بَاب فِي الْعَارِية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- نووي الجاوي
- الكتاب
- نهاية الزين في إرشاد المبتدئين
- المؤلف
- محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا (المتوفى: 1316هـ)
- الناشر
- دار الفكر - بيروت
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بتَشْديد الْيَاء وَقد تخفف وَهِي شرعا إِبَاحَة الِانْتِفَاع مجَّانا بِمَا يحل الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه وَمَعَ كَونهَا إِبَاحَة ترتد بِالرَّدِّ بِخِلَاف مُطلق الْإِبَاحَة فَإِنَّهَا لَا ترتد والإعارة بعد التماسها سنة وَكَانَت أول الْإِسْلَام وَاجِبَة وَقد تجب كإعارة ثوب لدفع حر أَو برد أَو لتوقف صِحَة الصَّلَاة عَلَيْهِ وإعارة مَا ينقذ غريقا كحبل وإعارة سكين لذبح حَيَوَان مَأْكُول يخْشَى فَوته وَقد تحرم كإعارة صيد من محرم وَأمة غير صَغِيرَة من أَجْنَبِي وَقد تكره كإعارة عبد مُسلم لكَافِر وَقد تُبَاح وتصور الْإِبَاحَة بإعارة من لَا حَاجَة لَهُ بالمعار بِوَجْه وأركانها أَرْبَعَة الأول معير وَشَرطه اخْتِيَاره وَصِحَّة تبرعه وَمن ثمَّ (صَحَّ) من شخص مُخْتَار ذِي تبرع إِعَارَة مَا يَأْتِي لِأَن الْعَارِية تبرع بِالْمَنْفَعَةِ فَلَا تصح إِعَارَة مكره بِغَيْر حق أما بِهِ كَمَا لَو أكره على إِعَارَة وَاجِبَة فَتَصِح وَلَا إِعَارَة مَحْجُور عَلَيْهِ لَكِن تصح إِعَارَة السَّفِيه لبدن نَفسه حَيْثُ لم يكن عمله مَقْصُودا الرُّكْن الثَّانِي الْمُسْتَعِير وَشَرطه تَعْيِينه فَلَا يَصح أعرت أَحَدكُمَا وَصِحَّة التَّبَرُّع عَلَيْهِ بِعقد فَيصح من ذِي تبرع (إِعَارَة) أهل لقبُول التَّبَرُّع فَلَا يَصح لغير أهل لقبوله كَغَيْر مُكَلّف وكسفيه على الْأَوْجه الَّذِي جرى عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره الرُّكْن الثَّالِث المعار وَشَرطه حل الِانْتِفَاع بِهِ مَعَ ملك منفعَته وَبَقَاء عينه وَإِن لم يعين ذَلِك المعار حَتَّى لَو قَالَ أعرني دَابَّة فَقَالَ ادخل الإصطبل وَخذ مَا أردْت صحت الْإِعَارَة بِخِلَاف الْإِجَارَة لِأَن الْغرَر لَا يحْتَمل فِي الْمُعَاوَضَات فيجور إِعَارَة (عين لانتفاع مَمْلُوك) وَلَو بِوَصِيَّة أَو إِجَارَة أَو وقف وَإِن لم يملك الْمُعير الْعين لِأَن الْعَارِية ترد على الْمَنْفَعَة فَقَط وَالْمرَاد بِملك الْمَنْفَعَة هُنَا مَا يعم الِاخْتِصَاص بهَا لتصحيحهم إِعَارَة كلب الصَّيْد وإعارة منذور أضْحِية وهدي مَعَ خُرُوجه عَن ملك الْمُعير فَلَو تلف الْمَنْذُور ضمنه الْمُعير وَالْمُسْتَعِير وَلَيْسَ لنا معير يضمن إِلَّا فِي هَذِه وَالْمرَاد أَن كلا مِنْهُمَا طَرِيق فِي الضَّمَان وَأَن الْقَرار على من تلف المعار تَحت يَده وَلَا بُد فِي الِانْتِفَاع الْمَمْلُوك من (مُبَاح) اسْتِيفَاؤهُ للْمُسْتَعِير فَلَا يعار نَحْو حمَار زمن وَأمة لخدمة أَجْنَبِي وآلات الملاهي الرُّكْن الرَّابِع الصِّيغَة وَإِنَّمَا تصح الْإِعَارَة (بِلَفْظ) أَو كِتَابَة بنية أَو إِشَارَة أخرس (يشْعر بِإِذن فِيهِ) أَي يدل ذَلِك على الْإِذْن فِي الِانْتِفَاع أَو على طلبه إِذْ الِانْتِفَاع بِملك الْغَيْر يتَوَقَّف على ذَلِك (كأعرتك) هَذَا أَو أعرتك منفعَته أَو أبحتك منفعَته أَو اركب أَو خُذْهُ
لتنتفع بِهِ أَو أعرني أَو أركبني وَيَكْفِي لفظ أَحدهمَا مَعَ فعل الآخر وَإِن تَأَخّر أَحدهمَا عَن الآخر وَإِن طَال الزَّمن جدا فَحَيْثُ حصلت الصِّيغَة لَا يضر التَّأَخُّر إِن لم يُوجد من الْمُعير مَا يدل على الرُّجُوع وَلَا من الْمُسْتَعِير مَا يدل على الرَّد (وعَلى مستعير ضَمَان قيمَة يَوْم التّلف) للمعار بَدَلا أَو أرشا وَإِن شرطا عدم ضَمَانه وَلَو لم يفرط كسقوط الدَّابَّة فِي بِئْر حَالَة سَيرهَا وَهَذَا تلف بِغَيْر الِاسْتِعْمَال الْمَأْذُون فِيهِ لِأَنَّهُ تلف فِي الِاسْتِعْمَال لَا بِهِ وَمِنْه مَا لَو اسْتعَار ثورا لاستعماله فِي ساقية فَسقط فِي بِئْرهَا فَإِنَّهُ يضمنهُ لِأَنَّهُ تلف فِي الِاسْتِعْمَال الْمَأْذُون فِيهِ بِغَيْرِهِ لَا بِهِ وَمِنْه أَيْضا مَا لَو أَصَابَهُ السِّلَاح مثلا من آلَة الْحَرْث فَيضمنهُ كل من الْمُسْتَعِير والْحَارث وقرار الضَّمَان على الْحَارِث وَشرط التّلف المضمن أَن يحصل (لَا بِاسْتِعْمَال) مَأْذُون فِيهِ فَإِن حصل مَعَ الِاسْتِعْمَال بِأَن تلفت الْعين المستعارة أَو جزؤها بِاسْتِعْمَال مَأْذُون فِيهِ كركوب مُعْتَاد أَو حمل مُعْتَاد فعرجت أَو تقرحت أَو لبس مُعْتَاد فانمحقت الْعين أَو انسحقت فَلَا ضَمَان لحدوث التّلف بِإِذن الْمَالِك إِلَّا فِي الْحمل على أضْحِية أَو هدي منذورين فيضمنان بقيمتيهما وَلَو اسْتعَار رَقِيقا لتنظيف سطح مثلا فَسقط من سلمه وَمَات ضمنه بِخِلَاف مَا لَو اسْتَأْجرهُ وَلَا يشْتَرط فِي ضَمَان الْمُسْتَعِير كَون الْعين فِي يَده بل وَإِن كَانَت فِي يَد الْمَالِك لَكِن بعد قبض الْمُسْتَعِير مَعَ بَقَاء حكم الْعَارِية أَو قبل الْقَبْض بِالْفِعْلِ لَكِن استعملها الْمَالِك فِي شغل الْمُسْتَعِير وَلَو حمل مَتَاع غَيره على دَابَّته بسؤال الْغَيْر كَانَ ذَلِك الْغَيْر مستعيرا لكل الدَّابَّة إِن لم يكن عَلَيْهَا شَيْء لغير الْمُسْتَعِير وَإِلَّا فبقدر مَتَاعه وَلَو اخْتلفَا فِي حُصُول التّلف بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُون فِيهِ أَولا صدق الْمُسْتَعِير بِيَمِينِهِ لعسر إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَلِأَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته وَكَون الأَصْل فِي الْعَارِية الضَّمَان هُوَ بِالنِّسْبَةِ لليد لَا للذمة وَتعلق الضَّمَان بِالذِّمةِ أَمر طارىء على الأَصْل كَذَا فِي النِّهَايَة (وَعَلِيهِ) أَي الْمُسْتَعِير (مُؤنَة رد) للمعار إِذا اسْتعَار من الْمَالِك وَكَذَا إِذا اسْتعَار من نَحْو مُسْتَأْجر ورد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبضه للغرض نَفسه أما إِذا رده الْمُسْتَعِير على الْمَالِك فالمؤنة على الْمَالِك وَلَو كَانَ اسْتِحْقَاق الْمُسْتَأْجر بَاقِيا كَمَا لَو رد عَلَيْهِ معيره الْمُسْتَأْجر (وَلكُل) من الْمُعير وَالْمُسْتَعِير (رُجُوع) فِي الْعَارِية الْمُطلقَة والمؤقتة قبل فرَاغ الْمدَّة مَتى شَاءَ إِلَّا إِذا أعَار أَرضًا لدفن ميت غير حَرْبِيّ ومرتد فَيمْتَنع الرُّجُوع أَي اسْتِرْدَاد الْمُعير ورد الْمُسْتَعِير إِذا كَانَ بعد إدلاء الْمَيِّت فِي هَوَاء الْقَبْر وَإِن لم يصل إِلَى أسلفه كَمَا يمْتَنع الرُّجُوع فِي الْكَفَن المعار بِمُجَرَّد وَضعه على الْمَيِّت وَإِن لم يلف عَلَيْهِ وعَلى الْمُعير إِذا رَجَعَ بعد الْحفر مُؤنَة حفر مَا رَجَعَ فِيهِ لوَارث الْمَيِّت سَوَاء حفر بِنَفسِهِ أَو بالاستئجار لمن حفر لَهُ أَو بِحَفر مُتَبَرّع بِقصد الْمُسْتَعِير وَإِلَّا إِذا اسْتعَار ثوبا للستر أَو الْفراش على نجس فِي صَلَاة الْفَرْض وَشرع فِيهَا فَيمْتَنع على الْمُعير الِاسْتِرْدَاد كَمَا يمْتَنع على الْمُسْتَعِير الرَّد إِلَّا بعد فرَاغ الصَّلَاة وَيلْزمهُ الِاقْتِصَار على أقل مجزىء من واجباتها بعد الرُّجُوع بِخِلَاف مَا لَو استعاره لمُطلق الصَّلَاة فالعارية لَازِمَة من جِهَة الْمُسْتَعِير فَقَط إِن أحرم بِفَرْض فللمعير الرُّجُوع وَإِذا رَجَعَ نَزعه الْمُسْتَعِير وَبنى على صلَاته وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فَإِن أحرم بنفل كَانَت جَائِزَة من جهتهما وَإِلَّا إِذا اسْتعَار سفينة وَوضع فِيهَا مَتَاعا فِي مَاء غزير فَيمْتَنع على الْمُعير الرُّجُوع حِينَئِذٍ أَي يمْتَنع عَلَيْهِ تفريغها حِينَئِذٍ حَتَّى تصل إِلَى مَحل تأمن فِيهِ وَإِن كَانَ لَهُ الرُّجُوع بالْقَوْل وَيسْتَحق الْأُجْرَة من حِينَئِذٍ وَإِلَّا إِذا اسْتعَار مَكَانا لسكنى مُعْتَدَّة فَيمْتَنع على الْمُسْتَعِير الرَّد وَيجوز للْمُعِير
الِاسْتِرْدَاد وَإِذا رَجَعَ الْمُعير نقلت الْمُعْتَدَّة لأَقْرَب الْمَوَاضِع إِن لم يرض بِالْأُجْرَةِ فَلَو رَضِي بهَا امْتنع النَّقْل وَلَو اسْتعْمل الْمُسْتَعَار بعد الرُّجُوع جَاهِلا فَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا لَو اسْتعْمل الْعَارِية بعد جُنُون الْمُعير أَو إغمائه أَو مَوته غير عَالم بذلك فَتلْزمهُ الْأُجْرَة لبُطْلَان الْإِذْن بذلك فَإِن الْمُعير بعده لَيْسَ أَهلا للْإِبَاحَة وَإِذا اسْتعَار للغراس وَالْبناء لم يفعل ذَلِك إِلَّا مرّة فَإِن قلعه لم يعده إِلَّا بِإِذن جَدِيد مَا لم يَأْذَن لَهُ فِي التَّجْدِيد مرّة بعد أُخْرَى
فصل فِي الْغَصْب
وَهُوَ الِاسْتِيلَاء على حق الْغَيْر على طَرِيق الظُّلم وَيدخل فِي الْحق الاختصاصات وَالْمَنَافِع ككلب الصَّيْد وَجلد الْميتَة وخمرمحترم وسرجين وَحقّ التحجر وَحقّ من قعد فِي سوق أَو مَسْجِد أَو شَارِع وَالْغَصْب من الْكَبَائِر وَالْأَصْل فِي تَحْرِيمه آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ 2 الْبَقَرَة الْآيَة 188 وأخبار كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خطبَته فِي منى إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ حرَام عَلَيْكُم كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ظلم قيد شبر من أَرض طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وعَلى الْغَاصِب رد) فَوْرًا عِنْد التَّمَكُّن للمنقول بِنَفسِهِ أَو فعل أَجْنَبِي وَإِن عظمت الْمُؤْنَة فِي رده وَلَو لم يكن متمولا كحبة بر وكلب مُحْتَرم يقتنى وَإِن لم يَطْلُبهُ الْمَالِك سَوَاء كَانَ بِبَلَد الْغَصْب أم منتقلا عَنهُ وَعَلِيهِ خُرُوج من الْعقار بنية عدم الْعود إِلَيْهِ وتمكين الْمَالِك مِنْهُ (و) عَلَيْهِ (ضَمَان مُتَمَوّل) أَي مُتَقَوّم كثياب وحيوان غير رَقِيق وَغير صيد على الْمحرم أَو فِي الْحرم (تلف بأقصى قِيمَته من حِين غصب إِلَى تلف) لِأَنَّهُ فِي حَال زِيَادَة الْقيمَة غَاصِب مطَالب بِالرَّدِّ فَلَمَّا لم يرد فِي تِلْكَ الْحَالة ضمن الزِّيَادَة لتعديه وَتجب قِيمَته من نقد الْبَلَد الَّذِي حصل فِيهِ التّلف إِذا لم ينْقل الْمَغْصُوب فَإِن نَقله فَيعْتَبر نقد الْبَلَد الَّذِي تعْتَبر الْقيمَة فِيهِ وَهُوَ أَكثر البلدين قيمَة وَذَلِكَ بِاعْتِبَار النَّقْد الْغَالِب فَإِن غلب نقدان وتساويا عين القَاضِي وَاحِدًا أما الرَّقِيق فتضمن نَفسه كلا أَو بَعْضًا بِقِيمَتِه بَالِغَة مَا بلغت والتقويم يكون بعد الِانْدِمَال دَائِما وَالْقيمَة الْمُعْتَبرَة كلا أَو بَعْضًا أقْصَى الْقيم فِي الْمَغْصُوب وَقِيمَة يَوْم التّلف فِي غَيره وَأما الصَّيْد فَيضمن بِمثلِهِ (وَيضمن مثلي بِمثلِهِ) مَا لم يتراضيا على قِيمَته لِأَن الْمثل أقرب إِلَى حَقه فَإِن خرج الْمثْلِيّ عَن الْقيمَة كَمَا لَو أتلف مَاء بمفازة ثمَّ اجْتمعَا بِمحل لَا قيمَة للْمَاء فِيهِ أصلا لزمَه قِيمَته بِمحل الْإِتْلَاف بِخِلَاف مَا إِذا بقيت لَهُ قيمَة وَلَو تافهة فَلَا يعدل عَن
الْمثل لِأَنَّهُ الأَصْل وَهَذَا إِذا لم يكن لنقله مُؤنَة وَإِلَّا فَالْوَاجِب الْقيمَة بِمحل التّلف ثمَّ الْمثْلِيّ مَا جَازَ السّلم فِيهِ وَأمكن ضَبطه بِالْكَيْلِ أَو الْوَزْن وَإِن لم يعْتد فِيهِ بِأَن لم تجر عَادَة أهل الشَّرْع بِمثلِهِ فَمَا حصره عد أَو ذرع كحيوان وَثيَاب مُتَقَوّم وَإِن جَازَ السّلم فِيهِ والمعجونات والجواهر وَنَحْوهمَا مِمَّا يمْتَنع السّلم فِيهِ مُتَقَوّم وَإِن حصره وزن أَو كيل وَالْمُعْتَمد عِنْد الرَّمْلِيّ أَن خل التَّمْر مثلي كبر اخْتَلَط بشعير فَيجب إِخْرَاج الْقدر الْمُحَقق من كل مِنْهُمَا