بالشرطين الْمُتَقَدِّمين لجمع التَّأْخِير وَيجْعَل دوَام الْمَرَض هُنَا كدوام السّفر هُنَاكَ فَائِدَة يخْتَص بِالسَّفرِ الطَّوِيل أَربع الْجمع على الْأَظْهر وَالْقصر وَالْفطر فِي رَمَضَان وَالْمسح على الْخُف ثَلَاثَة أَيَّام وَيجوز فِي الْقصير ترك الْجُمُعَة والتنفل على الرَّاحِلَة ويختصان بِالسَّفرِ
فصل فِي صَلَاة الْجُمُعَة
يَوْم الْجُمُعَة أفضل أَيَّام الْأُسْبُوع يعْتق الله فِيهِ سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار وَمن مَاتَ فِيهِ أعطي أجر شَهِيد وَوقى فتْنَة الْقَبْر وَهِي السُّؤَال بِأَن يُخَفف عَنهُ لِأَن عدم السُّؤَال أصلا خَاص بالأنبياء وَنَحْوهم مِمَّن اسْتثْنى وليلتها أفضل اللَّيَالِي بعد لَيْلَة الْقدر وَلَيْلَة الْقدر أفضل من لَيْلَة الْإِسْرَاء بِالنِّسْبَةِ لنا أما بِالنِّسْبَةِ لسيدنا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فليلة الْإِسْرَاء أفضل إِذْ وَقع لَهُ فِيهَا رُؤْيَة الْبَارِي بعيني رَأسه وَلَيْلَة المولد الشريف أفضل من لَيْلَة الْإِسْرَاء وَلَيْلَة الْقدر لِأَنَّهَا أَصلهمَا وَالْمرَاد بليلة المولد وَلَيْلَة الْإِسْرَاء الليلتان المعينتان لَا نظيرتهما من كل سنة وفرضت صَلَاة الْجُمُعَة بِمَكَّة لَيْلَة الْإِسْرَاء وَلم تقم بهَا لقلَّة الْمُسلمين أَو لخفاء الْإِسْلَام إِذْ ذَاك فَإِن شعارها الْإِظْهَار وَأول من أَقَامَهَا بِجِهَة الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة أسعد بن زُرَارَة بقرية على ميل من الْمَدِينَة وَاسْمهَا نَقِيع الخضمان وَهِي أفضل الصَّلَوَات وَمن خَصَائِص هَذِه الْأمة وَلَيْسَت ظهرا مَقْصُورا لِأَنَّهُ لَا يغنى عَنْهَا وَإِن كَانَ وَقتهَا وقته وتتدارك بِهِ بل صَلَاة مُسْتَقلَّة وَمَعْلُوم أَنَّهَا رَكْعَتَانِ وتختص بِشُرُوط لوُجُوبهَا وشروط لصحتها وآداب كَمَا قَالَ (تجب جُمُعَة) وجوب عين (على) كل مُسلم (مُكَلّف) أَي بَالغ عَاقل وَألْحق بِهِ فِي انْعِقَاد السَّبَب لَا فِي التَّكْلِيف مُتَعَدٍّ بمزيل عقله فَيلْزمهُ قَضَاؤُهَا ظهرا (ذكر حر متوطن) بِبَلَد الْجُمُعَة بِأَن لَا يُسَافر عَن وَطنه
صيفا وَلَا شتاء إِلَّا لحَاجَة كتجارة (غير مَعْذُور) بمجوز لترك الْجَمَاعَة (و) تجب الْجُمُعَة أَيْضا (على مُقيم) بِمحل إِقَامَة الْجُمُعَة أَو بِمحل يسمع فِيهِ نداءها وَإِن لم يستوطنه وكالمقيم بذلك الْمحل الْمُسَافِر إِلَيْهِ من مَحل الْجُمُعَة كَذَا قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْجواد (وَلَا تَنْعَقِد) الْجُمُعَة (بِهِ) أَي بمقيم فِي ذَلِك الْمحل على عزم الْعود إِلَى بَلَده بعد مُدَّة وَلَو طَوِيلَة كالمتفقهة والتجار وَمثله متوطن خَارج بلد الْجُمُعَة فَلَا تَنْعَقِد بِهِ (وَلَا بِمن بِهِ رق) وَإِن قل (وصبا) وَحَاصِل مَا فِي هَذَا الْبَاب أَن صَلَاة الْجُمُعَة كَغَيْرِهَا من الْخمس فِي الْأَركان والشروط والآداب لَكِنَّهَا تزيد عَلَيْهِ بِشُرُوط للزومها وبشروط لصحتها وبآداب أخر أما شُرُوط لُزُومهَا المختصة بهَا فَأَرْبَعَة الْحُرِّيَّة والذكورة وَعدم الْعذر المجوز لترك الْجَمَاعَة وَالْإِقَامَة فَلَا جُمُعَة على رَقِيق وَلَا أُنْثَى وَلَا مُسَافر وَلَا مَعْذُور بمجوز لترك الْجَمَاعَة وَمِنْه الِاشْتِغَال بتجهيز الْمَيِّت والإسهال الَّذِي لَا يضْبط نَفسه مَعَه ويخشى مِنْهُ تلويث الْمَسْجِد وَالْحَبْس عَنهُ إِذا لم يكن مقصرا فِيهِ فَإِذا رأى القَاضِي الْمصلحَة فِي مَنعه مَنعه وَإِلَّا أطلقهُ لفعل الْجُمُعَة وَتلْزم الشَّيْخ الْهَرم والزمن وَهُوَ من بِهِ عاهة أبطلت حركته إِن وجدا مركبا ملكا أَو إِجَارَة أَو إِعَارَة وَلَو آدَمِيًّا إِذا لم يزر بهما وَلم يشق الرّكُوب عَلَيْهِمَا كمشقة الْمَشْي فِي الوحل وَتلْزم الْأَعْمَى إِن وجد قائدا وَلَو بِأُجْرَة مثل يجدهَا زَائِدَة على مَا يَأْتِي فِي الْفطْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَو مُتَبَرعا أَو ملكا فَإِن لم يجده لم يلْزمه الْحُضُور وَإِن أحسن الْمَشْي بالعصى على الْمُعْتَمد لما فِيهِ من التَّعَرُّض للضَّرَر نعم إِن كَانَ قَرِيبا من الْجَامِع لَا يتَضَرَّر بذلك وَجب عَلَيْهِ الْحُضُور لعدم الضَّرَر وَمن صحت ظَهره مِمَّن لَا تلْزمهُ جُمُعَة صحت جمعته وتغني عَن ظَهره كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْمُسَافر وَله أَن ينْصَرف من الْمصلى قبل إِحْرَامه بهَا وَلَو بعد دُخُول وَقتهَا إِلَّا الْمَرِيض وَنَحْوه مِمَّن ألحق بِهِ كالأعمى لَا يجد قائدا فَلَا يجوز لَهُ الِانْصِرَاف بعد دُخُول الْوَقْت إِلَّا إِن زَاد ضَرَره بانتظاره فعلهَا وَإِلَّا فَلهُ الِانْصِرَاف مَا لم تكن قد أُقِيمَت وَإِلَّا فَلَا ينْصَرف وَالْحَاصِل أَن نَحْو الْمَرِيض لَهُ الِانْصِرَاف قبل دُخُول الْوَقْت وَهُوَ الزَّوَال مُطلقًا مَا لم يحصل لَهُ مشقة لَا تحْتَمل وَأما بعد دُخُول الْوَقْت وَقبل الْإِحْرَام فَإِن زَاد ضَرَره بانتظاره فعلهَا وَلم تقم جَازَ لَهُ الِانْصِرَاف وَإِن لم يزدْ ضَرَره أَو أُقِيمَت فَلَا ثمَّ حَاصِل مَا ذكره المُصَنّف أَن النَّاس فِي الْجُمُعَة سِتَّة أَقسَام قسم تلْزمهُ وتنعقد بِهِ وَهُوَ كل مُسلم مُكَلّف متوطن حر ذكر لَا عذر لَهُ يرخص فِي ترك الْجَمَاعَة وَقسم لَا تلْزمهُ وتنعقد بِهِ وَهُوَ الْمَعْذُور بمسقط لوُجُوبهَا غير الْمُسَافِر وَمن الْأَعْذَار مَا لَو حلف بِالطَّلَاق أَنه لَا يُصَلِّي خلف زيد فولى زيد الْمَذْكُور إِمَامَة الْجُمُعَة وَلم يكن فِي الْمحل غَيرهَا فَتسقط عَنهُ على الْمُعْتَمد وَقيل هُوَ مكره شرعا فَيصَلي وَلَا حنث وَقسم تلْزمهُ وَتَصِح مِنْهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَهُوَ الْمُقِيم غير المتوطن والمتوطن بِمحل يسمع مِنْهُ النداء وَلم يبلغ أَهله أَرْبَعِينَ فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي إِلَى بلد الْجُمُعَة وَلَا يحْسب من عَددهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من المتوطنين ببلدها فَإِن بلغُوا أَرْبَعِينَ لَزِمَهُم إِقَامَتهَا فِي محلهم وَحرم
عَلَيْهِم تعطيله وَإِن فَعَلُوهَا فِي غَيره وَقسم تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَلَا تصح مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَد وَقسم لَا تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَتَصِح مِنْهُ وَهُوَ من بِهِ رق وَالصَّبِيّ الْمُمَيز وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَالْمُسَافر والمقيم بِمحل لَا يسمع مِنْهُ النداء وَلم يبلغ أَهله أَرْبَعِينَ أَو كَانُوا أهل خيام وَقسم لَا تلْزمهُ وَلَا تَنْعَقِد بِهِ وَلَا تصح مِنْهُ وَهُوَ الْمَجْنُون والمغمى عَلَيْهِ والسكران وَالصَّبِيّ غير الْمُمَيز وَالْكَافِر الْأَصْلِيّ (و) أما شُرُوط صِحَة الْجُمُعَة فستة وَهِي مَا (شَرط) زَائِدا على مَا يشْتَرط لغَيْرهَا الأول (وُقُوعهَا جمَاعَة) إِجْمَاعًا فَلَا تصح فُرَادَى إِذْ لم ينْقل فعلهَا كَذَلِك وَالْجَمَاعَة شَرط (فِي الرَّكْعَة الأولى) فَقَط أما الْعدَد فَشرط فِي جَمِيع الْجُمُعَة فَيشْتَرط أَن يستمروا مَعَ الإِمَام إِلَى سجودها الثَّانِي فَلَو نووا كلهم الْمُفَارقَة بعد الرَّكْعَة الأولى وَأَتمُّوا صلَاتهم فُرَادَى صحت جمعتهم وجمعة الإِمَام وَيشْتَرط أَن لَا تبطل صَلَاة وَاحِد من الْأَرْبَعين قبل سَلام نَفسه وَإِلَّا بطلت صَلَاة الْكل وَإِن كَانَ هُوَ الْأَخير وَإِن ذهب الْأَولونَ إِلَى مكانهم ويلغز بذلك وَيُقَال رجل أحدث فِي الْمَسْجِد فبطلت صَلَاة من فِي الْبَيْت وَلَو كَانَ من جملَة الْأَرْبَعين شخص مالكي فَترك الْبَسْمَلَة بطلت صَلَاة الْجَمِيع بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ زَائِدا على الْأَرْبَعين (و) الثَّانِي أَن يكون عدد جمَاعَة المجمعين أَرْبَعِينَ مِنْهُم الإِمَام وَإِن كَانَ بَعضهم صلاهَا فِي قَرْيَة أُخْرَى وَلَا نظر لكَونهَا تقع لَهُ نَافِلَة فَلَا تَنْعَقِد بِأَقَلّ مِنْهُم وَذَلِكَ بِأَن تُقَام (بِأَرْبَعِينَ) من أهل الْجُمُعَة وهم الذُّكُور الْأَحْرَار المكلفون المستوطنون بمحلها لَا يظعنون عَنهُ شتاء وَلَا صيفا إِلَّا لحَاجَة قَالَ بَعضهم وَلَا بُد من صِحَة إِمَامَة كل وَاحِد مِنْهُم بالباقين وَقَالَ بَعضهم الْمدَار على صِحَة صَلَاة كل مِنْهُم فِي نَفسه حَيْثُ كَانَ إمَامهمْ تصح إِمَامَته لَهُم وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بمحاسن الشَّرِيعَة وَلَا بُد من وجود هَذَا الْعدَد كَامِلا من ابْتِدَاء الْخطْبَة إِلَى انْتِهَاء الصَّلَاة وَتَصِح الْجُمُعَة خلف عبد وَصبي مُمَيّز ومسافر وَمن بَان مُحدثا وَلَو حَدثا أكبر إِن تمّ الْعدَد بغيرهم وَلَو كَانُوا ناوين ظهرا بِخِلَاف مَا إِذا لم يتم الْعدَد إِلَّا بهم لأَنهم لَا يحسبون من عدد الْجُمُعَة وَلَا تَنْعَقِد بِأَرْبَعِينَ فَقَط وَفِيهِمْ أُمِّي لارتباط صِحَة صَلَاة بَعضهم بِبَعْض فَصَارَ كاقتداء القارىء بالأمي وَمحله إِذا قصر الْأُمِّي فِي التَّعَلُّم وَإِلَّا فَتَصِح الْجُمُعَة إِن كَانَ الإِمَام قَارِئًا وَعلم من ذَلِك أَن عِلّة بطلَان صلَاتهم تقصيرهم لَا ارتباط صَلَاة بَعضهم بِبَعْض وَمَعْلُوم أَن الْأُمِّيين إِذا لم يَكُونُوا فِي دَرَجَة وَاحِدَة لَا يَصح اقْتِدَاء بَعضهم بِبَعْض فَلَا تصح جمعتهم لِأَن الْجَمَاعَة المشترطة هُنَا للصِّحَّة صيرت بَينهم ارتباطا كالارتباط بَين صَلَاة الإِمَام وَالْمَأْمُوم فَصَارَ كاقتداء قارىء بأمي وَعلم مِمَّا ذكر أَنه لَا بُد لصِحَّة الْجُمُعَة من اغناء صلَاتهم عَن الْقَضَاء وَلَو كَانَ بقرية أَرْبَعُونَ كاملون حرم عَلَيْهِم أَن يصلوها فِي الْمصر على الْمُعْتَمد سمعُوا النداء أم لَا لتعطيلهم الْجُمُعَة فِي محلهم وَتسقط عَنْهُم الْجُمُعَة بِفِعْلِهَا فِي الْمصر وَإِن قُلْنَا بِعَدَمِ الْجَوَاز إِذْ الْإِسَاءَة لَا تنَافِي الصِّحَّة وَيجب على الْحَاكِم مَنعهم من ذَلِك وَلَا يكون قصدهم البيع وَالشِّرَاء فِي الْمصر عذرا فِي تَركهم الْجُمُعَة فِي قريتهم إِلَّا إِذا ترَتّب عَلَيْهِ فَسَاد شَيْء من أَمْوَالهم أَو احتاجوا إِلَى مَا يصرفونه فِي نَفَقَة ذَلِك الْيَوْم الضرورية وَلَا يكلفون الِاقْتِرَاض
وَلَو تقاربت قَرْيَتَانِ فِي كل مِنْهُمَا دون أَرْبَعِينَ بِصفة الْكَمَال وَلَو اجْتَمعُوا لبلغوا أَرْبَعِينَ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِد بهم وَإِن سَمِعت كل وَاحِدَة نِدَاء الْأُخْرَى لِأَن الْأَرْبَعين غير متوطنين فِي مَوضِع الْجُمُعَة وَلَو كَانَ لَهُ زوجتان كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي بَلْدَة يُقيم عِنْد كل يَوْمًا مثلا انْعَقَدت بِهِ الْجُمُعَة فِي الْبَلدة الَّتِي إِقَامَته فِيهَا أَكثر دون الْأُخْرَى فَإِن اسْتَويَا فِي الْإِقَامَة انْعَقَدت بهم فِي الْبَلدة الَّتِي مَاله فِيهَا أَكثر دون الْأُخْرَى فَإِن اسْتَويَا فِي المَال اعْتبرت نِيَّته فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن لم تكن نِيَّة اعْتبر الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ (و) الثَّالِث أَن تُقَام (بِمحل مَعْدُود من الْبَلَد) أَي فِي خطة أبنية أوطان الْمُصَلِّين للْجُمُعَة سَوَاء الرحاب المسقفة والساحات والمساجد فَتجوز فِي الفضاء الْمَعْدُود من خطة الْبَلَد بِأَن كَانَ فِي مَحل لَا تقصر فِيهِ الصَّلَاة بِخِلَاف غير الْمَعْدُود مِنْهَا وَلَا فرق فِي الْمَعْدُود مِنْهَا بَين الْمُتَّصِل بالأبنية والمنفصل عَنْهَا وَلَو انْهَدَمت الْأَبْنِيَة وَأقَام أَهلهَا قَاصِدين عمارتها صحت مِنْهُم الْجُمُعَة وَإِن لم يَكُونُوا فِي مظال لِأَنَّهَا وطنهم وَلَا تَنْعَقِد فِي غير بِنَاء إِلَّا فِي هَذِه الصُّورَة فَلَا تجوز إِقَامَتهَا خَارج الْأَبْنِيَة حَيْثُ أُقِيمَت فِي مَحل تقصر فِيهِ الصَّلَاة وَلَا جُمُعَة على أهل الْخيام نعم إِن كَانَت خيامهم فِي خلال الْأَبْنِيَة وهم مقيمون لزمتهم الْجُمُعَة وَلَو كَانُوا متوطنين بِمحل من الْبَادِيَة قريب من بلد الْجُمُعَة بِحَيْثُ يسمعُونَ النداء من بلد الْجُمُعَة لزمتهم وَوَجَب السَّعْي إِلَيْهَا وَالْمرَاد سَماع من يكون بِطرف محلتهم الَّذِي يَلِي بلد الْجُمُعَة أَي من أصغى مِنْهُم وَلَو وَاحِدًا وَهُوَ معتدل السّمع مِمَّن بِطرف بلد الْجُمُعَة الَّذِي يَلِي محلتهم ويفرض عدم الْمَانِع وَالْمُعْتَبر أَن يكون الْمُؤَذّن على الأَرْض لَا على مَوضِع عَال إِلَّا أَن تكون الْبَلدة فِي أَرض بَين أَشجَار فَيعْتَبر فِيهَا الْعُلُوّ على مَا يُسَاوِي الْأَشْجَار وَلَو كَانَ بقرية مَسْجِد ثمَّ خرب مَا حوله فَصَارَ مُنْفَردا وَلم يهجر بل اسْتمرّ النَّاس يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ فِي الصَّلَوَات وَغَيرهَا صحت الْجُمُعَة فِيهِ وَلَو بعد الْعمرَان عَنهُ إِذْ بَقَاء التَّرَدُّد اليه يصيره معدودا من الْبَلَد أفتى بِهِ البُلْقِينِيّ وَغَيره قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَأكْثر أهل الْقرى يؤخرون الْمَسْجِد عَن جِدَار الْقرْيَة قَلِيلا صِيَانة لَهُ عَن نَجَاسَة الْبَهَائِم وَعدم انْعِقَاد الْجُمُعَة فِيهِ بعد وَالضَّابِط أَن الْمَسْجِد الْخَارِج عَن الْأَبْنِيَة إِن كَانَ بِحَيْثُ تقصر الصَّلَاة قبل مجاوزته لَا تجوز إِقَامَة الْجُمُعَة فِيهِ وَإِلَّا جَازَت (و) الرَّابِع وُقُوع الصَّلَاة كلهَا فِي الْوَقْت يَقِينا لِأَن الْوَقْت شَرط لافتتاحها فَكَانَ شرطا لتمامها وَلِأَنَّهُمَا فرضا وَقت وَاحِد فَلم يخْتَلف وقتهما أما بَقِيَّة الصَّلَوَات فَلَيْسَ الْوَقْت شرطا لافتتاحها بِدَلِيل الْقَضَاء خَارجه فَلَا بُد من وُقُوع الصَّلَاة كلهَا مَعَ الْخطْبَة (فِي وَقت ظهر) فَلَو خرج الْوَقْت قبل التَّلَبُّس بهَا أَو كَانُوا فِيهَا أَو ضَاقَ عَنْهَا وَعَن خطبتها أَو شكّ فِي ذَلِك صليت ظهرا فِي الْجَمِيع وَلَو مد الرَّكْعَة الأولى بِأَن أحرم بِالْجمعَةِ فِي وَقت يَسعهَا لكنه طول حَتَّى تحقق أَنه لم يبْق مَا يسع الثَّانِيَة انقلبت ظهرا الْآن عِنْد ابْن حجر كالروياني أَو انقلبت ظهرا عِنْد خُرُوج الْوَقْت على مَا اعْتَمدهُ الرَّمْلِيّ فيسر بِالْقِرَاءَةِ من وَقت الانقلاب وَلَو سلم الإِمَام التسليمة
الأولى وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ فِي الْوَقْت وَسلمهَا الْبَاقُونَ خَارجه صحت جُمُعَة الإِمَام وَمن مَعَه أما الْمُسلمُونَ خَارجه فَلَا تصح جمعتهم وَكَذَا لَو كَانَ الْمُسلمُونَ فِيهِ أقل من أَرْبَعِينَ وَالْخَامِس أَن لَا يسبقها وَلَا يقارنها جُمُعَة فِي محلهَا وَلَو عظم نعم إِذا كبر الْمحل وعسر اجْتِمَاعهم فِي مَكَان وَاحِد بِأَن لم يكن فِي مَحل الْجُمُعَة مَكَان يسعهم بِلَا مشقة وَلَو غير مَسْجِد جَازَ التَّعَدُّد على قدر الْحَاجة وَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة فِي الْعسر بِمن يُصَلِّي فِي ذَلِك الْمحل غَالِبا وَإِن لم يكن من أهل الْبَلَد وَلَو كَانَ الْغَالِب يخْتَلف باخْتلَاف الْأَزْمِنَة اعْتبرنَا كل زمَان بِحَسبِهِ لَا بِمن تلْزمهُ وَلَو لم يحضر وَلَا بِجَمِيعِ أهل الْبَلَد كَمَا قيل بذلك وَالْقَوْل الْأَخير يُفِيد أَن التَّعَدُّد فِي مصر كُله لحَاجَة فَعَلَيهِ لَا تجب الظّهْر ثمَّ عسر الِاجْتِمَاع إِمَّا لكثرتهم كَمَا مر أَو لقِتَال بَينهم أَو لبعد أَطْرَاف الْبَلَد بِحَيْثُ كَانَ من بطرفها لَو سعى إِلَيْهَا بعد الْفجْر لَا يُدْرِكهَا فَإِن اجْتمع من أهل الْمحل الْبعيد أَرْبَعُونَ أَقَامُوا الْجُمُعَة وَإِلَّا صلوها ظهرا وَحَاصِل مَا يُقَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن التَّعَدُّد ان كَانَ لحَاجَة جَازَ بِقَدرِهَا على الْأَصَح وَصحت صَلَاة الْجَمِيع سَوَاء وَقع إِحْرَام الْأَئِمَّة مَعًا أَو مُرَتبا وَتسن الظّهْر مُرَاعَاة لِلْقَوْلِ الْمَانِع من التَّعَدُّد مُطلقًا أَو لغير حَاجَة فِي جَمِيعهَا أَو بَعْضهَا أَو لم يدر هَل هُوَ لحَاجَة أم لَا كَمَا فِي بعض الْأَمْصَار فلهَا خَمْسَة أَحْوَال لِأَنَّهَا إِمَّا أَن يَقع سبق وَتعلم عين السَّابِقَة وَلم تنس أَو تعلم وتنسى أَو يعلم سبق وَاحِدَة لَا بِعَينهَا أَو يعلم وقوعهما مَعًا أَو يشك فِي الْمَعِيَّة والسبق فَفِي الأولى تجب الظّهْر على المسبوقة لبُطْلَان جمعتها وَفِي الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة يجب على الْجَمِيع فعل الظّهْر لوُجُود جُمُعَة صَحِيحَة لأحد الْفَرِيقَيْنِ فَلَا تتأتى إِقَامَة جُمُعَة بعْدهَا لَكِن لما كَانَت مُبْهمَة وَجب على الْجَمِيع فعل الظّهْر لتبرأ ذمتهم بِيَقِين وَفِي الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة يجب على الْجَمِيع أَن يجتمعوا بِمحل أَو بمحال بِقدر الْحَاجة ويقيموا جُمُعَة أُخْرَى وَهل يجب مَعَ ذَلِك فِي الْخَامِسَة فعل الظّهْر لِأَن احْتِمَال السَّبق فِي احداهما يَقْتَضِي وجوب الظّهْر على الْأُخْرَى أَو ينْدب فَقَط لِأَن الأَصْل عدم جُمُعَة مجزئة فِي حق كل مِنْهُمَا قَالَ الإِمَام بِالْأولِ وَالْمُعْتَمد الثَّانِي فَإِن ضَاقَ الْوَقْت أَو لم يتَّفق اجْتِمَاعهم كَمَا هُوَ جَار الْآن وَجب الظّهْر تَنْبِيه صَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة إِمَّا وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة ويعلمان مِمَّا تقدم أَو حرَام وَلَا تَنْعَقِد إِذا لم يكن بِالْبَلَدِ إِلَّا جُمُعَة وَاحِدَة فَائِدَة الْجُمُعَة الْمُحْتَاج إِلَيْهَا مَعَ الزَّائِد على قدر الْحَاجة كالجمعتين الْمُحْتَاج إِلَى إِحْدَاهمَا فَفِي ذَلِك التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم (و) السَّادِس تقدم خطبتين على صَلَاة الْجُمُعَة فَلَا بُد من وُقُوعهَا (بعد خطبتين) لَهَا متلبستين (بأركانهما) وَقد نظمها بَعضهم فَقَالَ وخطبة أَرْكَانهَا قد تعلم خمس تعد يَا أخي وتفهم حمد الْإِلَه وَالصَّلَاة الثَّانِي على نَبِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ
وَصِيَّة ثمَّ الدعا للْمُؤْمِنين وَآيَة من الْكتاب المستبين (وَهِي) خَمْسَة إِجْمَالا ثَمَانِيَة تَفْصِيلًا أَولهَا (حمد الله) تَعَالَى (و) ثَانِيهَا (صَلَاة على النَّبِي) رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بلفظهما) وَالْحَاصِل أَن مَادَّة الْحَمد وَالصَّلَاة متعينة فَلَا يجزىء الشُّكْر وَالثنَاء وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَنَحْو ذَلِك وَلَا يتَعَيَّن لفظ الْحَمد لله بل يجزىء نحمد الله أَو لله الْحَمد أَو نَحْو ذَلِك وَيتَعَيَّن لفظ الْجَلالَة فَلَا يجزىء الْحَمد للرحمن أَو نَحوه وَلَا يتَعَيَّن لفظ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد بل يجزىء نصلي أَو أُصَلِّي أَو نَحْو ذَلِك وَلَا يتَعَيَّن لفظ مُحَمَّد بل يَكْفِي أَحْمد أَو النَّبِي أَو الماحي أَو الحاشر أَو نَحْو ذَلِك وَلَا يَكْفِي الضَّمِير نَحْو صلى الله عَلَيْهِ وَلَا يَكْفِي رحم الله مُحَمَّدًا (و) ثَالِثهَا (وَصِيَّة بتقوى) وَلَا يتَعَيَّن لفظ الْوَصِيَّة وَلَا مادتها لِأَن الْمَقْصُود الْوَعْظ والحث على طَاعَة الله فَيَكْفِي أطِيعُوا الله وراقبوه وَهَذِه الثَّلَاثَة أَرْكَان (فيهمَا) أَي فِي كل من الْخطْبَتَيْنِ فَتكون سِتَّة تَفْصِيلًا (و) رَابِعهَا (قِرَاءَة آيَة فِي إِحْدَاهمَا) سَوَاء أَتَى بهَا فِي خلال الْأَركان أَو قبل الشُّرُوع فِيهَا أَو بعد فراغها وَالسّنة أَن تكون فِي آخر الْخطْبَة الأولى لتَكون فِي مُقَابلَة الدُّعَاء للْمُؤْمِنين فِي الثَّانِيَة (و) خَامِسهَا (دُعَاء) أَي مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم دُعَاء للْمُؤْمِنين وَيجب أَن يكون بأخروي فَلَا يَكْفِي الدنيوي وَالْأولَى فِي الدُّعَاء التَّعْمِيم (وَلَو) خص بِهِ الْحَاضِرين أَو أَرْبَعِينَ مِنْهُم كَقَوْلِه (رحمكم الله) أَو يَرْحَمكُمْ الله فَيَكْفِي ذَلِك إِذْ الْقَصْد مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الدُّعَاء وَلَا بُد من عدم صرفه فَلَو صرف ذَلِك للرحمة الدُّنْيَوِيَّة لم يكف كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي أما لَو خص بِهِ الغائبين فَلَا يَكْفِي وَيكون (فِي ثَانِيَة) لِأَن الدُّعَاء بالخواتيم أليق وَيُبَاح الدُّعَاء للسُّلْطَان بِخُصُوصِهِ وَيحرم وَصفه بِالصِّفَاتِ الكاذبة إِن لم يخْش من تَركه فتْنَة وَإِلَّا وَجب كَمَا فِي قيام بعض النَّاس لبَعض وَيسن الدُّعَاء لأئمة الْمُسلمين وولاة أُمُورهم عُمُوما بالصلاح وَالْهِدَايَة وَالْعدْل (وَشرط فيهمَا) أَي الْخطْبَتَيْنِ أُمُور سَبْعَة (إسماع أَرْبَعِينَ) مِمَّن تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة (الْأَركان) أَي أَرْكَان الْخطْبَتَيْنِ لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا وعظهم وَهُوَ لَا يحصل إِلَّا بذلك فَإِن كَانَ الْخَطِيب مِمَّن تَنْعَقِد بِهِ الْجُمُعَة فَلَا يشْتَرط أَن يسمع نَفسه فَيَكْفِي كَونه أَصمّ لِأَنَّهُ يعلم مَا يَقُول فَلَا بُد من إسماع تِسْعَة وَثَلَاثِينَ مِمَّن تَنْعَقِد بهم الْجُمُعَة وَالْمرَاد إسماعهم بِالْفِعْلِ بِأَن يرفع الْخَطِيب صَوته بِحَيْثُ يسمعهُ الْحَاضِرُونَ لَو أصغوا وَأما السماع مِنْهُم فبالقوة وَإِن لم يسمعوا بِالْفِعْلِ لوُجُود لغط أَو نوم خَفِيف بِخِلَافِهِ لصمم أَو بعد أَو نوم ثقيل وَلَا يضر عدم فهم مَعْنَاهُمَا حَتَّى فِي حق الْخَطِيب كمن يؤم الْقَوْم وَلَا يعرف معنى الْفَاتِحَة (وعربية) بِأَن تكون أَرْكَان الْخطْبَتَيْنِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِن لم يكن ثمَّ من يحسن الْعَرَبيَّة وَلم يُمكن تعلمهَا خطب بغَيْرهَا فَإِن أمكن وَجب على الْجَمِيع على سَبِيل فرض الْكِفَايَة فَيَكْفِي فِي ذَلِك وَاحِد فَلَو تركُوا التَّعَلُّم
مَعَ امكانه عصوا وَلَا جُمُعَة لَهُم فيصلون الظّهْر (وَقيام قَادر) فيهمَا جَمِيعًا فَإِن عجز عَنهُ خطب جَالِسا وَلَو مَعَ وجود الْقَادِر وَالْأولَى للعاجز الِاسْتِنَابَة (وطهر) عَن الْحَدث الْأَكْبَر والأصغر وَعَن نجس غير مَعْفُو عَنهُ فِي بدنه وثوبه ومكانه كَمَا فِي شُرُوط الصَّلَاة (وَستر) أَي ستر الْعَوْرَة فَلَو أحدث فِي أثْنَاء الْخطْبَة استأنفها وَإِن سبقه الْحَدث وَقصر الْفَصْل لِأَنَّهَا عبَادَة وَاحِدَة فَلَا تُؤَدّى بطهارتين كَالصَّلَاةِ وَمن ثمَّ لَو أحدث بَين الْخطْبَة وَالصَّلَاة وتطهر عَن قرب لم يضر وَلَا يشْتَرط طهر السامعين وَلَا سترهم (وجلوس بَينهمَا) بطمأنينة فِي جُلُوسه وجوبا وَمن خطب قَاعِدا لعذر أَو قَائِما وَعجز عَن الْجُلُوس أَو مُضْطَجعا للعجز فصل بَينهمَا بسكتة وجوبا فَوق سكتة التنفس والعي وَيسن أَن تكون الجلسة أَو السُّكُوت بِقدر سُورَة الْإِخْلَاص وَأَن يَقْرَأها فِي ذَلِك (وَوَلَاء) بَين الْخطْبَتَيْنِ وَبَين أركانهما وَبَعضهَا وَبَينهمَا وَبَين الصَّلَاة وَضَابِط الْمُوَالَاة أَن لَا يَتَخَلَّل مَا يسع رَكْعَتَيْنِ بأخف مُمكن وَلَا يضر تخَلّل الْوَعْظ بَين الْأَركان وَإِن طَال وَأفْتى الْعَلامَة الرَّمْلِيّ فِيمَا لَو ابْتَدَأَ الْخَطِيب فسردها أَي ذكرهَا متتابعة ثمَّ أَعَادَهَا كَمَا اُعْتِيدَ الْآن كَأَن قَالَ الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله أوصيكم بتقوى الله وطاعته لقَوْله تَعَالَى ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ 41 فصلت الْآيَة 46 الْآيَة الْحَمد لله الَّذِي إِلَى آخِره بِأَن الْأَركان هُوَ مَا أَتَى بِهِ أَولا وَمَا أَتَى بِهِ ثَانِيًا بِمَنْزِلَة التوكيد فَهُوَ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الرُّكْن القولي وَذَلِكَ لَا يضر وَمن شُرُوط الْخطْبَة للْجُمُعَة تَقْدِيمهَا على صلَاتهَا وَأَن تكون بعد الزَّوَال لجَرَيَان أهل الْأَعْصَار والأمصار عَلَيْهِ وَلَو جَازَ تَقْدِيمهَا لقدمها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَخْفِيفًا على المبكرين وإيقاعا للصَّلَاة فِي أول الْوَقْت وَيسن تَرْتِيب الْأَركان بِأَن يبْدَأ بِالْحَمْد ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ الْوَصِيَّة ثمَّ الْقِرَاءَة ثمَّ الدُّعَاء وَيسن كَونهمَا على مِنْبَر فَإِن لم يكن فعلى مُرْتَفع وَأَن يسلم الْخَطِيب على من عِنْد الْمِنْبَر وَأَن يقبل عَلَيْهِم إِذا صعد الْمِنْبَر أَو نَحوه وانْتهى إِلَى الدرجَة الَّتِي يجلس عَلَيْهَا الْمُسَمَّاة بالمستراح وَأَن يسلم عَلَيْهِم وَيجب رد السَّلَام عَلَيْهِ فِي الْحَالين وَهُوَ فرض كِفَايَة كالسلام فِي بَاقِي الْمَوَاضِع ثمَّ يجلس ندبا بعد سَلَامه على المستراح ليستريح من تَعب الصعُود فَلَو لم يَأْتِ بِالسَّلَامِ قبل الْجُلُوس فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْتِي بِهِ بعده وَيحصل لَهُ أصل السّنة كَمَا قَالَه الشبراملسي فَيُؤذن وَاحِد أما اتِّخَاذ المرقي فبدعة لِأَنَّهُ لم يكن فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكِنَّهَا حَسَنَة إِذْ فِي تِلَاوَة الْآيَة ترغيب فِي الْإِتْيَان بِالصَّلَاةِ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْيَوْم الْعَظِيم الْمَطْلُوب فِيهِ إكثارها وَفِي قِرَاءَة الحَدِيث بعد الْأَذَان وَقبل الْخطْبَة تيقيظ للمكلف لاجتناب الْكَلَام الْمحرم أَو الْمَكْرُوه على اخْتِلَاف الْعلمَاء وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول هَذَا الْخَبَر على المبنر وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَلَعَلَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بقوله فِي ابْتِدَاء الْخطْبَة لكَونه مُشْتَمِلًا على الْأَمر بالإنصات وَكَذَا الْأَذَان الَّذِي فَوق المنارة قبل الْأَذَان الَّذِي بَين يَدي الْخَطِيب بِدعَة حَسَنَة أحدثها عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَقيل مُعَاوِيَة لما كثر النَّاس وَيسن أَن تكون الْخطْبَة فصيحة جزلة لَا مبتدلة وَلَا ركيكة قريبَة للفهم لَا غَرِيبَة وحشية إِذْ لَا ينْتَفع بهَا أَكثر
النَّاس متوسطة لِأَن الطَّوِيل يمل والقصير يخل قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَحسن أَن يخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف أَحْوَال وأزمان وَأَسْبَاب وَقد يَقْتَضِي الْحَال الإسهاب كالحث على الْجِهَاد إِذا طرق الْعَدو الْبِلَاد وَغير ذَلِك من النَّهْي عَن الْخمر وَالْفَوَاحِش وَالزِّنَا وَالظُّلم إِذا تتَابع النَّاس فِيهَا اه وَأَن لَا يلْتَفت فِي شَيْء مِنْهَا بل يسْتَمر مُقبلا عَلَيْهِم إِلَى فراغها وَأَن يقبلُوا عَلَيْهِ مُسْتَمِعِينَ لَهُ وَأَن يشغل يسراه بِسيف أَو عَصا أَو قَوس أَو رمح أَي تَارَة على هَذَا وَتارَة على هَذَا وحكمته الْإِشَارَة إِلَى أَن هَذَا الدّين قَامَ بِالسِّلَاحِ ويشغل يمناه بِحرف الْمِنْبَر إِن لم تكن فِيهَا نَجَاسَة وَأَن يُقيم بعد فَرَاغه من الْخطْبَة مُؤذن وَأَن يُبَادر ليبلغ الْمِحْرَاب بعد فَرَاغه من الْإِقَامَة وَأَن يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بعد الْفَاتِحَة سُورَة الْجُمُعَة وَفِي الثَّانِيَة سُورَة الْمُنَافِقين جَهرا أَو سبح وَهل أَتَاك (و) أما آدَاب الْجُمُعَة فكثيرة مِنْهَا أَنه (سنّ لمريدها) أَي لمن أَرَادَ حُضُور الْجُمُعَة (غسل) وَإِن لم تجب عَلَيْهِ بل وَإِن حرم عَلَيْهِ الْحُضُور كامرأة بِغَيْر إِذن حَلِيلهَا على الْمُعْتَمد وَوَقته (بعد فجر) أَي من طُلُوع الْفجْر الصَّادِق إِلَى صعُود الْخَطِيب على الْمِنْبَر أَو إِلَى فرَاغ الصَّلَاة وتقريبه من ذَهَابه إِلَى الْجُمُعَة أفضل لِأَنَّهُ أفْضى إِلَى الْمَقْصُود من انْتِفَاء الروائح الكريهة وَلَو تعَارض الْغسْل والتبكير فمراعاة الْغسْل أولى لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي وُجُوبه ولتعدى أَثَره إِلَى الْغَيْر وَلَا يُبطلهُ حدث وَلَا جَنَابَة فَإِن عجز عَن المَاء تيَمّم بَدَلا عَنهُ بِأَن يَنْوِي التَّيَمُّم بَدَلا عَن غسل الْجُمُعَة (و) مِنْهَا (بكور) وَهُوَ الْمُبَادرَة إِلَى الْجَامِع والساعة الأولى أفضل مِمَّا بعْدهَا ثمَّ الثَّانِيَة وَهَكَذَا إِلَى السَّادِسَة وَابْتِدَاء ذَلِك من طُلُوع الْفجْر فَمن جَاءَ فِي السَّاعَة الأولى نَاوِيا التبكير ثمَّ عرض لَهُ عذر فَخرج على نِيَّة الْعود لَا تفوته فَضِيلَة التبكير وَيجب السَّعْي على بعيد الدَّار إِلَى الْجُمُعَة قبل الزَّوَال بِمِقْدَار يتَوَقَّف فعلهَا عَلَيْهِ وَيسْتَحب الْإِتْيَان اليها مَاشِيا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غسل يَوْم الْجُمُعَة واغتسل وَبكر وابتكر وَمَشى وَلم يركب ودنا من الإِمَام واستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل سنة أجر صيامها وقيامها وَالْمعْنَى من غسل ثِيَابه وَرَأسه ثمَّ اغْتسل للْجُمُعَة ثمَّ خرج من بَيته باكرا وَأدْركَ أَوَان الْخطْبَة وَمَشى من غير ركُوب وَلَو فِي بعض الطَّرِيق كَانَ لَهُ ذَلِك (و) مِنْهَا (تزين بِأَحْسَن ثِيَابه) وَأفضل ثِيَابه الْبيض لخَبر البسوا من ثيابكم الْبيَاض فَإِنَّهُ خير ثيابكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم وَيسن للْإِمَام أَن يزِيد فِي حسن الْهَيْئَة والعمة والارتداء لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ مَنْظُور إِلَيْهِ وَبحث بَعضهم تَخْصِيص الْبيَاض بِغَيْر زمَان الشتَاء والوحل فَإِن لبس مصبوغا فِيمَا صبغ غزله قبل النسج لَا مَا صبغ منسوجا فَإِنَّهُ يكره قَالَ ابْن حجر فِي تَنْبِيه الأخيار وَقد أمرنَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلبْس أَجود مَا نجد وَأَن نتطيب بأجود مَا نجد وَأَن نلبس الْبيَاض نعم فِي يَوْم الْعِيد يقدم الْأَحْسَن غير الْأَبْيَض على الْأَبْيَض غير الْأَحْسَن فَيسنّ فِي يَوْم الْعِيد تَقْدِيم الْأَخْضَر على الْأَبْيَض لَكِن لَا خُصُوصِيَّة للأخضر بل كل ذِي لون كَذَلِك فَإِن الخضرة أفضل الألوان بعد الْأَبْيَض اه
وَيسن أَن تكون الثِّيَاب جَدِيدَة إِن تيسرت لَهُ وَإِلَّا فَمَا قرب من الجديدة أولى من غَيره وَلَو كَانَ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم عيد فيرجح مُرَاعَاة الْعِيد فَيقدم الْأَعْلَى مُطلقًا أَي سَوَاء وَقت إِقَامَة الْجُمُعَة أَو بَقِيَّة الْيَوْم إِذْ الزِّينَة فِيهِ آكِد مِنْهَا فِي الْجُمُعَة وَلِهَذَا سنّ الْغسْل وَغَيره فِيهِ لكل أحد وَإِن لم يحضر كَذَا نَقله الشبراملسي عَن ابْن قَاسم (و) مِنْهَا (تعمم) لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَكْعَتَانِ بعمامة خير من سبعين رَكْعَة بِلَا عِمَامَة رَوَاهُ الديلمي عَن جَابر وَفِي الحَدِيث أَيْضا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بالعمائم فَإِنَّهَا سِيمَا الْمَلَائِكَة وتيجان الْعَرَب وأرخوها من خلف ظهوركم إِلَى الْجِهَة الْيُسْرَى مِقْدَار أَرْبَعَة أَصَابِع وَفِي تَنْبِيه الأخيار كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُفَارق الطيلسان وَكَانَ طول طيلسانه سِتَّة أَذْرع وَعرضه ثَلَاثَة أَذْرع اه وَهُوَ شبه الأردية يوضع على الرَّأْس والكتفين وَالظّهْر كَمَا نقل عَن السُّيُوطِيّ (و) مِنْهَا (تطيب) لحَدِيث من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة وَلبس من أحسن ثِيَابه وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة وَلم يتخط أَعْنَاق النَّاس ثمَّ صلى مَا كتب الله لَهُ صلَاته كالتحية ثمَّ أنصت إِذا خرج إِمَامه حَتَّى يفرغ من صلَاته كَانَ كَفَّارَة لما بَينهَا وَبَين الْجُمُعَة الَّتِي قبلهَا قَالَ الشبراملسي وَلَعَلَّ مَا فِي هَذَا الحَدِيث بَيَان للأكمل وَمِنْهَا تنظيف الْجَسَد من الروائح الكريهة كالصنان فيزال بِالْمَاءِ أَو غَيره وَمِنْهَا أَخذ الظفر إِن طَال وَالشعر كَذَلِك فينتف إبطه ويقص شَاربه ويحلق عانته وَأما حلق الرَّأْس فَلَا يطْلب إِلَّا فِي نسك وَفِي الْمَوْلُود فِي سَابِع وِلَادَته وَفِي الْكَافِر إِذا أسلم وَأما فِي غير ذَلِك فَهُوَ مُبَاح ومعظم هَذِه الْآدَاب لَا يخْتَص بِالْجمعَةِ بل يسن لكل من أَرَادَ حُضُور مجمع لَكِن ذَلِك فِي الْجُمُعَة أَشد اسْتِحْبَابا (و) سنّ لمن يسمع الْخطْبَتَيْنِ (إنصات) أَي سكُوت مَعَ الإصغاء (لخطبة) وَيكرهُ الْكَلَام من المستمعين حَال الْخطْبَة وَقَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة بحرمته نعم إِن دعت إِلَيْهِ حَاجَة وَجب أَو سنّ كالتعليم لواجب وَالنَّهْي عَن محرم وَلَا يكره قبل الْخطْبَة وَلَا بعْدهَا وَلَا بَينهمَا وَلَو لغير حَاجَة وَيجب رد السَّلَام وَإِن كره ابتداؤه فِي هَذِه الْحَالة وَيسن تشميت الْعَاطِس وَالرَّدّ على المشمت وَرفع الصَّوْت بِالصَّلَاةِ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد ذكره لَكِن المُرَاد الرّفْع الَّذِي لَيْسَ ببليغ أما البليغ كَمَا يَفْعَله بعض الْعَوام فبدعة أما من لم يسمع الْخطْبَة فيسكت أَو يشْتَغل بِالذكر أَو الْقِرَاءَة وَذَلِكَ أولى من السُّكُوت (و) سنّ (قِرَاءَة) سُورَة (كَهْف) يَوْم الْجُمُعَة وليلتها وَيسْتَحب الْإِكْثَار من ذَلِك وَأقله ثَلَاثَة لما صَحَّ فِي الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من قَرَأَهَا يَوْم الْجُمُعَة أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَين الجمعتين أَي وَإِن لم يَقْرَأها فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَورد من قَرَأَهَا لَيْلَتهَا أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَينه وَبَين الْبَيْت الْعَتِيق وقراءتها نَهَارا آكِد وأولاها بعد الصُّبْح مسارعة للخير مَا أمكن وَحِكْمَة ذَلِك أَن الله ذكر فِيهَا أهوال يَوْم الْقِيَامَة وَالْجُمُعَة تشبهها لما فِيهِ من اجْتِمَاع الْخلق لِأَن الْقِيَامَة تقوم يَوْم الْجُمُعَة (وإكثار صَلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَأقله ثَلَاثمِائَة بِاللَّيْلِ وَمثله بِالنَّهَارِ وَمَعْلُوم أَن أفضل الصِّيَغ الصِّيغَة الإبراهيمية ثمَّ نقل الشبراملسي عَن فَتَاوَى
ابْن حجر نقلا عَن ابْن الْهمام أَن أفضل الصِّيَغ من الكيفيات الْوَارِدَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ صل أبدا أفضل صلواتك على سيدنَا عَبدك وَنَبِيك وَرَسُولك مُحَمَّد وَآله وَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيمًا كثيرا وزده تَشْرِيفًا وتكريما وأنزله الْمنزل المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة (يَوْمهَا وليلتها) لخَبر إِن من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فَأَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلخَبَر أَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة فَمن صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا (وَدُعَاء) أَي إكثار دُعَاء فِي يَوْمهَا وليلتها أما فِي يَوْمهَا فلرجاء أَن يُصَادف سَاعَة الْإِجَابَة وَالصَّحِيح فِيهَا مَا ورد أَنَّهَا مَا بَين أَن يجلس الإِمَام للخطبة إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة وَلَيْسَ المُرَاد أَنَّهَا مستغرقة لهَذَا الزَّمن بل المُرَاد أَنَّهَا لَحْظَة لَطِيفَة لَا تخرج عَن هَذَا الْوَقْت وَأما لَيْلَتهَا فلقول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ بَلغنِي أَن الدُّعَاء يُسْتَجَاب فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وللقياس على يَوْمهَا وَيسن كَثْرَة الصَّدَقَة وَفعل الْخَيْر فِي يَوْمهَا وليلتها (وَحرم تخط) للرقاب أَي الْقَرِيب مِنْهَا وَهُوَ المناكب (لَا لمن وجد فُرْجَة قدامه) وَهَذَا كَمَا نقل عَن نَص الشَّافِعِي وَالْمُعْتَمد عِنْد الرَّمْلِيّ وَابْن حجر أَن التخطي مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه وَقَالَ الشبراملسي نقلا عَن ابْن قَاسم فَإِن قلت مَا وَجه تَرْجِيح الْكَرَاهَة على الْحُرْمَة مَعَ أَن الْإِيذَاء حرَام وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْلِسْ فقد آذيت وَهُوَ يخْطب وَقد رأى رجلا يتخطى رِقَاب النَّاس قلت لَيْسَ كل إِيذَاء حَرَامًا وللمتخطي هُنَا غَرَض فَإِن التَّقَدُّم أفضل اه وَمن التخطي الْمَكْرُوه مَا جرت بِهِ الْعَادة من التخطي لتفرقة الْأَجْزَاء أَو تبخير الْمَسْجِد أَو سقِِي المَاء أَو السُّؤَال لمن يقْرَأ فِي الْمَسْجِد أَو نَحْو ذَلِك أما مُجَرّد السُّؤَال من غير تخط فَلَا كَرَاهَة فِيهِ بل هُوَ سعي فِي خير وإعانة عَلَيْهِ مَا لم يرغب الْحَاضِرُونَ الَّذين يَتَخَطَّاهُمْ فِي ذَلِك وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَة وَيُؤْخَذ من التَّعْبِير بالتخطي أَنه يرفع رجله بِحَيْثُ تحاذي أَعلَى منْكب الْجَالِس أما مَا يَقع من الْمُرُور بَين يَدي النَّاس ليصل إِلَى نَحْو الصَّفّ الأول فَلَيْسَ من التخطي أصلا بل من خرق الصُّفُوف إِذا لم يكن بَين النَّاس فرج يمشى فِيهَا وَإِلَّا فَلَا خرق أَيْضا وَيسْتَثْنى من كَرَاهَة التخطي صور مِنْهَا الإِمَام إِذا لم يبلغ الْمِنْبَر أَو الْمِحْرَاب إِلَّا بالتخطي فَلَا يكره لَهُ لاضطراره وَمِنْهَا مَا إِذا وجد فِي الصُّفُوف الَّتِي بَين يَدَيْهِ فُرْجَة لَا يبلغهَا إِلَّا بتخطي رجل أَو رجلَيْنِ فَلَا يكره لَهُ وَإِن وجد غَيرهَا لتقصير الْقَوْم بإخلاء فُرْجَة لَكِن يسن إِذا وجد غَيرهَا أَن لَا يتخطى فَإِن زَاد فِي التخطي عَلَيْهِمَا وَرَجا أَن يتقدموا إِلَى الفرجة إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة اسْتحبَّ ترك التخطي وَمِنْهَا إِذا سبق من لَا تَنْعَقِد بهم إِلَى الْجَامِع فَإِنَّهُ يجب على الكاملين إِذا حَضَرُوا التخطي لسَمَاع الْخطْبَة إِذا كَانُوا لَا يسمعونها مَعَ الْبعد وَمِنْهَا الرجل الْمُعظم فِي نفوس النَّاس لصلاح أَو ولَايَة لِأَن النَّاس يتبركون بِهِ ويسرون بتخطيه سَوَاء ألف موضعا أَو لَا فَإِن لم يكن مُعظما لم يتخط وَإِن كَانَ لَهُ مَحل مألوف وَمن جلس فِي ممر النَّاس لَا يكره تخطيه وَالْحَاصِل أَن التخطي يُوجد فِيهِ سِتَّة أَحْكَام فَيجب إِن توقفت الصِّحَّة عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيحرم مَعَ
التأذي وَيكرهُ مَعَ عدم الفرجة أَمَامه وَينْدب فِي الفرجة الْقَرِيبَة إِذا لم يجد موضعا وَفِي الْبَعِيدَة لمن لَا يَرْجُو سدها وَلم يجد موضعا وَيكون خلاف الأولى فِي الْقَرِيبَة لمن وجد موضعا وَفِي الْبَعِيدَة لمن رجا سدها وَوجد موضعا وَيُبَاح فِي هَذِه لمن لم يجد لَهُ موضعا وَيحرم أَن يُقيم غَيره ليجلس فِي مَكَانَهُ فَإِن قَامَ الْجَالِس بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلسهُ فَلَا حُرْمَة وَلَا كَرَاهَة فِي حَقه وَأما الَّذِي قَامَ من مَكَانَهُ فَإِن انْتقل إِلَى مَكَان أقرب إِلَى الإِمَام أَو مثله لم يكره وَإِلَّا كره إِن لم يكن لَهُ عذر لِأَن الإيثار بِالْقربِ مَكْرُوه وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ 59 الْحَشْر الْآيَة 9 فَالْمُرَاد الإيثار فِي حظوظ النَّفس نعم إِن آثر قَارِئًا أَو عَالما ليعلم الإِمَام أَو يرد عَلَيْهِ إِذا غلط فَالْمُتَّجه أَنه لَا كَرَاهَة لكَونه مصلحَة عَامَّة (و) حرم على من تلْزمهُ الْجُمُعَة (نَحْو مبايعة) أَي فَيحرم عَلَيْهِ التشاغل عَن الْجُمُعَة بِأَن يتْرك السَّعْي إِلَيْهَا بِالْبيعِ أَو غَيره من سَائِر الْعُقُود والصنائع وَغير ذَلِك (بعد) الشُّرُوع فِي (أَذَان خطْبَة) أَي فِي الْأَذَان بَين يَدي الْخَطِيب حَال جُلُوسه على الْمِنْبَر لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾ 62 الْجُمُعَة الْآيَة 9 فورد النَّص فِي البيع وَقيس عَلَيْهِ غَيره مِمَّا شَأْنه أَن يشغل فِي كَون كل مفوتا وَشَمل ذَلِك مَا لَو قطع بِعَدَمِ فَوَاتهَا لَكِن إِن بَاعَ صَحَّ بَيْعه لِأَن النَّهْي لِمَعْنى خَارج عَن العقد وَيكرهُ ذَلِك قبل الْأَذَان الْمَذْكُور بعد الزَّوَال لدُخُول وَقت الْوُجُوب وَلَو تبَايع اثْنَان أَحدهمَا تلْزمهُ فَقَط وَالْآخر لَا تلْزمهُ أثما لارتكاب الأول النَّهْي وإعانة الثَّانِي لَهُ عَلَيْهِ وَيحرم على الْحَاضِرين بالجامع إنْشَاء صَلَاة سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا وَلَو كَانَ قَضَاؤُهَا فوريا من وَقت صعُود الْخَطِيب على الْمِنْبَر وَلَو قبل الشُّرُوع فِي الْخطْبَة إِلَى فراغها فَلَو فعلهَا لم تَنْعَقِد وَلَو فِي حَال الدُّعَاء للسُّلْطَان أَو الترضي عَن الصَّحَابَة وَلَو كَانَ أَتَى بِجَمِيعِ الْأَركان على الْمُعْتَمد وَأما من دخل الْمَسْجِد فِي هَذَا الْوَقْت فَيجوز لَهُ أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خفيفتين تَحِيَّة الْمَسْجِد ثمَّ يجلس فَإِن لم يكن صلى سنة الْجُمُعَة نَوَاهَا رَكْعَتَيْنِ وَحصل بهما تَحِيَّة الْمَسْجِد وَلَا تجوز الزِّيَادَة على رَكْعَتَيْنِ وَلَا يجوز لَهُ غير تَحِيَّة الْمَسْجِد وَسنة الْجُمُعَة من فرض وَنفل وَلَو جلس قبل التَّحِيَّة عمدا أَو طَال الْفَصْل فَاتَت فَلَا تصح مِنْهُ بعد ذَلِك وَلَو كَانَ الْجَامِع غير مَسْجِد لم يجز أَن يُصَلِّي فِيهِ فِي هَذَا الْوَقْت شَيْئا بِالْإِجْمَاع وَهَذَا مِمَّا غلب فِيهِ الْجَهْل على الْعَوام (و) حرم على من تلْزمهُ الْجُمُعَة بِأَن كَانَ من أَهلهَا وَإِن لم تَنْعَقِد بِهِ كمقيم لَا يجوز لَهُ الْقصر (سفر) مفوت لَهَا (بعد فجرها) أَي بعد طُلُوع فجر يَوْمهَا فَإِن سَافر كَانَ عَاصِيا بِالسَّفرِ فتمتنع عَلَيْهِ الرُّخص حَتَّى ييأس من إِدْرَاكهَا وَخرج بِالسَّفرِ النّوم قبل الزَّوَال فَلَا يحرم وَإِن علم فَوت الْجُمُعَة بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْن النّوم الْفَوات أما السّفر الَّذِي لَا يفوتها كَأَن غلب على ظَنّه أَنه يُدْرِكهَا فِي مقْصده أَو طَرِيقه فَلَا إِثْم عَلَيْهِ بِهِ وَلَو تبين خلاف ظَنّه لَا يكون سَفَره حِينَئِذٍ مَعْصِيّة وَيكرهُ لَهُ السّفر لَيْلَة الْجُمُعَة وَذكر فِي الْإِحْيَاء أَن من سَافر لَيْلَة الْجُمُعَة دَعَا عَلَيْهِ ملكاه لَكِن قَالَ ابْن حجر هَذَا السَّنَد ضَعِيف جدا وَهِي الْحَج المبرور وَالْوُضُوء مَعَ الإسباغ وَقيام لَيْلَة الْقدر وَقيام شهر رَمَضَان وصيامه وَصَوْم يَوْم عَرَفَة ومقارنة الإِمَام فِي التَّأْمِين وَقِرَاءَة أَوَاخِر سُورَة الْحَشْر من قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ 59 ﴿الْحَشْر﴾
فَائِدَة سَبْعَة عشر من الْأَعْمَال يكفر كل وَاحِد مِنْهَا الذُّنُوب الْمُتَقَدّمَة والمتأخرة الْآيَة 22 24) إِلَى آخر السُّورَة وقود الْأَعْمَى أَرْبَعِينَ خطْوَة وَأَن يَقُول عِنْد سَماع الْمُؤَذّن أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبيا ورسولا وَالسَّعْي فِي قَضَاء حَاجَة الْمُسلم وَصَلَاة الضُّحَى وَأَن يَقُول عِنْد لبس الثَّوْب الْحَمد لله الَّذِي كساني هَذَا ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة وَأَن يَقُول بعد الْأكل الْحَمد لله الَّذِي أَطْعمنِي هَذَا الطَّعَام ورزقنيه من غير حول مني وَلَا قُوَّة والمجيء من بَيت الْمُقَدّس مهلا بِحَجّ أَو بِعُمْرَة وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَقل هُوَ الله أحد والمعوذتين كل وَاحِدَة سبعا بعد صَلَاة الْجُمُعَة ومصافحة الْمُسلم غير الْفَاسِق مَعَ ذكر الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله
فصل فِي الْجَنَائِز
يتَعَيَّن على كل مُكَلّف الْمُبَادرَة بِالتَّوْبَةِ لِئَلَّا يفجأه الْمَوْت المفوت لَهَا وَالْمَرِيض آكِد من غَيره وَيكرهُ تمني الْمَوْت لغير خوف على دينه وَإِذا دَعَتْهُ نَفسه إِلَى ذَلِك فَلْيقل اللَّهُمَّ أحيني مَا كَانَت الْحَيَاة خيرا لي وتوفني إِذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي وَيسْتَحب لمن أيس من حَيَاته أَن يَقُول اللَّهُمَّ أَعنِي على غَمَرَات الْمَوْت وسكرات الْمَوْت اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الْأَعْلَى وَأَن يكثر من تِلَاوَة الْقُرْآن والأذكار وَيكرهُ الْجزع وَسُوء الْخلق والمخاصمة والشتم والمنازعة فِي غير الْأُمُور الدِّينِيَّة ويستحضر أَن هَذَا آخر أوقاته من الدُّنْيَا فيجتهد فِي خَتمهَا بِخَير ويبادر إِلَى أَدَاء الْحُقُوق ورد الودائع والعواري وَاسْتِحْلَال أَهله وَولده وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وَمن كَانَ بَينه وَبَينه مُعَاملَة أَو لَهُ عَلَيْهِ تباعة من قبل أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ ذَلِك وَيكون شاكرا لله تَعَالَى رَاضِيا حسن الظَّن بِاللَّه أَن يرحمه وَيغْفر لَهُ وَأَن الله غَنِي عَن عَذَابه وَعَن طَاعَته فيطلب مِنْهُ الْعَفو والصفح وَيطْلب أَن تقْرَأ عِنْده آيَات الرَّجَاء وَالْأَحَادِيث فِيهِ وآثار الصَّالِحين فِيهِ وآيات الرَّحْمَة وأحاديثها ويوصي بِأُمُور أَوْلَاده ويحافظ على الصَّلَوَات ويجتنب النَّجَاسَات ويحذر من التساهل فِي ذَلِك فَإِن من أقبح القبائح أَن يكون آخر عَهده من الدُّنْيَا التَّفْرِيط فِي حُقُوق الله تَعَالَى وَلَا يَقُول قَول من يثبط عَن ذَلِك وَيسْتَحب لَهُ أَن يُوصي أَهله بِالصبرِ عَلَيْهِ فِي مَرضه وَفِي مصيبتهم بِهِ ويجتهد فِي وصيتهم بترك الْبكاء عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُم صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله فإياكم يَا أحبابي وَالسَّعْي فِي أَسبَاب عَذَابي وَأَن يتعاهدوه بِالدُّعَاءِ لَهُ وَورد أَن المحتضر إِذا بلغت روحه التراقي تعرض عَلَيْهِ الْفِتَن وَذَلِكَ أَن إِبْلِيس لَعنه الله قد أنفذ أعوانه إِلَى هَذَا الْإِنْسَان خَاصَّة واستعملهم عَلَيْهِ ووكلهم بِهِ وأكد عَلَيْهِم بِالِاجْتِهَادِ فِي إغوائه فَيَأْتُونَ الْمَرْء وَهُوَ فِي تِلْكَ الغمرات يمثلون لَهُ فِي صُورَة أحبابه الميتين الَّذين كَانُوا يحبونه فِي دَار الدُّنْيَا كَالْأَبِ وَالأُم وَالْأَخ وَالْأُخْت
وَالصديق الْحَمِيم فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْت تَمُوت يَا فلَان وَقد سبقناك فِي هَذَا الشَّأْن فمت يَهُودِيّا فَهُوَ الدّين المقبول عِنْد الله تَعَالَى فَإِذا أَبى جَاءَهُ آخَرُونَ وَقَالُوا لَهُ مت نَصْرَانِيّا فَإِنَّهُ دين الْمَسِيح وَقد نسخ فِيهِ دين مُوسَى ويذكرون لَهُ عقائد كل مِلَّة فَعِنْدَ ذَلِك يزِيغ الله من يُرِيد زيغه فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد هِدَايَة وتثبيتا جَاءَهُ جِبْرِيل فيطرد عَنهُ الشَّيَاطِين وَيمْسَح الشحوب عَن وَجهه فيبتسم وَكَثِيرًا من يرى مُتَبَسِّمًا فِي هَذَا الْمقَام فَرحا بالبشير الَّذِي جَاءَهُ رَحْمَة من الله تَعَالَى فَيَقُول لَهُ يَا فلَان أما تعرفنِي أَنا جِبْرِيل وَهَؤُلَاء أعداؤك من الشَّيَاطِين مت على الْملَّة الحنيفية والشريعة الجليلة فَمَا شَيْء أحب إِلَى الْإِنْسَان وأفرح مِنْهُ بذلك الْملك ثمَّ يقبض روحه والمحبوب عِنْد الْمَوْت من صُورَة المحتضر الهدوء والسكون وَمن لِسَانه النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمن قلبه أَن يكون حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى فالمطلوب مِنْهُ فِي هَذِه الْحَالة قُوَّة الرَّجَاء فيرجو من الله الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة والتجاوز عَمَّا مضى وَيكون رَاضِيا منقادا ممتثلا طيب الْقلب بِمَا يرد عَلَيْهِ من السكرات والنزعات مستحضرا أَن عَاقِبَة ذَلِك خير عَظِيم لِأَنَّهُ لَو ضَاقَ صَدره بذلك يخْشَى عَلَيْهِ من سوء الخاتمة وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَيكون مُسْتَبْشِرًا بالقدوم على الْكَرِيم الَّذِي لَا يخيب من قَصده كَمَا نقل مثل ذَلِك عَن السّلف الصَّالح فقد فتح عبد الله بن الْمُبَارك عَيْنَيْهِ عِنْد الْوَفَاة وَضحك وَقَالَ لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ وَمن عَلَامَات السَّعَادَة عِنْد الْمَوْت عرق الجبين وذرف الْعين وانتشار المنخر رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول ارقبوا الْمَيِّت عِنْد مَوته ثَلَاثًا إِن رشح جَبينه وذرفت عَيناهُ وانتشر منخراه فَهُوَ رَحْمَة من الله قد نزلت بِهِ وَإِن غط غطيط الْبكر المخنوق وأخمد لَونه وأزبد شدقاه فَهُوَ عَذَاب من الله قد حل بِهِ اه وَقد تظهر العلامات الثَّلَاث وَقد تظهر وَاحِدَة أَو ثِنْتَانِ بِحَسب تفَاوت النَّاس فِي الْأَعْمَال وَأما عَلامَة ذَلِك فِي حَال الصِّحَّة فتوفيقه للْعَمَل بِالسنةِ على قدر الطَّاقَة وَحَيْثُ احْتضرَ يُوَجه للْقبْلَة بِمقدم بدنه على جنبه الْأَيْمن إِن أمكن فَإِن تعسر فعلى جنبه الْأَيْسَر فَإِن تعسر فعلى ظَهره وَحِينَئِذٍ يَجْعَل وَجهه وأخمصاه للْقبْلَة وَيقْرَأ عِنْده سُورَة يس جَهرا وَسورَة الرَّعْد سرا وَلَو تعَارض عَلَيْهِ قراءتهما فَيَنْبَغِي أَن يُرَاعى حَال المحتضر فَإِن كَانَ عِنْده شُعُور وتذكر بأحوال الْبَعْث قَرَأَ سُورَة يس وَإِلَّا قَرَأَ سُورَة الرَّعْد فَهِيَ تهون طُلُوع الرّوح وَيكثر المحتضر من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَيَقُول لَهُم إِذا أهملت فنبهوني قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَقَالَ لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِن عجز عَن القَوْل لقنه من حَضَره بِرِفْق مَخَافَة أَن يضجر فيردها وَإِذا قَالَهَا مرّة لَا يُعِيدهَا عَلَيْهِ إِلَّا إِذا تكلم بِكَلَام آخر وَيكون الَّذِي يلقنها لَهُ غير مُتَّهم كوارث وعدو وحاسد لِئَلَّا يتهمه المحتضر فِي قَوْلهَا أَي إِن كَانَ ثمَّ غَيره وَإِلَّا لقنه وَإِن اتهمه
وَقد ورد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أحضروا مَوْتَاكُم ولقنوهم لَا إِلَه إِلَّا الله وبشروهم بِالْجنَّةِ فَإِن الْحَلِيم من الرِّجَال يتحير عِنْد هَذَا المصرع وَإِن الشَّيْطَان أقرب مَا يكون من ابْن آدم عِنْد ذَلِك المصرع وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لمعاينة ملك الْمَوْت أَشد من ألف ضَرْبَة بِالسَّيْفِ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تخرج نفس عبد من الدُّنْيَا حَتَّى يتألم كل عُضْو مِنْهُ على حياله وَلَا يَقُول أحد من الْحَاضِرين إِلَّا خيرا فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ على مَا يَقُولُونَ وَورد فِي الْخَبَر أَنه إِذا دنت منية الْمُؤمن نزل عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَمْلَاك ملك يجذب النَّفس من قدمه الْيُمْنَى وَملك يجذبها من قدمه الْيُسْرَى وَملك يجذبها من يَده الْيُمْنَى وَملك يجذبها من يَده الْيُسْرَى وَالنَّفس تنسل انسلال القذاة من السقاء وهم يجذبونها من أَطْرَاف البنان ورؤوس الْأَصَابِع وَالْكَافِر تنسل روحه كالسفود من الصُّوف المبتل فَإِذا مَاتَ المحتضر غمض وَيَقُول الَّذِي يغمضه بِسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وارفع دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي عقبه الغابرين واغفر لنا وَله يَا رب الْعَالمين وافسح لَهُ فِي قَبره وَنور لَهُ فِيهِ ويشد لحياه بِشَيْء لِئَلَّا ينفتح فَمه وتلين مفاصله فَيرد ساعده إِلَى عضده وَسَاقه إِلَى فَخذه وَفَخذه إِلَى بَطْنه ثمَّ تمد وتلين أَصَابِعه كَذَلِك لأجل تسهيل غسله وتكفينه فَإِن فِي الْبدن عقب مُفَارقَة الرّوح حرارة فَإِذا لينت المفاصل حِينَئِذٍ لانت وَإِلَّا فَلَا يُمكن تليينها بعد وتنزع ثِيَابه الَّتِي مَاتَ فِيهَا لِأَنَّهَا تسرع إِلَيْهِ الْفساد ثمَّ يغطى بِشَيْء خَفِيف يَجْعَل طرفاه تَحت رَأسه وَرجلَيْهِ لِئَلَّا ينْكَشف وَيُوجه للْقبْلَة مثل المحتضر ويتولى فعل ذَلِك من يكون لَهُ بِهِ رفق ويعجل بِقَضَاء دينه إِن أمكن وَإِلَّا سَأَلَ وَارثه غرماءه أَن يحللوه أَو يحتالوا بِهِ على الْوَارِث إِكْرَاما للْمَيت وتعجيلا لبراءة ذمَّته ويبادر أَيْضا بتنفيذ وَصيته وبتجهيزه بعد تَيَقّن مَوته بِظُهُور شَيْء من عَلَامَات الْمَوْت كاسترخاء قدمه وميل أَنفه وانخساف صُدْغه فَإِن شكّ فِي مَوته وَجب تَأْخِيره إِلَى الْيَقِين بِتَغَيُّر الرَّائِحَة أَو غَيره وَاعْلَم أَن الْمُؤمن ينْكَشف لَهُ عقب الْمَوْت من إنعام الله مَا تكون الدُّنْيَا بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ كالسجن والمضيق وَيكون مِثَاله كالمحبوس فِي بَيت مظلم فتح لَهُ بَاب إِلَى بُسْتَان وَاسع الأكناف فِيهِ أَنْوَاع الْأَشْجَار والأزهار وَالثِّمَار والطيور فَلَا يَشْتَهِي الْعود إِلَى السجْن المظلم وَقد ضرب لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثلا فَقَالَ فِي رجل قد مَاتَ أصبح هَذَا مرتحلا عَن الدُّنْيَا وَتركهَا لأَهْلهَا فَإِن كَانَ قد رَضِي فَلَا يسره أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا كَمَا لَا يسر أحدكُم أَن يرجع إِلَى بطن أمه وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن مثل الْمُؤمن فِي الدُّنْيَا كَمثل الْجَنِين فِي بطن أمه إِذا خرج من بَطنهَا بَكَى على مخرجه حَتَّى إِذا رأى الضَّوْء لم يحب أَن يرجع إِلَى مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ الْمُؤمن يجزع عِنْد الْمَوْت فَإِذا أفْضى إِلَى ربه لم يحب أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا كَمَا لَا يحب الْجَنِين أَن يرجع إِلَى بطن أمه هَذَا فِي الْمُؤمن المعرض عَن الدُّنْيَا الْمقبل على الْآخِرَة وَأما المتنعم بالدنيا المطمئن إِلَيْهَا المعرض عَن الْآخِرَة فَيكون حَاله كَحال من تنعم فِي غيبَة ملك من الْمُلُوك فِي دَاره وَملكه وحريمه اعْتِمَادًا على أَن الْملك
يتساهل فِي أمره أَو على أَن الْملك لَيْسَ يدْرِي مَا يتعاطاه من قَبِيح أَفعاله فَأَخذه الْملك بَغْتَة وَعرض عَلَيْهِ جَرِيدَة قد دونت فِيهَا جَمِيع فواحشه وجناياته ذرة ذرة وخطوة خطْوَة وَالْملك قاهر متسلط غيور على حريمه ومنتقم من الجناة على ملكه غير ملتفت إِلَى من يتشفع إِلَيْهِ فِي العصاة عَلَيْهِ فَانْظُر إِلَى هَذَا الْمَأْخُوذ كَيفَ يكون حَاله قبل نزُول عَذَاب الْملك بِهِ من حُلُول الْخَوْف والخجلة وَالْحيَاء والتحسر والندم فَهَذَا حَال الْمَيِّت الْفَاجِر المغتر بالدنيا المطمئن إِلَيْهَا قبل نزُول عَذَاب الْقَبْر بِهِ بل عِنْد مَوته نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ فَهَذِهِ حَال الْمَيِّت عِنْد الْمَوْت شَاهدهَا أَرْبَاب البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مُشَاهدَة الْعين وَعَن عَمْرو بن دِينَار رَضِي الله عَنهُ مَا من ميت يَمُوت إِلَّا وَهُوَ يعلم مَا يكون فِي أَهله بعده وَإِنَّهُم ليغسلونه ويكفنونه وَإنَّهُ لينْظر إِلَيْهِم اه إِذْ الرّوح بَاقِيَة على مَا كَانَ لَهَا قبل مُفَارقَة الْجَسَد من الْعلم والإدراك والفرح والحزن واللذة والألم وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا الَّذِي تسبب عَن الْمَوْت انْقِطَاع تصرف الرّوح فِي الْجَوَارِح فَصَارَ فِي جَمِيع الْجَسَد ظَاهرا وَبَاطنا زمانة عَامَّة فتنعدم حواس الْجِسْم وحركاته وَيصير أَهلا للنتن والبلى (صَلَاة الْمَيِّت فرض كِفَايَة كغسله) وَسَائِر تَجْهِيزه أَي يجب فِي الْمَيِّت الْمُسلم غير شَهِيد المعركة وَغير السقط وَلَو قَاتل نَفسه خَمْسَة أَشْيَاء غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَحمله وَدَفنه على سَبِيل فرض الْكِفَايَة إِن علم بِمَوْتِهِ جمَاعَة فَإِن لم يعلم بِهِ إِلَّا وَاحِد تعين عَلَيْهِ وَمَتى قَامَ بذلك وَاحِد سقط الطّلب عَن الْجَمِيع فَإِن لم يعلم بِهِ أحد إِلَّا بعد ظُهُور رَائِحَته فَلَا حُرْمَة على أحد لعدم الْعلم بِهِ نعم يحرم على نَحْو جَاره مِمَّن حَقه السُّؤَال عَنهُ أما الْكَافِر فَإِن كَانَ ذِمِّيا وَجب تكفينه وَدَفنه وَفَاء بِذِمَّتِهِ وعلينا مُؤَن تَجْهِيزه حَيْثُ لم يكن لَهُ تَرِكَة وَلَا من تجب عَلَيْهِ نَفَقَته وَتحرم الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَا يجب غسله وَإِن كَانَ حَرْبِيّا أَو مُرْتَدا فَلَا يجب فِيهِ شَيْء بل يجوز إغراء الْكلاب على جيفته نعم إِن تضرر الْمُسلمُونَ برائحته وَجَبت مواراته دفعا للضَّرَر عَنْهُم الأول من الْخَمْسَة الَّتِي تجب فِي الْمَيِّت الْمُسلم غير الشَّهِيد وَغير السقط غسله فَيَكْفِي الْغسْل من كَافِر وَإِن كَانَ يحرم اطِّلَاعه على بدن الْمُسلم كَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّة وَلَا يَكْفِي الْغَرق وَلذَا قَالَ (وَلَو غريقا) لأَنا مأمورون بِغسْلِهِ فَلَا يسْقط الْفَرْض عَنَّا إِلَّا بفعلنا أَعنِي جنس الْمُكَلّفين وَلَو صَبيا غير مُمَيّز أَو مَجْنُونا أَو من الْجِنّ أَو تغسيل الْمَيِّت نَفسه كَرَامَة كَمَا وَقع من سَيِّدي عبد الله المنوفي وَمن سَيِّدي أَحْمد البدوي نفعنا الله بهما وَلَو مَاتَ موتا حَقِيقِيًّا ثمَّ جهز ثمَّ أحيى حَيَاة حَقِيقِيَّة ثمَّ مَاتَ وَجب تجهيز آخر وَلَا يَكْفِي تغسيل الْمَلَائِكَة لأَنهم لَيْسُوا من جنس الْمُكَلّفين بِخِلَاف التَّكْفِين والدفن لِأَن الْقَصْد مِنْهُمَا المواراة والستر وَقد حصل وَمثلهمَا الْحمل وَالْمَقْصُود من الْغسْل التَّعَبُّد بفعلنا لَهُ بِدَلِيل أَنه لَو مَاتَ عقب اغتساله بِالْمَاءِ يجب غسله وَأَنا لَو عجزنا عَن طَهَارَته بِالْمَاءِ وَجب تيَمّمه مَعَ أَنه لَا نظافة فِيهِ وَلِهَذَا ينبش للْغسْل لَا للتكفين وَأَقل الْغسْل حَاصِل (بتعميم بدنه بِالْمَاءِ) مرّة وَاحِدَة من غير حَائِل وَلَا تجب فِيهِ نِيَّة لِأَن الْقَصْد بِهِ النَّظَافَة وَهِي لَا تتَوَقَّف على نِيَّة لَكِن تسن وأكمله أَن يغسل فِي خلْوَة لَا يدخلهَا إِلَّا الْغَاسِل وَمن يُعينهُ وَالْأولَى
فِي قَمِيص لِأَنَّهُ أستر لَهُ وَيكون بَالِيًا أَو مهلهل النسج بِحَيْثُ لَا يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى بدنه لِأَن الْقوي يحبس المَاء على مُرْتَفع كلوح لِئَلَّا يُصِيبهُ الرشاش وَمِنْه الدكة الْمَعْرُوفَة بِمَاء مالح بَارِد لِأَنَّهُ يشد الْبدن إِلَّا لحَاجَة إِلَى المسخن كوسخ وَبرد لِأَن الْمَيِّت يتَأَذَّى مِمَّا يتَأَذَّى مِنْهُ الْحَيّ وَأَن يجلسه الْغَاسِل على الْمُرْتَفع بِرِفْق مائلا إِلَى وَرَائه وَيَضَع يَمِينه بَين كَتفيهِ وإبهامه فِي نقرة قَفاهُ لِئَلَّا تميل رَأسه ويسند ظَهره بركبته الْيُمْنَى ويمر يسَاره على بَطْنه بتكرار ورفق ليخرج مَا فِيهِ من الفضلات ثمَّ يضجعه على قَفاهُ وَيغسل بِخرقَة ملفوفة على يسَاره سوأتيه ثمَّ يلقيها ويلف خرقَة أُخْرَى على الْيَد بعد غسلهَا إِن تلوثت وينظف أَسْنَانه وَمنْخرَيْهِ بسبابة الْيُسْرَى وَلَا تفتح أَسْنَانه لِئَلَّا يسْبق المَاء إِلَى جَوْفه فيسرع فَسَاده نعم لَو تنجس فَمه بِمَا لَا يُعْفَى عَنهُ وَتوقف طهره على فتح أَسْنَانه اتجه فتحهَا وَإِن علم سبق المَاء إِلَى جَوْفه وَلَا تكسر أَسْنَانه لَو توقفت إِزَالَة النَّجَاسَة على كسرهَا ثمَّ يوضئه كالحي ثَلَاثًا ثَلَاثًا بمضمضة واستنشاق ويميل رَأسه فيهمَا لِئَلَّا يسْبق المَاء إِلَى جَوْفه وَمن ثمَّ لَا تندب فيهمَا مُبَالغَة وَيتبع بِعُود لين مَا تَحت أَظْفَاره إِن كَانَ شَيْء وَلَا بُد من نِيَّة لهَذَا الْوضُوء كَأَن يَقُول الَّذِي يوضئه نَوَيْت الْوضُوء الْمسنون لهَذَا الْمَيِّت فَلَا يَصح بِلَا نِيَّة مَعَ أَنه مَنْدُوب وَالْغسْل لَا يتَوَقَّف على نِيَّة مَعَ أَنه وَاجِب ثمَّ يغسل رَأسه فلحيته بِنَحْوِ سدر ويسرح شعرهما إِن تلبد بِمشْط وَاسع الْأَسْنَان وَيجب دفن المنتتف من الشّعْر مَعَه وَيسن أَن يكون فِي كَفنه ثمَّ يغسل مقدم شقَّه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر من عُنُقه إِلَى قدمه ثمَّ يحرفه إِلَى شقَّه الْأَيْسَر فَيغسل شقَّه الْأَيْمن مِمَّا يَلِي قَفاهُ ثمَّ يحرفه إِلَى شقَّه الْأَيْمن فَيغسل الْأَيْسَر كَذَلِك وَيحرم كَبه على وَجهه لما فِيهِ من الإزراء بِهِ مستعينا فِي ذَلِك كُله بِنَحْوِ سدر ثمَّ يُزِيلهُ بِمَاء من فَوْقه إِلَى قدمه ثمَّ يعمه كَذَلِك بِمَاء قراح فِيهِ قَلِيل كافور بِحَيْثُ لَا يُغير المَاء فَهَذِهِ الغسلات الثَّلَاث تحسب وَاحِدَة وَتسن ثَانِيَة وثالثة كَذَلِك أَعنِي الأولى من كل مِنْهُمَا بسدر أَو نَحوه وَالثَّانيَِة مزيلة لَهُ وَالثَّالِثَة مَاء قراح فِيهِ قَلِيل كافور وَلَو خرج بعد الْغسْل نجس وَجَبت إِزَالَته عَنهُ وَينْدب أَن لَا ينظر الْغَاسِل من غير عَوْرَته إِلَّا قدر الْحَاجة أما عَوْرَته وَهِي مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فَلَا يجوز النّظر إِلَى شَيْء مِنْهَا وَأَن يُغطي وَجه الْمَيِّت من أول وَضعه على المغتسل إِلَى آخر الْغسْل وَأَن يكون الْغَاسِل أَمينا فَإِن رأى خيرا كاستنارة وَجهه وَطيب رَائِحَته سنّ ذكره وَإِن رأى ضِدّه كإظلام وَجه وَتغَير رَائِحَة وانقلاب صُورَة حرم ذكره لِأَنَّهُ غيبَة لمن لَا يَتَأَتَّى الاستحلال مِنْهُ وَعنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ستر على مُسلم ستره الله فِي الدُّنْيَا وَعنهُ أَيْضا من غسل مَيتا وكتم عَلَيْهِ غفر الله لَهُ أَرْبَعِينَ سَيِّئَة نعم إِذا رأى من المبتدع أَمارَة خير يكتمها لِئَلَّا يغري النَّاس على الْوُقُوع فِي مثل بدعته وضلاله بل لَا يبعد وجوب الكتمان عِنْد ظن الإغراء بهَا والوقوع فِيهَا وَلَو كَانَ الْمَيِّت مبتدعا مظهر الْبِدْعَة ورؤي بِهِ أَمارَة سوء لَا يجب ستره بل يجوز التحدث بِهِ لينزجر النَّاس عَنْهَا وَكَذَا لَو كَانَ مستترا ببدعته وَظهر عَلَيْهِ أَمارَة سوء فَيجوز التحدث بهَا عِنْد المطلعين عَلَيْهَا المائلين اليها لَعَلَّهُم ينزجرون وَمن
تعذر غسله لفقد مَاء أَو نَحوه كاحتراق وَلَو غسل لتهرى يمم وتندب النِّيَّة فِي التَّيَمُّم كالغسل وَلَا تجب على الْمُعْتَمد وَيشْتَرط فِي صِحَة التَّيَمُّم أَن لَا يكون على بدنه نَجَاسَة فَإِن كَانَ على بدنه نَجَاسَة وتعذرت إِزَالَتهَا كالأقلف دفن بِلَا صَلَاة عَلَيْهِ على مَا اعْتَمدهُ الرَّمْلِيّ وَالَّذِي اعْتَمدهُ ابْن حجر أَنه ييمم عَمَّا تحتهَا ويعفى عَن هَذِه النَّجَاسَة وَيغسل بَاقِي بدنه مَا عدا مَحل القلفة إِن لم يُمكن فَسخهَا وَيصلى عَلَيْهِ وَيجوز للرجل غسل حليلته من زَوْجَة وَأمة وَلَو كِتَابِيَّة وَيجوز للْمَرْأَة غسل زَوجهَا وَيجوز لكل مِنْهُمَا النّظر والمس للْآخر بِدُونِ شَهْوَة وَلَو لما بَين السُّرَّة وَالركبَة وَلَا بُد من اتِّحَاد الْجِنْس فِي الْغَاسِل وَالْمَيِّت إِلَّا فِي الحليل وَالْمحرم فَإِذا لم يُوجد إِلَّا أَجْنَبِي فِي الْمَيِّت الْمَرْأَة أَو أَجْنَبِيَّة فِي الْمَيِّت الرجل يمم والأمرد الْجَمِيل يغسلهُ الرِّجَال بِلَا مس لَهُ إِذْ مَسّه حرَام وَلَو بعد مَوته إِن لم تخش فتْنَة وَإِلَّا يمم نعم لَو كَانَ من ذكر فِي ثِيَاب سابغة بِحَضْرَة نهر مثلا وَأمكن التَّعْمِيم بِالْمَاءِ من غير مس وَلَا نظر وَجب وَالصَّغِير الَّذِي لم يبلغ حد الشَّهْوَة يغسلهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَمثله الْخُنْثَى الْكَبِير عِنْد فقد الْمحرم وَيكون فِي ثوب سابغ ويحتاط الْغَاسِل فِي غض الْبَصَر والمس ويقتصر فِيهِ على غسلة وَاحِدَة لِأَن الضَّرُورَة تقدر بِقَدرِهَا وَيجوز لأهل الْمَيِّت تقبيله مَا لم يحملهم التَّقْبِيل على جزع كَمَا هُوَ الْغَالِب من حَال النِّسَاء وَإِلَّا حرم وَيجوز ذَلِك أَيْضا لغير أَهله لَكِن لَا بُد من اتِّحَاد الْجِنْس وَانْتِفَاء المرودة عِنْد عدم الْمَحْرَمِيَّة وَلَا بَأْس بالإعلام بِمَوْتِهِ بل يسْتَحبّ إِذا قصد كَثْرَة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ بِخِلَاف نعي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ النداء بِمَوْت الشَّخْص وَذكر مآثره ومفاخره وَمن أقبح الْمُنْكَرَات مَا يَفْعَله النِّسَاء الْآن فِي الاعلام بِمَوْتِهِ من دورانهن فِي الْأَزِقَّة صارخات جازعات فَيجب إِنْكَار ذَلِك عَلَيْهِنَّ وَمن قدر على إِزَالَة ذَلِك وَجَبت عَلَيْهِ الثَّانِي فِي تكفينه بعد غسله أَو تيَمّمه احتراما فَلَا يجوز تَقْدِيم تكفينه على غسله وَلَا بُد من (تكفينه) بِمَا يجوز لَهُ لبسه حَيا وَأَقل الْكَفَن بِالنِّسْبَةِ لحق الله تَعَالَى مُخْتَصّ (بساتر عَورَة) فَقَط وَيخْتَلف بذكورة الْمَيِّت وأنوثته فالرجل مَا يستر مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَالْمَرْأَة حرَّة كَانَت أَو أمة وَمثلهَا الْخُنْثَى مَا يستر بدنهَا غير الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَوُجُوب سترهما فِي الْحَيَاة لخوف الْفِتْنَة لَا لكَونهَا عَورَة وبالنسبة للْغُرَمَاء ثوب يستر جَمِيع الْبدن تكريما لَهُ إِلَّا رَأس الْمحرم وَوجه الْمُحرمَة فللغريم منع مَا زَاد عَلَيْهِ وبالنسبة للْوَرَثَة وَحقّ الْمَيِّت ثَلَاثَة فَلَيْسَ للْوَارِث الْمَنْع مِنْهَا هَذَا إِذا كَانَ تكفينه من تركته أما إِذا كَانَ تكفينه من الْغَيْر كَالزَّوْجَةِ وَالرَّقِيق وَمن لَا شَيْء لَهُ يُكفن مِنْهُ فَلَا يلْزم من يجهزه من زوج وَسيد وَبَيت مَال إِلَّا ثوب وَاحِد سَاتِر لجَمِيع الْبدن بل لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ من بَيت المَال وَكَذَا إِذا كفن مِمَّا وقف للتكفين وأكمله فِي حق الذّكر ثَلَاثَة أَثوَاب بيض كلهَا لفائف لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة وَالْأَفْضَل الِاقْتِصَار عَلَيْهَا لخَبر الشَّيْخَيْنِ عَن عَائِشَة قَالَت كفن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ثَلَاثَة أَثوَاب يَمَانِية بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة وَتجوز الزِّيَادَة فيزاد قَمِيص وعمامة تَحت اللفائف إِن لم يكن محرما لِأَن عبد الله بن عمر كفن ابْنا لَهُ فِي خَمْسَة أَثوَاب ثَلَاث لفائف وقميص
وعمامة وهما خلاف الأولى حَيْثُ كَانَت الزِّيَادَة بِرِضا الْوَرَثَة المطلقين التَّصَرُّف وَإِلَّا حرمت وأكمله فِي حق الْمَرْأَة وَمثلهَا الْخُنْثَى خَمْسَة إِزَار فقميص فخمار وَهُوَ مَا يغطى بِهِ الرَّأْس فلفافتان لزِيَادَة السّتْر فِيهَا وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كفن فِيهَا ابْنَته أم كُلْثُوم رَضِي الله عَنْهَا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالزِّيَادَة على الْخَمْسَة للْمَرْأَة وَغَيرهَا مَكْرُوه بل قيل حرَام وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيّ نعم ينْدب شدّ سادس على صدر الْمَرْأَة فَوق الأكفان ليجمعها عَن انتشارها باضطراب ثديها عِنْد الْحمل وَيحل عَنْهَا فِي الْقَبْر كَبَقِيَّة الشدادات وَينْدب تبخير الْكَفَن ثَلَاثًا بِعُود إِذا كَانَ لغير محرم وَلَو محدة لِلْأَمْرِ بذلك وَيسن المغسول لِأَنَّهُ للصديد وَأَن يبسط أحسن اللفائف وأوسعها أَولا ليَكُون فَوق الْجَمِيع عِنْد لفها على الْمَيِّت ثمَّ الْبَاقِي فَوْقهَا وَأَن يذر على كل مِنْهَا وعَلى الْمَيِّت حنوط وَهُوَ الطّيب من كافور وَغَيره إِذا لم يكن محرما أما الْمحرم فَلَا يطيب لَا فِي بدنه وَلَا فِي كَفنه وَلَا فِي مَاء غسله وَأَن يوضع الْمَيِّت فَوْقهَا مُسْتَلْقِيا على ظَهره وَتجْعَل يَدَاهُ على صَدره ويمناه على يسراه أَو يرسلان فِي جنبه وَأَن يَجْعَل على منافذه قطن عَلَيْهِ حنوط كعينيه وَأُذُنَيْهِ وَمنْخرَيْهِ وَغَيرهَا وَكَذَا على جَبهته وَأَن تشد ألياه بِخرقَة ثمَّ تلف عَلَيْهِ اللفائف وتشد اللفائف بشداد خوف الانتشار عِنْد الْحمل إِلَّا أَن يكون محرما وَيحل الشداد فِي الْقَبْر إِلَّا شَدَّاد الألية تفاؤلا بِحل الشدائد عَنهُ وَلِأَنَّهُ يكره أَن يكون مَعَه فِي الْقَبْر شَيْء وَسَوَاء فِي ذَلِك الْكَبِير وَالصَّغِير وَتكره المغالاة فِي الْكَفَن بِأَن يكون من الثِّيَاب المثمنة إِن لم يكن فِي الْوَرَثَة مَحْجُور عَلَيْهِ أَو غَائِب وَلم يكن الْمَيِّت مُفلسًا وَإِلَّا حرمت وَنقل عَن الشَّيْخ سُلْطَان وَغَيره أَنه يجوز تكفين الْمَرْأَة ودفنها فِي ثِيَابهَا المثمنة أَي وَلَو مِمَّا يُسَاوِي ألوفا من الذَّهَب كالبشت المزركش بِالذَّهَب وَفِي صيغتها كَذَلِك وَلَا يحرم من جِهَة إِضَاعَة المَال لِأَن مَحل الْحُرْمَة إِذا لم يكن لغَرَض وَهُوَ هُنَا إكرام الْمَيِّت وَأَيْضًا فِيهِ تسكين للحزن لِأَن الْمَرْأَة مثلا إِذا رَأَتْ مَتَاع بنتهَا بعد مَوتهَا يشْتَد حزنها وَيشْتَرط أَن لَا يكون فِي الْوَرَثَة قَاصِر وَأَن تتفق الْوَرَثَة على ذَلِك وَأَن لَا يكون عَلَيْهَا دين مُسْتَغْرق وَيكرهُ أَن يكون فِي الْكَفَن مَا يُخَالف لون الْبيَاض لَا فرق بَين الذّكر وَالْأُنْثَى فَائِدَة تحرم كِتَابَة شَيْء من الْقُرْآن على الْكَفَن صِيَانة لَهُ عَن صديد الْمَوْتَى وَمثله كل اسْم مُعظم وَيكرهُ اتِّخَاذ الْكَفَن إِلَّا من حل أَو من أثر صَالح بِخِلَاف اتِّخَاذ الْقَبْر فَإِنَّهُ يسْتَحبّ وَالثَّالِث حمله وَلَا يحمل الْجِنَازَة وَلَو أُنْثَى إِلَّا الرِّجَال فَيكْرَه للنِّسَاء حملهَا لضعفهن عَن ذَلِك وَحملهَا بَين العمودين بِأَن يضع مُقَدّمَة النعش رجل على عَاتِقيهِ وَرَأسه بَينهمَا وَيحمل المؤخرتين رجلَانِ أفضل من التربيع بِأَن يتَقَدَّم رجلَانِ ويتأخر آخرَانِ وَقيل التربيع أفضل بل حُكيَ وُجُوبه وَالْأَفْضَل الْجمع بَينهمَا بِأَن تحمل تَارَة بهيئة الْحمل بَين العمودين وَتارَة بهيئة التربيع وَالْحمل فِي حد ذَاته وَاجِب وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي الْكَيْفِيَّة الَّتِي هِيَ أفضل من غَيرهَا وَلَيْسَ فِي الْحمل دناءة وَلَا سُقُوط مُرُوءَة بل هُوَ بر وإكرام وَقد فعله بعض الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَيحرم حملهَا على هَيْئَة مزرية كحملها فِي قفة أَو على هَيْئَة يخْشَى مِنْهَا سُقُوطهَا وَيَنْبَغِي لواضعها فِي النعش أَن
يَقُول باسم الله وَيسن تشييعها وَمكث إِلَى فرَاغ من الدّفن بِأَن يوارى الْمَيِّت ويهال التُّرَاب جَمِيعه عَلَيْهِ كَذَا قَالَ ابْن حجر فقد ورد فِي الحَدِيث من شيع جَنَازَة إِلَى الْمَسْجِد فَلهُ قِيرَاط من الْأجر فَإِن وقف حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان والقيراط مثل جبل أحد ثمَّ إِن المشيع لَهُ أَحْوَال إِمَّا رَاكب أَو ماش وَإِمَّا أمامها أَو خلفهَا وَإِمَّا قريب أَو بعيد وَالْأَفْضَل الْمَشْي وبأمامها وقربها بِحَيْثُ لَو الْتفت لرآها والماشي أمامها أَو خلفهَا أفضل من الرَّاكِب مُطلقًا والراكب الْقَرِيب أفضل من الرَّاكِب الْبعيد والأمام أفضل من الْخلف وَلَا يكره الرّكُوب فِي رُجُوعه مِنْهَا وَيسْتَحب لمن رَآهَا أَن يَقُول عِنْد رؤيتها الله أكبر ثَلَاثًا ﴿هَذَا مَا وعدنا الله وَرَسُوله وَصدق الله وَرَسُوله وَمَا زادهم إِلَّا إِيمَانًا وتسليما﴾ 33 الْأَحْزَاب الْآيَة 22 أَو يَقُول اللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَته فِي المهديين واخلفه فِي عقبه الغابرين واغفر لنا وَله إِلَى يَوْم الدّين أَو يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق سيدنَا مُحَمَّد وَآل سيدنَا مُحَمَّد أَن لَا تعذب هَذَا الْمَيِّت ثَلَاثًا أَو يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه واعف عَنهُ وعافه ووسع مدخله واغسله بِمَاء وثلج وَبرد ونقه من الْخَطَايَا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وأبدله دَارا خيرا من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وزوجا خيرا من زوجه وقه فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَإِذا جمع بَين ذَلِك كَانَ أفضل ورؤي الإِمَام فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي بِكَلِمَة كنت أقولها عِنْد رُؤْيَة الْجِنَازَة وَكَانَ يَقُولهَا عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَهِي سُبْحَانَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت وَيسن الْإِسْرَاع بهَا إِن أَمن تغير الْمَيِّت وَإِلَّا فيتأنى بهَا فَإِن خيف تغيرها بالتأني أَيْضا زيد فِي الْإِسْرَاع وَيسن لغير الذّكر مَا يستره كقبة وَيكرهُ اللَّغط فِي الْجِنَازَة بل الْمُسْتَحبّ التفكر فِي الْمَوْت وَمَا بعده قَالَ القليوبي وَيكرهُ رفع الصَّوْت بِالْقُرْآنِ وَالذكر وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ المدابغي وَهَذَا بِاعْتِبَار مَا كَانَ فِي الصَّدْر الأول وَأما الْآن فَلَا بَأْس بذلك لِأَنَّهُ شعار للْمَيت وَتَركه مزرأة وَلَو قيل بِوُجُوبِهِ لم يبعد اه وَيكرهُ اتباعها بِنَار فِي مجمرة أَو غَيرهَا إِلَّا لحَاجَة كبخور لدفع نَتن أَو فَتِيلَة لرؤية دَفنه لَيْلًا فَلَا كَرَاهَة وَفِي كَلَام بَعضهم ينْدب البخور عِنْد الْمَيِّت من وَقت مَوته إِلَى تَمام دَفنه (و) الرَّابِع دَفنه فِي قبر بعد الصَّلَاة عَلَيْهِ فَيحرم قبلهَا وَإِن أَجْزَأت بعده لِأَن فِي الدّفن قبل الصَّلَاة عَلَيْهِ إزراء بِالْمَيتِ وَلَا بُد من (دَفنه فِي حُفْرَة تمنع) بعد ردمها (رَائِحَة) أَي ظُهُور رَائِحَة مِنْهُ فتؤذي الْحَيّ وَإِن كَانَ الْمحل لَا يدْخلهُ من يتَأَذَّى بذلك بل وَإِن كَانَ لَا رَائِحَة لَهُ أصلا كَأَن جف (وَسبعا) أَي وتمنع نبش سبع لَهَا فيأكل الْمَيِّت فتنتهك حرمته وَإِن كَانَ فِي مَحل لَا تصله السبَاع أصلا إِذْ حِكْمَة الدّفن صونه عَن انتهاك جِسْمه وانتشار رِيحه فَلَا بُد من حُفْرَة تمنع ذَيْنك أما لَو وضع الْمَيِّت على وَجه الأَرْض ثمَّ جعل عَلَيْهِ مَا يمْنَع عَنهُ ذَلِك كبناء مثل مَا يَفْعَله بعض أهل الْقرى فَلَا يَكْفِي حَيْثُ لم يتَعَذَّر الْحفر وَرُبمَا يبنون فسقية على ظهر أُخْرَى ويضعون فِيهَا الْمَيِّت وَقد علمت أَنه لَا يَكْفِي فِي الدّفن وأكمل الدّفن حُفْرَة يكون عمقها قامة
وبسطة من رجل معتدلهما أَي قدر قامة رجل رفع يَدَيْهِ مبسوطتين فَوق رَأسه وَذَلِكَ أَرْبَعَة أَذْرع وَنصف على الْمُعْتَمد ثمَّ إِن كَانَت الأَرْض صلبة فَالْأَفْضَل أَن يَجْعَل لَهُ فِيهَا لحد بِأَن يحْفر فِي أَسْفَل الْجَانِب القبلي مِنْهَا قدر مَا يسع الْمَيِّت ويستره وَإِن كَانَت الأَرْض رخوة فَالْأَفْضَل أَن يَجْعَل لَهُ فِيهَا شقّ خشيَة الانهيار وَهُوَ أَن يحْفر فِي قعرها مثل النَّهر وَيَبْنِي جانباه بِلَبن أَو غَيره غير مَا مسته النَّار وَيجْعَل الْمَيِّت بَينهمَا وَينْدب رش الْقَبْر بِمَاء بَارِد تفاؤلا ببرودة المضجع وَلَا بَأْس بِقَلِيل من مَاء الْورْد لِأَن الْمَلَائِكَة تحب الرَّائِحَة الطّيبَة وَيكرهُ أَن يَجْعَل لَهُ فرش ومخدة وصندوق لم يحْتَج إِلَيْهِ لِأَن فِي ذَلِك إِضَاعَة مَال وَمحل الْكَرَاهَة مَا لم يكن من مَال مَحْجُور عَلَيْهِ وَإِلَّا حرم وَمن خصوصيات الْأَنْبِيَاء جَوَاز الْفرش لَهُم فِي قُبُورهم بِلَا كَرَاهَة لأَنهم أَحيَاء فِي الْقُبُور أما إِذا احْتِيجَ إِلَى الصندوق لنداوة أَو نَحْوهَا فَلَا يكره وَلَا تنفذ وَصيته بِهِ إِلَّا حِينَئِذٍ وَيدخل من قبل رَأسه بِرِفْق وَيُقَال عِنْد إِدْخَاله اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَاب السَّمَاء لروحه وَأكْرم منزله ووسع لَهُ فِي قَبره لما فِي ذَلِك من الثَّمَرَة الْعَظِيمَة وَيَقُول الَّذِي يلحده باسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ أسلمه إِلَيْك الْأَشْخَاص من وَالِده وَأَهله وقرابته وإخوانه وَفَارق من كَانَ يحب قربه وَخرج من سَعَة الدُّنْيَا والحياة إِلَى ظلمَة الْقَبْر وضيقه وَنزل بك وَأَنت غير منزل بِهِ إِن عاقبته فبذنب وَإِن عَفَوْت عَنهُ فَأَنت أهل الْعَفو أَنْت غَنِي عَن عَذَابه وَهُوَ فَقير إِلَى رحمتك اللَّهُمَّ اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عَذَاب الْقَبْر واجمع لَهُ بِرَحْمَتك الْأَمْن من عذابك واكفه كل هول دون الْجنَّة اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي الفائزين وارفعه فِي عليين وعد عَلَيْهِ بِفضل رحمتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَإِذا حثا عَلَيْهِ التُّرَاب يَقُول فِي الأولى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ 20 طه الْآيَة 55 وَفِي الثَّانِيَة ﴿وفيهَا نعيدكم﴾ 20 طه الْآيَة 55 وَفِي الثَّالِثَة ﴿وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى﴾ 20 طه الْآيَة 55 وَيُوضَع الْمَيِّت فِي اللَّحْد أَو غَيره على جنبه وجوبا مُسْتَقْبل الْقبْلَة بِمقدم بدنه وجوبا فَلَو وَجه لغَيْرهَا نبش وَوجه إِن لم يتَغَيَّر وَإِلَّا فَلَا ينبش وَالْأَفْضَل أَن يكون على الْيَمين وَيكرهُ على الْيَسَار وَلَا ينبش لذَلِك وَينْدب أَن يُفْضِي بخده إِلَى الأَرْض وَأَن يسند وَجهه وَرجلَاهُ إِلَى جِدَار الْقَبْر وظهره بِنَحْوِ لبنة كحجر حَتَّى لَا ينكب وَلَا يستلقي وَلَا يكره دَفنه بِاللَّيْلِ مُطلقًا وَلَا وَقت الْكَرَاهَة إِلَّا إِذا تحراه فَيكْرَه كَرَاهَة تَنْزِيه وَتحرم إهالة التُّرَاب عَلَيْهِ فَلَا بُد من سد اللَّحْد أَو الشق بعد إضجاع الْمَيِّت فِيهِ ثمَّ إهالة التُّرَاب فَإِذا سوي عَلَيْهِ قَبره دَعَا لَهُ شخص من الْحَاضِرين يَقُول اللَّهُمَّ عَبدك رد إِلَيْك فارأف بِهِ وارحمه اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جَنْبَيْهِ وَافْتَحْ أَبْوَاب السَّمَاء لروحه وتقبله مِنْك بِقبُول حسن اللَّهُمَّ إِن كَانَ محسنا فضاعف لَهُ فِي إحسانه وَإِن كَانَ مسيئا فَتَجَاوز عَنهُ وَيسن أَن يقف جمَاعَة بعد دَفنه عِنْد قَبره سَاعَة يسْأَلُون لَهُ التثبيت (و) إِن كَانَت الأَرْض مَمْلُوكَة أَو مُبَاحَة كالموات (كره بِنَاء لَهُ) أَي الْقَبْر (أَو عَلَيْهِ) أَو تجصيصه أَي تبييضه بالنورة الْبَيْضَاء وَلَا بَأْس بتطيينه وَتكره الْكِتَابَة عَلَيْهِ سَوَاء كتب اسْم صَاحبه أَو غَيره نعم إِن كتب اسْم صَاحبه وَنسبه بِقصد أَن يعرف فيزار فَلَا كَرَاهَة بِشَرْط الِاقْتِصَار على قدر
الْحَاجة لَا سِيمَا قُبُور الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ فَإِنَّهَا لَا تعرف إِلَّا بذلك عِنْد تطاول السنين وَيكرهُ أَن يَجْعَل على الْقَبْر مظلة كقبة لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ رأى قبَّة فنحاها وَقَالَ دَعوه يظله عمله وَإِن كَانَت الأَرْض مسبلة للدفن وَهِي الَّتِي جرت عَادَة أهل الْبَلَد بالدفن فِيهَا حرم الْبناء وَهدم وَاسْتثنى بَعضهم قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَنَحْوهم وَلَو كَانَ بقبة لإحياء الزِّيَارَة والتبرك بهم وَأفْتى بِهِ الْحلَبِي وَقَالَ أَمر بِهِ الشَّيْخ الزيَادي مَعَ ولَايَته وكل ذَلِك لم يرتضه الْعَلامَة الشَّوْبَرِيّ وَقَالَ الْحق خِلَافه وقبة الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَيست فِي الأَرْض المسبلة بل هِيَ فِي دَار ابْن عبد الْحَكِيم وَلَو وجد بِنَاء فِي أَرض مسبلة وَلم يعلم أصل وَضعه هَل هُوَ بِحَق أَو لَا ترك لاحْتِمَال أَنه وضع بِحَق نعم لَو كَانَ الْبناء فِي المسبلة لخوف نبش سَارِق أَو سبع أَو تخرق سيل جَازَ وَلَا يهدم (و) كره جُلُوس على الْقَبْر الْمُحْتَرَم واتكاء عَلَيْهِ واستناد إِلَيْهِ و (وَطْء عَلَيْهِ إِلَّا لضَرُورَة) أَي حَاجَة بِأَن حَال الْقَبْر عَمَّن يزوره وَلَو أَجْنَبِيّا بِأَن لَا يصل إِلَيْهِ إِلَّا بِوَطْئِهِ فَلَا يكره وَفهم بِالْأولَى عدم الْكَرَاهَة لضَرُورَة الدّفن وَالْحكمَة فِي عدم الْجُلُوس وَنَحْوه توقير الْمَيِّت واحترامه وَأما خبر مُسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِأَن يجلس أحدكُم على جَمْرَة فتخلص إِلَى جلده خير لَهُ من أَن يجلس على قبر ففسر الْجُلُوس عَلَيْهِ بِالْجُلُوسِ للبول وَالْغَائِط وَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع أما غير الْمُحْتَرَم كقبر مُرْتَد وحربي فَلَا كَرَاهَة فِي الْجُلُوس وَنَحْوه وَلَا يحرم الْبَوْل والتغوط على قبورهما (و) لَا يجوز نبش الْقَبْر بعد دفن الْمَيِّت وَقبل البلى عِنْد أهل الْخِبْرَة بِتِلْكَ الأَرْض للنَّقْل وَلَو لنَحْو مَكَّة أَو غَيره كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وتكفينه إِلَّا لوَاحِد من خَمْسَة الأول مَا إِذا دفن بِلَا غسل وَلَا تيَمّم بِشَرْطِهِ وَهُوَ مِمَّن يجب غسله فَحِينَئِذٍ (نبش) وجوبا (لغسل) تداركا للطهر الْوَاجِب مَا لم يتَغَيَّر ثمَّ يصلى عَلَيْهِ الثَّانِي مَا إِذا دفن بِأَرْض أَو ثوب مغصوبين وطالب بهما مالكهما فَيجب نبشه وَإِن تغير إِذا وجد مَا يُكفن فِيهِ غير الثَّوْب الْمَغْصُوب وَإِلَّا فَلَا يجوز الثَّالِث مَا إِذا وَقع فِي الْقَبْر مَال وَإِن قل كخاتم وَطَلَبه مَالِكه فَيجب النبش وَإِن تغير الرَّابِع مَا لَو بلع مَالا لغيره وَطَلَبه مَالِكه وَلم يضمن مثله أَو قِيمَته أحد من الْوَرَثَة أَو غَيرهم ينبش ويشق جَوْفه وَيخرج مِنْهُ وَيرد لصَاحبه الْخَامِس إِذا دفن لغير الْقبْلَة يجب نبشه وَيُوجه للْقبْلَة مَا لم يتَغَيَّر أما بعد البلى فَإِن مَضَت مُدَّة قَالَ فِيهَا أهل الْخِبْرَة بِتِلْكَ الأَرْض إِن الْمَيِّت لم يبْق لَهُ أثر فَيجوز نبش الْقَبْر وَدفن غَيره فِيهِ وَمن ذَلِك يعلم حُرْمَة اتِّخَاذ الفساقي الْمَعْرُوفَة لوَجْهَيْنِ الْبناء فِي الأَرْض المسبلة والتحجير على الْبقْعَة (و) ينبش الْقَبْر أَيْضا فِيمَا لَو دفنت امْرَأَة حَامِل بجنين ترجى حَيَاته بِأَن يكون لَهُ سِتَّة أشهر فَأكْثر فَيشق جوفها والشق فِي الْقَبْر أولى لِأَنَّهُ أستر نعم لَا يجوز تَأْخِيره إِلَيْهِ إِلَّا إِن غلب على الظَّن بقول الخبراء بسلامة الْجَنِين لَو أخر إِلَيْهِ فَإِن لم ترج حَيَاته حرم الشق لَكِن (لَا تدفن امْرَأَة فِي بَطنهَا جَنِين حَتَّى يتَحَقَّق مَوته) وَلَو تَغَيَّرت لِئَلَّا يدْفن الْحمل حَيا وَقَول التَّنْبِيه ترك عَلَيْهِ شَيْء حَتَّى يَمُوت ضَعِيف بل غلط فَاحش فليحذر وَمَعَ ذَلِك لَا ضَمَان فِيهِ مُطلقًا بلغ سِتَّة أشهر
أَو لَا لعدم تَيَقّن حَيَاته (و) أما السقط وَهُوَ الْوَلَد النَّازِل قبل تَمام الْأَشْهر فَفِيهِ تَفْصِيل حَاصله أَنه إِن لم تظهر حَيَاته وَلَا أماراتها وَلَا خلقه لَا تجوز الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَا يجب غسله وَيسن ستره بِخرقَة وَدَفنه وَكَذَا غسله كَمَا قَالَ ابْن حجر إِذا سنّ غسله سنّ ستره بِخرقَة وَدَفنه وَإِذا وَجب وجبا وَإِن لم تظهر حَيَاته وَلَا أماراتها لَكِن ظهر خلقه وَجب مَا عدا الصَّلَاة فَحِينَئِذٍ (ووري) أَي ستر بِخرقَة (سقط) مَوْصُوف بِمَا ذكر (وَدفن) أَي وَغسل وجوبا فِي هَذِه الثَّلَاثَة وَحرمت الصَّلَاة عَلَيْهِ (فَإِن) ظَهرت حَيَاته بصياح أَو غَيره أَو ظَهرت أمارتها كَأَن (اختلج) أَي اضْطربَ أَو تحرّك بعد انْفِصَاله فَهُوَ كالكبير وَلَو دون أَرْبَعَة أشهر إِن فرض كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي وَحِينَئِذٍ كفن وَدفن وَغسل وجوبا قطعا و (صلي عَلَيْهِ) وجوبا على الْأَظْهر فِي مَسْأَلَة عدم ظُهُور الْحَيَاة كالبكاء مَعَ ظُهُور أمارتها كالتحرك لاحْتِمَال حَيَاته بِهَذِهِ الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَيْهَا وللاحتياط وَقد نظم بَعضهم هَذِه الْأَحْوَال فَقَالَ والسقط كالكبير فِي الْوَفَاة إِن ظَهرت أَمارَة الْحَيَاة أَو خفيت وخلقه قد ظهرا فامنع صَلَاة وسواها اعتبرا أَو اختفى أَيْضا فَفِيهِ لم يجب شَيْء وَستر ثمَّ دفن قد ندب أما النَّازِل بعد تَمام الْأَشْهر وَهُوَ سِتَّة أشهر فكالكبير مُطلقًا وَإِن نزل مَيتا وَلم يعلم لَهُ سبق حَيَاة وَقَالَ الشبراملسي وَإِن لم يظْهر فِيهِ تخطيط وَلَا غَيره حَيْثُ علم أَنه آدَمِيّ إِذْ هُوَ خَارج من تَعْرِيف السقط وَخرج بِالسقطِ الْعلقَة والمضغة لِأَنَّهُمَا لَا يسميان ولدا فيدفنان ندبا من غير ستر وَالْخَامِس الصَّلَاة عَلَيْهِ وَيجب تَقْدِيمهَا على الدّفن وتأخيرها عَن الْغسْل أَو التَّيَمُّم عِنْد وجود مسوغه فَلَو دفن بِلَا صَلَاة أَثم الدافنون والراضون بدفنه قبلهَا لوُجُوب تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ إِن لم يكن ثمَّ عذر وَيصلى على قَبره لِأَنَّهُ لَا ينبش للصَّلَاة عَلَيْهِ (وأركانها) أَي الصَّلَاة على الْمَيِّت سَبْعَة الأول (نِيَّة) كنية غَيرهَا من الصَّلَوَات وَلَا بُد فِيهَا من نِيَّة الْفَرْضِيَّة وَإِن لم يقل كِفَايَة وَلَو فِي صَلَاة امْرَأَة مَعَ رجال وَلَو فِي صَلَاة الصَّبِي وَحده أَو مَعَ الرِّجَال فَلَا بُد فِي صلَاته من نِيَّة الْفَرْضِيَّة وَلَا يجب فِي الْمَيِّت الْحَاضِر تَعْيِينه باسمه أَو نَحوه وَلَا مَعْرفَته بل يَكْفِي تَمْيِيزه نوع تَمْيِيز كنويت الصَّلَاة على هَذَا الْمَيِّت أَو على من يُصَلِّي عَلَيْهِ الإِمَام وَكَذَا لَو صلاهَا آخر النَّهَار وَقَالَ نَوَيْت الصَّلَاة على من توفّي من أقطار الأَرْض مِمَّن تصح الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَو حضر موتى نوى الصَّلَاة عَلَيْهِم وَإِن لم يعرف عَددهمْ وَلَو أحرم بِالصَّلَاةِ على جَنَازَة ثمَّ حضرت أُخْرَى وَهُوَ فِي الصَّلَاة تركت حَتَّى يفرغ ثمَّ يُصَلِّي على الثَّانِيَة لِأَنَّهُ لم ينوها أَولا وَيجب على الْمَأْمُوم نِيَّة الِاقْتِدَاء أَو نَحْوهَا (و) الثَّانِي (قيام) للقادر عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا من الْفَرَائِض وَلَو معادة وإلحاقها بالنفل فِي التَّيَمُّم
لَا يلْزم مِنْهُ ذَلِك هُنَا لِأَن الْقيام هُوَ الْمُقَوّم لصورتها فَفِي عَدمه محو لصورتها بِالْكُلِّيَّةِ وَشَمل ذَلِك الصَّبِي وَالْمَرْأَة إِذا صليا مَعَ الرِّجَال فَإِن عجز صلى على حسب حَاله (و) الثَّالِث (أَربع تَكْبِيرَات) بتكبيرة التَّحَرُّم وَلَو زَاد عَلَيْهَا لم تبطل صلَاته سَوَاء كَانَ سَهوا أَو عمدا لِأَنَّهُ إِنَّمَا زَاد ذكرا مَا لم يعْتَقد الْبطلَان أَو يوال رفع يَده عِنْد الزِّيَادَة ثَلَاث مَرَّات وَإِلَّا بطلت وَلَو زَاد إِمَامه عَلَيْهَا لَا تسن لَهُ مُتَابَعَته فِي الزَّائِد بل تكره وَلَو تَابعه لم تبطل على مَا تقدم وَيسن رفع يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَات الْأَرْبَع حَذْو مَنْكِبَيْه وَوَضعهمَا بعد كل تَكْبِيرَة تَحت صَدره كَغَيْرِهَا من الصَّلَوَات (و) الرَّابِع (فَاتِحَة) بعد أَي تَكْبِيرَة مِنْهَا وَالْأولَى أفضل فَلهُ أَن يجمع بَين الْفَاتِحَة وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد التَّكْبِيرَة الثَّانِيَة وَبَينهَا وَبَين الدُّعَاء للْمَيت بعد التَّكْبِيرَة الثَّالِثَة وَلَا يشْتَرط التَّرْتِيب بَينهَا وَبَين الْوَاجِب بعد هَذِه التَّكْبِيرَة من صَلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو دُعَاء للْمَيت فَيجوز إخلاء التَّكْبِيرَة الأولى من الْقِرَاءَة وَلَا يجوز أَن يقْرَأ بعض الْفَاتِحَة فِي ركن وَبَعضهَا فِي ركن آخر وَيسن إسرار الْفَاتِحَة وَلَو لَيْلًا كثالثة الْمغرب فِي أَن كلا لَا يشرع فِيهِ السُّورَة وَيسن جهر الإِمَام أَو الْمبلغ بِالتَّكْبِيرِ وَالسَّلَام (و) الْخَامِس (صَلَاة على النَّبِي) صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بعد) تَكْبِيرَة (ثَانِيَة) وأقلها اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَتسن الصَّلَاة على الْآل وَالدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات عَقبهَا بِنَحْوِ اللَّهُمَّ اغْفِر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَالْحَمْد لله قبلهَا بِأَيّ صِيغَة من صيغه وَالْمَشْهُور مِنْهَا الْحَمد لله رب الْعَالمين وأكمل الصَّلَاة مَا فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَلَا يشْتَرط تَرْتِيب بَين ذَلِك بل هُوَ أولى (و) السَّادِس (دُعَاء لمَيت) بِخُصُوصِهِ فَلَا يَكْفِي الدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات ويجزىء كل مَطْلُوب أخروي كانظر إِلَيْهِ (بعد ثَالِثَة) وَهُوَ الْمَقْصُود الْأَعْظَم من الصَّلَاة على الْمَيِّت وَأقله مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الدُّعَاء وَيسن أَن يكثر من الدُّعَاء لَهُ وأكمله اللَّهُمَّ هَذَا عَبدك وَابْن عبديك خرج من روح الدُّنْيَا وسعتها ومحبوبه وأحبائه فِيهَا إِلَى ظلمَة الْقَبْر وَمَا هُوَ لاقيه كَانَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك وَأَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبدك وَرَسُولك وَأَنت أعلم بِهِ اللَّهُمَّ إِنَّه نزل بك وَأَنت خير منزول بِهِ وَأصْبح فَقِيرا إِلَى رحمتك وَأَنت غَنِي عَن عَذَابه وَقد جئْنَاك راغبين إِلَيْك شُفَعَاء لَهُ اللَّهُمَّ إِن كَانَ محسنا فزد فِي إحسانه وَإِن كَانَ مسيئا فَتَجَاوز عَنهُ ولقه بِرَحْمَتك رضاك وقه فتْنَة الْقَبْر وعذابه وافسح لَهُ فِي قَبره وجاف الأَرْض عَن جَنْبَيْهِ ولقه بِرَحْمَتك الْأَمْن من عذابك حَتَّى تبعثه آمنا إِلَى جنتك بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَهَذَا فِي الْبَالِغ الذّكر فَإِن كَانَ أُنْثَى عبر بالأمة وأنث مَا يعود إِلَيْهَا من الضمائر فَخرج قَوْله وَأَنت خير منزول بِهِ فَلَا يؤنث ذَلِك الضَّمِير لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى الله تَعَالَى وَلَو ذكرهَا بِقصد الشَّخْص جَازَ
وَإِن كَانَ خُنْثَى عبر بالمملوك وَنَحْوه وَكَذَا إِذا لم يعرف أَن الْمَيِّت ذكر أَو أُنْثَى وَيجوز أَن يَأْتِي بالضمائر مذكرة على إِرَادَة الشَّخْص أَو الْمَيِّت ومؤنثة على إِرَادَة الْجِنَازَة وَلَو صلى على جمع مَعًا يَأْتِي فِيهِ بِمَا يُنَاسِبه فَلَو قَالَ فِي ذَلِك اللَّهُمَّ هَذَا عَبدك بتوحيد الْمُضَاف وَاسم الْإِشَارَة صحت صلَاته إِذْ لَا اختلال فِي صِيغَة الدُّعَاء أما اسْم الْإِشَارَة فَلِأَنَّهُ قد يشار بِمَا للْوَاحِد إِلَى الْجمع وَأما لفظ العَبْد فَلِأَنَّهُ مُفْرد مُضَاف إِلَى معرفَة فَيعم أَفْرَاد من أُشير إِلَيْهِ وَلَو صلى على من مَاتَ فِي يَوْمه أَو سنته فِي أقطار الأَرْض يَنْبَغِي أَن يَقُول فِي الدُّعَاء لَهُم اللَّهُمَّ من كَانَ مِنْهُم محسنا فزد فِي إحسانه وَمن كَانَ مِنْهُم مسيئا فَتَجَاوز عَن سيئاته دون أَن يَقُول محسنين وَلَا مسيئين لِأَن الظَّاهِر فِي الْجَمِيع أَنهم لَيْسُوا كلهم محسنين وَلَا مسيئين وروى مُسلم عَن عَوْف بن مَالك أَنه قَالَ صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على جَنَازَة فَسَمعته يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه واعف عَنهُ وعافه وَأكْرم نزله ووسع مدخله واغسله بِمَاء وثلج وَبرد ونقه من الْخَطَايَا كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس وأبدله دَارا خيرا من دَاره وَأهلا خيرا من أَهله وزوجا خيرا من زوجه وقه فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب النَّار قَالَ عَوْف فتمنيت أَن أكون أَنا ذَلِك الْمَيِّت وَلَو جمع بَين هذَيْن الدعاءين فَالْأَفْضَل تَقْدِيم هَذَا الْأَخير لِأَن حَدِيثه أصح وَأما الصَّغِير فَيَقُول فِيهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فرطا لِأَبَوَيْهِ وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا وَثقل بِهِ موازينهما وأفرغ الصَّبْر على قلوبهما وَلَا تفتنهما بعده وَلَا تحرمهما أجره وَيَكْفِي الدُّعَاء بِالرَّحْمَةِ كَأَن يَقُول اللَّهُمَّ ارحمه وَيُؤَنث الضمائر إِذا كَانَ الصَّغِير أُنْثَى وَيَأْتِي فِي الْخُنْثَى والمجهول حَاله مَا مر قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَهَذَا فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْمُسلمين فَإِن لم يَكُونَا كَذَلِك أَتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال وَلَو علم كفرهما كتبعية الصَّغِير للسابي حرم الدُّعَاء لَهما بالمغفرة والشفاعة وَنَحْوهمَا وَإِذا تردد فِي بُلُوغ الْمُرَاهق دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْأَفْضَل الْجمع بَينهمَا وَيسْتَحب أَن يقدم على تِلْكَ الدَّعْوَات الثَّلَاث اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وَكَبِيرنَا وَذكرنَا وأنثانا اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه على الْإِسْلَام وَمن توفيته منا فتوفه على الْإِيمَان وَلَو اقْتصر على هَذَا الدُّعَاء لم يكف لِأَنَّهُ يجب الدُّعَاء للْمَيت بِخُصُوصِهِ بِخِلَاف دُعَاء الطِّفْل وَهُوَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فرطا لِأَبَوَيْهِ إِلَى آخِره فَإِنَّهُ يَكْفِي لثُبُوته بِالنَّصِّ بِخُصُوصِهِ على أَن مَعْنَاهُ أَي سَابِقًا مهيئا لمصالحهما فِي الْآخِرَة فَذَلِك دُعَاء للطفل بِخُصُوصِهِ لِأَنَّهُ لَا يكون كَذَلِك إِلَّا إِذا كَانَ لَهُ شرف عِنْد الله يتَقَدَّم بِسَبَبِهِ كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي (و) السَّابِع (سَلام بعد رَابِعَة) كسلام غَيرهَا من الصَّلَوَات فِي كيفيته وتعدده وَتسن الصَّلَاة على الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد جمَاعَة بِثَلَاثَة صُفُوف فَأكْثر وَيسن التَّعَوُّذ قبل الْقِرَاءَة لَا دُعَاء الِافْتِتَاح وَأَن يَقُول بعد التَّكْبِيرَة الرَّابِعَة وَقبل السَّلَام اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تفتنا بعده واغفر لنا وَله وَأَن يطول بعد الرَّابِعَة بِقدر مَا قبلهَا من التَّكْبِيرَات الثَّلَاث وَمَا فِيهَا من الْقِرَاءَة وَالصَّلَاة على النَّبِي وَآله وَالدُّعَاء وَنقل بَعضهم أَنه يقْرَأ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ إِلَى قَوْله ﴿الْعَظِيم﴾ 40 غَافِر الْآيَة 7 9 نعم لَو خيف تغير الْمَيِّت وانفجاره لَو أَتَى بالسنن وَجب الِاقْتِصَار
على الْأَركان وَأَن يلْتَفت فِي السَّلَام يَمِينا وَشمَالًا خلافًا لمن قَالَ يقْتَصر على تَسْلِيمَة يَجْعَلهَا تِلْقَاء وَجهه وَأَن يَجْعَل رَأس الذّكر عَن يسَار الإِمَام وَيقف الإِمَام قَرِيبا من رَأسه وَمثله الْمُنْفَرد وَرَأس الْأُنْثَى عَن يَمِينه وَيقف عِنْد عجزها وَتكره الصَّلَاة عَلَيْهِ قبل تكفينه لما فِيهَا من الإزراء بِالْمَيتِ وَلَو تخلف الْمَأْمُوم عَن إِمَامه بِلَا عذر بتكبيرة حَتَّى شرع إِمَامه فِي أُخْرَى بطلت صلَاته إِذْ الِاقْتِدَاء هُنَا إِنَّمَا يظْهر فِي التَّكْبِيرَات وَهُوَ تخلف فَاحش يشبه التَّخَلُّف بِرَكْعَة وَلَا شكّ أَن التَّقَدُّم كالتخلف بل أولى فَإِن كَانَ هُنَاكَ عذر كبطء الْقِرَاءَة أَو نسيانها فَلَا تبطل إِلَّا بتخلفه بتكبيرتين أما لَو نسي الصَّلَاة أَو الِاقْتِدَاء فَلَا يضر تخلفه مَا دَامَ نَاسِيا وَلَو بِجَمِيعِ التَّكْبِيرَات وَمن جَاءَ بعد أَن فعل الإِمَام بعض الْأَركان يكبر وَيقْرَأ الْفَاتِحَة وَإِن كَانَ الإِمَام فِي غَيرهَا كالدعاء لِأَن مَا أدْركهُ لمسبوق أول صلَاته وَلَو كبر الإِمَام أُخْرَى قبل قِرَاءَته كبر مَعَه وَسَقَطت عَنهُ الْفَاتِحَة أَو بَعْضهَا لكَونه مَسْبُوقا وَإِذا سلم الإِمَام تدارك لمسبوق حتما بَاقِي التَّكْبِيرَات بأذكارها وجوبا فِي الْوَاجِب وندبا فِي الْمَنْدُوب وَيسن أَن لَا ترفع الْجِنَازَة حَتَّى يتم الْمَسْبُوق صلَاته وَلَا يضر رَفعهَا قبل إِتْمَامه وَيجوز لمن حضر بعد الصَّلَاة على الْمَيِّت فعلهَا جمَاعَة وفرادى وَالْأولَى التَّأْخِير إِلَى الدّفن مسارعة إِلَى دَفنه وَيَنْوِي الْفَرْض لوقوعها مِنْهُ فرضا (وَشرط لَهَا) أَي لصِحَّة الصَّلَاة على الْمَيِّت شُرُوط غَيرهَا من الصَّلَوَات مِمَّا يَتَأَتَّى فِيهَا و (تقدم طهره) أَي الْمَيِّت فَلَو تعذر كَأَن وَقع فِي حُفْرَة وَتعذر إِخْرَاجه وطهره لم يصل عَلَيْهِ وَلَو لم يُوجد مَاء وَلَا تُرَاب صلي عَلَيْهِ فَإِن وجد كَاف للْمَيت أَو الْمُصَلِّي عَلَيْهِ تعين الْمَيِّت (وَأَن لَا يتَقَدَّم) أَي الْمُصَلِّي (عَلَيْهِ) حَالَة كَون الْمَيِّت حَاضرا وَلَو فِي قبر وَيشْتَرط أَيْضا أَن لَا يزِيد مَا بَينهمَا فِي غير الْمَسْجِد على ثَلَاثمِائَة ذِرَاع تَقْرِيبًا وَأَن لَا يكون بَينهمَا حَائِل وَمحل هذَيْن الشَّرْطَيْنِ فِي الِابْتِدَاء أما فِي الدَّوَام كَأَن رفعت الْجِنَازَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَزَاد مَا بَينهمَا على مَا ذكر أَو حَال حَائِل فَلَا يضر لِأَنَّهُ يغْتَفر فِي الدَّوَام مَا لَا يغْتَفر فِي الِابْتِدَاء نعم لَو كَانَ الْمَيِّت فِي صندوق لَا يضر وَلَو أحرم على الْجِنَازَة وَهِي سائرة صَحَّ بِشُرُوط ثَلَاثَة أَن تكون إِلَى جِهَة الْقبْلَة وَقت التَّحَرُّم وَأَن لَا يكون هُنَاكَ حَائِل حَال التَّحَرُّم وَلَا تشْتَرط الْمُحَاذَاة على الْمُعْتَمد وَأَن لَا تبعد عَنهُ بِأَكْثَرَ من ثَلَاثمِائَة ذِرَاع إِلَى تَمام الصَّلَاة بِخِلَاف مَا إِذا أحرم عَلَيْهَا وَهِي قارة ثمَّ رفعت قبل تَمام الصَّلَاة فَإِن ذَلِك لَا يضر كَمَا تقدم (وَتَصِح) الصَّلَاة (على غَائِب عَن بلد) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى على النَّجَاشِيّ رَضِي الله عَنهُ بِالْمَدِينَةِ يَوْم مَوته بِالْحَبَشَةِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة تسع وَقد أجمع كل من أجَاز الصَّلَاة على الْغَائِب بِأَن ذَلِك يسْقط فرض الْكِفَايَة عَن الْحَاضِرين إِلَّا مَا حُكيَ عَن ابْن الْقطَّان وَمحل السُّقُوط بهَا حَيْثُ علم بهَا الْحَاضِرُونَ وَلَا تجوز الصَّلَاة على الْغَائِب حَتَّى يعلم أَو يظنّ أَنه قد غسل أَو يمم نعم إِن علق النِّيَّة على طهره بِأَن نوى الصَّلَاة إِن كَانَ قد طهر صحت الصَّلَاة عَلَيْهِ (لَا) تصح الصَّلَاة على الْمَيِّت الَّذِي (فِيهَا) أَي الْبَلَد الَّتِي كَانَ الْمُصَلِّي حَاضرا فِيهَا وَلم يحضر فِي ذَلِك الْمَيِّت وَإِن كَبرت الْبَلَد لتيسر الْحُضُور غَالِبا وَالْمُتَّجه أَن الْمُعْتَبر الْمَشَقَّة
وَعدمهَا فَحَيْثُ شقّ الْحُضُور وَلَو فِي الْبَلَد لكبرها وَنَحْوه صحت وَحَيْثُ لَا وَلَو خَارج السُّور لم تصح كَمَا نَقله الشبراملسي عنابن قَاسم فَلَو كَانَ الْمَيِّت خَارج السُّور قَرِيبا مِنْهُ فَهُوَ كداخله وَالْمرَاد بِالْقربِ هُنَا حد الْغَوْث وَهُوَ مَا يجب طلب المَاء مِنْهُ فِي التَّيَمُّم لَا حد الْقرب كَمَا أَفَادَهُ الشبراملسي وَلَو تعذر على من فِي الْبَلَد الْحُضُور لحبس أَو مرض جَازَ ذَلِك وَمثل ذَلِك مَا إِذا قتل إِنْسَان بِبَلَد وأخفى قَبره عَن النَّاس وَلَو نوى الإِمَام مَيتا حَاضرا أَو غَائِبا وَنوى الْمَأْمُوم آخر كَذَلِك جَازَ لِأَن اخْتِلَاف نيتهما لَا يضر (و) تصح الصَّلَاة على حَاضر (مدفون) فِي قبر وَلَو بعد البلى والاندراس وَيسْقط الْفَرْض بِالصَّلَاةِ على الْقَبْر على الصَّحِيح (غير نَبِي) أما الصَّلَاة على نَبِي فَلَا تجوز لخَبر الصَّحِيحَيْنِ لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد وَالأَصَح تَخْصِيص صِحَة الصَّلَاة على الْغَائِب والقبر بِمن كَانَ (من أهل) أَدَاء (فَرضهَا) أَي الصَّلَاة (وَقت مَوته) دون غَيره فَلَا تصح من كَافِر وحائض يَوْم مَوته كمن بلغ أَو أَفَاق بعد الْمَوْت وَقبل الْغسْل (وَسقط الْفَرْض) فِي الصَّلَاة على الْجِنَازَة (بِذكر) وَاحِد كصبي مُمَيّز وَلَو مَعَ وجود الرِّجَال لِأَنَّهُ من جنسهم مَعَ حُصُول الْفَرْض بِصَلَاتِهِ وَإِن كَانَت نفلا وَلِأَن الْجَمَاعَة لَا تشْتَرط فِيهَا فَكَذَا الْعدَد وَلَا تَكْفِي فِي إِسْقَاط فَرضهَا امْرَأَة وَخُنْثَى مَعَ وجود الذّكر (و) أما الشَّهِيد فَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام لِأَنَّهُ إِمَّا شَهِيد الْآخِرَة فَقَط فَهُوَ كَغَيْر الشَّهِيد وَذَلِكَ كالمبطون وَهُوَ من قَتله بَطْنه بالاستسقاء أَي اجْتِمَاع مَاء أصفر فِيهِ أَو بالإسهال والغريق وَإِن عصي فِي الْغَرق بِنَحْوِ شرب خمر دون الغريق بسير سفينة فِي وَقت هيجان الرّيح فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيد والمطعون وَلَو فِي غير زمن الطَّاعُون أَو بِغَيْرِهِ فِي زَمَنه أَو بعده حَيْثُ كَانَ صَابِرًا محتسبا وَالْمَيِّت عشقا بِشَرْط الْكَفّ عَن الْمَحَارِم حَتَّى عَن النّظر بِحَيْثُ لَو اختلى بمحبوبه لم يتَجَاوَز الشَّرْع وبشرط الكتمان حَتَّى عَن معشوقه وَالْميتَة طلقا وَلَو من زنا إِذا لم تتسبب فِي إِسْقَاط الْوَلَد والمقتول ظلما وَلَو بِحَسب الْهَيْئَة كمن اسْتحق الْقَتْل بِقطع الرَّأْس فَقتل بالتوسط مثلا والغريب وَإِن عصي بغربته كآبق وناشزة وَالْمَيِّت فِي طلب الْعلم وَلَو على فرَاشه والحريق وَالْمَيِّت بهدم وَكَذَا من مَاتَ فَجْأَة أَو فِي دَار الْحَرْب قَالَه ابْن الرّفْعَة وَكَذَا الْمَحْدُود سَوَاء زيد على الْحَد الْمَشْرُوع أم لَا وَسَوَاء سلم نَفسه لِاسْتِيفَاء الْحَد مِنْهُ تَائِبًا أم لَا قَالَه الشبراملسي وَمعنى الشَّهَادَة لَهُم أَنهم ﴿أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ 3 آل عمرَان الْآيَة 169 قَالَه الحصني وَالْأَوْجه فِي ذَلِك أَن يُقَال إِن كَانَ الْمَوْت مَعْصِيّة كَأَن تسببت الْمَرْأَة فِي إِلْقَاء الْحمل فَمَاتَتْ أَو ركب شخص الْبَحْر وسير السَّفِينَة فِي وَقت لَا تسير فِيهِ السفن فغرق لم تحصل لَهُ الشَّهَادَة للعصيان بِالسَّبَبِ المستلزم للعصيان بالمسبب وَإِن لم يكن السَّبَب مَعْصِيّة حصلت الشَّهَادَة وَإِن قارنها مَعْصِيّة لِأَنَّهُ لَا تلازم بَينهمَا وَمن ذَلِك مَا لَو صَاد حَيَّة وَهُوَ لَيْسَ حاذقا فِي صيدها أَو صنع نَحْو البهلوان وَلم يكن حاذقا فِي صَنعته فَمَاتَ فَلَيْسَ بِشَهِيد بِخِلَاف الحاذق فيهمَا فَإِنَّهُ شَهِيد لعدم تسببه فِي هَلَاك نَفسه قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أَكثر شُهَدَاء أمتِي لأَصْحَاب الْفرش أَي الَّذين يألفون النّوم على الْفرش وَلَا يهاجرون الْفرش ويقصدون للغزو وَقَالَ الْحَكِيم هَؤُلَاءِ قوم اطمأنت
نُفُوسهم إِلَى رَبهم وشغلوا بِهِ عَن الدُّنْيَا وتمنوا لقاءه فَإِذا حضرهم الْمَوْت جادوا بِأَنْفسِهِم طَوْعًا وبذلوها لَهُ إيثارا لمحبته على محبتها فهم وَمن قتل فِي معركة الْمُشْركين سَوَاء فينالون منَازِل الشُّهَدَاء لِأَن الشُّهَدَاء بذلوا أنفسهم سَاعَة من نَهَار وَهَؤُلَاء بذلوها طول الْعُمر وَأما شَهِيد الدُّنْيَا فَقَط فَهُوَ من قتل فِي قتال الْكفَّار بِسَبَبِهِ وَقد غل فِي الْغَنِيمَة أَو قتل مُدبرا على وَجه غير مرضِي شرعا أَو قَاتل رِيَاء أَو نَحوه وَأما شَهِيد الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مَعًا فَهُوَ من قتل كَذَلِك لَكِن قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَمُرَاد الْفُقَهَاء أحد هذَيْن الْأَخيرينِ وحكمهما أَنه يجب الدّفن و (تحرم صَلَاة على شَهِيد) أَي شَهِيد المعركة (كغسله) لخَبر البُخَارِيّ عَن جَابر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر فِي قَتْلَى أحد بدفنهم بدمائهم وَلم يغسلهم وَلم يصل عَلَيْهِم وَلَو كَانَ جنبا وحائضا ونفساء لِأَن حَنْظَلَة بن الراهب قتل يَوْم أحد وَهُوَ جنب وَلم يغسلهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله وتزال وجوبا نَجَاسَة غير دم مُطلقًا كبول خرج بِسَبَب الْقَتْل وَدم حصل بِغَيْر سَبَب الشَّهَادَة وَإِن زَالَ بِسَبَبِهِ دَمهَا وَلَا يزَال النَّجس المعفو عَنهُ فَتحرم إِزَالَته إِن أدَّت إِلَى إِزَالَة دم الشَّهَادَة وَهُوَ الْخَارِج من الْمَقْتُول نَفسه وَهَذَا تحرم إِزَالَته (وَهُوَ) أَي شَهِيد المعركة الَّذِي يحرم غسله وَالصَّلَاة عَلَيْهِ ضابطه أَنه (من) كل شخص (مَاتَ) وَلَو امْرَأَة أَو رَقِيقا أَو غير مُكَلّف (فِي قتال) كَافِر وَاحِد أَو (كفار) وَلَو كَانَ الْقَاتِل مُسلما لاستعانتهم بِهِ بِخِلَاف مَا لَو اسْتَعَانَ بغاة كفار علينا فالمقتول منا لَا يكون شَهِيدا إِلَّا من قَتله كَافِر أَو من لم تبْق فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة قبل انْقِضَاء حَرْب الْكفَّار الْجَائِز (بِسَبَبِهِ) أَي الْقِتَال كَأَن قَتله كَافِر أَو أَصَابَهُ سلَاح مُسلم خطأ أَو عَاد عَلَيْهِ سلاحه أَو رمحته دَابَّته أَو سقط عَنْهَا أَو تردى حَال الْقِتَال فِي بِئْر أَو انْكَشَفَ عَنهُ الْحَرْب وَهُوَ ميت وَلم يعلم سَبَب مَوته وَإِن لم ير عَلَيْهِ أثر دم لِأَن الظَّاهِر أَن مَوته بِسَبَب الْحَرْب بِخِلَاف مَا إِذا انْقَضتْ الْحَرْب وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَلَو كَانَ إِصَابَته فِيهَا جِرَاحَة يقطع بِمَوْتِهِ بِسَبَبِهَا ثمَّ مَاتَ بهَا وَالْحَاصِل أَن الْمَجْرُوح إِمَّا أَن تكون حركته حَرَكَة مَذْبُوح فَهُوَ شَهِيد جزما وَإِمَّا أَن تكون فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة ثمَّ هَذَا إِمَّا أَن يقطع بِمَوْتِهِ من الْجراحَة كَأَن قطعت أمعاؤه فَهُوَ غير شَهِيد فِي الْأَظْهر سَوَاء أَطَالَ الزَّمن أم قصر لِحَيَاتِهِ بعد انْقِضَاء الْقِتَال فَأشبه مَوته بِسَبَب آخر وَإِمَّا أَن لَا يقطع بِمَوْتِهِ مِنْهَا بل تتَوَقَّع حَيَاته فَغير شَهِيد جزما وَمن ذَلِك يفهم قَوْله (لَا أَسِير قتل صبرا) فَإِنَّهُ إِن قتل صبرا بعد انْقِضَاء الْحَرْب فَغير شَهِيد وَإِن قتل صبرا فِي بطن المعركة قبل انْقِضَائِهَا فشهيد وَبِخِلَاف من مَاتَ قبل انْقِضَاء الْحَرْب لَا بِسَبَبِهَا كَأَن مَاتَ بِمَرَض أَو فَجْأَة أَو قَتله مُسلم عمدا وَكَذَا لَو مَاتَ فِي قتال الْبُغَاة أَو فِي قتال الذميين من غير مجوز لَهُ فَلَيْسَ لَهُ حكم شَهِيد المعركة كمن اغتاله مُسلم مُطلقًا أَو كَافِر فِي غير قتال (وكفن شَهِيد) وجوبا وَيسن أَن يكون تكفينه
(فِي ثِيَابه) الَّتِي مَاتَ فِيهَا إِن اُعْتِيدَ لبسهَا غَالِبا وَإِن لم تكن بيضًا وَإِن لم تكن ملطخة بِالدَّمِ والملطخة بِهِ أولى فَإِن لم تكف وَجب تتميمها (لَا) يجوز تكفينه فِي (حَرِير) اضْطر إِلَيْهِ لِلْقِتَالِ بل ينْزع وجوبا كمحيط لبسه محرم للْحَاجة وَيسن نزع آلَة الْحَرْب عَنهُ كدرع وَكَذَا مَا لَا يعْتَاد التَّكْفِين فِيهِ كفروة وجبة محشوة وَلَو اخْتَلَط من يصلى عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ وَلم يتَمَيَّز كمسلم بِكَافِر وَغير شَهِيد بِشَهِيد وَسقط يصلى عَلَيْهِ بسقط لَا يصلى عَلَيْهِ وَجب تجهيز كل إِذْ لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بذلك وَيصلى على الْجَمِيع وَهُوَ أفضل أَو على وَاحِد فواحد بِقصد من يصلى عَلَيْهِ فِي الكيفيتين وَيغْتَفر التَّرَدُّد فِي النِّيَّة للضَّرُورَة وَيَقُول فِي الْمِثَال الأول وَهُوَ اخْتِلَاط مُسلم بِكَافِر اللَّهُمَّ اغْفِر للْمُسلمِ مِنْهُمَا فِي الْكَيْفِيَّة الأولى وَيَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ إِن كَانَ مُسلما فِي الْكَيْفِيَّة الثَّانِيَة وَلَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك فِي الْمِثَال الثَّانِي وَالثَّالِث لانْتِفَاء الْمَحْذُور وَهُوَ الدُّعَاء بالمغفرة للْكَافِرِ (وَينْدب تلقين) ميت (بَالغ وَلَو شَهِيدا) خلافًا لِلشِّهَابِ الرَّمْلِيّ (بعد دفن) لاحتياجه إِلَى التَّذْكِير فِي هَذَا الْوَقْت وَأَن يقْعد الملقن عِنْد رَأس الْقَبْر قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَاتَ أحدكُم فسويتم عَلَيْهِ التُّرَاب فَليقمْ أحدكُم على رَأس قَبره ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة فَإِنَّهُ يسمع وَلَا يُجيب ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدا ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة الثَّالِثَة فَإِنَّهُ يَقُول أرشدنا يَرْحَمك الله وَلَكِن لَا تَسْمَعُونَ فَيَقُول لَهُ اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَنَّك رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَبيا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا فَإِن مُنْكرا ونكيرا يتَأَخَّر كل وَاحِد مِنْهُمَا فَيَقُول انْطلق بِنَا مَا يقعدنا عِنْد هَذَا وَقد لقن حجَّته وَيكون الله عز وَجل حجيجه دونهمَا فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَإِن لم يعرف اسْم أمه قَالَ فلينسبه إِلَى حَوَّاء أما طِفْل وَلَو مراهقا وَمَجْنُون لم يتقدمه تَكْلِيف فَلَا يسن تلقينهما لِأَنَّهُمَا لَا يفتنان وَيسن أَن يقْرَأ عِنْده شَيْء من الْقُرْآن وَإِن ختم كَانَ أفضل (و) ينْدب (زِيَارَة قُبُور) أَي قُبُور الْمُسلمين (لرجل) أَي ويتأكد ندب ذَلِك فِي حق الْأَقَارِب خُصُوصا الْأَبَوَيْنِ وَلَو كَانُوا بِبَلَد آخر غير بلد الزائر وَيسن أَن يكون الزائر على طَهَارَة وَتكره زيارتها للنِّسَاء والخناثى هَذَا فِي غير زِيَارَة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما هِيَ فَلَا تكره بل تكون من أعظم القربات للذكور وَالْإِنَاث وَيَنْبَغِي أَن تكون قُبُور سَائِر الْأَنْبِيَاء والأولياء كَذَلِك كَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة والقمولي وَمحل ذَلِك إِذا أذن لَهَا الزَّوْج أَو السَّيِّد أَو الْوَلِيّ (وَسَلام) ندبا حَالَة كَون الزائر مُسْتَقْبلا وَجه الْقُبُور قَائِلا مَا علمه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَهُوَ السَّلَام على أهل الدَّار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ والمستأخرين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون أَو مَا علمه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه وَهُوَ السَّلَام على أهل الدَّار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة رَوَاهُ مُسلم زَاد أَبُو دَاوُد بِسَنَد ضَعِيف اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم وَلَا تفتنا بعدهمْ وَيقْرَأ وَيَدْعُو عقب قِرَاءَته وَالدُّعَاء ينفع الْمَيِّت وَهُوَ عقب الْقِرَاءَة أقرب للإجابة
وَينْدب وضع الشَّيْء الرطب على الْقَبْر كالجريد الْأَخْضَر وَالريحَان لِأَنَّهُ يسْتَغْفر للْمَيت مَا دَامَ رطبا وَلَا يجوز للْغَيْر أَخذه قبل يبسه وَأما بعد اليبس فَيجوز لَهُ أَخذه لِأَن وَاضعه أعرض عَنهُ حِينَئِذٍ كَمَا علم هَذَا فِي غير وَاضعه أما هُوَ فَإِن كَانَ الشَّيْء الْأَخْضَر قَلِيلا كخوصة أَو خوصتين فَلَا يجوز لَهُ أَخذه قبل يبسه لِأَنَّهُ صَار حَقًا للْمَيت أما إِذا كَانَ كثيرا فَإِنَّهُ يجوز لَهُ الْأَخْذ مِنْهُ ليضعه على قبر آخر مثلا وَينْدب جمع الْأَقَارِب فِي مَوضِع من الْمقْبرَة لِأَنَّهُ أسهل على الزائر وَالْأَفْضَل أَن يكون بجوار أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَلَو انْهَدم الْقَبْر على الْمَيِّت فالوارث مُخَيّر بَين ثَلَاثَة أُمُور إِصْلَاحه وَتَركه وَنقل الْمَيِّت مِنْهُ إِلَى غَيره وَمثل ذَلِك انهيار التُّرَاب عَلَيْهِ عقب دَفنه وَمَعْلُوم أَن الْكَلَام حَيْثُ لم يخْش عَلَيْهِ نَحْو سبع أَو ظُهُور رَائِحَة وَإِلَّا وَجب إِصْلَاحه قطعا وَكَذَا لَو أفْضى انهدام الْقَبْر إِلَى ظُهُور شَيْء من الْمَيِّت والدفن فِي الْمقْبرَة أفضل من غَيره لينال الْمَيِّت دُعَاء الزائرين وَيكرهُ الْمبيت بهَا لما فِيهِ من الوحشة وَلَا يجوز جمع اثْنَيْنِ فِي قبر وَاحِد بل يفرد كل وَاحِد بِقَبْر وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ بِالْكَرَاهَةِ عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس أَو الْمَحْرَمِيَّة أَو الزَّوْجِيَّة أَو عدم بُلُوغ حد الشَّهْوَة وَيكرهُ عِنْد شيخ الْإِسْلَام وَإِن اخْتلف الْجِنْس وَاخْتلفت الْمَحْرَمِيَّة لَكِن يَجْعَل بَينهمَا مَا يمْنَع التمَاس كتراب وَنَحْوه وَالْمُعْتَمد الأول نعم يسْتَثْنى من حُرْمَة الْجمع مَا لَو أوصى كل من الميتين بذلك فَيجوز لِأَن الْحق لَهُ وَمن ذَلِك إِدْخَال ميت على آخر قبل ذهَاب أَثَره وَيحرم جمع عِظَام الْمَوْتَى لدفن غَيرهم وَكَذَا وَضعه فَوْقهَا نعم إِن دعت الضَّرُورَة إِلَى ذَلِك كَأَن كثرت الْمَوْتَى وعسر إِفْرَاد كل ميت بِقَبْر لضيق الأَرْض فَيجمع بَين الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة وَالْأَكْثَر فِي قبر بِحَسب الضَّرُورَة وَيحرم نقل الْمَيِّت قبل دَفنه من مَحل مَوته إِلَى مَحل أبعد من مَقْبرَة مَحل مَوته ليدفن فِيهِ إِلَّا أَن يكون بِقرب مَكَّة أَو الْمَدِينَة أَو بَيت الْمُقَدّس بِحَيْثُ تكون الْمسَافَة لَا يتَغَيَّر فِيهَا الْمَيِّت فَيجوز حِينَئِذٍ نَقله إِلَيْهَا بعد غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ فِي مَحل مَوته لتوجه الْفَرْض قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَيَنْبَغِي أَن يكون مثل ذَلِك مَا لَو كَانَ بِقرب مَقَابِر أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح لِأَن الشَّخْص يقْصد الْجَار الْحسن فَائِدَة من مَاتَ فِي سفينة وَتعذر دَفنه فِي الْبر يجب أَن يوضع بعد غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ بَين لوحين مثلا ويرمى فِي الْبَحْر وَإِن ثقل بِحجر ليصل إِلَى الْقَرار فَهُوَ أولى تَنْبِيه مَحل تجهيز الْمَيِّت تركته ويراعى فِيهِ حَالَة سَعَة وضيق وَإِن كَانَ مقترا على نَفسه فِي حَيَاته إِلَّا زَوجته وخادمها الْمَمْلُوك لَهَا أَو الْمُكْتَرِي بالانفاق عَلَيْهِ فعلى زَوجهَا الْغَنِيّ وَلَو كَانَ غناهُ بِمَا يَخُصُّهُ من التَّرِكَة وَالْمرَاد بِهِ من يملك زِيَادَة على التَّجْهِيز مَا يَكْفِي مُؤنَة يَوْم وَلَيْلَة وَإِن امْتنع الزَّوْج من تجهيزها أَو كَانَ غَائِبا فجهزها الْوَرَثَة أَو غَيرهم من مَالهَا أَو غَيره رجعُوا عَلَيْهِ بذلك إِن فَعَلُوهُ بِإِذن حَاكم يرى ذَلِك وَإِلَّا فَلَا نعم إِن لم يُوجد الْحَاكِم كفى المجهز الْإِشْهَاد على أَنه جهز من مَال نَفسه ليرْجع وَخرج بِالزَّوْجِ ابْنه فَلَا يلْزم تجهيز زَوْجَة أَبِيه وَإِن لَزِمته نَفَقَتهَا فِي الْحَيَاة وَلَو أوصت الزَّوْجَة بتجهيزها من مَالهَا توقف على إجَازَة الْوَرَثَة لِأَنَّهَا وَصِيَّة لوَارث وَهُوَ
الزَّوْج حَيْثُ أسقطت الْوَاجِب عَلَيْهِ والمفتى بِهِ عِنْد الْحَنَفِيَّة أَن تجهيز الزَّوْجَة على الزَّوْج مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ غَنِيا أَو لَا وَعند الْمَالِكِيَّة والحنابلة أَن تجهيزها من مَالهَا مُطلقًا فَإِن لم يكن للْمَيت تَرِكَة فتجهيزه على من عَلَيْهِ نَفَقَته حَيا فِي الْجُمْلَة ليدْخل الْمكَاتب وَالْولد الْكَبِير الَّذِي كَانَ قَادِرًا على الْكسْب فَإِن لم يكن للْمَيت من تلْزمهُ نَفَقَته فتجهيزه فِي بَيت المَال فَإِن تعذر بَيت المَال فعلى مياسير الْمُسلمين وَمثل غيبَة الزَّوْج فِيمَا تقدم غيبَة من يجب عَلَيْهِ نَفَقَة الْمَيِّت فِي الْحَيَاة والمحكوم عَلَيْهِ فِيمَا تقدم بِأَنَّهُ فرض كِفَايَة هُوَ الْأَفْعَال وَأما الْأَعْيَان كَثمن المَاء والكفن وَأُجْرَة من يغسلهُ ويحمله ويلحده وَنَحْو ذَلِك فمما ذكر وَلَا بَأْس بالبكاء على الْمَيِّت قبل مَوته وَبعده وَالْأولَى عَدمه بِحَضْرَة المحتضر وَهُوَ قبل الْمَوْت مُبَاح وَأما بعده فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِن كَانَ لمحبة أَو رقة كالبكاء على الطِّفْل فَلَا بَأْس بِهِ وَالصَّبْر أجمل وَإِن كَانَ لما فقد من علمه وصلاحه وبركته وشجاعته فَيظْهر اسْتِحْبَابه وَإِن كَانَ لما فَاتَهُ من بره وَالْقِيَام بمصالحه فَيظْهر كَرَاهَته لتَضَمّنه عدم الثِّقَة بِاللَّه تَعَالَى وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين مَا كَانَ بِمُجَرَّد دمع الْعين أَو كَانَ بِرَفْع صَوت وَكَانَ دَاخِلا تَحت الِاخْتِيَار وَهَذَا كُله مَا لم يقْتَرن بِهِ مَا يدل على الْجزع كالنوح وشق الجيب وَنشر الشّعْر وتسويد الْوَجْه وَوضع التُّرَاب على الرَّأْس وَرفع الصَّوْت بإفراط فِي الْبكاء وَإِلَّا حرم وَلَا يعذب الْمَيِّت بِشَيْء من ذَلِك مَا لم يوص بِهِ بِأَن أوصى بِتَرْكِهِ أَو سكت أما إِذا أوصى بِشَيْء من ذَلِك فَإِنَّهُ يعذب بِهِ وَيسن أَن يعزى كل من يحصل لَهُ عَلَيْهِ وجد حَتَّى الزَّوْجَة وَالصديق وتندب الْبدَاءَة بأضعفهم عَن حمل الْمُصِيبَة وَيُقَال فِي تَعْزِيَة الْمُسلم بِالْمُسلمِ أعظم الله أجرك وَأحسن عزاءك وَغفر لميتك وأخلف عَلَيْك وَيُقَال فِي تَعْزِيَة الْكَافِر بِالْمُسلمِ غفر الله لميتك وَأحسن عزاءك وَيَنْبَغِي للمعزي إِجَابَة التَّعْزِيَة بِنَحْوِ جَزَاك الله خيرا وَيسن زِيَارَة الْقُبُور وَورد أَن من زار قبر أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فِي كل جُمُعَة مرّة غفر لَهُ وَكَانَ بارا لوَالِديهِ وَفِي رِوَايَة من زار قبر وَالِديهِ فِي جُمُعَة أَو أَحدهمَا فَقَرَأَ عِنْده ﴿يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ 36 يس الْآيَة 1 غفر الله لَهُ بِعَدَد ذَلِك آيَة وحرفا وَفِي رِوَايَة من زار قبر وَالِديهِ أَو أَحدهمَا يَوْم الْجُمُعَة كَانَ كحجة