أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلك

اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، لأن حسن الخلق يوجب التحابب والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتدابر، ولا يخفى ما فى حسن الخلق من الفضل، والأحاديث دالة على ذلك.

فقد روى من حديث أبى الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما من شىء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" رواه الترمذي وصححه.
وفى حديث آخر: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة مساويكم أخلاقا".

وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنه؟ فقال: "تقوى الله وحسن الخلق".

وأما المحبة فى الله تعالى، ففى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله" فذكر منهم: "ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه".

وفي حديث آخر يقول الله عز وجل: "حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي

للمتباذلين في، وحققت محبتي للمتزاورين في".

وفى حديث آخر: "أوثق عرى الإيمان، أن تحب فى الله وتبغض في الله"، والأحاديث فى ذلك كثيرة.

واعلم: أن يحب فى الله ويبغض فى الله، فإنك إذا أحببت إنسانا لكونه مطيعا لله، فإذا عصى الله أبغضته فى الله، لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضدده، ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه.

فينبغى أن تحب المسلم لأسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجرى منه مجرى الهفوة التى يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها.

واعلم: أن المخالف لأمر الله تعالى على أقسام:

أحدهما: أن يكون كافرا، فإن كان حربيا فهو مستحق للقتل والإرقاق، وليس بعد هذين إهانة، وإن كان ذميا فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه، والتحقير له بالاضطرار له إلى أضيق الطريق، وترك البداءة بالسلام.
فإن سلم قيل له: وعليك.

والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، ومن المكروه الاسترسال إليه والانبساط كما يفعل بالأصدقاء.

القسم الثانى: المبتدع، فان كان ممن يدعو إلى بدعة، وكانت البدعة بحيث يكفر بها، فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها، فأمر اشد من الذمى، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها.
فأمره بينه وبين الله تعالى أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن الأمر فى الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر الكافر غير متعد، لأنه لا يلتفت إلي قوله، بخلاف المبتدع الذي يدعو إلى بدعته لأنه يزعم أن ما يدعو إليه حق، فيكون سببا لغواية الخلق، فشره متعد، فإظهار بغضه والانقطاع عنه ومعاداته وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.

فأما المبتدع العامى الذي لا يقدر أن يدعو ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون، والأولى أن يتلطف به فى النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ينفع النصح وكان فى الإعراض عنه تقبيح لبدعته فى عينه، تأكد استحباب الإعراض عنه، وأن علم أن ذلك لا يؤثر لجمود طبعه ورسوخ اعتقاده فى قلبه، فالأعراض عنه أولى، لأن البدعة إذا لم يبالغ فى تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها.

القسم الثالث: العاصي بفعله لا باعتقاده، فإن كانت بحيث يتأذى بها غيره، كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك، فالأولى الأعراض عنه وترك مخالطته والانقباض عن معاملته، وكذلك الحكم فيمن يدعو إلى الفساد، كالذى يجمع بين الرجال والنساء ويهيء أسباب الشرب لأهل الفساد، فهذا ينبغى إهانته ومقاطعته والإعراض عنه.

فأما الذي يفسق فى نفسه بشرب خمر أو زنا أو سرقة أو ترك واجب، فالأمر فيه أخف، ولكنه فى وقت مباشرته إن صودف، وجب منعه بما يمتنع به، فإن كان النصح يرده وكان أنفع له، نصح وإلا أغلظ له.

١ - فصل في بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته

روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

وأعلم: أنه لا يصلح للصحبة كل أحد، ولابد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال يرغب بسببها في صحبته، وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة، وهي إما دنيوية كالانتفاع بالمال والجاه، أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة والمحاورة، وليس ذلك غرضنا، وأما دينية، وتجتمع فيها أغراض مختلفة، منها الاستفادة بالعلم والعمل، ومنها الاستفادة من المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة في المهمات، فتكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال، ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة، كما قال بعض السلف: استكثروا من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة.
فهذه فوائد تستدعى كل فائدة شروطا لا تحصل إلا بها.

وفى جملة، فينبغى أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال:

أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا مبتدع ولا حريص على الدنيا.

أما العقل، فهو رأس المال، ولا خير في صحبة الأحمق، لأنه يريد أن ينفعك فيضرك، ونعنى بالعاقل الذي يفهم الأمور على ما هى عليه، إما بنفسه، وإما أن يكون بحيث إذا أفهم فهم.

وأما حسن الخلق، فلابد منه، إذ رب عاقل يغلبه غضب أو شهوة فيطيع هواه فلا خير في صحبته.

وأما الفاسق، فإنه لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله تعالى لا يؤمن غائلته ولا يوثق به.

وأما المبتدع فيخاف من صحبته بسراية بدعته.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقليك منه، واعتزال عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى

الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى.

قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق تحتاج أن يقول له: اذكرنى في دعائك، وأن تعيش معه بالمداراة، أو تحتاج أن تعتذر إليه.

ودخل جماعة على الحسن وهو نائم، فجعل بعضهم يأكل من فاكهة في البيت، فقال: رحمك الله، هذا والله فعل الإخوان.

وقال أبو جعفر لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم أخيه فيأخذ منه ما يريد؟ قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان كما تزعمون.

ويروى أن فتحا الموصلي جاء إلى صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي لى كيس أخى، فأخرجته، فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بذلك، فقال: إن كنت صادقة، فأنت حرة، فنظر فإذا هى قد صدقت، فعتقت.

٢ - فصل في بيان ما على الإنسان لأخيه من الحقوق

الحق الأول: قضاء الحاجات والقيام بها، وذلك درجات: أدناها: القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار.

وأوسطها: القيام بالحوائج من غير سؤال.

وأعلاها: تقديم حوائجه على حوائج النفس.

وقد كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضى حوائجهم.

الحق الثاني: على اللسان بالسكوت تارة، وبالنطق أخرى.

أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيبته، وعن الرد عليه ومماراته ومناقشته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله.
ولا يسأله إذا لقيه: إلى أين؟ فربما لا يريد إعلامه بذلك، وأن يكتم سره ولو بعد القطيعة، ولا يقدح في أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح غيره فيه.

الحق الثالث: وينبغى أن يسكت عن كل ما يكرهه، إلا إذا وجب عليه النطق في

أمر بمعروف أو نهى عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت، فإن مواجهته بذلك إحسان إليه في المعنى.

واعلم: أنك إن طلبت منزها عن كل عيب لم تجد، ومن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية.

وقال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات.
وقال الفضيل: الفتوة: الصفح عن زلات الإخوان.

وينبغى أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن مهما أمكن، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وإياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".

واعلم: أن سوء الظن يدعو إلى التجسس المنهى عنه، وأن ستر العيوب والتغافل عنها سيمة أهل الدين.

واعلم: أنه لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به، ولا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، وأن يسكت عن مساويك، فلو ظهر لك منه ضد ذلك اشتد عليك فكيف تنتظر منه مالا تعزم عليه له؟

ومتى التمست من الأنصاف مالا تسمح به دخلت في قول الله تعالى: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (٢) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [المطففين: ٢ - ٣]. ومنشأ التقصير في ستر العورة والمغرى بكشفها الحقد والحسد.

واعلم: أن من أشد الأسباب لإثارة الحقد والحسد بين الإخوان المماراة، ولا يبعث عليها إلا إظهار التميز بزيادة الفضل والعقل واحتقار المردود عليه، ومن مارى اخاه، فقد نسبه إلى الجهل والحمق، أو إلى الغفلة والسهو عن فهم الشىء على ما هو عليه.
وكل ذلك استحقار، وهو يوغر الصدر ويوجب المعادة، وهو ضد الأخوة.

الحق الرابع: على اللسان بالنطق، فإن الأخوة كما تقتضى السكوت عن المكروه، تقتضى النطق بالمحبوب، بل هو أخص بالأخوة، لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الإخوان ليستفاد منهم لا ليتخلص منهم، لأن السكوت معناه كف الأذى، فعليه أن يتودد إليه بلسانه، ويتفقده في أحواله، ويسأل عما عرض له، ويظهر شغل قلبه بسببه، ويبدى السرور بما يسر به.

وفى الصحيح من رواية الترمذي (١): "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه".

ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليك.

ومن ذلك أن يثنى عليه بما يعرفه من محاسن أحواله عند من يؤثر الثناء عنده، وكذلك الثناء على أولاده وأهله وأفعاله، حتى في خلقه وعقله وهيئته وخطه وتصنيفه وجميع ما يفرح به من غير إفراط ولا كذب.

وكذلك ينبغي أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح به، فإن إخفاء ذلك محض الحسد.

ومن ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك، وأن تذب عنه في غيبته إذا قصد بسوء، فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة.

وفى الحديث الصحيح: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"، ومتى أهمل الذب عن عرضه يكون قد أسلمه، ولك في ذلك معياران:

أحدهما: أن تقدر أن الذي قيل فيه، قد قيل فيك وهو حاضر، فتقول ما تحب أن يقوله.

الثاني: أن تقدر أنه حاضر وراء جدار يتسمع عليك، فما تحرك في قلبك من نصرته في حضوره ينبغى أن يتحرك في غيبته.
ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق.

ومن ذلك التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، وإذا كنت غنيا بالعلم فواسه وأرشده.

وينبغى أن يكون نصحك إياه سرا، والفرق بين التوضيح والنصيحة الإعلان والإسرار، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الأعضاء، فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإعضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن.

(١) يريد أن الترمذي أخرجه بسند صحيح.

ومن ذلك: العفو عن الزلات، فإن كانت زلته في دينه فتلطف في نصحه مهما أمكن، ولا تترك زجره ووعظه، فإن أبى فالمصارمة:

الحق الخامس: الدعاء للأخ في حياته وبعد موته بكل ما تدعو به لنفسك.

وفى أفراد مسلم من حديث أبى الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما

دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل".

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يدعو لخلق كثير من إخوانه يسميهم بأسمائهم.
وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يدعو في السحر لستة نفر.

وأما الدعاء بعد الموت، فقال عمرو بن حريث: إذا دعا العبد لأخيه الميت، أتى بها ملك قبره، فقال: يا صاحب القبر الغريب، هذه هدية من أخ عليك شفيق.

الحق السادس: الوفاء والإخلاص، ومعنى الوفاء: الثبات على الحب إلى الموت، وبعد موت الأخ مع أولاده وأصدقائه، وقد أكرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عجوزا وقال: "إنها كانت تغشانا في أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان".

ومن الوفاء أن لا يتغير على أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه.

واعلم: أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الدين، فقد كان الشافعى رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم، وكان يقربه ويقبل عليه، فلما احتضر قيل له: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه فقال: إلى أبى يعقوب البويطى، فانكسر لها محمد، ومع أن محمدا كان قد حمل مذهبه، لكن البويطى كان أقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعى رحمه الله المسلمين وترك المداهنة، فانقلب ابن الحكم عن مذهبه، وصار من أصحاب مالك.

ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه، ولا يصادق عدو صديقه.

الحق السابع: التخفيف وترك التكليف [والتكليف] (١)، وذلك أن لا يكلف أخاه

(١) زيادة من الإحياء

ما يشق عليه، بل يروح سره عن مهماته وحاجاته، ولا يستمد من جاهه ولا ماله، ولا يكلفه التفقد لأحواله والقيام بحقوقه والتواضع له، ويكون قصده بمحبته الله وحده، والتبرك بدعائه، والاستئناس بلقائه، والاستعانة على دينه، والتقرب إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه، وتمام التخفيف طى بساط الاحتشام حتى لا يستحى منه فيما لا يستحى فيه من نفسه.

قال جعفر بن محمد: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي.

وقال بعض الحكماء: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن تمام هذا الأمر أن ترى الفضل من أكون معهم منزلة الخادم.

٣ - فصل [جملة من آداب المعاشرة للخلق]

ولنذكر في آخر هذا الباب جملة من آداب المعاشرة للخلق:

فمن حسن المعاشرة أن تتوفر من غير كبر، وتتواضع في غير ذلة، وأن تلقى الصديق والعدو بوجه الرضى من غير ذل لهم ولا خوف منهم، وتتحفظ في مجالسك من تشبيك أصابعك، وإدخال إصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك، والتثاؤب.

أصغ إلى محدثك، ولا تسأله الإعادة، ولا تحدث بإعجابك بولدك وجاريتك، ولا تتصنع تصنع المرأة في التزيين، ولا تتبذل تبذل العبد.

وخوف أهلك في غير عنف، ولن لهم من غير ضعف.

ولا تهازل أمتك وعبدك، فيسقط وقارك، ولا تكثر الالتفات إلي ورائك.

ولا تجالس السلطان، فإن فعلت فاحذر الذنوب والغيبة، وصن سره، واحذر المداعبة عنده، وتحفظ من الجشاء بحضرته والتخلل، وإن قربك فكن منه على حذر، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبى، وكلمة بما يشتهيه، ولا تدخل بينه وبين أهله وحشمه.

وإياك وصديق العافية.

ولا تجعل مالك أكرم من عرضك.

وإذا دخلت مجلسا فأجلس فيما هو أقرب للتواضع.

ولا تجلس على الطريق، فإذا جلست فغض البصر، وانصر المظلوم، وأرشد الضال.

ولا تبصق في جهة القبلة ولا عن يمينك، ولكن عن يسارك تحت قدمك اليسرى.

واحذر مجالسة العوام، فإن فعلت فعليك بالتغافل عما يجرى من سوء أخلاقهم وترك الخوض في حديثهم.
واحذركثرة المزاح فإن اللبيب يحقد عليك في المزح، والسفيه يجترئ عليك.

...

٤ - باب في حقوق المسلم والرحم والجوار والملك ونحو ذلك

فمن حقوق المسلم: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشتمه إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك.
وجميع هذا منقول في الآثار.

ومنها: أن لا تؤذى أحدا من المسلمين بقول ولا فعل، وأن تتواضع للمسلمين، فلا تتكبر عليهم، ولا تسمع بلاغات الناس بعضهم في بعض، ولا تبلغ بعضهم ما تسمع من بعض.

ومنها: أن لا تزيد في الهجرة على ثلاثة أيام لمن تعرفه، للحديث المشهور في ذلك.

وفى حديث آخر عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاثة أيام، فإذا مرت به ثلاثة أيام فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام، فقد اشتركا في الأجر، وأن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة".

واعلم: أن هذه الهجرة إنما هى فيما يتعلق بالدنيا، أما حق الدين، فإن هجران

أهل البدع والأهواء والمعاصى ينبغى أن تدوم، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق.

ومنها: أن يحسن إلى كل من يقدر أن يحسن إليه من المسلمين ما استطاع، وأن لا يدخل على أحد منهم إلا باذنه، ويستأذن ثلاثا فإن لم يأذن انصرف.

ومنها: أن يخالق الناس بخلق حسن، وذلك أن يعامل كلا منهم بحسب طريقته، فإنه متى لقى الجاهل بالعلم، واللاهى بالفقه، والغبى بالبيان، أذى وتأذى.

ومنها: أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان، وأن يكون مع الخلق كافة طلق الوجه رقيقا، وأن يفي لهم بالوعد، وينصف الناس من نفسه، ولا يأتى إليهم إلا ما يجب أن يؤتى إليه.

قال الحسن: أوحى الله إلى آدم عليه السلام أربع كلمات، وقال: فيهن جماع الأمر لك ولولدك: واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة بينى وبينك، وواحدة بينك وبين الخلق.
فأما التى لى: فتعبدنى لا تشرك بى شيئا.
وأما التى لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه.
وأما التى بينى وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة.
وأما التى بينك وبين الناس: فتصحبهم بالذى تحب أن يصحبوك به.

ومنها زيادة توقير ذوي الهيئات.

ومنها: إصلاح ذات البين، وستر عورات المسلمين.

واعلم: أنه من تأمل ستر الله تعالى على العصاة في الدنيا اقتدى بلطفه، فإنه جعل الشهادة في الزنى أن يشهد أربعة من العدول أنهم شهدوا ذلك كالميل في المكحلة، وهذا لا يتفق، ومن هذا أثر كرمه في الدنيا يرجى منه ذلك في الآخرة.

ومنها: أن يتقى مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن به، وألسنتهم عن غيبته.

ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى في قضاء حوائجهم.

ومنها: أن يبدأ بالسلام كل مسلم قبل أن يكلمه، ومن السنة المصافحة.
فقد روى عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما من

مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، إلا كان حقا على الله عز وجل أن يحضر

دعاءهما، وأن لا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما".

وفى حديث آخر: "إذا صافح المؤمن المؤمن نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة وتسعون لأبشهما وأحسنهما خلقا" (١).

ولا بأس بتقبيل يد المعظم في الدين، ولا بأس بالمعانقة.
وأما الخذي بالركاب لتوقير العلماء، فقد فعل ذلك ابن عباس بزيد بن ثابت رضي الله عنهما، والقيام على سبيل الإكرام لأهل الفضل حسن، وأما الانحناء فمنهى عنه.

ومنها: أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم الغير، ويناضل دونه وينصره.

ومنها: أنه إذا ابتلى بذي شر، فينبغى أن يجامله ويتقيه، لحديث عائشة رضي الله عنها.

وقال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، حتى يجعل الله عز وجل له فرجا.

ومنها: أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالمساكين، ويحسن إلى الأيتام.

ومنها: عيادة مرضاهم.

ومن آداب العائد: أن يضع يده على المريض، يسأله كيف هو، ويخفف الجلوس، ويظهر الرقة، ويدعو له بالعافية، ويغض البصر عن عورات المكان.

ويستحب للمريض أن يفعل ما أخرجه مسلم في أفراده، من حديث عثمان بن أبى العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ضع يدك على الذي يألمك

من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما

أجد وأحاذر".

وجملة آداب المريض: حسن الصبر، وقلة الشكوى والتضجر، والفزع إلى

(١) قال الحافظ العراقي: رواه البراز في "مسنده" والخرائطي في "مكارم الأخلاق" والبيهقي في "الشعب" وفي إسناده نظر.

الدعاء، والتوكل على الله سبحانه.

ومنها: أن يشيع جنائزهم، ويزور قبورهم.

والمقصود من التشييع: قضاء حق المسلمين، والاعتبار.

قال الأعمش: كنا نحضر الجنائز، فلا ندرى من نعزى لحزن القوم كلهم.

والمقصود من زيارة القبور: الدعاء، والاعتبار، وترقيق القلب.

ومن آداب تشييع الجنائز: المشي، ولزوم الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت، والتفكير في الموت، والاستعداد له.

وأما حقوق الجار: فاعلم أن الجوار يقتضى حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام فيستحق ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وجاء في الحديث: "إن الجيران ثلاثة: جار له حق واحد.
وجار له حقان: فالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار.
وأما الذي له حق واحد: فالجار المشرك" (١).

واعلم: انه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى والرفق، وابتداء الخير، وأن يبدأ جاره بالسلام، ولا يطيل مهم الكلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع إلى داره، ولا يضايقه في وضع الخشب على جداره، ولا في صب الماء في ميزابه، ولا في طرح التراب في فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من عوراته، ولا يتسمع عليه كلامه، ويغض طرفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا غاب.

٥ - فصل في حقوق الأقارب والرحم

وأما حقوق الأقارب والرحم، ففى الحديث الصحيح، من رواية عائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلنى وصله الله، ومن قطعنى قطعه الله".

(١) أخرجه البزار، والحسن بن يوسف في "مسنديهما"، وأبو الشيخ في "كتاب الثواب" وأبو نعيم في "الحلية"، من حديث جابر، ورواه ابن عدي من حديث عبد الله بن عمرو، قال الحافظ العراقي: وكلاهما ضعيف.

وفى حديث آخر من أفراد البخارى: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".

وفى حديث آخر من أفراد مسلم أن رجلا قال: يارسول الله، إن لى قرابة أصلهم ويقطعونى، وأحسن إليهم ويسيئون إلى، وأحلم عنهم ويجهلون على، قال؛ "لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولايزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك".
والمعنى أنك منصور عليهم، وقد انقطع احتجاجهم عليه بحق القرابة، كما ينقطع كلام من سف المل، وهو الرماد الحار.
والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة في صلة الرحم، وفي حقوق الوالدين، وفي تأكد حق الأم.

وأما حقوق الولد، فاعلم أنه لما كانت الطباع تميل إلى الولد لم يحتج إلي تأكيد الوصية به، إلا إنه قد يغلب هوى الوالد للولد، فيترك تعليمه وتأديبه.
وقد قال الله تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦].

قال المفسرون: معناه: علموهم وأدبوهم.

وينبغى للوالد أن يحسن اسم ابنه، ويعق عنه (١)، فإذا بلغ سبع سنين أمره بالصلاة وختنه، فإذا بلغ زوجه.

وأما حقوق المملوك، فأن يطعمه، ويكسوه، ولا يكلفه ما لا يطيق، ولا ينظر إليه بعين الازدراء، وأن يعفو عن زلله، وليتذكر الله عند زلل نفسه، فيعفو رجاء أن يعفو الله تعالى عنه.

...

باب العزلة

اختلف الناس في العزلة والمخالطة، أيتهما أفضل؟ مع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن فوائد وغوائل، وأكثر الزهاد اختاروا العزلة.

وممن ذهب إلي اختيار العزلة: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وداود

(١) عق عن ولده: إذا ذبح عنه يوم سابعه عقيقه.
وأصل العقيقة: الشعر الذي يكون على رأس الصبى حين يولد.
أي: شاتين للذكر وشاة للأنثى.
انظر كتاب "تحفة المودود بأحكام المولود" لابن قيم الجوزية بتحقيق الاستاذ عبد القادر الأرناؤوط طبع مكتبة دار البيان بدمشق.

الطائي، والفضيل، وبشر الحافي، في آخرين.

وممن ذهب إلى استحباب المخالطة سعيد بن المسيب، وشريح، والشعبي، وابن المبارك في آخرين.

ولكل طائفة فيما ذهبت إليه حجج، ونحن نشير إلى ذلك.

أما حجة الأولين، فقد روى في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "رجل يجاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره".

وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟

قال: "املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك".

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خذوا بحظكم من العزلة.

وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لوددت أن بيني وبين الناس بابا من حديد، لايكلمنى أحد ولا أكلمه حتى ألقى الله سبحانه.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الليل، أحلاس البيوت (١) جدد القلوب (٢) خلقان (٣) الثياب، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: نعم صومعة المرء المسلم بيته، يكف لسانه وفرجه وبصره، وإياكم ومجالس الأسواق، فإنها تلهى وتلغى.

وقال داود الطائى: فر من الناس كما تفر من الأسد.

وقال أبو مهلهل: أخذ بيدي سفيان الثوري وأخرجني إلى الجبانة، فاعتزلنا ناحية، فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل، إن استعطت أن لا تخالط في زمانك أحدا فافعل، وليكن همك مرمة (٤) جهازك.

(١) الأحلاس: جمع حلس، يقال: فلان حلس بيته: إذا كان يقيم فيه ولا يبرحه.
(٢) جدد القلوب: كناية عن عدم الفترة في العبادة.
(٣) خلقان: جمع خلق، يقول: ثوب خلق: إذا كان باليا.
(٤) المرم: إصلاح ما فسد، ولم ما تفرق.

أما حجة من اختار المخالطة، فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم "، واحتجوا بأشياء غير ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة على ذلك، منها قول الله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وهذا ضعيف، لأن المراد تفرق الآراء والمذاهب في أصل الشريعة، واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا هجرة فوق ثلاث " قالوا: والعزلة هجر بالكلية، وهذا ضعيف لأن المراد به قطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة.

١ - فصل في ذكر فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها

اعلم: أن اختلاف الناس في هذا أيضا هو كاختلافهم في فضيلة النكاح والعزوبة، وقد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فكذلك نقول فيما نحن فيه، فلنذكر أولا فوائد العزلة وهى ست.

الفائدة الأولى: الفراغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه، فإن ذلك يستدعى فراغا، لا فراغ مع المخالطة، فالعزلة وسيلة إلى ذلك خصوصا في البداية.

قيل لبعض الحكماء: إلى أي شئ أفضى بهم الزهد والخلوة؟ قال: إلى الأنس بالله.

وقال أويس القرني رضي الله عنه: ما كنت أرى أن أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره.

واعلم: أن من تيسر له بدوام الذكر الأنس بالله، أو بدوام الفكر تحقيق معرفة الله، فالتجرد لذلك أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة.

الفائدة الثانية: التخلص بالعزلة عن المعاصيالتي يتعرض لها الإنسان غالبا بالمخالطة، وهى أربعة:

أحدهما: الغيبة، فإن عادة الناس التمضمض بالأعراض والتفكه بها، فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى، وإن سكت كنت شريكا، فإن المستمع أحد المغتابين، وإن أنكرت أبغضوك واغتابوك فازدادوا غيبة إلى الغيبة، وربما

خرجوا إلى الشتم.

الثانية: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من خالط الناس لم يخل ع مشاهدة المنكرات، فإن سكت عصى الله، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر، في العزلة سلامة من هذا.

الثالثة: الرياء، وهو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه، وأول ما في مخالطة الناس إظهار التشوق إليهم، ولا يخلو ذلك عن الكذب، إما في الأصل، وإما في الزيادة، وقد كان السلف يحترزون في جواب قول القائل: كيف أصبحت، وكيف أمسيت؟ كما قال بعضهم وقد قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.

واعلم: أنه إذا كان سؤال السائل لأخيه: كيف أصبحت؟ لا يبعثه عليه شفقة ولا محبة، كان تكلفا أو رياء، وربما سأله وفى القلب ضغن وحقد يورث أن يعلم فساد حاله، وفى العزلة الخلاص عن هذا، لأنه من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم، مقتوه واستثقلوه واغتابوه، ويذهب دينهم فيه، ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم.

الرابعة: مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلا عن الغافلين، وذلك أنه قل أن يجالس الإنسان فاسقا مدة، مع كونه منكرا عليه في باطنه، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقا في النفور عن الفساد، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هينا على الطبع، ويسقط وقعه واستعظامه، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره، احتقر الصغائر من نفسه، كما أن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف في الزهد والتعبد، احتقر نفسه، واستصغر عبادته، فيكون ذلك داعية إلى الاجتهاد، وبهذه الدقيقة يعرف سر قول القائل: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.

ومما يدل على سقوط وقع الشيء بسبب تكرره ومشاهدته، أن أكثر الناس إذا رأوا مسلما قد أفطر في رمضان، استعظموا ذلك، حتى يكاد يفضي إلى اعتقادهم فيه الكفر، وقد يشاهدون من يؤخر الصلاة عن أوقاتها، فلا ينفرون عنه نفورهم عن تأخير الصوم، مع أن ترك صلاة واحدة تخرج إلى الكفر، ولا سبب لذلك إلا أن الصلاة تتكرر، والتساهل فيها يكثر، وكذلك لو لبس الفقيه ثوبا حرير، أو خاتما من ذهب، لاشتد إنكار الناس لذلك، وقد يشاهدونه يغتاب، فلا يستعظمون ذلك،

والغيبة أشد من لبس الحرير، ولكن لكثرة سماعها، ومشاهدة المغتابين، سقط عن القلوب وقعها، فافطن لهذه الدقائق واحذر مجالسة الناس، فانك لا تكاد ترى منهم إلا ما يزيد في حرصك على الدنيا، وفى غفلتك عن الآخرة، وتهون عليك المعصية، وتضعف رغبتك في الطاعات، فإن وجدت مجلسا يذكر الله فيه، فلا تفارقه فإنه غنيمة المؤمن.

الفائدة الثالثة: الخلاص من الفتن والخصومات، وصيانة الدين عن الخوض فيها، فإنه قلما تخلو البلاد من العصبية والخصومات، والمعتزل عنهم سليم.

وقد روى ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الفتن، ووصفها وقال: "إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم (١)، وخفت أماناتهم، فكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، فقلت: ما تأمرني؟ فقال: "الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة، ودع أمر العامة".

وقد روى غير ذلك من الأحاديث في معناه.

الفائدة الرابعة: الخلاص من شر الناس، فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة، ومرة بالنميمة، ومرة بسوء الظن، ومرة بالتهمة، ومرة بالأطماع الكاذبة، ومن خالط الناس لم ينفك من حاسد وعدو، وغير ذلك من أنواع الشر التي يلقاها الإنسان من معارفه، وفى العزلة خلاص من ذلك، كما قال بعضهم:

عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب

فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب

وقال عمر رضي الله عنه: في العزلة راحة من خلطاء السوء.

وقال إبراهيم بن أدهم: لا تتعرف إلى من لا تعرف، وأنكر من تعرف.
وقال رجل لأخيه: أصحبك إلى الحج؟ فقال: دعنا نعش في ستر الله، فإنا نخاف أن يرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.

وهذه فائدة أخرى في العزلة، وهى بقاء الستر على الدين والمروءة وسائر العورات.

(١) يقال: مرجت عهودهم: إذا اختلطت، ومرج العهود: اضطرابها، وقلة الوفاء بها.

الفائدة الخامسة: أن ينقطع طمع الناس عنك، وطمعك عنهم.

أما طمعهم، فإن رضاهم غاية لا تدرك، فالمنقطع عنهم قاطع لطمعهم في حضور ولائمهم وإملاكاتهم (١)، وغير ذلك.

وقد قيل: من عم الناس بالحرمان رضوا عنه كلهم.

وأما انقطاع طمعك، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا تحرك حرصه، وانبعث بقوة الحرص طمعه، ولا يرى إلا الخيبة في أكثر المطامع فيتأذى.

وفى الحديث: "انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".

وقال الله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾ [طه: ١٣١].

الفائدة السادسة: الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى، ومقاساة أخلاقهم، وإذا تأذى الإنسان بالثقلاء، لم يلبث، أن يغتابهم، فإن آذوه بالقدح فيه كافأهم، فانجر الأمر إلى فساد الدين، وفى العزلة سلامة من ذلك.

٢ - فصل في آفات العزلة

اعلم: أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير، ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة.

ومن فوائد المخالطة: التعلم والتعليم، والنفع والانتفاع، والتأديب والتأدب، والاستئناس والإيناس، ونيل الثواب في القيام بالحقوق، واعتياد التواضع، واستفادة التجارب من مشاهدة هذه الأحوال، والأحوال، والاعتبار بها، فهذه فوائد الخلطة، ولنفصلها:

الفائدة الأولى: التعلم والتعليم، وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم، فأما من تعلم الفرض ورأى أنه لا يتأتى منه الخوض في العلوم، ورأى الاشتغال بالعبادة، فليعتزل، وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران

(١) الملاك لأملاك: التزويج وعقد النكاح.

ولهذا قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل، والعلم أصل الدين، ولا خير في عزلة العوام.

سئل بعض العلماء: ما تقول في عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، فقيل له: فالعالم؟ فقال: مالك ولها، دعها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها (١).

وأما التعليم، ففيه ثواب عظيم إذا صحت النية فيه، ومتى كان القصد إقامة الجاه والاستكثار من الأتباع، فهو هلاك الدين، وقد سبق ذلك في كتاب العلم، والغالب في هذا الزمان سوء القصد من المتعلمين، فيقتضي الدين الاعتزال عنه، ولا يحل كتمان العلم، ولا ينبغي أن يغتر بقول من قال: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، فإنه أشار بهذه إلى علوم القرآن والحديث ومعرفة سير الأنبياء والصحابة، وذلك يتضمن التخويف والتحذير، وهو سبب لإثارة الخوف من الله سبحانه، فإن لم يؤثر في الحال أثر في المال، فأما علم الكلام وعلم الخلاف، فإنه لا يرد الراغب في الدنيا إلى الله تعالى، بل لا يزال صاحبة متماديا في حرصه إلى آخر عمره.

الفائدة الثانية: النفع والانتفاع، أما الانتفاع بالناس، فبالكسب والمعاملة، والمحتاج إلى ذلك مضطر إلى ترك العزلة، وأما إن كان معه ما يقنعه، فالعزلة أفضل، إلا أن يقصد التصديق بكسبه، فذلك أفضل من العزلة، إلا أن تكون العزلة مفيدة له معرفة الله تعالى والأنس به، عن كشف وبصيرة، لا عن أوهام وخيالات فاسدة.

وأما النفع: فهو أن ينفع الناس، إما بماله أو ببدنه لقضاء حوائجهم، ومن قدر على ذلك مع القيام بحدود الشرع، فهو أفضل من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنية، وإن كان ممن انفتح له طريق العمل بالقلب بدوام ذكر أو فكر، فذاك الذي لا يعدل به البتة.

(١) شبه عزلة العالم بالإبل التي معها حذاؤها وسقاؤها، يريد أنها تقوى على المشي وقطع الأرض وقصد المياه ووردها ورعى الشجر والامتناع عن السباع المفترسة، شهت بمن كان معه في السفر حذاء وسقاء، وهكذا العزلة إذا كانت من العالم.
فإنه يكون أمينا على نفسه من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
عدؤاها وسقاؤها.

والمجاهدة في تحمل أذاهم، وكسر النفس، وقهر الشهوة، وذلك أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه.

وينبغي أن يفهم أن الرياضة لا تراد لنفسها كما لا يراد ذلك من رياضة الدابة، بل المراد منها أن تتخذ مركبا تقطع عليه المراحل، والبدن مطيه يسلك بها طريق الآخرة، وفيها شهوات إن لم تكسر جمحت براكبها في الطريق، فمن اشتغل طول عمره بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمره برياضة الدابة ولم يركبها، ولا يستفيد إلا الخلاص من عضها ورفسها، وهى لعمري فائدة، ولكن ليست معظم المقصود، قيل لراهب: يا راهب، فقال: لست براهب، إنما أنا كلب عقور، حبست نفسي حتى لا أعقر الناس، وهذا حسن بالإضافة إلى من يعقر، من يعقر، لكن لا ينبغي أن يقتصر عليه.

وأما التأديب: فهو أن يؤدب غيره، ويتطرق إليه من دقائق الآفات ما يتطرق إلى نشر العلم على ما ذكره.

الفائدة الرابعة: الاستئناس والإيناس، وقد يكون مستحبا كالاستئناس بأهل التقوى وقد يقصد به ترويح القلوب من كرب الوحدة، فينبغي أن يكون الاستئناس في بعض الساعات بمن لا يفسد بقيتها، وليحصل أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين.

الفائدة الخامسة: في نيل الثواب وإنالته.

أما الأول فبحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وحضور الإملاكات، والدعوات، ففيها ثواب من جهة إدخال السرور على المؤمن.

وأما الثاني: فهو أن يفتح بابه للناس ليعزوه أو يهنوه أو يعودوه، فإنهم ينالون بذلك ثوابا، وكذلك إن كان من العلماء فأذن لهم في زيارته.

ولكن ينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها، فيرجح العزلة أو المخالطة، وقد كان أكثر السلف يؤثرون العزلة عليها.

الفائدة السادسة: التواضع، ولا يقدر على ذلك في الوحدة، فقد يكون الكبر سببا في اختياره العزلة، ويمنعه في المحافل التقصير في إكرامه وتقديمه، وربما ترفع عن مخالطتهم لارتفاع محله عند نفسه، أو نحو ذلك.

وعلامة من هذه صفته أن يحب أن يزار ولا يحب أن يزور، ويفرح بتقرب السلاطين والعوام إليه واجتماعهم على بابه، وتقبيل يده، فالعزلة بهذا السبب جهل، لأن التواضع لا يغض من منصب الكبير.

فإذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله، وإلى الخليط وحاله، وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته من الفوائد، ويقاس الفائت بالحاصل، فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل.

فقد قال الشافعي رحمه الله: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة للسوء، فكن بين القبض والبسط، ومن ذكر سوى هذا فهو قاصر، وإنما هو إخبار عن حاله، فلا يجوز أن يحكم بها على غيره المخالف له في الحال.

فإن قيل: فما آداب العزلة؟

قلنا: ينبغي للمعتزل أن ينوى بعزلته كف شره عن الناس، ثم طلب السلامة من شر الأشرار، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين، ثم تجريد الهمة لعبادة الله تعالى أبدا، فهذه آداب بينة.

ثم ليكن في خلواته مواظبا على العلم والعمل، والذكر والفكر، فيجتنى ثمرة العزلة وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته ليصفو وقته، وليكف عن السؤال عن أخبارهم، وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد وما الناس مشغولون به، فإن جميع ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في أثناء الصلاة، فوقع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض، وليقنع باليسير من المعيشة، وإلا اضطره التوسع إلى مخالطة الناس.

وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الناس، ولا يصغي إلى الثناء عليه بالعزلة، ولا القدح فيه بترك الخلطة، فإن ذلك يؤثر في القلب فيقف عن السير في طريق الآخرة.

وليكن له جليس صالح يستريح إليه ساعة عن كد المواظبة، ففى ذلك عون على بقية الساعات، ولا يتم الصبر في العزلة إلا بقطع عن الدنيا، ولا ينقطع طمعه إلا بقصر أمله، فيقدر أنه إذا أصبح لا يمسي، وإذا أمسى لا يصبح، فيسهل عليه صبر يوم.

وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر متى ضاق عليه قلبه من الوحدة، وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به، لم يطق وحشة الوحدة بعد الموت، وأن من انس بذكر الله ومعرفته لم يزل الموت أنسه، لأن الموت لا يهدم محل الأنس والمعرفة، كما قال الله تعالى في حق الشهداء: ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [سورة آل عمران: ١٦٩] وكل متجرد لله في جهاد نفسه، فهو شهيد، كما ورد عن بعض الصحابة أنه قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.


فصول الكتاب · 25 فصل · 408 صفحة
الانتقال إلى صفحة
مختصر منهاج القاصدين
تأليف نجم الدين ابن قدامة المقدسي
تقدّمك في الكتاب: كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلك — 11 من 27
فصول مختصر منهاج القاصدين · 408 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة بقلم العلامة الشيخ محمد أحمد دهمانكتاب العلم وفضله وما يتعلق بهكتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بهاكتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق بهكتاب الحج وأسراره وفضائله وآدابه ونحو ذلككتاب آداب القرآن الكريم وذكر وفضلهكتاب الأذكار والدعوات وغيرهاكتاب النكاح وآدابه وما يتعلق بهكتاب آداب الكسب والمعاش وفضله وصحة المعاملة وما يتعلق بذلككتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلككتاب آداب السفركتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكركتاب شرح عجائب القلوبكتاب رياضة النفس وتهذيب الخلق ومعالجة أمراض القلوبكتاب كسر الشهوتين: [شهوة البطن وشهوة الفرج]كتاب آفات اللسانكتاب ذم الغضب والحقد والحسدكتاب ذم الجاه والرياء وعلاجهما وفضيلة الخمول وغير ذلككتاب ذم الكبر والعجب وهما فصلان:
كتاب الغرور وأقسامه ودرجاته
كتاب الرجاء والخوفكتاب الزهد والفقركتاب التوحيد والتوكل
كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى
جارٍ التحميل