موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنيةعلو الهمة:

علو الهمة:

عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
موسوعة الأخلاق الإسلاميةإعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف
الناشر
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
عدد الأجزاء
3 تم تحميله في/ ربيع الأول 1433 هـ [الكتاب مرقم آليا]

قال صاحب المنازل: (الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صرفاً، ولا يتمالك صاحبها ولا يلتفت عنها) والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلباً صادقاً خالصاً محضاً، فتلك هي الهمة العالية التي (لا يتمالك صاحبها) أي لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود (ولا يلتفت عنها) إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق، والله أعلم) اهـ 1. قلت: فعلو الهمة يستلزم الجد، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سفسافها)) 2. وسفسافها: أي حقيرها ورديئها، وشرف النفس أن يصونها عن الدنايا، والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل، حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.
قال ابن القيم رحمه الله في (الفوائد): (فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل).
وقال رحمه الله في (الفوائد): (فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك).
فإذا حرص المرء على اكتساب الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها، نال مكارم الأخلاق.

9 - الصبر: قال ابن قيم الجوزية رحمه لله: (حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها

##: الصبر،

والعفة، والشجاعة، والعدل) 1. وقال: (وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.
فالأول: صبر الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المصبر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ [النحل: 127]. والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق.
الثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية.
صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها.. أين ما توجهت ركائبها) 2. (والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام قال: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ [يوسف: 86].
إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله) 3 كما هو حال بعض المسيئين الأدب في شكواهم وتسخطهم من قضاء الله وقدره، فالله المستعان.
وقال الماوردي: (وليس لمن قل صبره على طاعة الله تعالى حظ من بر، ولا نصيب من صلاح، ومن لم ير لنفسه صبراً، يكسبها ثواباً، ويدفع عنها عقاباً، كان مع سوء الاختيار بعيداً من الرشاد، حقيقاً بالضلال) 4. وعلى العاقل احتساب الأجر عند الله عز وجل، فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، وتحمل أذى الناس؛ فإذا أيقن المسلم أن الله سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته؛ سيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل؛ قال تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل: 96].
وقال سبحانه: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان: 12].

10 -

جارٍ التحميل