مختصر منهاج القاصدينكتاب الأذكار والدعوات وغيرها

اعلم: أنه ليس بعد تلاوة القرآن عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله سبحانه وتعالى، ورفع الحوائج بالأدعية الخالصة إليه تعالى، ويدل على فضل الذكر قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] وقوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ ١ [آل عمران: ١٩٠] وقوله: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥].

وعن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه".

وفي أفراد مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة ٢ وذكرهم الله فيمن عنده ٣ " وفى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في فضائل الأعمال.

وعن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما جلس قوم مجلسا فتفرقوا على غير ذكر الله عز وجل، إلا تفرقوا عن مثل جيفة الحمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة".

وفى حديث آخر.
"لا يجلس قوم مجلسا لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة".

وأما فضيلة الدعاء: فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ليس شئ أكرم على الله عز وجل من الدعاء" و"أشرف

العبادة الدعاء (١) " و"من لا يسأل الله يغضب عليه".
وفى حديث أخر: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل".

وللدعاء آداب: من ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الشهور، والجمعة من الإسبوع، والسحر من الليل.

ومن الأوقات الشريفة بين الآذان والإقامة، وعقيب الصلوات، وعند نزول الغيث، وعند القتال في سبيل الله، وعند ختم القرآن، وفى السجود، وعند الإفطار، وعند حضور القلب ووجله.

وعلى الحقيقة فإن شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه، وحالة السجود حالة الذل.

ومن آداب الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه ثم يمسح بهما وجهه، وأن يخفض صوته حال الدعاء.

ومن آدابه أن يبدأ بذكر الله عز وجل، ثم يصلى على النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولا يتكلف السجع في الدعاء.

ومن آدابه وهو الأدب الباطن -وهو الأصل في الإجابة- التوبة ورد المظالم.

١ - فصل في الأوراد وفضلها وتوزيع العبادات على مقادير الأوقات

أعلم: أنه إذا حصلت المعرفة لله سبحانه والتصديق بوعده، والعلم بقصر العمر، وجب ترك التقصير في هذا العمر القصير، والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (٢٥) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام، وقال الله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار

(١) اخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٧١٣) ورجاله ثقات ألا أن فيه عنعنة الحسن.

خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾ [الفرقان: ٦٢]، أي يخلف أحدهما الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر.

٢ - بيان عدد أوراد الليل والنهار وترتيبها

أوراد النهار سبعة، وأوراد الليل ستة، فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما يتعلق به.

الورد الأول من أوراد النهار: ما بين طلوع الفجر الثانى إلى طلوع الشمس، وهو وقت شريف، وقد أقسم الله تعالى به فقال: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ [التكوير: ١٨].

فينبغي للمريد إذا انتبه من النوم أن يذكر الله سبحانه وتعالى فيقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
روى ذلك عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من أفراد البخاري.

وفى أفراد مسلم، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمسى قال: "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر".

وإذا أصبح قال ذلك أيضا: "أصبحنا وأصبح الملك لله... " إلى آخره، ويقول: "بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث مرات، "رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولا".

فإذا صلى الفجر قال وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شئ قدير" عشر مرات.

ويذكر سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك،

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك ١ بنعمتك على، وأبوء بذنبى، فاغفر لى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

ويقول: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفا ٢ مسلما، وما كان من المشركين".

ويدعو "اللهم أصلح لى ديني الذى هو عصمة أمري، وأصلح دنياي التي فيها ماشى، وأصلح لى آخرتى التي فيها معادى، واجعل الحياة زيادة لى في كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر".

ويدعو بدعاء أبى الدرداء: "اللهم أنت ربى، لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، أعلم أن الله على كل شئ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شئ علما.
اللهم إني أعوذ بك من شر نفسى، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربى على صراط مستقيم".

فهذه الأدعية لا يستغني المريد عن حفظها.

وينبغى له قبل خروجه إلى صلاة الفجر أن يصلى السنة في منزله ثم يخرج متوجها إلى المسجد ويقول: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإني لم أخرج أشرا ٣ ولا بطرا، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ٤ ".

فإذا دخل المسجد فليقل ما روى مسلم في "صحيحه" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: "اللهم إني أسألك من فضلك"، ثم يطلب الصف الأول منتظرا للجماعة داعيا بنحو ما تقدم من الأذكار والأدعية.

فإذا صلى الفجر استحب أن يمكث في مكانه إلى طلوع الشمس.

فقد روى أنس رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" ١.

وليكن وظائف وقته أربعا: الدعاء، الذكر، والقراءة، والفكر.

وليأت بما أمكنه، وليتفكر في قطع القواطع، وشغل الشواغل عن الخير ليؤدى وظائف يومه، وليتفكر في نعم الله تعالى ليتوفر شكره.

الورد الثانى: ما بين طلوع الشمس إلى الضحى، وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار، إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة، وهو الربع، وهذا وقت شريف، وفيه وظيفتان: أحدهما: صلاة الضحى ٢.

والثانية: ما يتعلق بالناس من عيادة مريض، أو تشييع جنازة، أو حضور مجلس علم، أو قضاء حاجة مسلم.
وإن لم يفعل شيئا من ذلك تشاغل بالقراءة والذكر.

الورد الثالث: من وقت الضحى إلى الزوال، والوظيفة في هذا الوقت، الأقسام الأربعة، وزيادة أمرين:

أحدهما: الاشتغال بالكسب والمعاش، وحضور السوق، فإن كان تاجرا فليتجر بصدق وأمانة، وإن كان صاحب صنعة، فليصنع بنصيحة وشفقة، ولا ينس ذكر الله تعالى في جميع أشغاله، وليقنع بالقليل.

والثاني: القيلولة، فإنها مما تعين على قيام الليل، كما يعين السحور على صيام النهار، فإن نام فليجتهد في الانتباه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة قبل دخول الوقت.

واعلم: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، فالاعتدال أن ينام من ذلك الثلث، وهو ثمان ساعات، فمن نام أقل من ذلك لم يأمن اضطراب بدنه، ومن نام أكثر من ذلك كثر كسله، فذا نام أكثر من ذلك فت الليل فلا وجه لنومه في النهار، بل من نقص منه استوفى ما نقص في النهار.

الورد الرابع: ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر، وهو أقصر أوراد النهار وأفضلها، فينبغي له بى هذا الوقت إذا أذن المؤذن أن يجيبه بمثل قوله، ثم يقوم فيصلى أربع ركعات، ويستحب أن يطيلهن، فإن أبواب السماء تفتح حينئذ، ثم يصلى الظهر وسنتها، ثم يتطوع بعدها بأربع.

الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر، فيستحب له في هذا الوقت الاشتغال بالذكر، والصلاة، وفنون الخير، ومن أفضل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة.

الورد السادس: إذا دخل وقت العصر إلى أن تصفر الشمس، وليس في هذا الوقت صلاة سوى أربع ركعات بين الأذانين، ثم فرض العصر، ثم يتشاغل بالأقسام الأربعة التي سبق ذكرها في الورد الأول، والأفضل فيه تلاوة القرآن والتدبر والتفهم.

الورد السابع: من اصفرار الشمس إلى أن تغرب، وهو وقت شريف.
قال الحسن البصري رحمه الله: كانوا أشد تعظيما للعشي من أول النهار، فيستحب في هذا الوقت التسبيح والاستغفار خاصة.

وبالمغرب تنتهي أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه، فقد انقضت من طريقه مرحلة.
وليعلم أن العمر أيام تنقضي جملتها بانقضاء آحادها.

قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا مضى يومك مضى بعضك.
وليتفكر هل ساوى يومه أمسه، فإن رأى أنه قد توفر على الخير في نهاره، فليشكر الله سبحانه وتعالى على التوفيق، فإن تكن الأخرى، فليتب وليعزم على تلافى ما سبق من التفريط في الليل، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وليشكر الله تعالى على صحة جسمه، وبقاء بقية من عمره يمكن فيها استدراك التقصير، وقد كان جماعة من السلف يستحبون أن لا ينقضي يوم إلا عن صدقة، ويجتهدون فيما أمكن من كل خير.

٣ - ذكر أوراد الليل

الورد الأول: إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين، فقد روى أنس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾ [السجدة: ١٦].
أن هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.

وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من صلى بعد المغرب ست ركعات ولم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة".
رواه الترمذى (١).

الورد الثانى: من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين الأذانين ما أمكنه، وليكن في قراءته: ﴿الم ١ تنزيل الكتاب﴾ [السجدة: ١ - ٢] و﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [تبارك: ١].
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأهما.

وفى حديث آخر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة" ٢.

الورد الثالث: الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل، فإن تأخيره في حقه أفضل، قالت عائشة رضي الله عنها من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر.
متفق عليه، ثم ليقل بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات.

الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه وحسن

المقصود به احتسب عبادة.
وقد قال معاذ رضي الله عنه: إني لأحتسب في نومتى كما أحتسب في قومتى.

فمن أداب النوم: أن ينام على طهارة، لما روت عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه للصلاة.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: إن الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهرا سجد عند العرش، وما كان ليس بطاهر سجد بعيدا عن العرش.

ومن آدابه أن يتوب قبل نومه، لأنه ينبغي لمن طهر ظاهره أن يطهر باطنه، لأنه ربما مات في نومه.

ومنها: أن يزيل كل غش في قلبه لمسلم، ولا ينوى ظلمه، ولا يعزم على خطيئة إذا استيقظ.

ومنها: أن لا يبيت من له شئ يوصى به إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأن في "الصحيحين" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".

وينبغى له أيضا أن لا يبالغ فت تمهيد الفراش متنعما بذلك، فإنه يزيد في النوم، فإن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثنى له فراشة فقال: "منعتني وطأته صلاتي الليلة".
وينبغى أن لا ينام حتى يغلبه النوم، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة.

ومن آدابه أن يستقبل القبلة وأن يدعو بما ورد في الأحاديث في ذلك، أن ينام على جنبه الأيمن، فمما جاء في ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزارة، فإنه لا يدرى ما حدث بعده".
فإذا وضع جنبه فليقل: "باسمك ربى وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت

نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها (١) بما تحفظ به عبادك الصالحين" أخرجاه في "الصحيحين".

وفى "الصحيحين" أيضا، من حديث عائشة، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفخ فيهما وقرأ فيهما: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

وفيهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك آذى أرسلت، فإنك إن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا".

وعن على رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له ولفاطمة: "إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثا وثلاثين، واحمداه ثلاثا وثلاثين، وكبراه أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم" متفق عليه.

وحديث أبى هريرة في حفظ زكاة رمضان مشهور، وفيه أن شيطانا قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربه شيطان.
فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب".

وفي أفراد مسلم أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافى له ولا مأوى".

فإن استيقظ للتهجد، فليدع بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق،

(١) هذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾.

والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت" وفى رواية: "وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" متفق عليه.

وليجتهد أن يكون آخر كلامه عند النوم ذكر الله تعالى، وأول ما يجرى على لسانه عند التيقظ ذكر الله تعالى، فهاتان علامتان على الإيمان.

الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من الليل سدسه، وذلك وقت شريف.
قال أبو ذر رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي صلاة الليل أفضل؟ فقال: "نصف الليل أو جوف الليل، وقليل فاعله (١) "

وروى أن داود عليه السلام قال: يا رب، أية ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود لا تقم أول الليل ولا آخرة، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بى وأخلو بك، وارفع إلى حوائجك.

فإذا قام إلى التهجد، قرأ العشر آيات من آخر سورة ﴿آل عمران﴾، كما روى في "الصحيحين" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، وليدع بما سبق من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم عند قيامه من الليل، ثم يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا قام أحدكم يصلى بالليل، فليبدأ بركعتين خفيفتين " رواه مسلم، ثم يصلى مثنى مثنى، وأكثر ما روى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقلهن سبع.

الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر، قال الله تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات: ١٨].

(١) أخرجه حميد بن زنجويه، ومحمد بن نصر المروزي في "قيام الليل" ص ٣٥، وفي سنده أبو مسلم الجذمي لم يوثقه غير ابن حبان، لكن يتقوى بما روى الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الصلاة أفضل؟ قال.
"الصلاة في جوف الليل" وبما روى الترمذي (٣٥٧٤) وغيره من حديث عمرو بن عبسة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول.
"أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى فى تلك الساعة فكن" وسنده حسن، وصححه الترمذي وابن خزيمة.

وفى الحديث: إن قراءة الرجل آخر الليل محضورة.

وجاء طاووس إلى رجل وقت السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحدا ينام وقت السحر.

فإذا فرغ المريد من صلاة السحر، فليستغفر الله عز وجل.
وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يفعل ذلك.

٤ - فصل في اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال

اعلم: أن السالك لطريق الآخرة لا يخلو من ستة أحوال: إما أن يكون عابدا، أو عالما، أو متعلما، أو واليا، أو محترفا، أو مستغرقا بمحبة الله عز وجل مشغولا به عن غيره.

الأول: العابد: وهو المنقطع عن الأشغال كلها إلى التعبد، فهذا يستعمل ما ذكرنا من الأوراد، وقد تختلف وظائفه، فقد كانت أحوال المتعبدين من السلف مختلفة، فمنهم من كان يغلب على حاله التلاوة، حتى يختم في يوم ختمة، أو ختمتين، أو ثلاثا، وكان فيهم من يكثر التسبيح، ومنه من يكثر الصلاة، ومنه من يكثر الطواف بالبيت.

فإن قيل: فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد؟

فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر يجمع الجميع، ولكن ربما عسرت المواظبة على ذلك، والأفضل يختلف باختلاف حال الشخص، ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره، فلينظر المريد ما يراه أشد تأثيرا فيه فليواظب عليه، فإذا أحس بملل انتقل عنه إلى غيره.

قال أبو سليمان الدارانى: فإذا وجدت قلبك في القيام فلا تركع، وإذا وجدته في الركوع فلا ترفع.

الثانى: العالم: الذي ينتفع الناس بعلمه في فتوى، أو تدريس، أو تصنيف، أو تذكير، فترتيبه في الأوراد يخالف ترتيب العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة في الكتب، والتصنيف والإفادة، فان استغرق الأوقات في ذلك، فهو أفضل ما يشتغل به بعد المكتوبات، وإنما نعنى بالعلم المقدم على العبادة الذي يرغب في الآخرة، ويعين على

سلوك طريقها، والأولى بالعالم أيضا أن يقسم أوقاته، لأن استغراق الأوقات في العلم لا تصبر عليه النفس، فينبغي أن يخص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد على ما ذكرنا، ثم ما بعد طلوع الشمس إلى الضحى في الإفادة والتعليم، فإن لم يكن عنده من يتعلم، صرف ذلك الزمان إلى التفكير في العلوم، فان صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات، ثم من ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة، لا يترك ذلك إلا في وقت أكل، أو طهارة، أو مكتوبة، أو قيلولة، ومن العصر إلى اصفرار الشمس بسماع ما يقرأ عليه من تفسير، أو حديث، أو علم نافع، ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالاستغفار والتسبيح، فيكون ورده الأول من عمل اللسان، والثاني بى عمل القلب بالتفكير، والثالث في عمل العين واليد والمطالعة والنسخ، والرابع بعد العصر صفى عمل السمع لتتروح العين واليد، فان المطالعة والنسخ بعد العصر ربما أضرا بالعين.

وأما الليل: فأحسن قسمة فيه قمسة الشافعي رحمه الله، فانه كان يقسمه ثلاثة أجزاء: الثلث الأول لكتابة العلم، والثاني للصلاة، والثالث للنوم، فأما الصيف، فربما لا يحتمل ذلك، إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار.

الثالث: حال المتعلم: فإن المتعلم أفضل من التشاغل بالأذكار والنوافل، وحكم المتعلم حكم العالم في ترتيب الأوراد، لكنه يشتغل بالاستفادة حين يشتغل العالم بالإفادة، وبالتعليق والنسخ حين يشتغل العالم بالتصنيف، فإن كان من العوام كان حضوره مجالس الذكر والعلم والوعظ أفضل من اشتغاله بالأوراد المتطوع بها.

الرابع: الوالي: مثل الإمام، والقاضى، أو المتوفى للنظر في أمور المسلمين، فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة، لأنه عبادة يتعدى نفعها، فينبغي أن يقتصر في النهار على المكتوبات، ثم يستفرغ باقي الزمان في ذلك، ويقنع بأوراد الليل.

الخامس: المحترف: وهو محتاج إلى الكسب له أو لعياله، فليس له أن يستغرق الزمان في التعبد، بل يجتهد في الكسب مع دوام الذكر، فإذا حصل له ما يكفيه عاود الأوراد.

السادس: المستغرق بمحبة الله سبحانه: فهذا ورده بعد المكتوبات حضور القلب مع الله تعالى، وهو يحركه إلى ما يريد من ورده.

وينبغى أن يداوم على الأوراد، لقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "أحب العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قل".
وكان النبى صلى الله عليه وآله وسلم عمله ديمة.

٥ - باب في قيام الليل وفضله والأسباب الميسرة لقيامه ونحو ذلك

قال الله تعالى ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦].

وقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" وفى فضله أحاديث كثيرة.

وقال الحسن البصري رحمه الله: لم أجد من العبادة شيئا أشد من الصلاة في جوف الليل، فقيل له: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.

٦ - فصل في الأسباب الميسرة لقيام الليل

اعلم: أن قيام الليل صعب إلا من وفق للقيام بشروطه الميسرة له.

فمن الأسباب ظاهر، ومنها باطن.

فأما الظاهر: فأن لا يكثر الأكل، كان بعضهم يقول: يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا.

ومنها: أن لا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال الشاقة.

ومنها: أن لا يترك القيلولة بالنهار، فإنها تعين على قيام الليل.

ومنها: أن يتجنب الأوزار.

قال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته.

وأما الميسرات الباطنة:

فمنها سلامة القلب للمسلمين، وخلوه من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا.

ومنها: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل.

ومنها: أن يعرف فضل قيام الليل.

ومن أشرف البواعث على ذلك الحب لله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه، وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام.

قال أبو سليمان رحمه الله: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.

وفى "صحيح مسلم" عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا آتاه إياه، وذلك كل ليلة".

وإحياء الليل مراتب:

أحدها: أن يحيى الليل كله، روى ذلك عن جماعة من السلف.

الثانية: أن يقوم نصف الليل، وهو مروى أيضا عن جماعة من السلف وأحسن الطريق في هذا أن ينام الثلث الأول من الليل، والسدس الأخير منه.

المرتبة الثالثة: أن يقوم ثلث الليل، فينبغي أن ينام النصف الأول، والسدس الأخير، وهو قيام داود عليه السلام.

ففى "الصحيحين": "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"، ونوم آخر الليل حسن، لأنه يذهب آثار النعاس من الوجه بالغداة، ويقلل صفرته.

المرتبة الرابعة: أن يقوم سدس الليل أو خمسه، والأفضل من ذلك ما كان في النصف الآخير، وبعضهم يقول: أفضله السدس الأخير.

المرتبة الخامسة: أن لا يراعى التقدير، فان مراعاة ذلك صعب.

ثم فيما يفعله طريقان:

أحدهما: أن يقوم أول الليل إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا انتبه قام، فإذا غلبه النوم نام، وهذا من أشد المكابدة، وهو طريق جماعة من السلف.

وفى "الصحيحين" من حديث أنس رضي الله عنه: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصليا من الليل إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه.
وكان عمر رضي الله عنه يصلى من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله، فيقول: الصلاة الصلاة.

وقال الضحاك: أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة.
الطريق الثانى: أن ينام أول الليل، فإذا أخذ حظه من النوم، وانتبه،، قام الباقي.
قال سفيان الثوري: إنما هو أول نومة، فإذا انتبهت لم أقلها.
-يعنى: لم ينم-.

المرتبة السادسة: أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين، فقد روينا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "صلوا من الليل، صلوا أربعا، صلوا ركعتين" (١)... الحديث.

وفى "سنن أبى داود" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا جميعا ركعتين، كتبا ليلتئذ من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات".
وكان طالحة بن مصرف يأمر أهله بقيام الليل، ويقول: صلوا ركعتين، فإن الصلاة في جوف الليل تحط الأوزار.

فهذه طرق قسمة الليل، فليتخير المريد لنفسه ما يسهل عليه، فان صعب القيام عليه بى وسط الليل، فلا ينبغي أن يخل بإحياء ما بين العشاءين وورد السحر، ليكون قائما في الطرفين وهذه مرتبة سابعة.

٧ - فصل [فيمن صعبت عليه الطهارة في الليل]

فأما من صعبت عليه الطهارة في الليل، وثقلت عليه الصلاة، فليجلس مستقبل القبلة وليذكر الله تعالة، وليدع مهما قدر.
فان لم يجلس فليدع وهو مضطجع، ومن كان له ورد فغلبه النوم وفاته، فليأت به بعد صلاة الضحى.
فقد ورد ذلك في الحديث.

وليحذر من له عادة بقيام الليل أن يتركها، ففى "الصحيحين" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن عمرو: "لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل.

(١) إسناده ضعيف رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن نصر في قيام الليل عن الحسن مرسلا.

٨ - فصل في بيان الليالي والأيام الفاضلة

أما الليالي المخصوصات بمزيد الفضل التي يستحب إحياؤها، فخمس عشرة ليلة ولا ينبغي للمريد أن يغفل عنهن، لأنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟ ! فمن هذه الليالي سبع في رمضان: الليلة السابعة عشرة، وهى التي كانت صبيحتها وقعة بدر، والست الباقية هن أوتار العشر [الأخير]، إذا فيهن تطلب ليلة القدر وأما الثمان الآخر: فأول ليلة من المحرم، وليلة عاشوراء، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين (١). وقد ورد صلوات لبعض هذه الليالي وليس فيها ما يثبت.

وأما الأيام الفاضلة فتسعة عشر يوما: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم سبع وعشرين من رجب، وهو أول يوم هبط فيه جبريل على النبى صلى الله عليه وآله وسلم ويوم سبع عشرة من رمضان كان فيه وقعة بدر، ويوم النصف من شعبان، ويوم الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهى عشر ذي الحجة، والأيام المعدودات وهى أيام التشريق.

ومن فواضل الأيام في الأسبوع: يوم الاثنين، والخميس، وأيام البيض.
وفيها فضل كبير مذكور في فضائل الصوم.

آخر كتاب الأوراد، وهو آخر ربع العبادات، وبالله التوفيق.

(١) لم يثبت في إحياء ليلة من الليالي حديث صحيح إلا العشر الأخير من رمضان الذي فيه ليلة القدر.

الربع الثاني من الكتاب ربع العادات وفيه أبواب:

باب في الأكل والاجتماع عليه والضيافة ونحو ذلك

وآداب الأكل، منها ما هو قبله، ومنها ما هو مع الأكل، ومنها ما هو بعد الأكل.

فمن القسم الأول: غسل اليدين قبل الأكل، كما ورد فى الحديث، لأنها لا تخلو من درن، ومن ذلك أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض، فانه أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رفعه على المائدة، وهو أدنى إلى التواضع، ومن ذلك أن يجلس الجلسة على السفرة، فينصب رجله اليمنى، ويعتمد على اليسرى، وينوى بأكله أن يتقوى على طاعة الله تعالى ليكون مطيعا بالأكل، ولا يقصد به التنعم فقط، وعلامة صحة هذه النية أخذ البلغة دون الشبع.
قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه".

ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد يده إلى الطعام إلا وهو جائع، وأن يرفع يده قبل الشبع، ومع فعل ذلك لم يكد يحتاج إلى طبيب، ومن ذلك أن يرضى بالموجود من الرزق، ولا يحتقر اليسير منه، وأن يجتهد فى تكثير الأيدى على الطعام ولو من أهله وولده.

القسم الثانى: فى الآداب حالة الأكل: وهو أن يبدأ ببسم الله فى أوله، ويحمد الله تعالى فى آخره.

ومن ذلك أن يأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها، وأن لا يمد يده إلى أخرى حتى يبتلع الأولى، ولا يذم مأكولا، ومن ذلك أن يأكل مما يليه، إلا أن يكون الطعام متنوعا كالفاكهة، وليأكل بثلاث أصابع، وإذا وقعت لقمة أخذها.

ومن ذلك أن لا ينفخ فى الطعام الحار، ولا يجمع بين التمر والنوى فى طبق واحد، ولا يجمعه فى كفه، بل يضعه من فيه على ظهر كفه ثم يلقيه، وكذا كل ماله عجم وثفل، ولا يشرب الماء فى أثناء الطعام، فانه أجود فى باب الطب.

ومن آداب الشرب أن يتناول الإناء بيمينه، وينظر فيه قبل الشرب، ويمص مصا لاعبا، فقد روى عن على رضي الله عنه: مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا، فإن الكباد من العب.

ولا يشرب قائما، ويتنفس فى شربه ثلاثا.

ففى "الصحيحين" أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم كان يتنفس فى الإناء ثلاثا.
والمعنى يتنفس فى شربه فى الإناء، بأن يباعد الإناء عنه ويتنفس، لا أن يكون النفس فى الإناء.

القسم الثالث: من آداب الأكل ما يستحب بعد الطعام، وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه، وأن يسلت (١) القصعة، وليحمد الله، ففى الحديث عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليه، ويشرب الشربة فيحمده عليها"، ويغسل يده من الغمر (٢).

١ - فصل فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع والمشاركة فى الأكل

من ذلك أن لا يبتدئ فى الأكل إلا إذا كان معه من يستحق التقدم لكبر سن أو زيادة فضل، إلا أن يكون هو المتبوع.

ومنها أن لا يسكتوا على الطعام، بل يتكلمون بالمعروف، ويتحدثون بحكايات الصالحين فى الأطعمة وغيرها.

ومن ذلك أن يقصد كل منهم الإيثار لرفيقه، ولا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: كل، بل ينبسط ولا يتصنع بالانقباض.

ومن ذلك أن لا ينظر إلى أصحابه حالة الأكل لئلا يستحيوا.

ومن ذلك أن لا يفعل ما يستقذره من غيره، فلا ينفض يده فى القصعة، ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة فى فيه، وإذا أخرج شيئا من فيه ليرمى به، صرف وجهه عن

الطعام وأخذه بيساره، ولا يغمس اللقمة الدسمة فى الخل، ولا الخل فى الدسمة، فقد يكرهه غيره، ولا يغمس بقية اللقمة التى أكل منها فى المرقة.

٢ - فصل [فى تقديم الطعام إلى الإخوان]

ويستحب تقديم الطعام إلى الإخوان، روى ذلك عن على رضي الله عنه قال: لأن أجمع إخوانى على صاع من الطعام أحب إلى من أن أعتق رقبة.

وكان خيثمى رحمه الله يصنع الخبيص والطعام الطيب، فيدعو إبراهيم والأعمش ويقول: كلوا، فما صنعته إلا لكم.

ويقدم ما حضر من غير تكلف، ولا يستأذنهم فى التقديم، بل يقدم من غير استئذان، ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده.

ومن آداب الزائر أن لا يقترح طعاما بعينه، وإن خير بين طعامين اختار أيسرهما، إلا أن يعلم أن مضيفه يسر باقتراحه، ولا يقصر عن تحصيل ذلك، فقد نزل الشافعى رحمه الله على الزعفرانى، وكان الزعفرانى يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان، ويسلمها إلى الجارية، فأخذ الشافعى الرقعة وألحق فيها لونا آخر، فلما علم الزعفرانى اشتد فرحه.

٣ - فصل [لا تدخل على قوم يأكلون]

ولا ينبغى لأحد إذا علم أن قوما يأكلون أن يدخل عليهم، فإن صادفهم من غير قصد، فسألوه الأكل، نظر، فإن علم أنهم إنما سألوه حياء منه، فلا يأكل، وإن علم أنهم يحبون أكله معهم، جاز له أن يأكل.

ومن دخل دار صديقه فلم يجده وكان واثقا به عالما أنه إذا أكل من طعامه سر بذلك، جاز له أن يأكل.

٤ - فصل [في آداب الضيافة]

ومن آداب الضيافة، أن يقصد بدعوته الأتقياء دون الفساق، وقال بعض السلف: لا تأكل إلا طعام تقى، ولا يأكل طعامك إلا تقى (١).

(١) وفي الحديث: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي".
رواه أبو داود (٤٨٣٢) والترمذي (٢٣٩٧) وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٢٠٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وينبغى أن يقصد الفقراء دون الأغنياء.

وينبغى أن لا يهمل أقاربه فى ضيافتهم، فان إهمالهم يوجب الإيحاش وقطيعة الرحم.
وكذلك يراعى الترتيب فى أصدقائه ومعارفه، ولا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر، وبل استعمال السنة فى إطعام الطعام واستمالة قلوب الإخوان، وإدخال السرور على قلوب المؤمنين، ولا يدعو من يعلم أنه تشق عليه الإجابة، أو إذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب.

وأما آداب الإجابة، فان كانت دعوة عرس، فالإجابة عليها واجبة إذا دعاة المسلم فى اليوم الأول، وإن كانت لغيره فهى جائزة، ثم ينبغى أن لا يخص الغنى بالإجابة دون الفقير، ولا يمتنع من الدعوة لكونه صائما، بل يحضر، فان كان تطوعا وعلم أن فطره يسر أخاه المسلم فليفطر.

فأما إن كان الطعام حراما فليمتنع عن الإجابة، وكذلك إذا كان ثمة فرش محرمة، أو إناء محرم، أو مزمار أو صورة، وكذلك إذا كان الداعى ظالما أو فاسفا أو مبتدعا أو مفاخرا بدعوته.

وينبغي أن لا يقصد بالإجابة إلى الدعوة نفس الأكل، بل ينوى به الاقتداء بالسنة، وإكرام أخيه المؤمن، وينوى صيانة نفسه عمن يسئ به الظن، فربما قيل عنه إذا امتنع: هذا متكبر.

وينبغى أن يتواضع فى مجلسه إذا حضر، ولا يتصدر، وإن عين له صاحب الدار مكانا لم يتعده، ولا يكثر النظر إلى المكان الذى يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشره.

٥ - فصل [في آداب إحضار الطعام]

وأما إحضار الطعام فله خمسة آداب:

الأول: تعجيله، فذلك من إكرام الضيف.

الثانى: تقديم الفاكهة أولا قبل غيرها، وذلك أصلح فى باب الطب، وقد قال الله تعالى: ﴿وفاكهة مما يتخيرون (٢٠) ولحم طير مما يشتهون﴾ [الواقعة: ٢٠، ٢١].

ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم، خصوصا المشوى، ثم أفضل الطعام بعد اللحم الثريد، ثم الحلوى، وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد، وتكملة الأمر صب

الماء الفاتر على اليد عند الغسل.

الثالث: أن يقدم جميع الألوان الحاضرة.

الرابع: أن لا يبادر رفعها بل يمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا أيديهم.

الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية، فإن التقليل من الكفاية نقص فى المروءة.

وينبغى أن يعزل لأهل البيت نصيبهم قبل تقديم الطعام، فإذا أراد الضيف الانصراف ينبغى أن يخرج معه إلى باب الدار، فإنه سنة، وذلك من إكرام الضيف ومن تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة.

وأما الضيف فينبغى أن يخرج طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير، فذلك من حسن الخلق والتواضع، ولا يخرج إلا برضى صاحب المنزل وإذنه، ويراعى قلبه في قدر الإقامة.


جارٍ التحميل